حين قررتُ
أن أجمع الرجلين معاً ، الشاعر العراقي المتنبي والمطرب الملحن المغني
فريد الأطرش ... إعترض الشاعر قائلاً : ما مناسبة هذا اللقاء ؟ سيّما
وإني لا أعرف صاحبك هذا المغني ، لم أره في حياتي ولم أسمع أغانيه .
معك حق يا شاعر ، معك بعض الحق يا صديق . هل تسمح لي بالإجابة عن سؤالك
؟ قال تفضلْ . أنت شاعرٌ وفريد مغن ٍ ، صح ؟ قال نعم . وهل ومتى إنفصل
الشعر عن الغناء ؟ قال ربما لم ينفصلا ... وربما قد إنفصلا في بعض
الحقب والأطوار . طيب يا أبا الطيب ، هل تعترف أنك قضيت زمناً طويلاً
متنقلاً في بلاد الشام بعد مغادرتك وطنك العراق ثم أقمتَ طويلاً في كنف
صديقك سيف الدولة الحمداني في حلب ؟ بل أقر وأعترف ، أجاب . طيب يا طيب
ويا أبا كل الطيوب ، ما الغضاضة ووجه العجب في أن تتعرف على مغنٍ وملحن
موهوب هو أصلاً من بلاد الشام ؟ قال لا أجد في ذلك غضاضة ، دعه لنتعرف
على بعضنا ، ولربما أتذكره وأتذكر أنّا كنا قد إلتقينا في حلب أو
اللاذقية أو حمص أو في رملة فلسطين يومَ أن زرتُ الأمير بدرا ً بن عمار
. لا يا متنبي ، ما كان الرجل هناك يومذاك ، لم تلتقيا في بلاد الشام ،
بل ربما ، ربما ، إلتقيتما في فسطاط مصر أنت تنشد كافوراً الإخشيدي
رائع أشعارك وفريد يوقع على عوده ويغني جميل ألحانه لكي تطربا أمير مصر
الذي كان مولعاً بالخمرة والرقص والطرب وحف شاربه ووضع الباروكة على
صلعته الواسعة... وقد لمزته وغمزته في واحدة من عيون قصائدك . قال تقصد
بيتي [[ ما الذي عندهُ تُدارُ المنايا // كالذي عندهُ تُدارُ الشَمولُ
]] ؟ قلت أجلْ ، هو صاحب الشمول وسيف الدولة رجل الحروب والمنايا . سرح
المتنبي بعيداً كعادته حين أستعرض أمامه حلقات من ماضيه الغابر. ومع
سروحه يسرف بالتدخين وتناول الشاي الثقيل . قال وقد تنهد ومن أي مدينة
أو قرية من بلاد الشام هذا المطرب ؟ من السويداء يا متنبي ، أفلم تسمع
بهذا الإسم ؟ قال بلى ، لم أسمع به . إنها منطقة قوم يطلقون عليهم
( الدروز ) . الدروز ؟ تساءل صاحبي مندهشاً . ومن هم الدروز ؟ ألا تعرف
مَن هم ؟ قال كلا ، لا أعرف . ما كنا نعرف القوم ، ولم أسمع بهم حتى في
مصر . تورطتُ ، حقاً تورطتُ أمام صاحبي . أنا نفسي لا أعرف هل كان هذا
الإسم (( دروز )) معروفاً في القرن الرابع الهجري ؟ هل أكذب على صاحبي
فاقول له إنهم معروفون في مصر وشمال إفريقيا بإسم (( الفاطميين ))
وإنهم من بقاياهم ؟ هل كان الفاطميون معروفين في تلك الأزمان . حيرة ،
والله ِ إنها لحيرة حقيقية . الإسماعيليون معروفون منذ القرن الهجري
الثاني وهم أتباع ( إسماعيل ) أحد أبناء جعفر الصادق بن محمد الباقر بن
علي السَجّاد بن الحسين . تذكرت ُفقلت للمتنبي لكنك أنت كنتَ محسوباً
على القرامطة ثم الإسماعيليين فكيف لم تسمع بالدروز ؟ الفاطميون
والدروز والإسماعيليون أخوة أو أبناء عم في معتقداتهم والكثير من
طقوسهم والسرية في بعض آرائهم وتقاليدهم التي لا يعرفها سواهم . ظل َّ
المتنبي على صمته . ما كان الدروز معروفين في زمانه فما هو ذنبه. متى
إذا ً ظهر هذا الإسم على مسرح التأريخ وما أصل وأساس معناه ؟ درزَ
يدرزُ أي نفذ خياط الملابس غرزة الإبرة في القماش ... كما هومعروف
وشائع اليوم في العراق أو في الكثير من أجزائه . من هنا على ما أحسب
جاءت كلمة (( درزي )) التي يطلقها العراقيون على خياطي الملابس . فهل
نزح إلى العراق في الزمن القديم أو الوسيط قوم ٌ من طائفة الدروز
وزاولوا مهنة الخياطة فإندمج إسم الطائفة بمهنتهم ؟ وبالمناسبة ،
الخياط في مصر هو (( ترزي )) بدل درزي المعروفة في العراق . حرف التاء
بدل حرف الدال . تبادل في الأصوات لا في المصالح ، المصلحة واحدة هي
الخياطة . المهم ، ما كان فريد الأطرش لا خياطاً في العراق ولا ترزياً
في مصر . كان فناناً دُرزياً .
حان موعد لقائنا وكنتُ في غاية السرور وفي الأوج من سعادتي . إجتمع
لديَّ في بيتي سيد الشعر وسيد اللحن والطرب فما أعلى حظي في الحياة !
تصافحا وتبادلا القبل وكان فريد يمسك بيسراه آلة العود وما كان مصدقاً
أنْ سيجمعه في الحياة لقاء مع شاعر العرب الأكبر . قال فريد بعد أن
بردت حرارة المفاجأة وجفف عرق جبينه بمنديل حرير أبيض ، قال إني يا
متنبي أعجبتُ بك يومَ أن قرأتُ أبياتا ً شعرية لك قلتَ فيها :
وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي
إذا قلتُ شعراً أصبح الدهرُ منشدا
فسارَ به مَن لا يسيرُ مُشمَّراً
وغنى بهِ مَن لا يُغني مُغرِّدا
ودعْ كل َّ صوتٍ غيرَ صوتي فإنني
أنا الطائرُ المحكي ُّ والآخرُ الصدى
تظاهر المتنبي بالخجل والحَرج من إطراء فريد فنكّس رأسه بإتجاه الأرض
ولم يرفعه إلا حين أشعل سيجارة أخرى ومدَّ يده نحو كأس شايه البارد .
شكر فريداً على حسن ظنه به وأراد رد الجميل بمثله فقال لفريد : لكنك
أنت مَن أنت يا فريد في عالم الطرب واللحن والتاليف والغناء ، طبّقت
شهرتك الآفاق وإخترقت بعض ألحانك الغرب بأسره وغناك مَن غناك هناك
وإقتبس من موسيقاك مَن إقتبس . فرك فريد كفيه لتصريف حيائه وشعوره
بالتواضع أمام العملاق المتنبي ثم قال : متشكر يا سيدي ، لم يبلغ فريد
ما بلغ المتنبي من سعة شهرة ومقام في عالمي اللغة العربية وشعر العرب .
ثم إني ـ أضاف فريد ـ ما كنت مثلك بطل حرب وغزوات وسيف ورمح ... قاطعته
لإشاعة جو البهجة فقلت لكنك يا فريد كنتَ كالمتنبي خبيراً بالخيول
الأصيلة تجمع منها خيارها في إصطبلاتك وتجريها في حلبات السباق فتربح
حيناً وتخسر حيناً آخرَ . قال صدقتَ ، لكنْ ما كان المتنبي يقامر على
خيوله مثلي ، له فضل الحيازة وتربية أصائل الخيول العربية ومعرفة
أنسابها وأصولها وأسماء آبائها وأجدادها . كان المتنبي صامتا ً يصغي
لكلام فريد ويهز رأسه موافقاً على ما يقول . إنسجم الضيفان إلى أقصى
الحدود وقد تعارفا بفضلي وإكتشفا أنَّ فيما بينهما روابطَ وجسورا ً
وقواسمَ مشتركة عديدة وإهتمامات فضلاً عن دنيا إيقاعات بحور وأوزان شعر
المتنبي وسلالم نغمات ألحان فريد . كلاهما رجل إيقاع ووزن وحركات دقيقة
مضبوطة . إيقاعات المتنبي بالحروف وإيقاعات فريد بالأنغام وكلاهما صوت
تسمعه آذان البشر . قال المتنبي ، بعد فروغ فريد من بيانه حول خيول
المتنبي أو المتنبي والخيول ، قال يا فريد : لي عليك كلمة عتاب مختصرة
. قل يا متنبي ولا تتحرجْ ، ردَّ فريد الأطرش . كنت غنيتَ في مصر
الكثير من ألحانك ومن كلمات العديد من الشعراء لكنك لم تغنِ لحناً
خاصاً كلماته لأبي الطيب المتنبي . غنيتَ للأخطل الصغير وغنيتَ لكامل
الشناوي وغنيت أشعاراً لغيرهما لكنك أهملت المتنبي فهل من تفسير يا
فنان ؟ شعر فريد بالكثير من الحرج . إحمرت وجنتاه وتعثرت في فيه ِ
الكلمات قبل أن يقول معتذراً وموضحاً موقفه من هذه المسألة . معك حق يا
متنبي زمانه ِ ، معك كل الحق ولكن ، أنت تعرف مزاج الخصي الأسود كافور
الأخشيدي ولياليه الداعرة وميله للشعر العامي المكشوف ... الأمر الذي
حال بيني وبين أن أغني شيئاً من أشعارك المتألقة . كان ذوق الرجل
متدنياً ومعرفته بالعربية معرفة ضحلة وسطحية ثم ، ما كنت أعرف من
أشعارك إلا قصائدك لسيف الدولة الحمداني في حلب مادحاً أو مصاحباً له
في حروبه مع الروم . كنت أعرف هذه القصائد معرفة جيدة بفضل شيوعها
وإنتشارها في العالم العربي فضلاً عن إعجابي الشخصي بها كوني كنتُ مثلك
شديد الإعجاب بشخصية وأفعال سيف الدولة الحمداني أمير حلب . لم يصلني
من شعر نسيبك وغزلك وتشبيبك شيئاً البتة . فهلا أنشدتنا اليوم شيئاً
منها كي أقوم على الفور بتلحينها وتويقعها على عودي الذي ترى ؟ فوجئ
فريد الأطرش برد المتنبي قائلاً ومشيراً بسبابة كفه إليَّ : هذا سيقرأ
عليك نخبة من أشعاري البعيدة عن المديح والحروب ولا سيما أشعار
الرومانس الشديد الرقة فإنه يحفظ الكثير منها . إعتذرتُ ، إعتذرتُ
وإقترحتُ بدلَ ذلك أن يغني لنا فريد واحدة من أغانيه الأحب إلى قلبه .
صفق المتنبي جذلاً وسيجارته في جانب فمه يتطاير منها الرماد وشرر النار
فيها . أخذ فريد على مهل جرعة ماء طويلة ، بدأ يدندن ويدوزن أوتار عوده
، رفع رأسه وقال : سأغنيكم أغنية (( أحبابنا يا عين ماهم معانا )) .
قام المتنبي ثانية ً مصفقاً فرحاً مؤيداً الفكرة . قال إنما هذه
الأغنية تناسب تماماً هذه الجلسة وهذا اللقاء الخيالي ... أحبابنا
غائبون عنها وعنا . علّق فريد قائلاً وأصابعه تعبث ببعض أوتار عوده :
فضلاً عن هذا السبب الوجيه هنالك ثمة من سبب آخر لا يقل وجاهةً ولا
قيمة . ما هو يا فريد ؟ سألتُ . قال لأنَّ المطربة ( وردة الجزائرية )
كانت قد غنتها لمناسبة الذكرى الأولى على رحيلي إلى العالم الآخر . رق
صوت فريد وترقرقت دمعة كبيرة في عينيه . بكى المتنبي فجلست لصق كتف
فريد مخففاً . وضع رأسه على كتفي وبكى . جفف دموعه وقال سأغنيكم هذه
الأغنية بصوتي وأسلوبي وكامل لحني لا كما غنتها السيدة وردة حيث حوّر
فيها مدربها وموزع موسيقاها وغيروا من درجة وسرعة إيقاعها فجاءت جدَّ
بطيئة ولم أستطع في قبري أن أعترض أو أحتج . قال إنه مع ذلك يحمل
تقديراً خاصاً لوردة الجزائرية فلقد كانت هي المبادرة لأداء هذه
الأغنية وهي التي قامت بغنائها . ثم إني أعتبرها قد تفوقت عليَّ في
أدائها لأغنية [ كلمة عتاب يا حب ] التي لحنتها أنا وغنتها هي ثم
غنيتها بعدها فوجدتها قد أدتها أفضل مني ولا من عجب ، فقد شاعت الأغنية
بصوتها في حين لم ينتبه أحد ٌ لها بصوتي . غنانا فريد أغنية [ أحبابنا
يا عين ] فأجاد لكأنه فيها يقصد نفسه هو الغائب . حلّق وحلق بين جنبات
جنان الخُلد صعوداً للسماء العليا ونزولاً لأرضنا متوزعاً بين لحظة حزن
ولحظة نشوة غريبة غير مألوفة لنا نحن البشر الأحياء . جاءنا من عالم
الموت والأموات فكيف لنا أن نفهمه وأن نفسر سلوكه وأن نتتبع خطوط
مشاعره وأفكاره ؟ كان موزعاً حقاً بين الموت والحياة . مات جسداً لكنه
عاش وسيظل يحيا بأغانيه وألحانه .
فرغ فريد من الغناء وقد أجهد نفسه وقلبه المتعب أبداً فطلب كأس خلاصة
عصير برتقال مركّز خالٍ من السكّر مع بعض الحلوى . أراح نفسه وكان
المتنبي لا يكف عن مراقبته عن كثب لا يصدق ما يجري أمام عينيه . إقترب
من فريد مقترحاً أن يغنينا في لقائنا القادم أبياته الشعرية التي يقول
فيها :
ما لنا كلنا جو ٍ يا رسولُ
أنا أهوى وقلبكَ المتبولُ
كلما عادَ مَنْ بعثتُ إليها
غارَ مني وخانَ فيما يقولُ
حاضر يا سيدي ، أجاب فريد . كتمتُ صوتاً كاد يصرخ عالياً مؤداه أن قارئ
المقامات المرحوم ( يوسف عمر ) غنى هذه الأبيات وإني أحتفظ بالتسجيل
الخاص بها .
إفترقنا على أن نلتقي سواء ً في دنيانا أو في الآخرة .