ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا

الهدف الثقافي // 13-011-2007

 عبد اللّطيف الوراري

 

نصوص اخرى

 

 

حوار مع الكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو

 



يوجَد اليوْم جيلُ الشرّ والكتابة يمكنها فقط أنْ تغيّر المستقبل!

ترجمة عبداللّطيف الوراري: الكاتب وعالم السيميائيات الإيطالي، مؤلّف الكتب المنشورة الأكثر مبيعاً في العالم بأسره، يُفضي، هنا، بتأمّلاته الرّصينة حول اهتماماته القديمة الجديدة الّتي، دائماً، ما كانت عنده "ذات اعتبار".
بمناسبة صدور كتابيْه الأخيريْن، الأوّل حول التّرجمة بعنوان "قول الشّيء نفسه تقريباً" 1)، والثّاني، المزيّن بصُوَرٍ في غاية الأناقة، يهمُّ "تاريخ القبح"2)، يقدّم إمبرتو إيكو U. Ecoرؤيته للتّرجمة ليس كنظريّة، بل كسلسلة "تجارب في الترجمة"من حيث أنّ العمل نفسه يستجلي، عبرها، مبادئ عامّة؛ومن جهةٍ أخرى، يتحدّث، بعد "تاريخ الجمال"، عن تاريخٍ للقبح من القديم حتّى هذا العصر الّذي يشبّهه بسقوط الإمبراطوريّة الرّومانية,هكذا فالتّرجمة تزيد، دائماً، عن كونها ترجمة، و القبح لا يمكن الحديث عنه بدون أنْ يُحال على الْجَمال.
في هذا الحوار، الذي أجراه معه جان - مارك باريسي بالفيغارو ماغازين بداية هذا الشّهر، يستدعي إيكو، بخبرة الموسوعيّ وحرصه على الإستقصاء، الأنترنت، مستقبل الكتابة، السّرعة، الحرب الباردة، الرّوك، التلفزيون، جورج كلوني، جيروم بوش، الشّر والخير ثمّ، بطبيعة الحال، الإمبراطورية الرّومانية. هو ذا نصّ الحوار:
ــ تقول إنّ المترجم عليْه أن يعرف كيف "يتفاوض".
ـ إيكو: من المستحيل التّرجمة، بمنتهى الإتقان، من لغة إلى لغة، إذ لا يوجد قطعاً ترادفٌ دقيق في الكلمات. وكما في عنوان كتابي "قول الشّيء نفسه تقريباً" فإنّ التفاوض يتمّ هُنا، في لفظة "تقريباً". وليست وحدها الإشكالية. بل ما هو "الشيء" الّذي نترجمه؟ هل نترجم مجموعة كلمات أو شيئاً مّا أعمق؟ . تصوّروا أنّ الكاتب لأجل أن يرسم غباء الشخصيّة عليه أن يلعب بالكلمات بوجْهٍ سخيف. ونحن لمّا نترجم لعبة الكلمات هل ندري أنّها، عموماً، غير قابلة للتّرجمة؟ كلّا. هذا ال"شّيء" إنّما هو بلادة الشّخصيّة. فعلى المترجم، إذن، أن يعثر على لعبة أخرى للكلمات، معادِلة. وكما يظهر فإنّ لا أحد يكون وفيّاً للنصّ الذي ينطلق منه. في العمق، يمكن..، لأنّ "الشّيء" لن يكون لعبة الكلمات الأصليّة، بل لعبة للكلمات بوصفها تكشف عن بلادة الشخصيّة.

ــ ينتمي التّفاوض إلى سجلّ السياسة...
ـ إيكو: أصبحت مقولة التّفاوض مركزيّة في علم الدّلالة كما في السّياسة. ليس هناك قيمةٌ لحقيقةٍ مطلقة. نحن، دائماً، نتفاوض، وكلّما جعلْنا ذلك بيننا مشاعاً كان أفضل.

ــ هل دقّقت إنْ أمكن؟
ـ إيكو: عندما لا نتفاوض نشعل الحرب. وقد كان التّفاوض أحد الأمثلة الّتي ميّزت الحرب الباردة. في العصر تشتغل الكتلتان هكذا: "أنا لا أضع الأقدام هنا، لكن أنت تسحبها من هنا"، أو: "أنا أحدّ من سلاحي النّوويّ، لكن أنت توقف تصنيعها". إنّه شكلٌ من التّفاوض الصّامت، الضمنيّ. اليوم، فقدنا هذا المعنى من التّفاوض، وعدنا إلى سياسة "فوهات المدفع"، إلى الصّدام على الجبهة.

ــ في عام 1972 شبّهْـتُم العصر بالعصر الوسيط الجديد؛هل الأمر كذلك، اليوم؟
ـ إيكو: كتبْتُ ذلك عقِب صدور كتاب لمهندس ينذر بالتّقهقر إلى ما قبل الحضارة الصّناعية، وقُلْتُ إنّ العصر الوسيط كان عصْراً إنْتِقاليّاً، ونحن نحيا، بدورنا، عصْراً إنتقاليّاً... ولكن يمكنني، مع ذلك، أن أتبت أنّ عصرنا مماثل لكلّ شيء آخر مختلف. (يضحك). بجدّ، أنا لن أنكر ما كتبته بخصوص هذا الموضوع، غير أنّ ذلك ليْس مهمّاً للغاية.
إنّ عصْرنا، مع هجراته الكبرى، ربّما يذكر كثيراً سقوط الإمبراطوريّة الرّومانية لنحْو خمسمائة سنة. وانهيار الإمبراطوريات العظمى يتواصل. بعد سقوط الإمبراطورية السّوفياتية أخذت الإمبراطورية الأمريكية في الإنحدار. ويمكننا أن نوازي ذلك بالأزمنة البربرية لسان أوغسطين، وأن نقارن حريق روما بضرب البرجين.

ــ لماذا لا يشبه عصرنا أيّاً من العصور الأخرى، إذن؟
ـ إيكو: الجواب الأوّل الذي يصدر عنّي هو السّرعة. في ساعة يمكنني أن أكون في ميلانو. لكن هناك شكل آخر من التّسريع: دام قماش اللّبدة قرناً، وموضة التنّورة القصيرة عشرة أعوام ؛وخدمت ريشة الإوزّة خلال قرون، وآلة الطّباعة خلال مئة وخمسين عاماً، وأنا عليّ أن أغيّر الحاسوب مراراً بسبب البرامج الجديدة... الميزة الأخرى، المتنازعة مع الأولى، هي تمديد فترة الحياة. في عهد نابليون، النّموذج الذي قضى في سنّه الأربعين لم يدرك إلّا تغييراً تاريخيّاً وهو الثّورة الفرنسية. أمّا اليوم فقد أمكننا أن نشهد الحرب العالميّة الثانية، وسقوط الإتّحاد السوفياتي وانهيار البرجين. إنّنا نعيش حياة أطْول لكن أكثر رعباً وهي تضعنا أمام تتابُعٍ يكاد لا يُطاق من التغيرات. نُقاوم ذلك ما استطعْنا، لكنّه يخلع عليْنا مسحةً من شدّ الأعصاب لا تتصوّر.

ــ أن تترجم يعني أن تُتْقن لغتك ولغة الآخر. اليوم، هُناك الكثير ممّن لا يتقنون حتّى لغتهم الخاصّة.
ـ إيكو: هذا الأمر دائماً ما كان موجوداً، ولا أجده ذا خطورة بوجْهٍ خاصّ. نحن نتكلّم لغة هي، في الغالب، جدّ مختزلة من جهة، ومن جهة أخرى، يسمح التّلفزيون لأيّ مواطن بأنْ يمتلك متاعاً معجميّاً متوسّطاً، ذا قيمةٍ بنسبة مّا. في إيطاليا يستخدم سائقي الخاصّ كلماتٍ لم يكن يستخدمها أبوه، وهو تعلّمها من التلفزيون. ثمّة تعويض.

ــ بوصْفك كاتباً ألّا يؤثّر ذلك فيك بأنْ يتمّ البحث عن الكلمات في التلفزيون أكثر منه داخل الكتب؟
ـ إيكو: إسْمع، دائماً ما نرثي لحال النّاس الّتي لا تقرأ. في الواقع، إنّ القرّاء هم أكثر عدداً من أيّ وقْتٍ مضى. في المؤسّسة الوطنية للفنّ المعاصر (FNAC)، يمكن لنا أن نرى المئات من النّاس تتصفّح الكتب. في شبابي كانت المكتبات تقبع في محلّات ضيّقة، عندما يدخل إليها الشابّ يطرحه السيّد أرضاً، ويسأله: "أترغب في شيء؟ ". كان ذلك يعرقل كلّ شيء. بيد أنّه، بطبيعة الحال، لم يكن، قبلئذٍ، من شيء يغذّي الخيال إلّا الكتاب. اليوم، الصّورة في كلّ مكان... وإنْ كانت دائماً موجودة. ألمْ تكن الكاتدرائيّة القوطيّة، عدا التلفزيون، تزخر بالصّور للفقراء ممّن لا يعرفون القراءة؟.

ــ يبدو كتابك"تاريخ القبح"موضوعاتيّاً أكثر منه كرونولوجيّاً. ألمْ يُنتِجْ عصرنا قبْحاً خاصّاً؟
ـ إيكو: في القرن العشرين، وحتّى قبيْل ذلك، أحدثت الطّلائع التحدّي داخل الفنّ. لقد شُوهد، في الفنّ الملتزم، نوعٌ من إعادة تقدير سجاليّة للقبح. تتمثّل التّعبيريّة الألمانية أناساً قِباحاً من أجل التّنديد بالمجتمع البرجوازي، وصُنعت، طبْعاً، لوحات جميلة لتمثيل القبح، ثمّ سرعان ما نتجت ظاهرة أخرى: صعوبة تمييز الجمال والقبح. واليوم بوسع الشّباب أن يعجبوا بكلّ من جورج كلوني ونيكول كيدمان حيث الجمال يتشكّل في لوحةٍ من عصر النّهضة، بقدر إعجابهم بمغنّي الرّوك عابد الشّيطان ماريلين مانسون الذي أجده، من حهة شخصي، بشعاً.
داخل نظام الأفكار نفسه، قابلْتُ، ضمن رسومات الكتاب، لوحةً لــجيروم بوش حيث يتمثّل الفنّان معذّبي المسيح مع سلاسل في الوجه لتقبيحهم، بصورة (فوتوغرافية) لأحد الأشرار صحبة جماعةٍ من غريبي الأطوار. كيف ينظر الشّباب إلى ماريلين مانسون وأمثاله من غريبي الأطوار؟ لم يعد ذلك قضيّة جمال وقبح. إنّ بين القبح والجمال فرقاً صار إشكاليّاً. ثمّة مساواة بينهما.

ــ أخلاقيّاً، أليست تعود هذه المساواة إلى انعدام التمييز بين الخير والشرّ؟
ـ إيكو: هذا أحد الأسئلة الأكثر صعوبة في كتابي. إنّ تماهي الجمال – الخير والقبح – الشرّ هو، على الأرجح، تماهٍ كونيّ. في العصور القديمة، طُورد السّحَرة، ومُثّلوا قِباحاً لأنّهم سيّئو الفعال؛ وفي الوقت نفسه، تعرّفت العصور القديمة على سقراط القبيح والفاضل، وإلى وقتٍ متأخّر كانت كلّ الرومانسيّة تحكي لنا قصصاً عن أناسٍ بشعين يرون، لكن بقلب كبير، ذلك الرجل الذي يضحك أو شخصيّة الأحد الأوّل بعد عيد الفصح، ولم يكن حديثهم إلّا عن فيكتور هيغو. وفي أيامنا يستمرّ تماهي القبح- الخبث؛والعنصريّة تحكمها هذه المعادلة: يُنظر إلى الأجنبيّ، دائماً، باعتباره قبيحاً. وفيما سبق كان البرابرة، في التمثُّلات الإغريقية أو الرومانية، قِباحاً. لكن اليوم ينحدر تماهي القبح- الخبث انحداراً تامّاً، كما أنّ هناك تمجيداً للشّر. يقدّم مغنّو الرّوك أنفسهم كنماذج إيجابية مادام أنّهم يدافعون عن المخدّرات وعبادة الشّيطان. إنّ الأمر بات جديداً وغريباً. وإذا كان تمجيد الشرّ وُجد دائماً إلّا أنّه، حتّى وقتنا الحاضر، لم يخرج إلى العلن؛واليوم يُعْلن على التلفزيون، ويشاهده الأطفال وهم على مائدة العشاء. فما هو ردّ الفعل على الخبث العامّ أو بالأحرى على أحد أسبابه؟ ألا يسبّب تمجيد القبح في الحروب والمجازر؟ والحروب والمجازر أليست تحثّ الأجيال الجديدة على تمجيد القبح الذي يفسد؟. لا أدري، ولا أريد الخوض فيه. هناك، في كلّ الأحوال، ذائقة فساد عموميّة.

ــ هل يصير الخير إلى الخفاء، و يعمّ الشرّ؟
ـ إيكو: فيما سبق كان يحصل العكس. ربّما هذا التّأويل المتشائم بسبب سنّي، أمّا الشّباب فقد يجدون ذلك كلّه عادياً تماماً. فأنا، شخصيّاً، لا أرغب في مغامرةٍ مع امرأة شابّة تتنزّه بسرّتها المكشوفة والمثقوبة. أجد ذلك أمراً مقرفاً. ولكن إذا كان رفقاؤها يجدونه فاتناً فإنّه ليْس بوسعي أن أحاكمهم، لأنّ عملي يمنعني من أن أحاكم الذّوق أخلاقيّاً. إنّي لم أضع نظريّة في القبح، بل تاريخاً عن القبح حتّى أُظْهِر ما الذي تغيّر بالفعل.

ــ هل بإمكان الكتابة أن تُغيِّر؟
ـ إيكو: الكتابة لا تُغيِّر الحاضر، فقط يمكنها أنْ تغيّر المستقبل. إقرأْ كتاباً تر الأثر العميق الذي يمكن أن يحدثه فيك، ومع الوقت تتغيّر طريقة تفكيرك وشخصيّتك، وفي الغد، أو بعد غد، سوف تتصرّف بشكل مختلف؛ويّخدع المثقّفون كلّ مرّة لمّا يُطلب منهم فيها حلّ مشكلات العالم.

ــ ألكم اهتمامٌ بالسياسة الفرنسية؟
ـ إيكو: طبعاً، لأنّ فرنسا هي موطني الثّاني من جهة، ومن جهة أخرى لأنّ ما يقع في فرنسا يؤثّر على ما يحدث في إيطاليا تأثيراً قويّاً، والعكس بالعكس، منذ قرون. وأرى أنّ شيئاً مّا جديداً يحدث الآن في فرنسا، ولديّ انطباع أنّ نيكولا ساركوزي يقلب الأوراق، لكن أجهل إن كان سوف يلعب بهذه الورقة أو تلك.


ايلاف

 

التعليقـــات .....
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع
 
 
 

 

 أنس الواسطي

 jamaziane@yahoo.fr

Date: 15 Nov 2007

المقالة المترجمة مثيرة فيما تطرقت إليه من قضايا جديدة خاصة إذا جاءت في حوار مع موسوعي مثل امبرتوإيكو.لا ننسى أن نشكر الشاعر عبداللطيف الوراري على هذه اللفتة الجميلة.