ما لي أُكتِّمُ حبّاً قد برى جَسَدي
وتدّعي حبَّ سيف ِ الدولةِ الأممُ
فوجئ ، فوجئ صاحبي إذ إستقبلته أقرأ عليه بيته الشعري هذا . إمتعض
فإعترض قائلاً : ألهذا دعوتني وأغريتني بالمجئ إلى عالمكم المضطرب
الحائر المائر والجائر تاركاً مشاغلي الأخرى على كوكب المريخ ( مارس )
؟ قلتُ كلا ، بل لأمور أخرى ما أحسبها إلا واقعة في الصميم من دوائر
إهتمامات أبي الطيّب المتنبي . قال عن أية إهتمامات تتكلم يا صاحبي ؟
لم أعدْ بعد إنتقالي إلى العالم الآخر أهتم بشئ في دنياكم . قلتُ لديَّ
أسئلة لأبي الطيب ، تخص بعض شعره . قال مثلاً ؟ حول بعض ما جاء في
قصيدتك الشهيرة [ الخيلُ والليلُ ... ] . مثلاً ، كرر سؤاله ؟ وجدتُ
فيها أموراً شتى متباينة فكيف تهيأ لك أن تجمع خلائط لا يجمعها عادة
جامع طبيعي . مثلاً ، قال ؟ وجدتُ في هذه القصيدة الحب الحقيقي والفخار
بالنفس المتطرف في الإفراط ، ثم الحرب والبطولات ، ثم الهجاء المقذع
لبطانة سيف الدولة الحمداني في حلب وكان فيهم إبن عمه الشاعر أبو فراس
الحمداني . كيف تسنى لك وضع كل هذه الأمور في قصيدة واحدة أنشدتها لسيف
الدولة فأغاضه بعض ما جاء فيها حتى تطاول لأول مرة عليك أمام الحضور
فرماك بدواة حبر أو مفتاح باب ضخم ؟؟ قال أما الحب فلا ... لم أتغزل
ولم أمارس النسيب والتشبيب كما يتغزل المتغزلون بمن يحبون . قلتُ بلى ،
تغزلتَ بأميرك سيف الدولة لكأنك كنت توجه خطابك لحبيبة نادرة المثال لا
لرجل مثلك وربما في مثل سنك . قال مثلاً ؟
البيت إياه الذي ما إستقبلتك إلا به { ما لي أكتِّمُ حباً قد برى جسدي
// وتدّعي حبَّ سيفِ الدولةِ الأممُ } .. فأي حب هذا الذي يُبري ويُضني
جسد شاعر إنْ لم يكنْ حباً وهوى عاصفاً وغراماً لاهباً ملتهبا ً ؟؟ قال
قد إشتططتَ يا هذا وذهبتَ بعيداً في ظنونك وتفسيرك وفهمك للمناسبة التي
قرأتُ فيها هذا الشعر . إنها ليست مسألة ظنون يا متنبي ، كان كل شئ
واضحاً تمام الوضوح ولا يحتاج إلى مزيد من التخريجات والتبريرات ، هل
أقرأ البيتَ عليك للمرة الثالثة ؟ قال كلا ، ليست بي حاجة لأن أسمعه
للمرة الثالثة ... مرة واحدة تكفيني . هل أواظب على متابعة غزلك وحبك
العارم والعرمرم في هذه القصيدة ؟ قال ليس من بأس عليك ، واظب . إسمعْ
:
واحرَّ قلباه ممن قلبهُ شَبِمُ
ومَن بجسمي وحالي عندهُ سَقَمُ
إبتسم ضيفي على مضض وكان شديد الغرابة في بسمته تلك . سألته هل إقتنعتَ
يا شاعر ؟ قال إنَّ المسألة برمتها ليست مسألة قناعة ، إبتسمتُ لأنك
وضعتني وجهاً لوجه أمام أمرين وردا بالتتابع في البيت الأول والثاني من
هذه القصيدة فشعرت ببعض الحَرج . ما هما يا متنبي ؟ تكلّمتُ في البيت
الأول عن الجسم وحال السًقم فيه ، وتعرّضتُ في الثاني للجسد وكيف يبريه
الحب ويُضنيه . هناك سَقمٌ وهنا ضنى . سألته وما الفرق بين السقم
والضنى ( الإبراء ) ؟ قال هو الفرق بين الجسم والجسد . السقم مرضٌ ،
أمر مادي ملموس ، أما الضنى فإنه امر روحي ، يختص بروح الإنسان ، أي
أعماقه السحيقة الشديدة الغموض . هل تعني يا متنبي أنَّ الروحَ منقطعة
ومختصة بأجساد البشر لا بأجسامهم ؟ قال تلك هي مشكلتي ، كانت ولم تزل ،
وطالما إستغرقتني تفكيراً وتمحيصاً فلم أبلغ غايتي منها . أنا كما تعرف
لستُ طبيباً كما إني لستُ فيلسوفاً ، فكيف يتسنى لأمثالي حل مثل هذه
الألغاز التي حارت البشرية منذ أقدم العصور بها ؟ تركتُ المتنبي يدخّن
ويشرب الشاي وإنصرفتُ أردد مع نفسي (( الروح للجسد والجسد للروح ...
لكنْ ، ما موقف الروح من الجسم ؟ )).
لا من جواب !! لا أحسب أنَّ في الأمر من خلاف : الجسمُ هو الجسد وهذا
هو ذاك ... خوجة علي = ملّةّ علي . لا تميز لغات العالم الأخرى بين جسد
وجسم ، لكنها تميز فقط بين الروح أو النفس من جهة ( وهذه معضلة أخرى
قائمة بذاتها ) وجسم الإنسان الذي يحرقونه بعد الموت من جهة أخرى
ويدّعون بقاء الروح خالدة تصعد إلى الأعالي للقاء بارئها ... يقولون
ويدّعون . المتنبي صاحبي حكيمٌ إذا ً وليس فيلسوفاً ، شاعرٌ وليس
طبيباً . لاحظ ضيفي شرودي فسألني : إلى أين أخذتك أفكارك وظنونك ؟ لا
أدري إلى اين يا متنبي ، لا أدري أين كنتُ في هذه السياحة القصيرة ...
فلقد غدوتُ أخيراً دائم السياحة والشرود بل والتشرد . قال معك حق ، كل
ما حولك يدعوك بل ويضطرك إلى التشرد وخاصةً ما يجري أمامك في العراق من
مسائل وأمور عظام كبيرة . قال هل من مزيد حول الحب في قصيدتي التش
شغلتك طويلاً على ما يبدو ؟ أجلْ ، أجلْ يا متنبي ، بيت ثالث فيها
يندُّ عن حب عميق وود ليس كالود بين الأصدقاء الخُلَّص ، بل ود الحبيب
للحبيب . قال لعنك الله ، ما تنفكُّ تلاحقني بصغائري وكبائري فمتى ـ
قلْ لي ـ تريحني وتترك شأن الشعر وما قلتُ فيه ولمن قلتُ ؟ قلتُ ما
قلتُ في زمانه وكنتُ أعرف تفسير ومناسبة ما قلتُ في ذلكم الزمن ، لقد
مر الزمان وحمل معه تفسيراته فدعها تمر معه لأنني اليومَ أعجز عن تفسير
ما قلتُ في سالف الزمان ... مع ذلك ، واصل كلامه ، أنشدْ ما تريد أن
تنشد ولا سيّما البيت الثالث الذي يدور في رأسك :
ضحك المتنبي ثم قال يا خبيث ... قبّحك ربّك ...أفي هذا البيت حب وهوس
وغرام ؟ نعم يا متنبي ، فيه كل ذلك وأكثر . ضحك مرةً أخرى وكان في غاية
السرور ثم علّق قائلاً : يصلح مضمون هذا البيت أن يُقال لصديق عزيز
أثير كما يصلح أن يقال في حبيب ! هل إقتنعتَ ؟ كلا ، لم أقتنع ْ . قال
لا تقتنعْ ، لكم دينكم وليَ ديني !! ليست المسألة مسألة قناعة ودين يا
رجل ، إني أربطه بما جاء في البيتين السابقين فلا أراه إلا من نفس
الطينة والطبيعة والمعنى جاء في الأخير ليتمَّ ما ذهبتَ إليه في مطلع
القصيدة . كنتَ في البداية فوّاراً مشتعلاً حباً وعاصفاً في مشاعرك
تجاه ممدوحك ، لكنك وقد أخذتك القوافي وأطلتَ قصيدتك شعرتَ بالتعب فجاء
البيت الثالث معتدلاً بعض الشئ متواضع الإلتهاب مقبول الحرارة فإختلف
عن سالفيه . قال معك حق ، هكذا كان الحال .
بعد قيلولة قصيرة وتناول قليل من الطعام قال صاحبي سأغادر بيتك على أن
تزورني غداً بعد الظهر في مكان إقامتي هناك بعيداً على سطح كوكب الحرب
( مارس ) . قلت لا من مانع على أن تستمع إليَّ ريثما أقول لك شيئاً آخر
تبّقى معي في أجندة [ برنامج ] هذا اليوم الغائم جزئياً / الصاحي
جزئياً مع شمس خجول لا تظهر قليلاً حتى تتوارى بين وخلف الغيوم . قال
وهو يهم بالوقوف لكي يرتدي سترته قلْ على عجل فالوقتُ يتداركني. فهمت
أنَّ صاحبي لا يود مناقشة أمر آخر جديد أو ليس مستعداً أساساً لمناقشته
بعد أنْ وضعته أمام إمتحان عسير ولم أراعِ متطلبات حسن الضيافة . على
أية حال ، أسئلتي التي لا حدَّ ولا حدود لها في الحياة شئ ومستلزمات
ومتطلبات الضيافة شئ آخر ، أمران مختلفان لا يتقاطعان ولا ينقض بعضهما
بعضاً : يا متنبي وأنتَ مقدمٌ على سفر طويل ، قلْ لي والرحم لأبيك ثم
لك ، لماذا ضخّمتَّ وشددتَ على الفعل كتمَ يكتمُ في أول بيت قرأته
اليومَ عليك مبالغةً في الكتمان والعاشق لا يكتم بل ولا يستطيع أن
يكتمَ هواه وهيامه مما يفضي ببعض العشاق كما تعلم إلى حالة الجنون ولك
عِبرة بزميلك الشاعر قيس إبن الملوَّح ... فقد قلتَ [[ ما لي أُكتِّمُ
حباً قد برى جسدي ]] ؟؟ أهي ضروة الشعر ، أعني ضرورة الحفاظ على سلامة
إيقاع وزن القصيدة ؟ قال كلا ... لو كان الوزن هو السبب لكان بإمكاني
القول [[ ما لي أُخبئ ُ حباً قد برى جسدي ... ]] بدلَ [[ أُكتمُ حباً
]] ... على سبيل المثال . ما أنْ إنتهى من هذا الشرح حتى توارى كشمس
هذا اليوم خلف حجاب كثيف من الغيوم الخريفية ... غيوم الشهر العاشر ،
أكتوبر ، تشرين الأول .