|
الوراثة السياسية
|
الهدف
الثقافي : مهند السماوي |
الخميس 07
فبراير 2008 09:10 GMT |
تمهيد:
الوراثة السياسية،موضوع
شائك ومعقد،يحضى بتأييد
الاقلية ومعارضة
الاغلبية،وله جذور طويلة
في التأريخ،وقد أثارني
أختيار ابن رئيسة الوزراء
الباكستانية الراحلة
بناظير بوتو،وهو مراهق لم
يبلغ 19 عاما،زعيما لحزب
الشعب الذي تتزعمه
والدته،بعد تنازل والده
له،بدون اجراء انتخابات
داخلية،في حزب يدعو
للديمقراطية وهو
لايطبقهاعلى نفسه!!!.وهذا
ما دعاني لكتابة هذا
البحث المختصر بدون
الاستعانة بمصادر
خارجية،وهي محاولة لعرض
موضوع الوراثة السياسية
وتحليله،وتحريك همم
الباحثين والدارسين
للموضوع لبحث الامور
التفصيلية،ثم ترك الحكم
للناس باعتباره مؤثرا
بالغا على حياتهم وطريقة
معيشتهم ثم وهو الاهم
مصادرة قرارهم السياسي
وما يتبعه من تأثيرات
جانبية قد تكون مدمرة
للقرارات الاقتصادية
والاجتماعية وغيرها.
تعريف الوراثة السياسية:
وهي عملية نقل السلطة
السياسية من الاب الى
أفراد عائلته في حالات
الوفاة والعجز،ويكون
النقل مدعوما بالسلطة
المادية والمعنوية أو
بالقاعدة الشعبية في
حالتي الحكم أو المعارضة.
بدأ التوريث السياسي منذ
بداية تأريخ البشرية،كجزء
من التوريث بشكل
عام،وكشيء طبيعي ان
الانسان يميل الى افراد
اسرته،الاقرب
فالاقرب،باعتبارهم السند
القوي في مقارعة الخصوم
وادارة شؤون الحكم
والاسرة.
ونظرا لعدم وجود التجربة
الديمقراطية وانعدام
الحريات العامة،فقد انتشر
التوريث السياسي وأصبح
شيئا طبيعيا،ولذلك من
النادر أن نجد دولة
تأريخية قديمة بنيت على
أساس غير ملكي،واذا وجدت
فأنها سوف تنهار باسرع من
انهيار الممالك،لأن
العلاقات الدولية كانت
تدار باسلوب بدائي،يعتمد
على القوة والعنف لتحقيق
الاغراض المختلفة.
وفي التأريخ القديم وجدت
بعض الدول القديمة،التي
مارست الديمقراطية في
الحكم(وان كانت باسلوب
بدائي)في بلاد الاغريق
وروما،الا انها تحولت في
النهاية الى امبراطوريات
استبدادية،أو انهارت بفعل
الحروب الداخلية
والخارجية التي تعتمد على
الديكتاتورية
والعنف،كأسلوب سهل في
القيادة،والسيطرة على
الشعور،فالانظمة
الاستبدادية سهلة الحكم
بعكس الانظمة الديمقراطية
التي يصعب الحكم
فيها،وذلك لصعوبة اتخاذ
القرار بدون موافقة
غالبية الاطراف،بينما من
السهل اتخاذ القرارات
التي تكون غالبا مدمرة في
النظم المستبدة التي تميل
الى العدوان والحروب بعكس
الاولى التي تميل الى
السلام والمحبة والتعاون
مع الشعوب الاخرى.
تفاصيل نشوء وانحلال
الدول في التأريخ موجودة
في بطون ومتون الموسوعات
والكتب التاريخية لمن
أراد التوسع في الموضوع .
والبلاد الاسلامية كجزء
من الشرق يمتاز عن بقية
دول العالم بتمسك شديد
بصيغة الوراثة
السياسية،تصل حد الابادة
الجماعية البشرية لشعوب
بأكملها في سبيل السلطة
والثروة والتوريث،في خلاف
واضح وصريح لتعاليم الدين
الاسلامي وبقية الاديان
الاخرى،بل كجزء من
الثقافة المتوارثة
والتقاليد المنتشرة ،وأصبح
التوريث جزء أساسي من
الشخصية العربية أو
المشرقية،التي تمتاز
بالانضباط الشديد في
الحياة والعلاقات
الاجتماعية،والتمسك
بتقاليد الاسرة الكبيرة
التي تصل مستوى القبيلة
وتفرعاتها،وهذا تنازل
واضح وصريح للحريات
الفردية،وما يتبع ذلك
الرغبة العارمة في بناء
أسرة كبيرة تتكون من عدد
كبير من الزوجات
والابناء،الذين ينشأون
بدورهم وبسرعة أسر نووية
صغيرة بوجود رأس الاسرة
الكبير،وبالتالي تكون
قيادة الاسرة اشبه
بالسلطة الصغيرة التي
تحتاج الى من يقودها
وبطريقة أقرب الى
الاستبداد لحمايتها من
الداخل(التفكك الاسري) أو
من الخارج،ويحتاج ذلك الى
وريث للاسرة غالبا ما
يكون الولد الاول أو
مايتبعه بالتسلسل،ونادرا
ما تكون احد البنات
باعتبار ان الاولوية
للولد في المجتمعات
الشرقية.
تنشأ الممالك وليس الامم
في التأريخ،وخاصة في
الشرق،عن طريق القوة
واستخدام القسوة المفرطة
مع الخصوم ومن يمتلك
القوة الكبرى بجانب العنف
والقسوة والمادة تكون له
الغلبة في النهاية،يتبع
ذلك اقامة سلطة استبدادية
دائمة التوجس والحذر من
الخصوم،وتكون دائما
مستعدة لابادة غالبية
الشعب،نظير البقاء في
الحكم وحكم أقلية منه.
من الخطأ الفادح الصاق
تهمة الاستبداد
بالشرق،والحرية في
الغرب،فالنزعة
الاستبدادية متاصلة
بالبشر ككل،ولا يمكن
ازالتها،من النفوس،ولكن
يمكن تحجيمها وترويضها
الى أدنى مستوى ممكن،في
حالة ممارسة الديمقراطية
والحرية في الحكم ولفترة
طويلة،تعززها تقاليد
عريقة في احترام الاخر
وحريته الشخصية ومنهم
الخصوم،وينشأ ذلك كله من
التربية سواء في التعليم
أو المجتمع منذ
الصغر،وزرع نزعة التعايش
وأحترام الاخر وكره العنف
والعنصرية والاستعلاء وهو
ضروري وهام لحماية
الاجيال المستقبلية من
نزعة التسلط والارهاب
والعنف.
تاريخ الامم والملوك،سواء
في الشرق أو الغرب،ضروري
لدراسة التوريث السياسي
من بدايته وهو شرط أولي
لاستمرارية تلك الانظمة
في عالم خال من
الديمقراطية،الا ان ذلك
يحتاج الى وقت و جهد
كبيرين،ويمكن أختصارها
بما وصل ألينا من بقايا
الانظمة الحاكمة
الحالية،والتقاليد
المتوارثة الاسرية،فهي
نتاج قيم لذلك التاريخ
الدموي الارهابي الذي
سيطر ومازال على العالم
وبخاصة عالمنا العربي وما
جاوره من بلدان أسلامية
وشرقية.
معظم البلدان في العالم
الاسلامي تأسست في القرن
العشرين على اساس نظام
ملكي متوارث،الا أن
غالبيتها أزيل بفعل
الثورات أوالانقلابات
التي غالبا ما تكون دموية
كرد فعل على ديكتاتورية
وفساد الانظمة
الملكية،الا ان دائرة
العنف والقتل بدلا من أن
تهبط،فانها واصلت
ارتفاعها ووصلت الى حدود
تفوق التصور البشري
للابادة الجماعية وأمتهان
الكرامة الانسانية،وتنشأ
معها سلطات ظاهرها
جمهوري،ولكن باطنها
وسلوكها ملكي أو أكثر منه
ملكية!!ويصاحب ذلك ظاهرة
التوريث السياسي التي
كانت منحصرة بالانظمة
الملكية المتوارثة،ثم
توسعت ظاهرة التوريث
بالاتجاهين الحكومي
والشعبي،وقد نشأ كل ذلك
في ظل انخفاض مستوى الوعي
السياسي والثقافي وغلبة
نزعة الخوف،نتيجة عقود
طويلة من الزمن بفعل
الاستبداد والطغيان
المدعوم خارجيا!نتيجة
المصالح الدولية
المتشابكة.
أصبح للاستبداد جذور قوية
في الشخصية الفردية،بفعل
التقادم الزمني،التي
أصبحت تراقب نفسها بنفسها
بفعل الارهاب والقمع الذي
يفوق حد التصور،وما دام
الحد الادنى لمتطلبات
العيش هو الاستمرار
بالحياة بأي ثمن،وهو
السعر الذي تتمسك به
الانظمة الاستبدادية فان
كل شيء يهون ويرخص من أجل
العيش حتى ولو بدون كرامة
أو حرية.
تصنيف التوريث السياسي:

يعطي التصنيف السابق صورة
مبسطة واجمالية لتقسيم
الامم،كل الانظمة في
العالم وفق التصنيف
السابق ولكن بأسماء
مختلفة،وينتج التوريث
بشكل عام،والسياسي بشكل
خاص،في كل التقسيمات
السابقة.
ظاهرة التوريث بشكل عام
منتشرة في كل بلاد
العالم،أما السياسي منها
فأقل أنتشارا،ولوحظ أنه
في الدول المتقدمة تكون
ضعيفة الانتشار،وأذا وجدت
فهي محدودة الصلاحية،أو
ذات فترة زمنية قصيرة
بفعل عوامل عديدة أبرزها
ممارسة الديمقراطية
والحرية في الحكم ونظام
المجتمع ككل،الذي يقدس
الحرية الشخصية ويحترم
المبادرات الفردية
والالتزام بالقانون الذي
يتساوى فيه الجميع.
ولذلك يكون تأثير تلك
الظاهرة،اي ظاهرة التوريث
السياسي ضعيفا في تلك
البلدان،سواء في المسرح
السياسي أو في المجالات
الاخرى المتداخلة معه،الا
أن التوريث الطبيعي في
المجالات الاخرى كالمال
والاعمال وغيرها مازال
موجودا،وهذا شيء طبيعي
لكل أنسان.
هناك تصنيف آخر للتوريث :الاول-مادي
والثاني :معنوي
الاول تكون فيه الامور
المادية(كالسلطة والمال
والجاه)الاساس في التوريث
وهو المنتشر على نطاق
واسع،واساس دراستنا هذه
في جزء منه،وهو التوريث
السياسي.
أما القسم الثاني من
التوريث،وهو المعنوي،فهو
أقل انتشارا من الاول
باعتبار ان التوريث تم
على أساس غير
مادي،كالثقافة والفكر
والفن والادب والعلم
والدين واللغة والصحافة
وغيرها.
ولاحظت في القسم
الثاني،أنه بعد مرور
جيلين أو أكثر تبدأ سيرة
الاسرة بالاضمحلال
والاندثار،لعدم وجود وريث
يكون بمستوى مؤسس الاسرة
في الامور السالفة الذكر.
ومن النادر جدا أن يبرز
في الاسرة من يفوق المؤسس
في مادة بروزه،ولذلك يبني
مجده على مجد صاحب
الاسرة،وفي الغالب يكون
مستواه دون مستوى الاول.
وعموما تلك الامور
المعنوية يتم الحصول
عليها بجهد وكفاح وصبر
يفوق المعتاد بكثير،مع
ذكاء بالغ،ومقدرة عقلية
عالية يصعب على الفرد
العادي الحصول عليها
بسهولة ويسر،مما يجعل
توريثها صعبا،بينما
الامور المادية لاتحتاج
عادة الى ذكاء وقدرة فوق
الطبيعي،لاستلامها
وأدارتها في ظل وجود عدد
من الاعوان والمستشارين.
نجد في الغالب مايكون
أفراد الاسرة في
اختياراتهم
لمستقبلهم،مختلفا عن
أختيار وطريق نابغة
الاسرة الاول،وأذا وجد من
يخلفه،وهو نادر
الحدوث،فأنه غالبا دون
مستوى الاول،في ذكائه
وعبقريته وشهرته تكون
مبنية على الوراثة
المعنوية،وبالتالي شيئا
فشيئا تتدهور مكانة وسمعة
الاسرة العلمية
والادبية،وتنتهي ببروز
الجيل الثالث،الذي يكون
بعيد كل البعد عن توجهات
وآراء وذكاء الجيل
الاول،وطبعا للظاهرة شذوذ
لايعتنى بها لقلتها.
لاحظت أن التوريث في
الامور الدينية،وأعنى به
دراسة الدين
والمذهب،ومايتبعه ويترتب
عليه من دراسات آخرى
مصاحبة في اللغة والادب
والفكر،وكذلك أدارة
المقدسات والهيئات
الدينية،أقول وجدت أن
الاستمرارية أكبر على
أعتبار أن دراسة الامور
الدينية شيء مشاع بين
الناس حيث عدد كبير يتجه
في مجاله،صحيح انه ليس
بالامر الهين ولكن
أنتشاره يكون أكثر كما
وكيفا،وبالتالي تنشأ أسر
كبيرة الحجم تتوارث دراسة
الدين والتعمق فيه،وما
يصاحب ذلك من مكانة
أجتماعية مميزة،قد تصبح
سياسية وأقتصادية،مما
يجعل لعملية التوارث حافز
قوي للبقاء والاستمرار
على نفس المنهج،يضاف الى
الحافز الاقوى وهوالرغبة
الذاتية لخدمة الدين
والتعمق فيه،ويتسبب ذلك
بالاضافة لامور أخرى نشوء
طبقة رجال الدين التي
تحظى بالاحترام من الجميع.
تتزعم طبقة رجال الدين
مجموعة من الاسر الدينية
المشهورة،والتي تبذل
جهودا مضنية في الدراسة
والبحث والمثابرة للحفاظ
على مكانتها في المجتمع
التي تصبح مهددة في حالة
التهاون في بذل
الجهود،وكلما كان حجم
الاسرة كبيرا كلما ساعد
أبناء الاسرة على وجود
أفراد قادرين على الدراسة
والمثابرة للحصول على
أعلى الدرجات الدينية
والعلمية للحفاظ على
المكانة المستقبلية
للاسرة.
وظاهرة الاسر الدينية
موجودة في كل الاديان
والمذاهب وفي جميع الملل
والنحل،ولكن من خلال
استطلاع بسيط في البلاد
الاسلامية،نجدها تكبر
وتتوسع في بلاد المشرق
الاسلامي على بلاد المغرب
الاسلامي.
وقد يعود ذلك الى أنتشار
القبلية وقيمها
الاجتماعية المتوارثة في
المشرق أكثر من
المغرب،ولا ننسى أن
الكثير من أفراد القبائل
في المشرق هاجروا الى
شمال أفريقيا في فترة
الفتوحات الاسلامية،ومنذ
ذلك الحين يشكلون
الاغلبية العربية
فيها،ولكن بدون قوة
القبلية الموجودة في
المشرق(منبع القبائل
والاديان والمذاهب). قد
يعود ذلك لعدة أسباب،منها
القرب من الغرب وشعوبه
المتحررة من نزعة القبلية
أو العلاقات الاجتماعية
والتقاليد المتوارثة التي
تختلف من بلد لأخر ومن
أقليم لأخر.
التقسيم المذهبي:
هناك تقسيم آخر للتوارث
الديني والسياسي من
الناحية المذهبية،فمن
خلال قراءة الماضي
والحاضر نستطيع استنباط
جملة من الملاحظات
والتحليلات الهامة في هذا
الموضوع.
ظاهرة التوريث موجودة في
المذهبين الرئيسين في
الاسلام،الشيعي
والسني،كما في بقية
المذاهب الاخرى ألا أنها
في الجانب الشيعي أكبر
حجما وأكثر اتساعا مع
تطور في الكيف أيضا،على
العكس من الجانب
السني،الذي كانت منتشرة
فيه،لكنها ضعفت كثيرا في
العقود الاخيرة،الا أنها
حافظت على مستواها العالي
في شبه الجزيرة العربية
عند المذاهب المختلفة
وخاصة المذهب الحنبلي
الذي يسمى أحيانا المذهب
الوهابي وهم الاكثر تشددا
في كل شئ ويوازي في الكم
والكيف حجم الظاهرة في
الجانب الشيعي.
ويعود السبب في ذلك الى
التقاليد القبلية القوية
المنتشرة والتي مازالت
تتحكم وبقوة رغم المدنية
والتطور الاقتصادي الناجم
عن تدفق النفط بغزارة
بالعلاقات الاجتماعية
والقيم المتوارثة التي
يعود معظمها الى البداوة
وبيئة الصحراء القاسية مع
عامل مهم آخر وهوالتحالف
السياسي والديني القائم
بين الاسر الحاكمة في
الجزيرة والخليج،والاسر
الدينية التي يبرز منها
عدد كبير من رجال الدين
وأكبر وأهم تحالف أسري
معروف هو بين أسرة آل
سعود(الحاكم
السياسي)،وأسرة آل
الشيخ(الحاكم الديني)،وهو
تحالف قديم يحتاجه
الطرفان لأستمرارية الحكم
السياسي والديني في شبه
الجزيرة
العربية،والاسرتان من نوع
الحجم الكبير جدا(آلآف
الاعضاء)مع أمكانات مادية
هائلة يؤمن لها نفوذ
معنوي مميز ومستمر،ولهم
تراث طويل من النفوذ
والسيطرة(حوالي ثلاث قرون).
نعم تتواجد أسر أخرى ولكن
بحجم ونفوذ أقل،وقد يبرز
من هذه الاسر أحيانا
علماء وباحثين يتفوقون
على الاسر الحاكمة،الا
انهم في النهاية يبقون في
حماية النظام ورعايته
ماداموا يؤيدونه في كل شئ
ويدعمون مؤسسته الدينية.
وفي بلاد الشام الاربعة
توجد ايضا أسر دينية
متوارثة يسيطرون في
الغالب على مناصب الافتاء
والمساجد والهيئات
الدينية ،ألا ان حجمهم
ونفوذهم رغم قوته لكنه
دون المستوى في الجزيرة
والخليج.
في الجانب الشيعي وفي
جميع البلدان الشيعية
ومناطق تواجدهم تبرز
المسألة بصورة أكبر وتأخذ
أبعادا أكثر.
فالعوائل الدينية
كثيرة،وأيضا كبيرة العدد
أحيانا وتتوارث العلم
والادب منذ فترات طويلة
جدا قد تمتد الى قرون
عديدة،
بل في بعضها يعود الى
البدايات الاولى لتأسيس
وانتشار المذهب
الشيعي،لذلك نجد الكثير
من الاسر الدينية تنتسب
الى ذرية الامام على (ع)
وأتباعه من الصحابة
والتابعين والموالين بشدة
له،وتسكن بصورة خاصة في
المدن المقدسة وخاصة في
العراق وايران،ثم بعد ذلك
في مستوى الاهمية في بلاد
الشام والخليج وشبه
القارة الهندية.
يرتفع وينخفض عدد طلبة
العلم والادب حسب أزدياد
حجم الظلم والطغيان :أنخفاضا،وتحسن
ظروف التسامح والحرية :أرتفاعا،وبالتالي
تبرز أو تخبو ظاهرة الاسر
الدينية المتنفذة.
مكانة تلك الاسر الدينية
والاجتماعية،تبقى مهددة
في ظل التنافس الحاصل على
الزعامة الدينية والمكانة
الاجتماعية للحصول على
الدعم والتاييد الشعبي في
ظل غياب التاييد الحكومي
الذي يكون في الغالب اذا
حصل يكون ذا مردود عكسي
واضح،ويبقى الهدف الاسمى
الحصول على اعلى المراتب
الدينية والدرجات
العلمية،مع سمو أخلاقي
عالي هو الوسيلة الاقوى
للبقاء والتواجد في
الساحة.وأسماء تلك الاسر
والبارزين فيها تزخر بها
الموسوعات والكتب الشيعية
المختلفة على مدار القرون
الماضية.
التوريث الحكومي:
1-النظام الملكي:
لايمكن الحديث عن التوريث
السياسي في الانظمة
الملكية بأنواعها
المتعددة لان الطبيعة
الاساسية لتلك الانظمة
تتطلب التوريث وهي أداة
لاستمراريتها و رغم أنها
عملية تبعث على الاستقرار
السياسي ألا أنها غالبا
ما تتسبب في صراعات
احيانا تكون دموية من أجل
الحكم والسيطرة عليه بين
افراد الاسرة الحاكمة.
الحكم الملكي له مميزات
وعيوب وأهم مميزاته
الاستقرار السياسي،ومن
عيوبه ديكتاتورية الاسرة
الحاكمة وعدم احترام
المال العام والطبقات
المحكومة وغيرها،ويبقى
الحل الامثل لهذا النوع
من الانظمة هو جعل الاسرة
الحاكمة رمزا
للدولة،واعطاء الحكم
الفعلي لمن ينتخبه الشعب
وهو ما موجود في بعض
الدول الغربية واليابان
وغيرها حيث أثبت ذلك
النوع نجاحه بالنسبة
للانظمة الملكية،أما
الديكتاتورية الملكية فقد
أثبتت فشلها كما هو واضح
في بلدان العالم الثالث.
أما التوريث السياسي في
القوى السياسية الموالية
والمعارضة في النظام
الملكي،فقد لاحظت أن
التوريث يزداد حتى يكاد
ان يكون ظاهرة عامة في
حالة الحكم الديكتاتوري
والعكس صحيح يكون نادرا
في النظام الديمقراطي
كعلامة دالة على حرية
الانتخابات التي تؤدي الى
اختيار الافضل،وأفضل مثال
على ذلك الدول الاوربية.
أمثلة كثيرة على النموذج
الاول،غالبا ما يؤدي الى
تقريب الاعوان وأسرهم وهم
أحد أدوات النظام لقيادة
الدولة،وهم بالتالي
يكونوا قادرين على تشكيل
أحزاب موالية وأحيانا
معارضة،وغالبا ما تكون
المعارضة ضد أشخاص وأحزاب
في الدولة وليس ضد طبيعة
النظام الاساسية،تنشأ من
خلال ذلك عدد من الاسر
المتحكمة القادرة على
الحكم والمعارضة بنفس
الوقت،ومن الامثلة على
ذلك الحكم الملكي في
العراق بين 1920-1958
ولمراجعة التفاصيل في
اسماء وتكوين الاسر،يمكن
مراجعة الكتب المتوفرة
لتلك الحقبة الزمنية.
مثال آخر في مصر قبل
الانقلاب العسكري عام
1952،وفي الاردن ،وايران
زمن الحكم الشاهنشاهي بين
1925-1979،وبلاد أخرى
كثيرة.
ترتبط تلك الاسر المتنفذة
بالنظام وتنتهي في حالة
سقوطه أو تغييره.
2-النظام الجمهوري:
أما التوريث السياسي في
الانظمة الجمهورية،وهو
الاهم في هذا البحث
بنوعيها الديمقراطي
والديكتاتوري،فهو يكتسب
أهمية فائقة كون أن هذا
التوارث يتعارض بصورة
كلية مع طبيعة النظام
وفلسفته المستندة على
الخيار الشعبي في أبراز
القادة الجدد وتسليمهم
أمور البلاد
والعباد،وبالتالي أي
وسيلة للتوريث يصبح
النظام فارغا من أي محتوى
فكري أو قانوني يمنحه
الشرعية للاستمرار في
الحكم ويمنح الشرعية لكل
الخارجين عليه والراغبين
بالتغيير نحو الافضل.
في الانظمة الديمقراطية
الجمهورية من النادر جدا
حصول التوريث السياسي،لان
عملية الانتخابات هي التي
تحدد من سوف يخلف الرؤساء
والنواب وهذه موجودة في
الحكومة والمعارضة
المتمثلة بالاحزاب
والجمعيات وغيرها،وقد
حصلت بالفعل بعض عمليات
التوريث السياسي ولكن
نادرة الحدوث وبصيغة
الانتخابات وبالتالي
تنتفي صفة التوريث الاعمى
ذو الطابع الديكتاتوري
الاسري،وأذكر هنا مثالا
في اليونان ذلك البلد
الديمقراطي العريق حيث
تحكمه عائلتين منذ عدة
عقود من الزمن وتتناوبان
الحكم بالانتخابات
والعائلتان هما باباندريو
وكرامليس،والاولى تمثل
اليسار!والاخرى تمثل
اليمين،وبما أن حق
الانتخاب والترشح حق
مكفول للجميع ألا أن
سيطرة العائلتين يعود الى
القدرة المالية الهائلة
والعلاقات المتداخلة في
المجتمع والخارج والنفوذ
السياسي والاجتماعي
الهائل اللذان يتمتعان به
بحيث يسهل عملية جذب
الانصار والحفاظ
عليهم،بالاضافة الى ارسال
اولادهم في فترة مبكرة
للعمل في مؤسسات الدولة
للتدرب على دخول المعترك
السياسي.وأيضا هناك بعض
العوائل المتنفذة في
الولايات المتحدة مثل
عائلة كينيدي الشهيرة
وعائلة بوش،ألا أن
التوريث هنا رغم محدوديته
فأنه يكون على فترات
زمنية متباعدة بين أفراد
الاسرة الواحدة تتخللها
فترات حكم لافراد
آخرون،ورغم محدوديتها فأن
تأثيرها شبه معدوم خاصة
في ظل تحديد مستوى
الصلاحيات في الحكومة
والمعارضة على حد سواء.
ومن أجمل الاشياء في
التقاليد الديمقراطية هو
تقديم المسؤول في الحكومة
والمعارضة استقالته عند
حدوث أي تقصير ليس منه
فحسب وأنما من أفراد
أسرته أومرؤوسيه سواء في
شؤون العمل أو الاخلاق
العامة والفساد وغيرها
وهو نادر الحدوث في بلدان
العالم الثالث ومنها
العالم العربي.
التوريث السياسي في
الانظمة الجمهورية
الاستبدادية:
لقد أزداد في العقود
الاخيرة حجم الاستبداد في
العالم الثالث عموما
والعالم العربي خصوصا كما
وكيفا،وأستفاد الطغاة
ومازالوا من الحرب
الباردة بين المعسكرين
الشيوعي والرأسمالي،ورغم
أنتهائها فانهم واصلوا
الحصول على دعم معسكر
المنتصر وتحول أتباع
معسكر المهزوم لهم،المهم
هو الدعم!وليس الشعارات
الجوفاء، وأصبح للاستبداد
فنون عجيبة في حكم الشعوب
وترويضها والسيطرة عليها
لحكمها حسب رؤية ومصالح
الفئة الحاكمة التي غالبا
ما يختزلها شخص واحد،ووصل
الاستبداد حدا تجاوز
الحدود المعروفة في
الاستهانة بالشعوب
المحكومة،فوصل حد التوريث
السياسي للابناء
أوالاحفاد دون أخذ رأي
المحكومين أو حتى الاتباع
المخلصين الذين يجد البعض
منهم القدرة والكفاءة
للحلول محل الرئيس أو
الزعيم،ولئن كانت لهذه
المسألة أي التوريث
السياسي جذورا ضاربة في
التأريخ فأن انتشارها في
العقود الاخيرة في ظل
التقدم الكبير الذي
أحرزته البشرية في
التكنولوجيا وحقوق
الانسان وانتشار مبادئ
الحرية والديمقراطية يثير
الغرابة والتعجب ودليل
على وجود مناطق واسعة من
العالم مازالت تعيش في ظل
الاستبداد أو فقدان الوعي
السياسي والثقافي لاختيار
زعمائها وحكامها أو
تمجيدهم بشكل يثير الشفقة
والاشمئزاز بنفس الوقت!.
تعتبر حادثة توريث
الخليفة الاموي معاوية
لابنه يزيد البعيد كل
البعد عن الدين أو
السياسة عام 55 هجرية
الموافق 675م المعروفة
للجميع الاولى في التأريخ
الاسلامي والدولة في
حينها أشبه بالجمهورية في
شكلها البدائي،ولكنها
ليست الاولى في التأريخ
الانساني،فهذه الحادثة
تسببت بكوارث ومآسي للامة
الاسلامية مازالت تعاني
منها لحد الان،وفتح مجالا
وبابا لتوريث الحكم لمن
لا يستحقه وخلقت صناعة
فريدة من نوعها جعلت
العالم الاسلامي في تخلف
شديد وأقصد بها صناعة
الاستبداد وخرجت أجيال من
الطواغيت من مختلف
الاعمار والمذاهب
والاديان والقوميات!تعتبر
تلك الصناعة المصدر
الاساسي لصادراتنا من
المشاكل للعالم والتي
تكاد تكون البضاعة
الرئيسية للتصدير!.
لاشك أن التوريث السياسي
في هذه الحالة سوف يتسبب
بكوارث ومآسي لاحدود لها
خاصة أذا علمنا أن المؤسس
التطبيقي لهذه الفكرة وصل
الى الحكم بدهاء وذكاء
ودماء وعنف وغدر وخيانة
وهو الاسلوب الذي درج
عليه تلاميذ الاستبداد في
العصر الحديث!وفي النهاية
سوف يتم تسليم راية
الاستبداد والحكم الى
الابن الذي يكون مستلما
لها بدون أدنى تعب ولا
يحمل من القدرات
والكفاءات التي تجعله
قادرا على أدارة الدولة
في أفضل وجه دون نسيان أن
عائلة المستبد وأعوانه
المقربين في الغالب تعيش
عيشة مترفة بدون أدنى جهد
مما يسبب عزوفهم الدائم
عن الدراسة والعمل في
صفوف المجتمع هذا في حالة
قبولهم لمجتمعهم أما في
حالة التعالي فأن الكارثة
تكون أوسع والنتائج نكسات
مستمرة،نعم أن ديمومة
وأستمرارية الحكم شئ
وبناء الدولة ومؤسساتها
شئ آخر،لانه أذا كان
الهدف هو البناء والتحديث
فسوف يكون الحاكم أول من
تتم الاطاحة به لانه وصل
الى الحكم بطريقة غير
ديمقراطية.
الملاحظة الهامة التي يجب
الاشارة أليها هي أنه
يشترك في هذه الصفة
التيارات الشمولية
الحاكمة من أقصى اليمين
الى اليسار المتطرف والتي
طالما أستلمت الحكم
بذريعة الثورة على النظم
الفاسدة التابعة للخارج
والسارقة لمقدرات شعوبها
الى غيرها من الاتهامات
والشعارات المعروف في
اللغة السياسية
الدارجة،لا ننسى أنه لا
يوجد في السياسة ملائكة
وشياطين فالكل
سواسية!ولكن الفرق في
الاهواء والاعمال
والاكاذيب!،تتحول بسرعة
الانظمة الثورية الى
أنظمة قمعية تفوق سابقتها
بفعل الخبرة السابقة
مضافا اليها الخبرة
الثورية الجديدة!وتبدأ
الثورة بأكل أبناءها في
سباق دموي محموم نحو
الحكم،وبعد الاستقرار
النسبي في الحكم،لانه لا
وجود لاستقرار مطلق في
الانظمة
الاستبدادية،الاستقرار
والاستبداد نقيضان لا
يجتمعان أبدا!،تبدأ بعدها
مرحلة التوريث السياسي
بدون أدنى خجل من شعوبهم
أو أتباعهم وأعوانهم
المخلصين،وتحت مسميات
مختلفة ومتعددة وفي تجاهل
تام للماضي.
طريقة التوريث أصبحت
معروفة لنسبة كبيرة من
أفراد المجتمع وخاصة
للطبقات المتعلمة
والمثقفة،تبدأ المرحلة
الاولى بأن يلعب الابناء
في الدرجة الاولى
والزوجات والبنات وكل من
له قرابة بالحاكم بالدرجة
الثانية،مسؤوليات صغيرة
في الحكم،وتلك المسؤوليات
غالبا ما تكون لها قاعدة
شعبية كبيرة في محاولة
لجلب الاهتمام الجماهيري
والاعلام ويقودها أو
يتحمل مسؤوليتها أشخاص
لهم القدرة والكفاءة
ويقدموا المعونة
والاستشارة بعد عملية
التغيير والتعيين في تلك
المسؤوليات الصغيرة،ويبدأ
العمل لخلق قاعدة
جماهيرية مؤيدة يقودها
أعوان جدد لاسرة الحاكم
ويجري تعيينهم في تلك
المناصب الشعبية،وهي تبدأ
عادة بالمناصب الرياضية
مثل قيادة نوادي رياضية
أو أتحادات وهيئات رياضية
شبابية،ثم بعد ذلك تأتي
المناصب الاعلامية سواء
أدارتها أو أمتلاكها مثل
قنوات التلفزيون والراديو
والصحف والمجلات
المختلفة،أوالاتحادات
والنقابات الصحفية
وغيرها،ووسائل الاعلام
تكتسب أهمية خاصة كونها
الوسيلة المثلى في صناعة
الزعماء وتقديمهم الى
الامة بأبهى صورة
ممكنة،كما أنها وسيلة
مهمة لتشويه صورة وسمعة
الخصوم وعدم منحهم الفرصة
للظهور،وكذلك التغطية
الكاملة على جرائم ومفاسد
النظام وأخطائه وتحويلها
أذا أمكن الى أنجازات!
نعم صناعة الاعلام هي
وسيلة سحرية لاتقاوم
لتحويل الجميل الى قبيح
وبالعكس الا من لديه
مناعة حيوية مضادة
للفيروسات الاعلامية،ومن
يحمل تلك المناعة مع
الاسف الشديد قليلون.
أما بالنسبة لنساء الاسرة
الحاكمة وغالبا ما تكون
زوجة الزعيم أن كانت له
زوجة واحدة!،أو بناته
وأخواته وغيرهن،فأن
المناصب النسائية أو التي
تحتاج الى نعومة أنثوية
واضحة فبالتأكيد تكون
محتكرة لهن للتوضيح بأن
الاسرة لها وجه ناعم
ولطيف يعطي لمسة حنونة
لصورتها أمام الرأي
العام،وليست صورة القسوة
والعنف فقط،والامثلة
بارزة للعيان لا تحتاج
سوى تصفح المجلات
النسائية في العالم
العربي كمثال!.
هناك بالتأكيد مناصب
ثانوية لافراد الاسر
الحاكمة مثل أدارة
الجمعيات الخيرية وخدمات
المجتمع للتأكيد على دعم
الاسرة للمشاريع الخيرية
فهي وسيلة مثالية لابراز
وجه الاسرة الطيب وأخفاء
الوجه البشع.
قد يستمر تدريب أعضاء
الاسرة الحاكمة على أدارة
المناصب الثانوية
المستندة على قاعدة شعبية
واسعة فترات زمنية
طويلة،حتى يتم ترويض
الامة لقبول أحد أفراد
الاسرة الحاكمة كخليفة
دون منازع،أو في جهة
المعارضة أيضا! علما أن
الطرق السابقة موجودة في
النظم الملكية المستبدة
أيضا كوسيلة من وسائل
تثبيت الحكم وترسيخه لكي
يدوم أطول فترة ممكنة(بعد
عمليات التوريث).
أذا تمت عملية التوريث
السياسي بسلام وأمان،فأن
الامم تمر بمرحلة طويلة
من الركود السياسي
وبالتأكيد يصاحبه ركود
أقتصادي وأجتماعي وتدهور
فظيع في معنويات الامة
وأنتشار اللامبالاة سواء
في العمل والتخطيط
للمستقبل أوالسيرة الخاصة
وما يتعلق بها من تعامل
مع الغير وضرورة
أحترامه،وضعف التمسك
بالاخلاق والعادات
المتوارثة،أو قد يقود الى
الابتعاد حينا عن الدين
وأعتناق المذاهب الفوضوية
المعروفة.
يؤدي ذلك الى البقاء في
خانة الدول النامية
الاكثر تخلفا،ليس فقط من
الناحية الاقتصادية
فحسب،بل من الجانب
المعرفي فيحصل ركود في
العلوم والآداب،وبالتالي
تزداد الفجوة بينها وبين
العالم المتحضر المتقدم.
يتحول النظام الجمهوري
الاستبدادي،الى ملكية
صرفة للاسرة الحاكمة
وأعوانها،ويزداد القمع
والفساد والمحسوبية،ويكون
المقياس الاوحد هو تأييد
النظام بأي وسيلة
كانت،فينشأ النفاق
الاجتماعي الذي يصبح
وسيلة التعامل الرئيسية
بين الناس ويخلف دمارا
أجتماعيا يكون كامنا في
النفوس وتصبح الصراحة
والمكاشفة،وسائل غير
مرغوبة لانها تهدد الجانب
الامني للبلد أو الدعوة
لها كالعمالة للعدو!.
كلما أزدادت شراسة وقسوة
النظم الاستبدادية،فأن
سقوطها لا محالة سوف يكون
أسرع والعكس صحيح،وهذا
خلاف النظرة المتعارف
عليها بأن وحشية النظام
وقسوته كفيلة بأستمراره
فترة أطول،كلا العكس هو
الصحيح هو أن الضغط يولد
الانفجار الذي لا يرحم
أحد.
دعوة مخلصة:
أمنية في قلب ووجدان كل
أنسان حر،هو أن تقوم
الامم والشعوب الحرة بدعم
الشعوب المستعبدة
وتخليصها من نظمها
المستبدة،ليس فقط خدمة
للانسانية والاخوة
الموجودة فيها ولكل القيم
الدينية والاخلاقية
والادبية،بل أيضا لاجتثاث
الارهاب من جذوره،وزرع
الامن والحرية في العالم
للحصول على المنفعة
الاقتصادية عن طريق
الاستثمار في البلدان
النامية،بعد حصول عملية
الاستقرار السياسي
والاجتماعي والاقتصادي.
التوريث السياسي في
المعارضة:
توسع التوريث السياسي
فأصبح يشمل المعارضة التي
تكافح الانظمة المستبدة
في بلادها وترفع في نفس
الوقت شعارات الحرية
والديمقراطية والمساواة
وأحترام حقوق الانسان!
والغريب في الامر أن بعض
تلك الاحزاب والقوى
السياسية بالفعل تطبق تلك
الشعارات سواء بالمعارضة
أو في الحكم بعد تسلمها
السلطة،لكن ذلك يتناغم
ويتواصل مع عملية التوريث
السياسي بدون الشعور بأن
هنالك تعارض بالفعل فيما
بينها،وبالتالي فأن القول
أن عملية التوريث السياسي
يتعارض دائما مع تطبيق
الديمقراطية والحرية
والمساواة فيه بعض
المجافاة مع الواقع،صحيح
أن عملية التوريث السياسي
تحصل غالبا بدون أجراءات
أنتخابية حرة وفي أجواء
غير ديمقراطية بتاتا،ألا
أن العملية بحد ذاتها هي
سلاح ضد الديمقراطية
والمساواة بين البشر،حيث
يؤدي الى استلاب القرار
السياسي لفترة طويلة بين
مجموعة صغيرة من البشر.
وجود شخص واحد في رئاسة
أو زعامة حزب أو حركة أو
منظمة سياسية أو حتى
نقابية فترة طويلة يحوله
الى حالة الجمود أو
الركود السياسي ويصعب
عليه الدعوة الى التجديد
في الحكم أو المعارضة أو
تبني أفكار جديدة لكون
القيادات المتحكمة فيه
تعارض غالبا التجديد الذي
يؤثر عليها ويهدد سلطتها
وبالتالي تصبح المعارضة
فقط معارضة بالاسم بينما
أفكارها ومبادئها
وبرامجها السياسية تكون
قديمة لا تتلائم مع
متطلبات العصرالجديد الذي
هو في حالة تغير
مستمر،بالاضافة الى ذلك
تموت بمرور الزمن حالة
النقد الذاتي داخل
الحركات السياسية،وأذا
حدث النقد ولأي سبب كان
فأن الاتهامات بالخيانة
أو الطفولة اليسارية
والجهل والانحراف الى
آخره من الاتهامات سوف
تكون جاهزة خاصة اذا كان
القائلين والداعين للتغير
بدون دعم مادي أو معنوى
قوي يجعلهم قادرين على
الوقوف بوجه الحرس
القديم،ولذلك نجد ان
النشاط السياسي وحيويته
وتجدده في الغرب في أوجه
وليس فيه أي مجال للكسالى
ولا فيه حالات ركود أو
بطئ في العملية
السياسية،وتجده متطورا
على الشرق وخاصة العالم
العربي والاسلامي تطورا
كبيرا والفارق يزداد
أتساعا بمرور
الزمن،والسبب الرئيسي
أضافة الى تبني الافكار
والمبادئ الجديدة هو أن
القيادات السياسية سواء
بالحكومة أو بالمعارضة
تتجدد باستمرار وخاصة في
حالة الفشل في الانتخابات
فأن القيادات المنهزمة من
ذاتها تقوم بتقديم
أستقالتها لاعضاء الحزب
أو يقوم الحزب من ذاته
بتغييرهم أذا رفضوا
بعملية أنتخابات داخلية
حرة ونزيهة،وبعدها يأتي
أفراد الصف الثاني لتسلم
القيادة برؤى وأفكار
وبرامج جديدة بل أن
الاحزاب دائما تكون مهتمة
بأستطلاعات الرأي العام
وهي المؤشر الرئيسي
والهام لتوجهات
الشعب،فأذا وجدوا أن
شعبية الحزب أو المسؤولين
فيه متدنية أو في هبوط
مستمر فأن التغيير
لامحالة سوف يكون لتجنب
الهزيمة في الانتخابات
القادمة،لذلك ليس من
العيب الاستفادة من تجارب
الامم والشعوب الاخرى
خاصة التي لها تأريخ عريق
في الديمقراطية،بل العيب
والعار في رفض كل جديد
ممكن أن يفيد الوطن
وتطلعاته المستقبلية.
وجود أي شخص في قيادة
المنظمة السياسية لفترة
طويلة يؤدي الى تكوين
طبقة أو حاشية موالية له
لانه طبيعي ان يدعم
الموالين له ويبعد
المعارضين له ويؤدي الى
تحول الحزب الى حزب أسري
تتحكم فيه مجموعة من
الاسر المتنفذة يصعب على
الاخرين الدخول فيها أو
النفوذ الى القيادة
بدونها دون تقديم الطاعة
والولاء وبالتالي تسهل
عملية التوريث السياسي في
ظل مباركة الحاشية
المتنفذة المطيعة ما دامت
تحصل على كل
الامتيازات،وبذلك تتحول
الاحزاب والمنظمات
المختلفة من أقصى اليمين
الى أقصى اليسار الى
أحزاب أسرية أو
ديكتاتورية صغيرة
بالمقارنة مع
النظام،ويصعب الخروج من
هذا المستنقع الفكري
والسياسي في ظل التدهور
الحاصل في الانظمة
والمعارضة
الرئيسية،وبالتالي يكمن
الحل الوحيد في نظري
القاصر هو خروج المنتمين
الى تلك الاحزاب الى
أحزاب وحركات جديدة
ومحاولة فرض دستور أو
مبادئ عامة تبعدها عن
حالة الجمود والوقوع في
مستنقع الفساد الذي يتضمن
حالة التوريث السياسي.
حالة الصراع والتنافس بين
الاحزاب تتحول بمرور
الزمن الى حالة صراع شخصي
أو أسري،وبالتالي يفقد
التنافس السياسي لخدمة
الوطن كل معنى أو مضمون
حقيقي ويصبح فارغا لا
قيمة له،الجميع يلهث وراء
مصالحه الذاتية الانية
الضيقة،وتنشأ حالة عدم
احترام المعارض سواء في
حالة الحكم أو المعارضة
والنيل من كرامته الشخصية
والادبية،وهذه القاعدة هي
السائدة في العمل السياسي
في العالم العربي كنموذج
بارز للتخلف في العالم
الثالث.
الحركات اليسارية ومنها
الشيوعية هي الاخرى وقعت
في مستنقع التوريث،بعد أن
وقعت في فخ الديكتاتورية
النظرية والعملية مما
أبعد غالبية طبقات الشعب
عنها أو تأييدها،وتلك
الحالة ليست شاذة بل
أصبحت سائدةوغيرها
شاذ!والامثلة كثيرة منها
كوبا في حالة فيديل
كاسترو وأخيه راوول،أو في
حالة النظام الشمولي
المتطرف في كوريا
الشمالية عندما ورث
الزعامة في الحزب
والحكومة،كيم أيل
سونغ(1912-1994) الى أبنه
الديكتاتور كيم جونغ
أيل،كذلك في حالة
الديكتاتور السابق
لرومانيا نيقولاي
شاوشيسكو(1918-1989)حيث
كانت أسرته متنفذة وغارقة
في الفساد والاجرام ولولى
الثورة عليه وأعدامه مع
زوجته في محاكمة سريعة في
يوم واحد لاصبح أبنه هو
وريثه الوحيد في
الحكم،وكذلك في بقية
البلدان الشيوعية الاخرى
حيث عوائل القادة
المتنفذين والذين يعيشون
حياة البذخ واللهو في
عالم أخر بعيد عن حياة
الناس العاديين في أبتعاد
حقيقي عن مبادئ وأسس
الحزب والنظام القائمة
على أنه حكم الكادحين!.
غالبا ما يكون المستوى
الفكري والتعليمي لافراد
الاسر المتنفذة،ضحلا يثير
السخرية والاشمئزاز،ففي
حالتهم تكون الحياة مريحة
ومتيسرة من جميع النواحي
وبالتالي ينصرفوا الى
حياة المتعة واللهو بدلا
من العمل الجاد والدراسة
المتعبة التي لاتعطيهم في
رأيهم شيئا أضافيا عند
أتمامها،
مادام كل شيئ متوفر
لديهم،نعم أحيانا يقوموا
بأستغلال المؤسسات
التعليمية في بلادهم غير
الخاضعة للرقابة العامة
للحصول على أعلى الدرجات
العلمية والادبية دون أن
يرفع مستواهم الثقافي أو
تهذيب أخلاقهم خاصة في
تعاملهم مع باقي أفراد
الشعب الذي ينظرون
اليه،نظرة أحتقار
واستهزاء وتكبر دون أن
يتذكروا أنه لولا هؤلاء
لما وصلوا من مكانة عالية
ولولاهم لما أعار الخارج
لهم أهمية تذكر،ولماذا
يعير لهم العالم الخارجي
أهمية،أذا كانت قيمهم
العلمية والادبية
والاخلاقية لا تساوي شيئا؟.
الامم الحرة الحية دائما
تمنح الفرص والمساواة
للجميع حتى يتقدم
الجميع،وتخطوا الحضارة
وتتقدم نحو الافضل في
المستقبل،لذلك نجد أن
المهاجر الفقير أو أحد
ذريته من بلدان العالم
الثالث مثل الصين والهند
الذي يهاجر الى الغرب
وبالخصوص العالم الجديد
بعد أن يبذلوا الجهود تلو
الجهود،يحصلوا بالنهاية
على مايريدوا
وزيادة،ويكونوا مشاهير في
العلم والمعرفة
والاقتصاد،لكن نلاحظ أن
ذلك لا يحصل في بقية دول
العالم الثالث صاحبة
الدخل الاعلى،لان فرص
الحرية والمساواة شبه
معدومة،والقانون يسير فقط
على عامة الشعب مما يؤدي
الى استغلال
المهاجرين،أبشع أستغلال
ثم طردهم عند أنتفاء
الحاجة منهم أو اذا
تمردوا على قوانين العمل
المجحفة،ولذلك السبب لا
يبرز مشاهير في تلك
البلدان من المهاجرين
اليها،وأبسط مثال دول
الخليج العربية.
أمثلة عن التوريث السياسي
في دول العالم المختلفة:
سوف نعطي أمثلة بسيطة
وبصورة مختصرة عن التوريث
السياسي في بعض بلدان
العالم المختلفة،وخاصة
البلدان التي أشتهرت
بحالة التوريث السياسي أو
التي في طريقها نحو
التوريث،وللمزيد من
التفاصيل حول حالة كل بلد
يمكن مراجعة الموسوعات
والكتب والتقارير
المختلفة.
1-
القارة
الهندية(الهند،باكستان،بنغلاديش،سريلانكا):
هذه البلدان كانت حتى
أنتهاء الحرب العالمية
الثانية عام1945م بلدا
واحدا تحت حكم التاج
البريطاني،ثم استقلت
وانفصلت بعد حروب ونزاعات
داخلية مازال بعضها
مستمرا.توجد في هذه
البلدان،ديمقراطية وتداول
سلمي للسلطة،ماعدا فترات
زمنية متفرقة وطويلة
أحيانا من الحكم العسكري
في باكستان وبنغلاديش،ألا
أن هذه الديمقراطية
والحرية غير كاملة
وحقيقية،في ظل حكم مجموعة
من العوائل المتنفذة في
السلطة منذ أستقلالها
ولحد الان،رغم ضخامة عدد
السكان وكثرة عدد أفراد
الطبقات المتعلمة
والمثقفة.
وحتى عندما تنتقل أحزاب
تلك الاسر الى خانة
المعارضة فأنها تبقى
مستمرة في قيادتها دون
أدنى معارضة!وبدون أي
محاولة للتغيير،وأذا وجدت
المعارضة فأنها تضعف
وتزول بمرور الزمن.
ففي حالة البلد الاكبر
وهو الهند مازالت متحكمة
فيه عائلة أول رئيس وزراء
للهند،وهو جواهر لال
نهرو(1889-1964)وبعد
وفاته تسلمت الحكم أبنته
أنديرا
غاندي(1917-1984)ونافسها
على الحكم أبنها سانجاي
الذي قتل في حادث
عام1980،وبعد مقتلها تولى
الحكم أبنها راجيف
غاندي(1944-1991)الذي قتل
هو الاخر،وعندها أنتقلت
القيادة الى زوجته
الايطالية،سونيا! التي
رفضت مرارا تولي رئاسة
الحزب والوزارة ولولا
الرفض لاصبحت هي الاخرى
رئيسة وزراء،وراجيف زوجها
نفسه هو ابن فيروز
غاندي(ت1960) وهو أيراني
الاصل وقيل غير ذلك! وهو
غير مؤسس الهند المهاتما
غاندي(1869-1948).
تقود هذه العائلة حزب
المؤتمر الذي تولى حكم
الهند لفترة طويلة
ومازال،ورغم هزيمة الحزب
في الانتخابات في
التسعينات،الا أن ذلك لم
يؤثر في
تغيير قيادة الاسرة له!
أو لنهجه وسلوكه رغم كثرة
الكفاءات الهندية
المعروفة في داخله أو
خارجه.
البلد الاصغر في المجموعة
وهو سريلانكا،كانت عائلة
باندرانايكه هي الاسرة
الحاكمة في هذا البلد
لعقود طويلة من
الزمن،فبعد اغتيال رئيس
الوزراء سولومون
باندرانايكه عام 1959
تولت زوجته سريمافو رئاسة
الحزب ثم رئاسة الوزارة
عام 1960م وبذلك أصبحت
أول أمراة تتولى منصب
رئاسة الوزراء في
العالم،ثم نافستها أبنتها
تشاندريكا على الزعامة
وفازت بمنصب رئاسة
الوزراء ايضا!ثم تبع ذلك
تغيير النظام الى رئاسي
تولت البنت رئاسة
الجمهورية والوالدة رئاسة
الوزراء!حتى وفاتها
عام2000م.وتأثير العائلة
في البلد يماثل تأثير
عائلة غاندي في الهند.
أما في حالة البلدين
المسلمين(باكستان
وبنغلاديش) فهي لا تختلف
عن سابقتيها،ففي بنغلاديش
التي أستقلت عن باكستان
عام 1971م نرى وجود
عائلتين تهيمنان على
المسرح السياسي دون أن
تلوح في الافق أي نهاية
لهذه السيطرة،الاولى
عائلة مؤسس الدولة مجيب
الرحمن(ت1975) الذي قاد
البلاد نحو
الاستقلال،وأصبح أول
رئيس،سرعان ما تحول الى
ديكتاتور قضي عليه في
أنقلاب عسكري عام
1975،ومن بعده جاءت ابنته
الشيخة حسينة وتابعت
قيادة حزب والدها(رابطة
عوامي)وتولت رئاسة
الوزراء عدة مرات.
العائلة الاخرى هي عائلة
الرئيس الاسبق الجنرال
ضياء الرحمن الذي تولى
الحكم بأنقلاب
عام1977م-1981م حيث قتل
في حادث،ولعائلته حزب
سياسي رئيسي تولت قيادته
زوجته البيجوم خالدة
ضياء،وأيضا تولت حكم
البلاد لعدة
مرات.والسيدتان أتهمتا
بالفساد وأختلاس الاموال
العامة وقتل الخصوم
وغيرها،الا أن ذلك لم
يؤثر على حجم التأييد
الشعبي !الذي يرتفع
وينخفض حسب الظروف،وكأن
البلاد في حالة عامة من
فقدان الوعي وألادراك لما
يحصل.
البلد الاخير وهو باكستان
فالحالة لا تختلف فيه عن
سابقاته،فهناك ايضا عدد
من الاسر المتنفذة فيه
أشهرها أسرة بوتو التي
تقود حزب الشعب الذي أسسه
رئيس الوزراء الاسبق ذو
الفقار على بوتو الذي
أعدم عام 1979م ثم قاد
الحزب من بعده زوجته
الايرانية الاصل ثم أبنته
بنازير بوتو التي أغتيلت
يوم 28\12\2007م كما
أغتيل قبلها أخويها عامي
1985 و1996 ايضا
لاشتراكهما بالعمل
السياسي،وقد اوصت الى
زوجها آصف زرداري(وكأنه
ملك لاسرتهم) الذي تنازل
بدوره الى أبنه المراهق
ذو ال19عاما لقيادة حزب
عريق وكبير مثل حزب الشعب
في دولة مضطربة مثل
باكستان المتكونة من 170
مليون وتمتلك عدد كبير من
العباقرة والكفاءات
والمفكرين!انها منتهى
السخرية والحماقة،والغريب
أن المعارضة داخل الحزب
وخارجه بقيت صامتة تجاه
هذا الامر الهام الذي يهم
طبقات واسعة من
الشعب،ورغم أدعاء الحزب
وقياداته السابقة
واللاحقة بأنهم يلتزمون
الديمقراطية والحرية
وأحترام حقوق الانسان
والمساواة بين
الجميع!،أتضح بأن تلك
الادعاءات لاتتحقق الا
تحت قيادتهم الرشيدة،ودون
نسيان أن آخرين في
العائلة لهم طموحهم في
القيادة ومنها زوجة مرتضى
الاخ الاكبر لبنازير،وهي
لبنانية وأيضا لديها طموح
سياسي ولديها بنت تجاوزت
سن المراهقة بقليل،وكانت
تعارض عمتها لانها تريد
القيادة لنفسها أيضا!،لقد
أصبحت السياسة في هذا
البلد المنكوب حكرا على
اسرة مازالت مؤيدة من قبل
الملايين!.
تشترك هذه البلدان
الاربعة السابقة في عدد
من الصفات من ناحية
التوريث السياسي ونتائجه
أوجزها كالآتي:
أ-العوائل المتحكمة
بالمسرح السياسي لديها
شبكة هائلة من الاعوان
والمناصرين مدعومة بشبكة
مالية ضخمة وبدعم داخلي
وخارجي.
ب-كل هذه العوائل وعدد
كبير من أعوانها متهمة
بالفساد سواء |