|
القمة أمام خيارين: الاجترار او
الاختراق
|
الهدف
الثقافي : كلوفيس مقصود |
الأحد 16 مارس 2008 23:01 GMT |
رافق الذكرى الخامسة للغزو الاميركي - البريطاني للعراق الكثير من
التطورات والتحديات التي تواجه الامة العربية اجمالا والتي لا مفر من
انها في صلب المعالجة التي سوف تكون محور قرارات القمة المنوي عقدها في
دمشق اواخر هذا الشهر، كما ان التحديات التي تواجه العرب في هذه
المرحلة بالذات، الى كونها مصيرية بالمعنى الحرفي، هي ايضا شديدة
التعقيد وتزداد تفاقما وترابطا في ما سميناه "المثلث المأزوم": العراق،
فلسطين، لبنان، ناهيك بالصومال ودارفور وكلها من النوع الذي يهدر طاقات
الامة العربية في سعيها الى انجاز برامج التنمية الانسانية كما الامن
القومي، فضلا عن التكامل الاقتصادي والاهتمام بالقضايا الاجتماعية
والتعليمية ومستقبل الثقافة وسط عالم يترجح بين العولمة والتفكك.
المنطق يفرض ان تكون الامانة العامة لجامعة الدول العربية اعدت
الدراسات لمعظم هذه الملفات لتكون الدول الاعضاء تعرضت لقراءة واحدة
مما يرجح تعزيز وحدة المواقف، وتقليص التباينات والتناقضات حتى تبقى
الدول العربية بمنأى عن التدخلات السافرة التي مكنت المتربصين بالحقوق
القومية من الحيلولة دون صيرورتها وبالتالي تأجيج النزاعات وجعل
الاستباحة التي نختبرها في العديد من الاوطان مدخلا لاستنزاف صدقية ما
نعلنه من قرارات ومن امعان في التفتيت داخل مجتماعاتنا وبالتالي جعل
العجز العربي مرادفاً "للواقعية العربية".
•••
في ما يتعلق بالشكل علينا اعادة طرح السؤال: لماذا القمة في دمشق؟
الجواب ان القمة دورية عادية كل عام وهي مداورة بين العواصم العربية.
لذلك مهما تباينت المواقف من سوريا فهذا لا يشكل ويجب الا يشكل ذريعة
اما لمقاطعة القمة او لتدني مستوى التمثيل كون الدولة المضيفة للقمة لا
صلاحية لها لتحديده وعلى اي مستوى تتم الدعوة. من هذا المنظور فالدعوة
الى مقاطعة القمة كتعبير عن موقف مناوىء لسوريا لا يكون في مكانه لان
حضور القمة حق لكل دولة عضو في الجامعة تماما مثل حق كل دولة في العالم
بالمشاركة في الامم المتحدة رغم مواقف دول عديدة معارضة وحتى معادية
لسياسات الولايات المتحدة كونها دولة المقر للمنظمة الدولية. فدعوة
رئيس "اللقاء الديموقراطي" الى مقاطعة القمة لا علاقة لها بضرورة وحق
لبنان في المشاركة وحبذا لو تكون على مستوى رئيس الجمهورية. واذا كانت
هذه الملاحظة تبدو "شكلية" الا انها تتقاطع مع شرعية الدولة اللبنانية
وحقوقهافي ابداء رأيها في جميع القضايا وبالتالي ان يكون اسهامها
مكوّناً في القرارات الصادرة عن القمة. فرئاسة القمة مسؤولة عن ايصال
القرارات الصادرة مثلما هي وليس لرئاسة القمة أي صلاحية في التفسير من
خلال فصل رئاسة مؤسسة القمة عن رئاسة الدولة. ونشير الى هذا التوضيح كي
نزيل اي التباس قد يؤول الى اي انتقاص لضرورة المساهمة اللبنانية مثلما
دأبت عليه منذ قيام الجامعة العربية. لذا وجدنا انه من الضرورة التفكير
بهذه المسلمات نظرا لاخراج المشاركة في القمة من حيز جدال سياسي لحق
قانوني.
ان تعريض مؤسسة القمة لتجاذبات سياسية من شأنه ان يجذب استباحة تتضمن
تدخلات فائقة في صفاقتها كدعوة ادارة الرئيس جورج بوش "التريث" في حضور
القمة في دمشق وهذا تجاوز استفزازي حتى لمن لديهم تحفظات ازاء بعض
مواقف النظام السوري. وان يحصل هذا التدخل عشية انعقاد القمة لهو نوع
آخر من سوء قراءة للحالة العربية ولعمق الاستياء من سياساتنا وتميزاتها
بين شعوب الاوطان العربية. وهذا الاستفزاز المنفر يجب ان يرد عليه بأن
تكون القمة على مستوى قمة. لان الاستباحة اذا استمرت على هذا المنوال
فانها تتيح لنائب مستشار الامن القومي الاميركي اليوت ابرامز في مناسبة
تكريمية، اقامها السفير اللبناني في واشنطن ان يسمح لنفسه بوصف السفارة
اللبنانية في واشنطن اثناء ادارة السفير فريد عبود بكونها" مكتباً
عربياً لسوريا". هذا يشكل لا مجرد تجاوز وقح بل اعتداء فاضح على كرامة
السفارة اللبنانية مهما تكن اجتهادات اللبنانيين انفسهم في اداء
سفرائهم. هذا الاستفزاز لا بد ان يرد عليه بشكل قاطع وحاسم ويشكل هذا
التدخل "سابقة توفر الاستباحة لكرامة التمثيل وسيادة البعثات
الديبلوماسية. واذا كان لهذا المسؤول عن منطقة الشرق الاوسط في البيت
الابيض ان يعبّر عن رأيه فيستطيع ان يدلي به خارج ارض سيادية للبنان،
كما ان التوصيف من هذا المسؤول لسفارة لبنان في عهد سابق يجب ان يستدعي
اعتذاراً لوزارة الخارجية اللبنانية ولسفارة لبنان في واشنطن. ولا بد
من التذكير بأن على المواطنين ألا يجعلوا خلافاتهم مبرراً للتفلت من
ضوابط الالتزام بوحدة الوطن حتى لا تصبح وقاحات التدخل المهني صدى
لانعدام مسؤولية الكلام المتداول.
صحيح ان ما يبدو تركيزا على بعض الشكليات انما هو في كونه يتقاطع بشكل
عملي مع اسس ومناخات التعامل مع الازمات التي من شأنها ان تتيح ترجيح
الحساسيات على حساب رسم السياسات وهذا ما يفسر النواقص، التي اعاقت
تفعيل قرارات القمة وشلت قدرة العمل العربي المشترك على ايجاد الثقة
بجدية الالتزام لمتابعة تنفيذ بنود القرارات والتعبئة الشعبية لدعم
مفاعيلها مما يفسر الفجوة بين النظام السائد وفئات الشعب في مختلف
الاقطار العربية. لذلك فعندما نشدد على مظاهر الاستباحة والتدخلات
السافرة فلكي نشير الى فقدان المناعة في الجسم القومي للأمة بحيث ان
الاستهانة بمشاعر الشعوب وتطلعاتها وقمم السلطة وعدم الاجازة للمشاركة
وان بشكل غير مباشر في حق المساءلة وتوفير فرص ايصال الرأي السائد الى
صانعي القرار يجعل القرارات غير مدعومة بما فيه الكفاية وبالتالي غير
مفهومة مما يجعلها قابلة للتبني.
* * *
من هذا المنظور ان متابعة قرارات القمة تكون في معظم الاحيان متقطعة
ومساعيها لايجاد حلول، كما في الحالة اللبنانية، متعثرة، والتعبئة
بالمستوى المطلوب غير متوافرة والمتابعة لملاحقة آخر الاجراءات اللازمة
بتنفيذها غير منتظمة، وان انضاج قرارات القمة وقرارات الجامعة العربية
تتطلب مجهودا فكريا وتحليلاً دقيقاً للخيارات المتاحة ودراسة للبدائل
المتعددة وتحديداً للاولويات وجعل التنسيق بين الدول العربية ملزما،
وان تسعى الامانة العامة الى توفير قراءات مشتركة للتيارات السياسية
والاقتصادية خدمة للدول الاعضاء كي يتعودوا على النصوص مضافة الى
اجتهادات خاصة، عندئذ تتضاءل الفوارق وتصبح ظروف وحدة السياسات اكثر
ملاءمة فتقفل الثغر التي توفر فرص الاختراق وبالتالي العجز على
المتابعة لكون غياب التنسيق الملزم، يجعلنا لا نأخذ اي قرار عربي على
محمل الجد ويبقى فقدان المناعة العامل الجاذب للاستباحة.
وهذا يفسر كيف غاب العرب عن المسؤولية الجماعية لانقاذ العراق، وكيف
اتحنا ان ينزلق العراق في اتون الحروب الاثنية والطائفية بدون اي سياسة
قومية توفّر حوافز الوحدة الوطنية للمواطنية العراقية ثم كيف نجد ان
مؤسسات الاحتلال الاميركي تقول انها غير راضية عن اداءات الحكومة
العراقية ورغم ما تدعيه من تحسن في الحالة الامنية. ثم ليست متوافرة
حتى هذه اللحظة بعد خمس سنوات من العدوان صيغة عربية جماعية لهندسة
المستقبل العربي، بل نجد انفسنا مضطرين الى ان نشهد امساك الولايات
المتحدة وايران بمفاصل التجاذبات. ولعل القمة تستطيع ان تعيد الى
المنطقة القومية دورا في دولة مؤسسة لها يمكّنها من الخروج من حالة
الارتهان للولايات المتحدة وبخاصة ان ثمة احتمالاً ان تسعى الادارة
الجديدة الى تصحيح نتوءات الغزو ونتائجه الكارثية للعراقيين وكذلك
للقوات الاميركية وللاقتصاد في ازمته الراهنة. ولعل دراسة مستفيضة من
شأنها ان تنير طريقه القمة نحو قرارات ناجعة لانقاذ العراق من براثن
التقسيم والتقاسم ومن ضرورة اعلاء قدرة المقاومة النابذة للارهاب
المشوه لاستقامة قوى الممانعة.
* * *
ان المأزق الذي يسببه عدم انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان، رغم التوافق
عليه، يفسر نقصاً فاضحاً في طبيعة "المبادرة" العربية كونها لو كانت
اكثر احاطة بتعقيدات الأزمة اللبنانية لكانت طالبت بالانتخاب الفوري
للعماد ميشال سليمان وان يعين حكومة انتقالية لفترة زمنية محددة، لا
الاصرار على الاشتباك الحاد بين الاكثرية والمعارضة كونه كان واضحا ان
"حكومة وحدة وطنية" لم تكن ناضجة مطلقا لان قوى خارج لبنان كانت ولا
تزال تعمل على التحريض المتبادل وبالتالي تعطيل المبادرة. لذلك ولعل
قبل انعقاد القمة، يجب انتخاب الرئيس فورا وقيام حكومة حيادية مرحلية
موقتة قبل القمة حتى يستقيم التمثيل اللبناني وينطلق من ممارسته
للسيادة المساهمة في القرارات المصيرية حتى لا يصبح فراغ الرئاسة
اللبنانية ثغرة من شأنها تعطيل اي قرار.
* * *
اما البند الفلسطيني – وقد شاهدنا بالامس غياب وزير الحرب الاسرائيلي
ايهود باراك عن الاجتماع الثلاثي لمعاودة "التفاوض"، وقد سبق الاجتماع
فرض مزيد من المستوطنات وقد علُق عليها كونها "غير مساعدة" لمسيرة
"السلام" مما يجعل القمة حاجة لانقاذ القضية الفلسطينية من ارتهاناتها
المتأمركة ومراهناتها على "الرباعية". وهذا يفرض على القمة العربية ان
تعيد النجاعة والفاعلية الى اتفاق مكة او ما يشابهه لأن تعامل "السلطة"
مع اسرائيل بدون وحدة متماسكة مع "حماس" يجعل ثقل القضية الفلسطينية
معطوباً وهذا يحولها في نظر راعي مسيرة السلام قضية انسانية محض. كما
ان على القمة ان تأخذ اجراءات تجعل عدوان اسرائيل وخروقاتها مكلفة بشكل
ينتزع لا مجرد الاحترام لجدية الالتزام بحقوق الشعب الفلسطيني بل يدفع
المجتمع الدولي الى الاستجابة وإن تدريجا الاسراع في ردع اسرائيل في
استمرارها المتمادي في اجهاض خيارات السلام العادل الموثق في قرارات
الشرعية الدولية. واذا لم تؤخذ قرارات عقابية فسوف نواجه باسرائيل
اليهود وباسرائيل بدون حدود.
* * *
ان كل هذه القضايا تتطلب اخراج العمل العربي من الحضيض الراهن، والا
كان فشل القمة هذه المرة ان القاع صار هاربا من الحضيض!!
لذا اذا بقيت الحالة بعد انعقاد القمة مثلما هي الآن فلعل تأجيلها قد
يكون اجدى من انعقادها في "يوم الارض" الفلسطيني في 30 آذار الجاري.
يوم الارض هو يوم للذاكرة وللتذكير.
التعليقات
|