ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


الهدف الثقافي //23 - 11 -2007

د . عدنان الظاهر / المانيا

 

نصوص اخرى

 



المتنبي يغار من المِعرِي
 

 

طرِبنَ لضوءِ البارقِ المتعالي
ببغدادَ ـ وَهناً ـ ما لهنَّ وما لي

قطّب المتنبي جبينه بغضب قائلا ً بحدة : قفْ قفْ ... قفْ ! ماذا جرى يا صاحبي ؟ قال لقد خنتني وتبدّلتَ فإخترتَ شاعراً آخر لم يكن في أفضل أحواله إلآ واحداً من طلابي وشديد الإعجاب شعري . من هو يا متنبي ؟ ألا تعرفه وقد صدّرتَ مقالك ببيت شعري له ؟ مَن هو يا متنبي ؟ إنه أبو العلاء المعري . وما العيب في ذلك يا متنبي ؟ دعني أخصص له حسب إقتراح أحد الأصدقاء حيزاً متواضعاً أناقشك فيه ومن خلاله في أمور كثيرة تهمني كما تهمك والقرّاء جميعاً . قال إذا كان هذا غرضك ومقصودك فلا من بأس في محاولتك رغم أنها قد أغاضتني إلى أبعد الحدود . هل أغاضتك المحاولة حسبُ أم إنها قد جعلتك [[ تغار ]] من الشاعر الشامي الضرير أبي العلاء المعري ؟ لا تنسَ أبا الطيّب أنك لم تكلّف هذا الرجل المسكين يوماً ـ وهو مثلك شاعر ـ أن يقوم بدور الوسيط بينك وبين من تحب وتهوى أو حامل وموزِّع رسائل فيما بينكما على حد علمي . قال إنك في ذلك محق ، لا إعتراضَ لديَّ ولكن ، هل غيرة الرجال من بعضهم محصورة بأمور الحب والغرام وما شابه ذلك ؟ الشعراء كذلك يغارون من بعضهم ويتحاسدون ويتنابزون ويختصمون ويسبُّ بعضهم البعض الآخر ... تلكم سُنة الحياة وطبيعة الأشياء . ويا ما عانيتُ من هؤلاء الحسّاد والخصوم من الشعراء والمتشاعرين وزعانف الشعر في حلب ثم في فسطاط مصر كما قد تعلم . هل نسيتَ شغب وتحريض الشاعر أبي فراس الحمداني لإبن عمه سيف الدولة ضدي وجمعه حثالات الشعراء والمشاغبين مشكلاً جبهة عريضة تقف ضدي في وجهي تنهش عرضي ولحمي وتكتب فيَّ الشتائم وتزوّر وتفتعل فما سبب كل ذلك ؟ ما كنتُ أنافس أبا فراس في مقام رفيع أو إمارة أو إقطاع أو مصاهرة ، إنما لإعترافه الذي لم يُفصحْ عَلناً عنه يوماً بأني الشاعرُ الفحلُ المجلي وإني لذلك كنت الأثير لدى الأمير سيف الدولة الحمداني . الشعراء يغارون من بعضهم وربما يكيدون ويتآمرون وينبشون القبور . هل نسيتَ ما قال شاعر ٌ تعرفه (( وعداوة الشعراء بئس المجتنى )) فحاذرْ ما إستطعتَ وتجنبْ معاداة شاعر ... فبعض الشعراء أفاع ٍ سامة . أخافني قول المتنبي هذا فخرجتُ من صمتي وإصغائي له وتجاسرتُ أن أقول : لا شأنَ لي بالشعراء أو معهم ... لا أصادق شاعراً ... أغلبهم نرجسيون أنانيون غارقون في أحلام وجنون البقر والعَظَمة وأنت أولهم وعلى رأس قائمتهم. ضحك عالياً المتنبي ثم قال : لقد بدأت تتجاسر عليَّ وأنا صديقك منذ أكثر من نصف قرن من الزمن ويا طالما تحمّلتَ جراء هذه الصداقة من ملاحظات فيها خشونة ملمس من لدنْ المعارف والقرّاء وبعض الأصدقاء.
علّقتُ قائلاً : إني لم أزل مستعداً أنْ أتحمّل وأتحمل أكثر مما تحمّلتُ بسبب صداقتنا هذه وإخوّتنا وما بيننا من ود . قال ألا بوركتْ يداك وطاب في فمك حليب أمك، سنبقى كما كنا أصدقاء . عزمت أن أغير مجرى الحديث وأنقله إلى مستوى مغاير آخر ، فقد تشعبنا في أحاديثنا وثقُل الكلام ُ وجاشت المشاعر . سألت المتنبي هل لعبت الشطرنج في حياتك وهل أجدتَ هذه اللعبة ؟ سؤال غريب ، قال المتنبي ، ما لي وللشطرنج واللهو بالألعاب وأنا مَن قال (( الخيلُ والليلُ ... )) كما تعرف ؟ ثم ، ما مناسبة هذا السؤال ؟ أبو العلاء المِعرّي هو المناسبة . قال كيف ؟ بدأتُ مقالي اليوم به فأغاضك ذلك ولم تخفِ غضبك . والرجل البصير كان يجيد اللعب بالشطرنج كما يقال . وأنا أميل لهذا القول وبين يديَّ الدليل القوي الساطع . قال ما هو دليلك الساطع هذا ؟ قصيدته ... قصيدة الرجل التي تحمل العنوان ( تِرب الآداب ) . هل تحفظ شيئاً منها ؟ كلاّ ، لكنها محفوظة في ديوانه < سقط الزند > وأستطيع قراءة بعض ما جاء فيها إنْ رغبتَ . قال هيا ، شوّقتني لهذه اللعبة التي لم تسمح ظروفي لي أن أمارسها ... هيا إقرأ . قرأتُ أفضلَ ما فيها :
...
أيها اللاعبُ الذي فَرسُ الشِط
رَنج ِ همّت في كفه ِ بالصهيلِ

مَن يباريكَ والبيادقُ في كفِّ
كَ يغلبنَّ كلَّ رُخ ٍّ وفيلِ

تصرعُ الشاهَ في المجالِ ولو جا
ءَ مُردّى بالتاج ِ والإكليلِ

لُطفُ رأي ٍّ يستأسرُ الملكَ الأع
ظم َ بالواحدِ الحقير ِ الذليلِ

فجأةً صرخ المتنبي : الله الله ! ما أروع َ ما قال هذا الشاعر الضرير . لا يقول مثل هذا الشعر إلا لعيّب ماهر في هذه اللعبة . أي بيت أعجبك يا متنبي قبل غيره ؟ كل الأبيات كل البيات ولا سيّما الأول منها شعريةً وإبداعاً ، أما البيتان الأخيران ففيهما حلاوة المنطق وجمال التركيب اللغوي ... ليس فيهما إلا القليل من الشعر . ثم ، لا تنسَ ، قضيت حياتي أكره الملوك ومن هم على شاكلتهم ، لذا أجد في هذين البيتين متنَفساً جيداً للشماتة بالملوك والحط من أقدارهم ... الجندي ( البيدق ) الصغير يصرع وقد يقتل الملك ويأسر الشاه فيمسخه { شاة ً } !!
أدهشني تغيّر مزاج وموقف المتنبي إذ لم أره في حياتي ناقماً على الملوك وحاقداً ومتشفياً بمقاتلهم ووقوعهم في سوح المعارك والوغى حتى لو كانت وهمية ... ترد في لعبة للتسلية . ما أشد غرابتك يا شاعر !! أردتُ مناكدته قليلاً فقلت له : أما زلتَ تغار من أبي العلاء المِعرّي ؟ قال إي والله ، لأنني لم أقل في شعري مثل ما قال في لعبة الشطرنج . إنبسط المتنبي وإنفرجت روحه فقلت في سرّي فلأتقحّمنه وأكايده بأمر آخر فقلت له وقد طابت أجواؤه النفسية : قال هذا الشاعر الشامي الضرير في العراق وبغداد وأنهار العراق وأهل العراق والعديد من مدائنه ما لم يقل العراقي أبو الطيب فما تفسير ذلك ؟ قال وهل لديك أدلة على ما تقول ؟ أجلْ يا متنبي ، هذا ديوان سقط الزند أمامنا فتصفحه لتجد الجواب . هرب صاحبي مني متشاغلاً بالسجائر آناً وكؤوس الشاي آونةً أخرى . كان قراري أن أظل ألاحقه وأطلب منه أن يجيب على سؤالي مهما تظاهر بالتعب أو النوم أو بالشاي والدخان .
 

aldhahir35@yahoo.de
 

 

التعليقـــات .....

ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى

 

اطبع هذا المقال

 

علــق على هذا الموضوع

  عدنان الظاهر
 aldhahir35@yahoo.de
Date: 25 Nov 2007
 إلى الأستاذ وهيب نديم وهية / رد على تعليق ( المتنبي يغار من المعري )

الحبيب وهيب أبا غادة ... سيدة الغابات والغادات / كيف حالكم والعائلة ؟ هل تابعتم الحلقتين : والمتنبي رابعهم رقم 2 ثم الحلقة رقم 3 وفيهما كلتيهما أنت والسيدة سامية أم غادة ؟؟ لم اسمع منك تعليقاً في حينه فوضعتُ يدي على قلبي ...!!
شكراً وأرجو أن تكونوا بخير وتمام العافية يا ايها النديم والوهيب والواهب والوهاب ... جميعاً ... رغم أنف الزمان .

عدنان

______________________________

 

وهيب نديم وهبه

صباح الورد
الصديق المبدع الكبير / الدكتور عدنان الظاهر /
تحياتي لريشة الإبداع في يدكَ ( جناح الطائر المحلق في أرجاء الدنيا )
وتحية النور لهذا الفكر الذي يسكبُ بياض القلب من أجل الإنسانية / وتحية للسماء أننا نعيش ونعاصر زمن ( د. عدنان الظاهر )
وأهلاً وسهلاً في بيتكم على الكرمل /
ولنا لقاء / وهيب وهبه

 

 
 

الصفحه الرئيسيه