الولادةالاولى

نصوص

مقالات

حوارات

راي ومقال

مسرح

نقد ادبي

مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


 

 

لغة الشعر عند بدر شاكر السياب
وصلتها بلغة المصادر العربية القديمة

  د . فاروق مواسي


الفهرست
·  TOC \o "1-2" \u مقدمة....................................................................... PAGEREF _Toc102891372 \h 2
· "الفصل الأول"...................................................................................... PAGEREF _Toc102891373 \h 5
o أصداء قديمة......................................................................................... PAGEREF _Toc102891374 \h 6
o بين القديم والجديد "ظواهر أخرى بارزة في مبنى الجملة................................... PAGEREF _Toc102891385 \h 51
o أصوات جديدة.................................................................................... PAGEREF _Toc102891389 \h 88
· " الفصل الثاني" - " اللفظة عند السياب".................................................... PAGEREF _Toc102891390 \h 101
o اللفظة عند السياب ..................................................................      ...  PAGEREF _Toc102891391 \h 102
o ملحق: "دراسة تطبيقية"..................................................................... PAGEREF _Toc102891393 \h 121
· بدر شاكر السياب نبذة عن حياته..............................................       ..... PAGEREF _Toc102891394 \h 129
· "بيبليوغرافيا"........................................................................   .... PAGEREF _Toc102891395 \h 131

مقدمة
 
في هذه الدراسة محاولة لاستقراء أسلوب بدر شاكر  السياب ( 1926 – 1964 ) ولغته، باعتباره رائدًا من رواد الشعر الحر، ترك أثره في التجديد الشكلي والمضموني وتناولته الدراسات الأدبية الكثيرة.
ونحن هنا إذ نتمم الجانب اللغوي ندرك أن مثل هذه الدراسة فيها جدة –طريقة ومنهجًا- فمن رواد البحث اللغوي للأدب العربي عامة ، والشعر العراقي خاصة  كان د. إبراهيم السامرائي في كتابه "لغة الشعر بين جيلين"، فقد وقف فيه على ظواهر لغوية في شعر عدة شعراء، رغم أن دراسته لم تكن بمنهجية وتنظيم ،  بل يشوبها الكثير من الأحكام التقريرية، فهو إذ يعالج مشاكل اللغة لا يتورع من استعمال كلمة "أخطأ" (1).
ونحن هنا لا نحكم بالخطأ ،  ولو خرج الشاعر عن المألوف، بل نضع في اعتبارنا ما قاله روبنشتاين:
" الجملة الصحيحة في لغة ما هي الجملة القائمة فعلاً ، وليست الجملة التي من المنطق أن تكون، وإلا فإننا لا نتجاهل الحاجات العلمية الموضوعية فحسب، وإنما نتجاهل طبيعة اللغة المتطورة"(2).
إذًا فسبيلنا في هذه الدراسة أن نستقصي الظواهر البارزة في استعمالاته اللغوية - كما هي -  مفترضين أن الشاعر يكرر ظواهر معينة هي بمجموعها تكوّن أسلوبه، وأنه يحاول المزج بين العناصر القديمة والجديدة.
 أما العناصر القديمة عند السياب فتتمثل بتأثره من القرآن والشعر واستعماله اللفظة المعجمية الغربية، ذلك لأني- قارئًا  للشعر- ألمس استفادته من القرآن والشعر القديم - بشكل لا يضاهيه شاعر قديم أو محدث، وهذا القول لا يعني تجاهل بعض الشعراء ممن ضمّنوا أشعارهم بمثل هذه العناصر  ، كالبياتي مثلاً(3).
وليس من شأننا عند تناول الأصداء القديمة أن نعالج مثلاً أي الشعراء تأثر بهم السياب، أو كيف تطور الأسلوب عنده من ديوان إلى آخر، ذلك لأننا سنبحث عن كل صدى قديم في مجموع شعره، وسنحاول تصنيف هذه الإفادات: هل بقيت على حالها؟ هل تطورت؟ فإن وجدنا ظاهرة معينة في ديوان معين أشرنا إليها، وأن رأينا شاعرًا قديمًا معينًا له تأثير أبرز من سواه فإننا لا نؤكد أن السياب متأثر به، فربما يعود الأمر إلى أن كاتب هذه الدراسة يحفظ لهذا الشاعر القديم أكثر من سواه؛ وليست عملية جمع الأصداء ميسورة وهي عند كل باحث تختلف عما هي عليه عند الآخر.
وأما العناصر الجديدة فهي الظواهر غير المألوفة على اللغة القديمة، ولكن الكثير منها مألوف في لغة الأدب الحديث. وليس في وسعنا أن نؤكد ميزة لغوية خاصة بالشاعر مقصورة عليه، بل نرى الظواهر البارزة والمتكررة كالجمل الإنشائية والاعتراضية وجمل التشبيه -  مثلا - وفي ظواهر أخرى سنهتدي إليها، ونرى فيها جميعًا صورة واحدة هي صورة لغة السياب، فإذا ما استقصينا الجمل الإنشائية ودللنا على بروزها عند السياب فهذا لا يعني:
أ- أن الجمل الخبرية أقل.
ب- أن غيره من الشعراء لا يستعملها، فالجمل الإنشائية من طبيعة الشعر، وإنما بتراكم هذه الجمل وتكرار أدوات الاستفهام والتمني والنداء وغيرها نؤكد أن هذه سمة من سمات شعره، وليس من سبيل أن يملك المرء الحكم والتقرير إلا إذا ملك اطلاعًا كافيًا على قديم الشعر وحديثه.
نعود إلى القول أننا نفترض أن الشاعر يكرر ظواهر معينة في شعره، وهو يمزج بين العناصر القديمة والحديثة.
من خلال هذا المنطلق نعمد إلى تصنيف الظواهر اللغوية في مجموعة السياب الكاملة "ديوان بدر شاكر السياب" ج 1 ،  فإذا اقتبسنا منه نشير إلى رقم الصفحة مجردًا، كما نضيف إليها ديوان "البواكير" لاحتوائه على قصائد ليست في المجموعة الكاملة، فإذا اقتبسنا منه نشير في الحاشية "البواكير" مضافـًا إلى رقم الصفحة فيه.
ودراسة لغة الشعر عند السياب بالإضافة إلى أنها استمرار وتطوير لفكرة السامرائي فهي تطمح أن تغطي النقص الذي أشار إليه د. إحسان عباس في نهاية كتابه "بدر شاكر السياب" في وجوب بحث الأساليب اللغوية عند السياب، وهو ما أشار إليه د. لويس عوض في مقاله "شناشيل معبد الأقتان" (4) في ضرورة بحث الظواهر اللغوية عند السياب، وما أشار إليه اللغوي إبراهيم أنيس في ضرورة بحث اللغة في الشعر العربي عامة (5).

"الفصل الأول
ظواهر بارزة في مبنى الجملة:-
2 - بين القديم والجديد.
ظواهر أخرى بارزة في مبنى الجملة.
3- أصوات جديدة.
 
 
أصداء قديمة
 
أ‌- مدخل إلى الأصداء القرآنية في شعر السياب:
 
القرآن بأسلوبه ولغته له تأثير على كل شاعر وناثر، بيد أن السياب يبرز ويتميز بكثرة اقتباساته من الألفاظ القرآنية، بل إننا نرى في كل قصيدة "  تحويماتــه "  في الأجواء القرآنية: في ارتباطه بالعبارة أو المضمون أو الأسلوب، فهو يطعّم شعره بالروح التراثية مستغلاً ثقافته العربية؛ وفي بروز هذه الظاهرة دعوى للقارئ أن يستقبل الشعر الحديث ويأنس به، إذ أن مثل هذا الشعر المتصل بالشعر القديم والقرآن يستهوي إليه القارئ التقليدي، بالإضافة إلى أن القارئ الحديث يجد بهذه الاقتباسات والانتفاعات ثقافة واطلاعًا.
ففي لغة السياب كثيرًا ما نقع على تركيب أو جملة مأخوذة من القرآن أصلاً، يسوقها في شعره كما هي بمعناها الأول أو في سياق جديد. وليس سبيلنا أن نذكر في كل استعمال كيف كان في القرآن وكيف غدا  عند السياب إلا إذا وجدنا ضرورة تحتم ذلك. ومن أساليب القرآن المتنوعة وجدنا بعض الاستعمالات في شعر السياب جمعناها لنشير بأنه استعملها من غير بتّ أنها من القرآن حصرًا وقصرًا.
ونحن هنا لا نتحدث عن مواضيع القرآن في تناولنا المضمون، بل نقف عند الآية ذاتها، وكيف كانت عند السياب، ودليلنا إلى ذلك وجود كلمة أو أكثر توحي لنا بالأصداء القرآنية، فإذا قال الشاعر:"حبل من الليف" (6) فإننا نستذكر قوله تعالى " حَبْلٌ مِنْ مَسَد" (7). فالمسد هو الليف ولسنا نرى وجوب المقارنة، وان قال الشاعر:- " علينا عقاب برئوا منه واقع" (8) فإننا نتذكر "سَألَ سائِلُ بِعَذابٍ واقِع" (9) فالعذاب في القرآن هو العقاب عند السياب. وما من شك في أن الشاعر بكثرة استفادته من القرآن قد حافظ على جزالة اللغة ،  واقترب من المألوف اللغوي ، ومهد لاستقبال التراكيب الغربية مما سنعمد إليه .
 
تأثير القرآن على السياب
 
1- في الأسلوب.
2- في التعابير.
3- في المضمون.
4- الأجواء القرآنية.
5- ألفاظ قرآنية بارزة.
1- في الأسلوب:
في القرآن أساليب مختلفة من تكرار ونداء واستفهام وتمنٍّ وإيجاز وحذف وغيرها، وإليك بعضًا من هذه الأساليب التي استعملها السياب:
أ- التكرار: ظاهرة تلازم شعر السياب، ولها أصول في القرآن، وعلى سبيل المثال ما ورد في سورة الرحمن، ونحن هنا لا نجزم أنه استفاد التكرار من القرآن مباشرة، بل نؤكد أن أسلوب التكرار وارد كثيرًا في القرآن، وربما كان له تأثيره على الشاعر.
(أنظر موضوع التكرار – ملاحظة 397 وما بعدها ).
ب- التمني: ففي قول السياب " يا ليتني ما زلت في لعبي" (10) يذكرنا بتمنيات مشابهة مبدؤه ب "يا ليتني" وردت في القرآن (11) وحتى المعنى يتطابق أحيانًا ...فالسياب يقول:
" يا ليتني لم أكن رأيتك من قبل ولم ألق منك عطف حنون
آه لو لم تعوديني على العطف وأه لو لم أكن أو تكوني" (12).
فهو مستمد من قوله تعالى: "يا لَيْتني مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًا" (13).
ج- أما الاستفهام والتكرار في أداته فاقرأ قوله تعالى: " قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السماءِ والأرضِ أمْ مَنْ يَمْلُكُ السَّمْعَ والأبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدّبِرُ الأمرَ..." (14).
وهذه الطريقة تتكرر عند السياب ، ولنذكر مثلاً:
" فمن يسمع الروح من يبسط الظل
في لافح من هجير النُّضار
ومن يهتدي في بحار الجليد إليها،
فلا يستبيح السكينة" (15).
د- ومن أساليب القرآن القسم ، فكثيرًا ما نرى -  وخاصة في مطالع السور قسمًا مبتدئًا بالواو: " والتين والزيتون" ، "والفجر" ، "والليل" ...الخ.
والسياب في ديوانه "البواكير" استعمل هذا الأسلوب على غرار ما ذُكر  في القرآن ، وذلك  إذ يقول:
"والعصر مخضوب البنان
 وأزاهر الحقل الحسان
والصبح يملأ بالندى عطرًا سلال الأقحوان
والبدر وهو مظلة لليل يمتلك افتتاني
إن الفؤاد لفي ضلال..." (16).
وهو تتبع لأسلوب القرآن - وخاصة في سورة العصر ،  إذ تبدأ بنفس الكلمة "والعَصْرِ" ،  ثم ما يلبث أن يقول: "إِنَّ الإِنسانَ لفي خُسْر" (17).
وجملة السياب " إن الفؤاد لفي ضلال" جوابًا للقسم جاءت على نـمط  الآية وطريقة ترتيب كلماتها.
ه- واستعمال المفعول المطلق عند السياب كثير نذكر بعضها:
" وهي تسفه سفّـا" (18).
" يزحف تحتنا زحفا" (19).
وما أكثر هذه الصيغة في القرآن: "أنَّا صَبَبْنا الماءُ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقّا" (20).
وحتى أن بعض الكلمات يكررها السياب كما هي:
" قد فتحت فتحًا مبينًا مضاربه" (21).
وقد ورد في القرآن: " إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبيناَ" (22).
و- الأسلوب القصصي- ونورد مثلاً مشابهًا للقرآن نصًا وروحًا من السياب:
" اروي لنا نبأ الطريد فأنت راوية الزمان
أغوته حواء فسد يديه نحو الأفعوان
ذاقا فكانا ظالمين فكيف يُجْزى الظالمان؟
وبدا الموارى منهما فإذا هنالك سوءتان
وعليهما طفقا من الورق المهدل يخصفان" (23).
وهذا السرد الشعري استقى أغلب ألفاظه من القرآن:
" فلمّا ذاقا الشَجرةَ بَدَت لهما سوءاتُهُما وطَفِقا يَخْصِفان عليهما مِن وَرَقِ الجَنّة، ونادَاهما رَبُّهما أَلَمْ أَنْهَكُما عَن تِلْكُما الشجرةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشيطانَ لكُما عَدَوٌّ مُبين، قالا ربَّنا ظَلَمْنا أَنُفُسَنا...." (24).
ز- استعمال "مِنْ" الزائدة ،  وتكون مسبوقة بنفي أو استفهام  ، كقوله تعالى: "ما أُريد مِنْكم مِنْ رِزْق" (25) والسياب يستعمل هذا الأسلوب في قوله: " ما لها من مَرْسى" (26) وسنرى في تناولنا لجملة العطف وضمير الشأن أثر القرآن كذلك.
 
2- استعمال تعابير وتراكيب قرآنية:
 
فالمثل الذي سقناه، "فتحت فتحًا مبينًا مضاربه" مأخوذ كلماته كما قلنا من القرآن ،  وما أكثر ما يضمن الشاعر تراكيب  كما هي:
"والجوع لعنة آدم الأولى وارث الهالكين
ساواه والحيوان ثم رماه أسفل سافلين" (27)
ومن المؤكد أن الشاعر نظر إلى  الآية "ثم رددناه أسفل سافلين" (28)  ، وما فعل إلا أن استبدل كلمة بكلمة لملائمة الوزن الشعري.
وفي القرآن: "فهي خاويةٌ على عُروشها وبِئْرٌ مُعَطَلةٌ وقَصْرٌ مَشيد" (29).
و ها هو السياب يكرر حروف العطف على نسق القرآن ،  ويستعمل تركيبًا ورد في الآية السابقة :
"خاتم وسوار وقصر مشيد
من عظام العبيد" (30).
وفي قول السياب:
"وكأن- يا بشرى- كأن هناك في أقصى الجنوب" (31) تذكرة  بدعوة البشارة:"قال- يا بشرى-
هذا غلام" (32).
والاستعمالان اعتراضيان.
ويقول السياب: "ويصدى كل فج" (33 ، )فسرعان ما يتبادر إلى أذهاننا تركيب "كل فج..." (34).
وفي قول الشاعر: "قضي الأمر بالسفر" (35) استخدام لـ "قضي الأمر" الواردة في القرآن (36).
ومن التعابير القرآنية "ملح أجاج" و "عذب فرات" يقول تعالى: "هذا عَذْبٌ فُراتٌ وهذا ملحٌ أُجاج" (37).
فالسياب يقول مستعملا التركيبين:
"فما دهاه اليوم حتى غدا-
ملحًا أجاجًا بعد عذب فرات" (38).
كما يستعمل كلمة (  أجاج )  بمعنى المالح: "شربت أجاج الماء" (39).
والنفخ في الصور وارد في القرآن: "يومَ يُنْفَخُ في الصور فتأتون أفواجا" (40)  ، فيقول السياب وهو يتمنى أن يكون له صوت قوي: "كنفخ الصور يسمع وقعة الموتى" (41).
وفي تعليق السياب: "وحق العقاب" (42) تطابق مع قوله تعالى: "إن كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فحَقَّ عِقاب" (43) .
وقول السياب في سياق ديني: "لقد أغضب الآثمون الإله وحق العقاب".
واستعمال "المن" و "السلوى" في الشعر عنده مأخوذ من القرآن "وأنزَلْنا عليهِم المَنَّ والسَّلْوى" (44) فالمن والسلوى المنزلان على بني إسرائيل يجعلهما الشاعر للاجئين ولكنهما من نوع جديد: من شعير، يقول السياب:
"يا مكتبا للغوث هب للتائهين
منًّـا وسلوى من شعير" (45).
تبين لنا مما سلف أن الشاعر يتناول التركيب القرآني  ويدخله في نسيج شعره، ولم نلحظ فيما تتبعنا  أنه اقتبس آية بكاملها ، كما عهدنا ذلك  في بعض "الاقتباسات" البلاغية القديمة.
 
3- في المضمون:
 
الشاعر يتأثر بمضامين القرآن، فهو يتحدث عن الجنة والثمر.. وكأنه يستذكر قوله تعالى: "ولهم فيها مِنْ كُلِّ الثَّمَرات" (46) ،  فيقول السياب:
"من نخل جيكور أجني دانـي الثمر" (47).
"لن أرى جنة الهوى- لا ولن اقطف الثمر" (48).
وهذا يذكرنا بقوله تعالى وصفًا لجنته -  "قُطوفُها دانِيَة" (49  ؛ بل هناك آيات أعاد السياب صياغتها شعرًا:
"وبدا الموارى منهما فإذا هناك سوءتان
وعليهما طفقا من الورق المهدل يخصفان" (50).
وهذان البيتان مستمدان من قوله تعالى:
 "فلما ذاقا الشَّجَرةَ بَدَتْ سَوْءاتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عليهِما مِنْ وَرَقِ الجَنّة" (51).
وعندما يقول السياب عن المسيح:
"فسار يبعث الحياة في الضريح
ويبرئ الأبرص أو يجدد البصر" (52).
كما يقول في مكان آخر : "سيبرئ الأعمى- ويبعث من قرار القبر ميتا" (53).
فالسياب يتأثر مباشرة من مضمون الآية التي تتحدث عن المسيح: "وأُبْرئُ الأكُمَةَ والأَبْرَصَ وَأُحْيي المَوْتى" (54).
ويقول الشاعر:
" وفتحت السماء لغيثها المدرار بابـًا بعد باب" (55)،.
فهو قد استذكر قوله تعالى: "وفُتِحَتِ السَّماءُ فكانَتْ أبْوابا" (56).
وكلمة "السماء" ارتبطت بكلمة "مدرار" في ثلاثة مواضع في القرآن (57)، فلا عجب إذا رأينا لصوقهما عند الشاعر.
وفي سورة مريم يقول تعالى: "وهُزّي إليْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ رُطَبًا جَنِيّا" (58).
والسياب يقول:
"إنه الرطب
تساقط في يد العذراء وهي تهز في لهفة
بجذع النخلة..." (59).
فالشاعر تخيل ما حدث بعد أمر الله إلى مريم، وهو يتحدث عن النخل في العراق ...ثم عن المطر والخير اللذين يعقبانه، فالرطب عطاء لمريم ساعة الضيق، وهو ما يتشوق إليه الشاعر حتى يتخلص مما يعانيه.
يقول د. عز الدين إسماعيل في مقالـة له: "فالشاعر الذي هدّه السفر وأيأسه المرض لا بد أن ينتظر معجزة تفتح أمامه باب الحياة من جديد، وتذهب بالمخاوف في نفسه وتشيع فيها الأمن، ولنتدبر كيف تسرب هذا المعنى إلى نفس الشاعر من بقية الآية، لقد اتخذت الآية الكريمة في نفس الشاعر مسارًا نفسيًا خاصة وتحددت أمامه ببعد شعوري يرتبط بأزمته الراهنة" (60).
وفي حين يقسم القرآن "والليل إِذا عّسْعَس" (61) يستعمل شاعرنا نفس الكلمات بصيغة الشرط: "وإن عسعس الليل" (62)، "حين يعسعس الوسن" (63)، والآية القرآنية المذكورة متلوّة بآية أخرى "والصُّبْحِ إِذا تَنَفَّس" لكن الشعر آثر أن تتغير كلمة "الصبح" فيأتي بمرادفة لها ، وذلك  إذ يقول: "تنفس الغد في اليتيم" (64).
ومن تأثير القرآن مضمونًا ما قاله السياب:
"سيعلمون من الذي هو في ضلال" (65).
والآية تنص: "فَسَتَعْلمونَ مَنْ هو في ضَلالٍ مُبيِن"(66) وهو تطابق إلا ما ألزمته الضرورة الشعرية واللغوية.
وقول السياب: "أنا مع الصبح على موعد" (67)، صياغة أخرى لقوله تعالى: "إِنْ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْح" (68).
فالموعد في الحالين هو في الصباح، أما ما يتبع ذلك فهناك تباين، إذ معنى "الصبح" في القرآن وارد على وجه التعميم بترقب العذاب والتهديد للكفار، بينما "الصبح" عند الشاعر هو رمز تفاؤل وخير.
 
4- الأجواء القرآنية والإيحاء:
 
لعل أبرز ما يوحي لنا بهذه الأجواء بعض الكلمات التي تشير إلى الصورة القرآنية، فعندما يقول الشاعر:
"فرأى القبور يهب موتاهن فوجًا بعد فوج" (69). فان كلمة "فوج" تستدعي تذكّرنا للموقف يوم القيامة: "يَوْمَ يُنْفَخُ في الصّورِ فَتَأتون أفْواجا" (70).
 وفي قول السياب: "يتنفس في كهف هار" (71) يخطر في بالنا قوله تعالى: "جُرُفٍ هارٍ" (72) ،  والشاعر استعمل "هار" بعد الاسم الموصوف ،  لأنه يريد أن يبين عمق المكان ونتانة التنفس فيه، بالإضافة إلى أن في المخرج الصوتي للفظتين "كهف" و "جرف" تشابهًا.
ويقول الشاعر:
"قبس من نور قلبي مشرق في ناظريك" (73).
هذا القبس يذكرنا بقوله تعالى: "أنظُرونا نَقْتَبِسُ من نورِكُم" (74).
فبينما يتحدث القرآن على لسان المنافقين وهم يخاطبون المؤمنين ،  فإن الشاعر يورد هذا في معرض الغزل فقبس النور من قلبه يشرق في عينيها.
ويقول الشاعر:
"بجرتها من دافق الماء سلسل" (75).
ودافق الماء إضافة لفظية وقلب لقوله تعالى:
"مِنْ ماءٍ دافِق" (76).
فالشاعر تحدث عن الماء المتدفق ،  بينما كان الماء في القرآن مجازًا.
ويقول الشاعر:
"ألا وقرت آذان من يسمعونه" (77).
ووقر الآذان تعبير قرآني: "وفي آذانهم وَقْرًا" (78).
فالشاعر صاغ جملته بأسلوب إنشائي دعائي يعبر فيها عن انفعاله ، بينما هي في القرآن جملة خبرية.
وتفجير العيون وارد في القرآن بصيغة خبرية:
"وفَجَّرْنا فيها مِنَ العُيون" (79).
" وفَجَّرْنا الأَرْضَ عُيونـًا فالتَقَى الماءُ" (80) ؛فالشاعر يصوغ بعض كلماتها بأسلوب إنشائي استفهامي: (81)
"فمن يفجر الماء منها عيونا لتُبنى قرانا عليها".
ويقول السياب بأسلوب التمني الذي يعبر عن تشفّيه : :
"لو تستطيع الكلام
لصبت على الظالمين
حميمًا من اللعنات" (82).
فنلحظ أن بعض كلماتها توحي لنا بالآية: "قُطّعَتْ لَهُم ثِيابٌ من نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقَ رؤوسِهم الحَميم" (83) ؛
وهذه الصورة أيضا نجدها عند الشاعر في قوله:
"ستنصب نار" (84)، كما أن قول الشاعر:
"ولا تلظّى بناره" (85) يذكرنا بقوله تعالى:
"فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظى" (86).
وتعبير "العيون الحور" عند الشاعر مأخوذ من قوله تعالى : "حُورٌ عين" (87).
فالعيون "الحور" و "الشراب" من كلمات القرآن المترددة في وصف الجنة والشاعر يقول:
"العيون الحور لو أصبحن ظلاً في شراييني" (88) ،  "من الأعين الحور ينبوعها" (89).
وعندما يقول الشاعر "فينفطر قلب السماء" (90) لا شك انه يستوحي جو الآية "إِذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ" (91)، وكلمة "انفطر" في كل استعمال لها في القرآن ملازم لكلمة "السماء"، لكن الشاعر يمزج بين التعبير القرآني وبين التعبير الدارج "انفطر عليه"، ويقول الشاعر:
"لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من أثر" (92).
إشارة إلى قوله تعالى: "وَثَمود الذين جابُوا الصَّخْرَ بالواد" (93) ويذهب تفسير الجلالين إلى أن كلمة "الواد" تعني وادي القرى، وفي "معاجم اللغة" الوادي- منفرج بين جبال إن آكام يكون منفذًا للسيل؛ فالشاعر -كما رأينا - يستعمل كلمة "الواد" بحذف الياء وليس له أي مبرر، ففي القرآن حذفت الياء لأنها في نهاية آية ،  وحفاظًا على الفاصلة القرآنية، بينما هي عند الشاعر حافظت على رسمها القرآني كما هو.
ولنلاحظ كيف يستعمل الشاعر الكلمات القرآنية من أكثر من آية، فالسياب يقول:
"كورت النجوم إلى نداء: قابيل أين أخوك" (94) يجمع الكلمات من أكثر من آية: "إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وإذا النُّجوم انْكَدَرَتْ" (95) ، ثم لم يلبث في معرض حديثه عن اللاجئين أن يخاطب قابيل الوارد ذكره في القرآن (المائدة 31)، كما نلحظ أن كلمة "نداء" وردت في القرآن بمثل الجو الذي وصفه السياب في قصيدته "قافلة الضياع"- يقول تعالى: "وَمَثَلُ الذينَ كَمَثَلِ الذي يَنْعَقُ بما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداء" (96).
وفي قافلة الضياع يقول الشاعر:
"جمعت السماء آمادها لتصيح
كورت النجوم إلى نداء، قابيل أين أخوك؟" (97).
ويقول السياب: "... ابَّنه في موته والمضغة الصلصال" (98) "والمضغة" و "الصلصال" تتعلقان بخلق الإنسان: "إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ" (99)، "خُلِقَ الإِنسَّانُ مِنْ صَلْصَّالٍ كَالفَخّار" (100).
ويبدو أن الأصداء القرآنية تبقى في نفَس القصيدة، فكلمة "الفخار" التي في الآية الأخيرة يستعملها السياب في مكان آخر من القصيدة التي استشهدنا منها (101).
ويقول الشاعر:
"وانجلى الفجر حاملاً بين كفيه سعيرا
عذابه يصليني" (102).
وفي القرآن : "وَيَصْلَى سَعيرا" (103)، وكلمة "يَصْلَى" تتردد عند الشاعر، وعلى سبيل المثال: "اصلوها نارا" (104)، وهي مطابقة لقوله تعالى : "واصْلَوْها..." (105) والكلمات بتجميعها تدعنا نتذكر آيات مشابهة، ففي قول السياب:
"أنها عادت هشيما يوم أن أمسيت ريحا" (106).
فإن لفظتي "الهشيم " و" الرياح "  تذكراننا بقوله تعالى : " فأصْبَحَ هَشيمًا تَذْرُوه الرِيّاح" (107)؛  فالشاعر يخاطب الصقر الإلهي أن يترفق لأن روحه تتمزق، والله يريد أن يضرب مثلاً على ضعف الإنسان: أن نبات الأرض أصبح قشًا تذروه الرياح ،  وهكذا حال الكافر.
وفي قول السيياب:
" يا للقبور كأن عاليها غدا سفلا
وغار إلى الظلام" (108).
نستوحي قوله تعالى: "فَجَعَلْنا عالِيها سافِلَها" (109)، ومن الملاحظ أن جملة السياب تشبيه يعبر فيه عن رهبة الموقف ، بينما آية القرآن تقرير ووصف حال .
وفي قول السياب:
" مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه النار" (110).
استفادة من القرآن : "يَكادُ زَيْتُها يُضيء ولَوْ لَمْ تَمْسَسَهُ نار" (111).
والشاعر يقول:
"لو أودع الله إياها أمانته
لنالهن على استيداعها ندم" (112).
وهذا مضمون قرآني من الآية: "إِنَّا عَرَضْنا الأمانةَ على السمواتِ والأرْضَ والجِبالَ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها" (113).
فالشاعر استعمل أداة الامتناع -  بمعنى أن الندم سيحصل لو تم ذلك، بينما الآية تتحدث عن رفض الجبال أن تحمل الوديعة.
وترتبط كلمة "التنور" بالفيضان في قوله تعالى:
"حتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفَار التّنّور قُلْنا احْمِل فيها مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْن" (114).
وإذا بها عند السياب مرتبطة كذلك:
" في قلبه تنور- النار فيه تطعم الجياع
والماء من جحيمه يفور
طوفانه يطهر الأرض من الشرور" (115).
وكلمة "التنور" لها أكثر من تفسير، لكن الغالب فيها أنه الموقد،وهذا لا يمنع الشاعر من ترديد كلمة "تنور" بالمعنى القروي "موقد" من غير أن يتقيد بالجو القرآني كقوله:
" يا قصة عنتر إذ تروى حول التنور فأحياها" (116).
 
5- ألفاظ قرآنية بارزة:
 
ليس سبيلنا هنا أن نقف عند كل لفظة  قرآنية، وإنما نقف عند بعضها، فكلمات مثل: آد، يدثر، اجتبى، وغيرها كثير نميزها على أنها وردت في القرآن ...وتذكرنا بآيات  قرآنية.
وشاعرنا مولع باللفظة القرآنية كلفظة: "أزف" (117)، يقول الشاعر:
"لقد أزف الوعد" (118)
وكأنما أزف النشور" (119)
وهو يؤثرها  على (جان) و (آن) و (جاء) وإضرابها لان "أزف" تخلق عنده الإحساس بالجزالة اللغوية، وكلمة "الوصيد" (120) تعني العتبة أو فناء الدار، فيقول الشاعر:
"رمت الرداء ونشرته على الوصيد" (121).
واستعمال حرف الجر "على" يقربنا من معنى آخر من معاني الوصيد وهو "نبات متقارب الأصول" (122) وليس هذا
المعنى بدعًا ، فمن العرب من ينشر ملابسه على النبات، غير أن متابعة دقيقة تؤكد لنا أنه عنى  معنى
 "الساحة" (123):
" عباس عاد من الترصد بالرجال على الوصيد"
"وما زال جمعنا في الوصيد" (124).
ويؤثر الشاعر كلمة "الرعاء" اعتبارًا للقافية وللاستعمال القرآني (125)، إذ أن الشاعر يقول:
"ومن كوة في خيام الرعاء" (126).
وفي قول الشاعر:
" ولا اختص في الصرصر اللاجئون" (127).
تسترعي انتباهنا كلمة "صرصر" الواردة في القرآن (128)، وترتبط كلمة "السموم" في شعر السياب بالريح:
"ريحها السموم (129)، رياح سموم" (130).
وتعني "السموم" الريح الحارة، فيقول تعالى: "عَذاب السّموم" (131)، "نار السَّموم" (132).
كما أن الشاعر في استعماله: " بأفنانك الناطفات المياه" (133) يعرف أصلاً أن (أغصان) تؤدي نفس المعنى، لكنه يفضل كلمة "أفنان" القرآنية (134)، وكذلك الأمر في استعمال الشاعر كلمة "الحرور" التي يؤثرها على الحر.
وكم تتردد كلمات من وحي القرآن في شعر الشاعر، ونسوق بعضًا مما ورد في معنى العذاب مثلا : لظى، سعير، سقر، رجوم، وغيرها (135)....
 
 
"استخلاص"
 
من خلال ما تقدم نستخلص ما يلي:
1- أن أثر القرآن بارز في كل المجموعات الشعرية على السواء، وتوفرها كثيرًا  في ديوان "أنشودة المطر" يعود إلى حجم الديوان أولاً .
1- إذا تفحصنا التراكيب التي استفاد منها الشاعر واستعملها كما هي أو طورها فإننا نجد:
أ- أن بعض التركيب وارد في لغة الأدب الحديث ،  كمثل قوله "قبس من نور"، "العيون الحور" الأمر الذي يجعلنا لا نبت في الحكم أنه أفادها مباشرة من القرآن، وهذا ينطبق أيضًا على استعمال المفعول المطلق، حيث أن هذا الأسلوب ليبس واردًا قصرًا على القرآن ،  ولكن لا منأى من وضعها ضمن إطار الاستفادة من القرآن لأنه الأشيع والمتداول .
ب- أن الشاعر في تأثره بالقرآن أسلوبًا ومضمونًا وتراكيب لم يقتبس على الطريقة البلاغية القديمة في الاقتباس – وذلك ،  كأن  ينقل الآية أو جزءًا منها كقول ابن الرومي:
" لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع" (136).
بل هو يستفيد من القرآن وأساليبه ،  ويطور هذه الاستفادة بعد هضمها باتجاه الآية ،  أو بمعنى مخالف مغاير للأصل.
ج- أن اغلب الاستعمالات التي اشرنا إليها في شعر السياب ترد بمعنى العذاب كقوله:
"وحق العذاب" (137) ، "ستنصب نار" (138).
 
 
ب‌- مدخل إلى استفادة السياب من شعر السابقين :
ت‌-  
لا شك أن كل شاعر في مطلع كتابته يترسم خُـطا سابقيه، والسياب- الذي أشار إليه النقاد بأنه تأثر بأبي تمام والمتنبي وغيرهما- (139) أكثر من استعمال القاموس الشعري القديم، وأعلى صوت الموروث الشعري وأدخله في عشرات الأبنية، فكان من أكثر الشعراء المحدثين اقترابًا من روح الشعر القديم، وكان من أبرز من حوّم حوله رصانته وجزالته (140) ، وهو بهذا أحيا الكثير من الكلمات القديمة، إذ أن استعماله – مثلاً -  صدر بيت قديم:
"ناحت مطوقة بباب الطاق" (ص717)- على سبيل المثال- فإنه يحيي كلمة "مطوقة"، بالإضافة إلى أنه يعمق المعنى، ونحن نحس ألم الشاعر -العراقي- من خلال هذا التضمين ، ومن خلال تذكرنا  البيت القديم:
"ناحت مطوقة بباب الطاق
فجرت سوابق دمعي المهراق"
والشاعر الحديث عندما يضمن شعره فإنه:
- يثري التجربة ويعمق المعنى.
- يحيي بعض الكلمات القديمة.
- يؤكد أهمية التراث اللغوي، وهذا من شأنه – بالتالي -  أن يحفز القارئ على تقبل التراكيب الجديدة (141).
ويلاحظ الدارس أن الشاعر  ساق الشاعر الكثير من هذه الآيات في سياق تشاؤمه وألمه.
وقد حاولنا تصنيف نوعية هذا التأثر، وسجلنا الظاهرة الفريدة كدلالة على الاستفادة، ففي الأسلوب لا نستطيع الحصر مهما أوتينا، وفي التراكيب سجلنا ما تكرر عند الشاعر من غير أن نبحث كيفية وقوع التركيب هنا وهناك إلا ما يقتضي ذلك، فمن التركيب ما بقي على حالة الأول، ومنه ما تغيرت دلالته .
 وقد استعمل السياب التضمين ، وأخذ يرصع به شعره ،  وتناول بعض العبارات الشعرية وطورها توسعًا في المعنى أو اعتراضًا له، وفي الحالتين فإن التأثر واقع، فيه تذكير وإثارة، وفيه قدرة الشاعر على نقل التراث بصورة جديدة.
 
تأثير الشعر القديم على السياب :
 
1- في بناء الجملة.
2- في تراكيب رددها الشاعر وهي لشعراء سابقين.
3- في تضمين أبيات من الشعر القديم في سياق جديد.
4- في تطوير تعابير الشعر القديم بشكل مغاير للأصل.
 
1- التأثر بصياغة الجملة الشعرية القديمة:
لا نستطيع أن نزعم أن باستطاعتنا حصر كل الأساليب التي تأثر بها الشاعر، فربما يكون بعض هذه الأساليب من القرآن أو الحديث، ولكن سبيلنا أن نقف عند بعض الأساليب البارزة في الشعر:
أ- أسلوب  التفريع[1]  أو ما أصطلح عليه أسلوب : "ما...بـ ": وهو الابتداء بما التي تعني ليس، والتي يتأخر خبرها وهو مسبوق بالباء- حرف الجر الزائد-، فالأعشى مثلاً يقول:
"ما روضة من رياض الحزن معشبة  خضراء جاد عليها مسبل هطل
يومًا بأطيب منها نشر رائحة   ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل" (142).
وها هو السياب يستعمل هذا الأسلوب المتوافر في الشعر القديم فيقول:
"فما مذهب من شعور الحسان
تراخى على كتف واستراح
بمشبه منديلها فتنة
وسحرًا إذا جاذبته الرياح" (143).
 
ب- أسلوب الاستفهام في اصطلاح البلاغين "تجاهل  العارف": والمقصود منه تهويل الموقف، ومن ذلك ما تقول الخنساء :  "قذى بعينك أم بالعين عوّار" (144) .
ويقول السياب: "أنار البرق في عينيه أم شعار المعبد" (145).
ج- استعمال "ما الزائدة" بعد إذا: يقول النابغة: " إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم" (146).
والسياب يكثر من مثلها كقوله:
" إذا ما راح يطوي إليهم نحو الشاطئ الخصب
إذا ما اهتزت الزهرة ألقت بالندى العذب" (147).
د- استعمال المدح بما يشبه الذم: يقول السياب:-
"فتى ما جنى ذنبًا سوى أنه انتضى      حسامًا بوجه الظلم ما لان جانبه" (148).
وصيغة هذا القول تذكرنا ببيت النابغة:
"ولا عيب فيهم غير أن سيوفيهم          بهن فلول من قراع الكتائب" (149) .
ه- استعمال أنماط صياغة قديمة:
 ففي قول المتنبي: "لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي" (150)، نجد أن قول السياب:
"لغيرك لم يخفق فؤادي ولا هفا" (151) ، مشابهًا له ،  إذ أن البيتين يبدأان بحرف جر ،  فاسم مضاف إلى الضمير،  فحرف نفي ،  ففعل ،  فحرف عطف ،  فحرف نفي ،  ففعل.
ونظرة إلى مطولة "بور سعيد" (152) في قصائدها العمودية الثلاث، فإننا نستوحي الأجواء الشعرية لجرير وأبى تمام والمتنبي في كل قصيدة على التوالي، ولنضرب مثلاً:
يقول السياب: "إيماضة البرق إلا أنها حقب" (153).
ويقول المتنبي: "هذا عتابك إلا أنه مقة" (154)، وغيره كثير.
ولو أنعمنا النظر في أبيات السياب التي دللنا على تأثرها لألفينا أكثرها من مجموعة "البواكير" ،  غير أن هذا لا يعني أن السياب لم تتأثر صياغته في سائر الدواوين، ففي "أنشودة المطر" مثلاً يقول:
"عصافير أم صبية تمرح
أم الماء من صخرة تنضح" (155) .وفي تكرار "أم" نتذكر قول الخنساء:
"قذى بعينيك   أم بالعين  عوار
أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار" (156) .
2- تراكيب من الشعر القديم رددها السياب:
وإفادة السياب من الشعراء السابقين تبرز كذلك في تضمين بعض التراكيب كما هي، فالدعاء بالسقي مثلاً كان يلائم طبيعة الصحراء، وقد أكثر منه الشعراء ، فهذا قيس بن ذريح يقول:
"سقى دار لبنى حيث حلت وخيمت من الأرض منهل الغمام رعود" (157) .
ويقول ابن زيدون مستعملاً نفس الدعاء- برغم اختلاف البيئة عليه:-
"ليسق عهدكم عهد السرور" (158) .
وكما كان الشاعر القديم يدعو بالسقي على الأطلال ،  فها هو شاعرنا يستوحي السقي على منزل الأقنان:
"ألا يا منزل الأقنان  سقتك الحيا سحب" (159) .
ودعاء السقي في الشعر القديم يأتي كذلك بصورة سلبية كقول المتنبي مستعملاً لا الدعائية:
"فلا سقاها من الوسمي باكره" (160) .
وهذا التركيب نجده- قريبًا من الأصل- عند السياب في قوله: "فلا سقيا" (161) .
فالتراكيب القديمة التي استخدمها السياب كثيرة ، وها نحن نذكر ما استطعنا حصره ابتداء من الشعر الجاهلي:
فـ " رعي النجوم "  تعبير وارد في شعر النابغة: "وليس الذي يرعى النجوم بآئب" (162) ومعنى رعي النجوم مراقبتها ،  وها هو السياب يقول كذلك : "وأرعى نجوم الظلام العميق" (163) .
ويقول الشاعر القديم:
"نذر علي لئن راحوا وإن رجعوا
لأزرعن طريق الطف ريحانا" (164) .
فيأتي السياب ويقول:
"نذر علي لئن تشب
لأزرعن من الورود" (165)
كما أن ترديد السياب لـ (حُييت من...) في قصيدة "بور سعيد" (166) تذكرنا بعنترة في ابتدائه:
"حييت من طلل تقادم عهده" (167) .
وطول الثواء تعبير عند الأقدمين، وفيه يقول عنترة:
"طال الثواء على رسوم المنزل" (168) .
ويقول الحارث بن حلزة:
"رب ثاو يمل منه الثواء" (169)، فيأتي السياب ويمزج بين المعنيين:
"حتى ضجرت واسأمه طول الثواء وآده التعب" (170).
 ومن الطبيعي أن السياب كان يستطيع استعمال "المقام" بدلاً من "الثواء" مع محافظته على الوزن - لكن الشعر الجاهلي بقي تأثيره طاغيًا.
"والبنان الرخص" وارد في الشعر القديم، يقول النابغة:
"بمخضّب رخص كأن بنانه عنم يكاد من اللطافة يعقد" (171) .
ويقول عمر ابن ربيعة:
"ومخضب رخص البنان كأنه عنم" (172).
وإذا ترددت كلمة "عنم" عند الشاعرين فإن السياب أغفلها لتوغلها في البعد عن الطبيعة الحضرية، فهو يقول "جاءتك ظمأى بالبنان الرخص تغترف المياه" (173).
ومن قول السياب:
"ماء اسق يا ماء والغيث الرهيب كلى
مفرية سحت الآجال والكربا" (174).
نرى أن "الكلى المفرية" تعبير وارد عند ذي الرُّمة:
"ما بال عينيك منها الماء ينسكب كأنه من كلى مفرية سرب" (175).
ومن الشعر العباسي استعار السياب الكثير من مثل هذه التركيبات كما هي:
يقول أبو تمام في بائيته المشهورة:
"كأس الكرى ورضاب الخرد العرب" (176).
ويقول السياب: "والنار أعراض كل الخرد العرب" (177).
يقول أبو تمام: "قاني الذوائب من آني دم سرب" (178).
ويقول السياب: "حتى جبى قدر ماء من دم سرب" (179).
ويقول أبو تمام: "للنار يومًا ذليل الصخر والخشب" (180).
ويقول السياب: "ما ذل غير الصفا للنار والخشب" (181).
والبحتري يقول: "أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا" (182)، فيستعمل السياب نفس التعبير "والربيع الطلق" (183)، وكذلك فإن البحتري يقول: "يفتقها برد الندى.." (184) فيستعمل السياب: "كما تنفض الريح برد الندى" (185).
ويقول ابن الرومي:
"طواه الردى عني فأضحى مزاره بعيدًا على قرب قريبًا على بعد" (186).
فيأتي السياب مستعملاً الطباق كذلك بالإضافة إلى استعماله نفس التركيب "طواه الردى"، (البواكير 220).
طواه الردى فالكون للمجد مأتم
مشارقه مسودة ومغاربه....
ويقول المتنبي: "ويلمها خطة ويلم قابلـها" (187).
"ويلم" كلمة تقال للتعجب، وأصلها :  وي لأمها، ثم حذفت الهمزة، واللام تكسر على الأصل، وتضم على حذف حركتها، والقاء حركة الهمزة عليها، تقول العرب: "ويلمه مسعر العرب"، فيستعمل السياب هذا التعبير متعجبًا:
"ويلم سازاك كيف اندك حائطه
حتى تعري لي السهل الذي حجبا" 0188).
فهو يستعمل نفس التركيب القديم ، ويعجب لمصير مستشفى الصليب الأحمر حيث يعمل الطبيب "سازاكي"، وفي قرن الكلمة الأجنبية بكلمة "ويلم"  - إثارة وجدّة.
ومن تعابير المتنبي "وَيْكَ" وهي كلمة تعجب أيضًا مركبة من  ( و ي )  وكاف الخطاب، يقول المتنبي:
" كفى اراني- ويك- لومك ألوما" (189) .
والسياب كذلك يستعملها اعتراضًا: "انثرني- ويك- أباديدا" (190) .
 والمتنبي يستعمل "لك الله" بمعنى الدعاء كقوله: "لك الله من مفجوعة بحبيبها" (191).
فيستعمل السياب بداية تطابق بداية المتنبي: "لك لله كيف اقتحمت القرون" (192).
كما أن استعمال "حببتك" عند المتنبي: "حببتك قلبي  قبل حبك من نأى" (193)، يرد عند السياب: "أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه" (194) .
كما أن تركيب "الشرف الرفيع" عند المتنبي (195) وارد هو الآخر عن السياب (196).
ويقول صفي الدين الحلي:
"والغصن قد كسي الغلائل بعدما أخذت يدا كانون في تجريده" (197) .
فهو يجعل للشهر يدين- مجازًا- فيقول السياب:
"فكأن نايـًا ضمخته يدا آذار ليلة العرس" (198).
وكذلك نحس أن بعض التضمينات ترد لإشاعة الحنين -المستمد من الشعر القديم- كاستعماله "يا حادي العيس" (199) و "نعمت الدار" (200)، وهما مثلان من عدة يستفيد منهما الشاعر لتجسيم ألـمه.
3- في تضمين أبيات أو أجزاء من أبيات في سياق جديد:
فالسياب يضمن في قصيدة "ليلى" (201) أربعة أبيات متفرقة قيلت على لسان قيس:
"ليلى مناد دعا ليلى فخف له نشوان في جنبات الصدر عربيد
كسا النداء اسمها سحرًا وحببه حتى كأن اسمها البشرى أو العيد
هل المنادون أهلوها وإخوتها أم المنادون   عشاق  معاميـد
إن يشركوني في ليلى فلا رجعت جبال نجد لهم صوتًا ولا البيد" (202).
وشاعرنا إذ يستوحي الجو القديم وقد قدم له بقوله:
"ما كان أحلى حبنا العربي حب كثير وجنون قيس" فإنه يتابع غزليته على طبيعته الخاصة البعيدة عن الروح القديمة:
"وأظل طول الليل أحلم بالزنابق والعبير
وحفيف ثوبك والهدير
يعلو فيغرق ألف زنبقة وثوب من حرير"
- وعندما يقول السياب:
"بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ويبقى اليتامى بعدنا والمصانع" (203).
فهو قد لجأ إلى بيت لبيد بن ربيعة:
"بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع" (204).
فالسياب يستعمل المصدر الذي استعمله لبيد، ولكنه في عجز البيت استبدل كلمة بكلمة (كلمة الجبال بكلمة اليتامى)، أما سبب ذلك فهو أن المعنى الذي يرمي إليه السياب من كلمة "المصانع" هو معنى مستحدث يدل على مكان الصناعة والعمل، بينما كان مقصود لبيد من كلمة المصانع: ما يجمع فيه ماء المطر كالحوض (القرى، الحصون)، فالجبال تتلاءم والمصانع في مفهوم لبيد....وبما أن كلمة المصانع لها دلالة جديدة في عصرنا لذا فقد كان حتميًا أن يستبدل السياب كلمة الجبال بكلمة أخرى موافقة، فجاء بكلمة اليتامى ليدلل على مصير أولاد العمال من اثر مصانع الأسلحة.
- ويقول السياب:
"والذي حارت البرية فيه بالتأويل كائن ذو نقود" (205).
وهو يذكرنا بقول المعري:
"والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد" (206).
فالمعري أراد بالحيوان المستحدث من جماد آدم، وهو يرمز إلى الإنسان عامة، واستعمال السياب نفس الكلمات تقريبًا يذكرنا بالبيت القديم ،  ويعرفنا أن الإنسان كائن ذو نقود، وهو توجه جديد لتأويل معنى الإنسان.
ويقول السياب:
"عيون المها بين الرصافة والجسر
ثقوب رصاص رقشت صفحة البدر" (207).
وهذا البيت استعادة لبيت علي بن الجهم:
"عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري" (208).
فالصدر في البيتين لم يتغير، أما العجز فقد لجأ فيه الشاعر إلى معنى جديد مستعملاً التورية في كلمة "بدر"، ويرى البروفيسور موريه أن هذا الاستعمال جاء ليخلق أسلوبًا ساخرًا على ضوء الحوادث التي لقي فيها بعض الطلبة حتفهم وذلك في فترة الملكية (209).
-ويقول السياب على لسان أمه التي تخاطبه:
"جوعان؟ أتأكل زادي" (210).
فهي تسأله هل أنت جوعان، وتعرض عليه أن يأكل من زادها، وهذا التساؤل يذكرنا بقول المتنبي:
"جوعان يأكل من زادي ويمسكني" (211).
فقد وصف المتنبي كافور أنه جوعان للؤمه، وقوله: "يأكل من زادي" فيه صورة هجائية قلبها السياب بفنية، وجعل الصيغة استفهامية ليدل بذلك على تحنن ألأم وعطفها.
4- في تطوير تعابير الشعر القديم بنفس الاتجاه:
كثيرًا ما نقع على كلمات في شعر السياب توحي لنا بتأثره واستفادته من الشعر القديم، وقد أجرى الشاعر بعض التغيير على الأصل، لكن الروح القديمة والمعنى القديم بقيا ظاهرين.
يقول السياب:
"الليل طال، وما نهاري حين يقبل بالقصير" (212).
ويقول في مكان آخر:
"تبرمت يا ليل بالبائسين
فزل واترك الصبح يأسو الجراح" (213).
وفي قوليه يذكرنا بامرئ القيس عندما طال عليه الليل وقال:
"ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل" (214).
فامرؤ القيس يتبرم من الليل ويطلب منه أن يزول، وعنده أن الصباح ليس بأفضل من الليل، فالهموم تفترسه ليل نهار. وفي قول السياب الأول يذكرنا بتساوي النهار والليل في الطول أي في الهم، بينما في قوله الثاني يتبرم بالبائسين ويطلب منه أن ينجلي ويزول، فالصباح سيأسو الجراح ويريحه كما أراح النابغة (215).
وهو في مكان آخر يقول:
"هذا هو اليوم الأخير
فليته دون انتهاء
ليت الكواكب لا تسير" (216).
ولولا التمني عند الشاعر لكان شبيهًا قوله بقول النابغة في وصف الليل:
"تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يرعى النجوم بآئب" (217).
أو شبيهًا بثباته في قول امرئ القيس:
"كأن الثريا علقت بمصامها" (218).
لكن قول السياب فيه تـمنٍّ ومشحون بحساسية اليوم الأخير للقاء، فيتمنى أن يبقى ثابتًا لا يريم.
ومن الأجواء  الصحراوية القديمة يستمد السياب معانيه ويقول:
"وهل بكيت إن تضعضع البناء
واقفز الفناء أم بكيت ساكنيه" (219).
ألا نتذكر بهذا الشعر الوقوف على الأطلال والبكاء بين يديها، فهو يقف على بيت جده القديم، وبدلاً من يستعمل "عفا" و "أطلال" يقول بلغة جديدة الشكل : "تضعضع البناء".
وفي مكان آخر يستعمل البكاء بالمفهوم القديم:
"وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار" (220).
فالبكاء والوقوف والطلب إلى الأصحاب أن يقفوا ويبكوا من مظاهر القصيدة التقليدية القديمة، فيأتي السياب ويقدمها بصورة واقعية معاصرة:
" شاهدة بين القبور تبكي
تستوقف العابر يا صحابي
غضوا الخطا ولتصمتوا" (221).
وطلب السياب "ولتصمتوا" إيحاء (جميل) لدعوة البكاء القديمة.
ومن طبيعة الحياة الصحرواية تناوح الرياح على الخيمة، فمن قائل: "تسفي بجانبه الرياح" و "تعوي الرياح بجانبه" أو كقول المنخل اليشكري:
"وإذا الرياح تناوحت بجوانب البيت الكبير" (222).
فإذا بهذا المعنى يتردد في شعر السياب:
"كالمنزل المهجور تعوي في جوانبه الرياح" (223).
"على مرفأ ناوحته الرياح" (224).
-ومن معاني الشعر الجاهلي قول حنظلة الطائي:
"أرى قمر الليل المعذب كالفتى
 كذلك زيد الأمر ثم انتقاصه-
وتكراره في دهره بعد ما مضى" (225).
فيقول السياب مكررًا المعنى ومغيرًا الألفاظ:
"عالم يحيا على الأقمار تولد ثم تكمل ثم تندثر" (226).
فحياة الإنسان كدورة القمر، وشاعرنا كأنه يلخص بيتي حنظلة - ويقول السياب:
"سلام جال فيه الدمع والآهات والوجد
على المتبدلات لحودهم والغاديات قبورهم طرقًا" (227).
وكان زهير بن أبى سلمى قد سبقه إلى القول:
"قد جعل المبتغون الخير في هرم والسائلون إلى أبوابه طرقا" (228).
فأبواب الكرم عند زهير كثيرة يطرقها المجتدون والمعتفون ، بينما القبور عند السياب هي التي لها هذه الطرق، وكم بالحري في وقت يكثر فيه سفك الدماء.
-ويقول عنترة:
"إن الأفاعي وان لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطب" (229).
فيختصر السياب هذا المعنى قائلاً:
"فإن عقارب الرقاع يضمر سمها العطبا" (230).
فقول الأول "لانت ملامسها" هو "إضمار" عند السياب.
- ومن الشعر الجاهلي يقول لبيد بن ربيعة:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع" (231).
فيقول السياب:
"فخرّ واها كالشهاب
لكن لمحا منه شع" (232).
وهو يلخص المضمون السابق ويزيد عليه التأوه.
كما يستخدم السياب بعض التعابير من معاني الحطيئة في اعتذاره  لعمر:
"ماذا تقول لأطفال بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر" (233).
فيقول السياب:
"لأطعم منه زغبًا يطلبون الزاد في قر
العشيات الشتائية" (234).
والجو الذي وصفه الحطيئة: "بين الاباطح يغشاهم بها القرر" كان السياب قد ذكره في استعطافه، بل إن كلمتي "زغب" و "قر" مشتركتان، ويبدو أن كلمة "زغب" ألحت على السياب فاستعملها في مكان آخر، وهو إذ يشبه نفسه بطير رميّ يجر الجناح عشه، سجا وفيه "زغب جياع" ويعني بهم أولاده، يعود ويقول عنهم:
"وزغب جياع يصرخون على بعد" (236).
وهو في قصيدة أخرى يتخلص من كلمات الحطيئة، لكن الجو النفسي يبقى يذكرنا به.
 ويقول السياب:
".... أن لي منزلا في العراق الحبيب
صيبتي فيه تعلك صخرا" (237).
وهو تطوير لدعوة الشاعر القديم:
"فامنن على صبية بالرمل مسكنهم بين الأباطح يغشاهم بها القرر" (238).
ومن الشعر العباسي يقول أبو تمام:
"إن كان بين صروف الدهر من رحم موصولة أو ذمام غير منقضب
فبين أيامك اللائي نصرت بها وبين أيام بدر اقرب النسب" (239).
فيقول السياب بمعنى النسب:
"أبناء جنكيز في روح وإن بعدوا
في نسبة رب قربى دون منتسب" (240).
وهنا يتحدث السياب عن العدوان الثلاثي وعن قرابة المعتدين، وهو معنى مستفاد عكسيًا من قرابة يوم عمورية بيوم بدر عند أبى تمام.
ومن أبي تمام كذلك يستفيد السياب في قوله:
"إذا ذكروا في حجفل الحرب يونسا        وأسيافه حمر وأرحامه حمر" (242).
ثم إن كلمة "سبائب" الواردة في بيت السياب وردت في مكان أخر من قصيدة أبي تمام التي اقتبسنا منها، وهذا يجعلنا نميل إلى القول أن جو البيت القديم يبقى له أثره.
ويقول المتنبي في وصف شعب بوان:
"وألقى الشرق منها في ثيابي دنانيرًا تفر من البنان" (243).
فيقول السياب:
"والنور في غابة يلقي دنانير الزمان البخيل" (244).
فالمتنبي في وصفه كان  يصف الشجر كثير الورق، حيث ضوء الشمس يدخل من خلاله، فيكون على الثياب كأنه الدنانير، إلا أنه يفر من البنان، ويمكننا أن نضيف أن السياب استعار صفة البخيل التي اتُـهم بها المتنبي على روايات كثيرة، فالكلمات من وحي المتنبي والصورة متشابهة.... وتراقص الأضواء بين الظلال هي الدنانير عند كليهما.
ومن المتنبي كذلك:
"وهل نافعي أن ترفع الحجب بينا ودون الذي أملت منك حجاب" (245).
فيقول السياب:
"وكيف آتيك جنان الهوى
يومًا ودوني حجب مانعات" (246).
فدون تحقيق أماني المتنبي ووصوله السلطة حجاب حجبه كافور، فهو يستعطفه لكي يزيل هذه الحجب، وكذلك الأمر - دون تحقيق أماني السياب ووصوله للحبيبة حجاب حجبته الحبيبة، وهو يستعطفها لكي تزيل هذه الحجب.
ومن معنى الخيال أو الطيف يقول السياب:
"ولولا خيال في الدجى منك عادني لذاب مع الأنفاس قلب بأضلعي" (247).
وعود الطيف مألوف في الشعر العباسي وخاصة عند البحتري (248).
-وقول السياب: "وما أكثر العاشقين" (249).
يذكرنا بجواب معشوقة أبي فراس:
"قالت أيهم ؟  فهم  كُثر" (250).
ويوحي لنا السياب بقوله: "ابك على شبابي" (251)، بقول أبي فراس في وصيته لابنته أن تبكي بحسرة على شبابه:
"زين الشباب أبو فراس     لم  يمتع  بالشـباب
نوحي علي بحسرة من خلف سترك  والحجاب" (252).
- ومن معاني أبي العلاء: "خفف الوطء" (253)، فيقول السياب: "غضوا الخطا" (254).
كما يرد هذا المعنى في مكان آخر عند السياب:
"لا تنقلن خطاك فالمبغى علائي الأديم" (255).
وكلمة "الأديم" مسبوقة بكلمة "علائي" نسبة إلى أبى العلاء الذي يقول مستعملاً كلمة الأديم:
"خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد" (256).
ولماذا ؟ لأن الإنسان يسير على قبور. ومرة أخرى يقول السياب في مكان آخر:
"لحدًا على لحد أزيح الطين عنها والحجار
من يدفن الموتى وقد كشفوا وماتوا من جديد" (257).
وهو يذكرنا بقول أبي العلاء:
"رب لحد صار لحدًا مرارا" (258).
ومن معانيه أيضًا:
" أو يهمسون بما جناه أب يبرؤه الصباح مما جناه" (259).
وهذا -بالطبع- تذكير بقول أبي العلاء:
"هذا جناه أبي علي وما جنيت على احد" (260).
5- في تطوير تعابير الشعر القديم لغاية جديدة مغايرة:
يقول المثقب العبدي متغزلاً:
 "فـإني لو تخالفني شمالي خلافك ما وصلت بها يميني" (261).
فيأتي السياب على بعض ألفاظه مبتعدًا عن النص والروح القديمين:
"أيها القلب هل تلام شمالي
والتي تفعل الذنوب يميني" (262).
فالشاعر القديم يخلص لحبيبته، بينما السياب لا يلوم يدًا من يديه بجريرة الأخرى.
وهاك مثلاً آخر على ترديد كلمات قديمة مع اختلاف المضمون- مما ورد في شعر  السياب:
"خذي الكأس إني زرعت الكروم
على قبر ذلك الهوى الخاسر
فأعراقها تستعيد الشراب
وتستفه من دم المعاصر" (263).
فهو يذكرنا بقول أبي محجن الثقفي:
"إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروّي عظامي بعد موتي عروقها" (264).
ونرى هنا أن الشاعرين استعملا "كرمة" و "عروق"، وجملة السياب "يستعيد الشراب" فيها صياغة جديدة لقول أبي محجن "تروي عظامي" ،  لكن السياب يتحدث عن الشراب وسيلة لغاية، بينما الشراب عند الشاعر القديم غاية بحد ذاته، وانظر أيضًا  إلى إخفاء المعنى والابتعاد عن جو أبي محجن في قول السياب فيما بعد:
" وعصرت السحب أعراقها" (265) .
-يقول السياب:
" حتى شاب أشقرها وغار
ورسائل الحب الكثار- مبتلة بالماء" (266) .
ومن كلماته نستوحي شعر بن أبي ربيعة:
" فما راعني إلا مناد ترحلوا وقد لاح مفتوق من الصبح أشقر
فلما تقضى الليل إلا   أقله وكادت توالي نجمــه  تتغور" (267).
لكن السياب تحدث عن شعرها الأشقر، بينما "الأشقر" عند عمر هو الصباح، وكلمة "غار" لدى  السياب وردت عند عمر (تتغور)، فالأصداء ظاهرة لكن السياق مختلف.
- ويذكر البحتري "  إثارة القطا "  في معرض فخره:
" أثير القطا الكدريّ عن جثماتـه" (268).
بينما تكون الإثارة عند السياب لمجرد التشبيه بالفزع.
" أتخاف منها أن تفر كأن سرب قطا يثار" (269).
- ولننظر إلى قول المتنبي:
" صحبت في الفلوات الوحش منفردًا حتى تعجب مني القور والأكم" (270).
وإلى قول السياب:
" صحبت فيك سرى الأحلام مفزعها
وعذبها فطويت الغور والأكما" (271).
فإننا نجد السياب يصحب سرى الأحلام ويطوى الغور والاكم، فلا غلو عنده، بينما المتنبي يدعي انه صحب الوحوش، فيتعجب القور والاكم من جسارته، فالكلمات مشتركة والمعاني مختلفة.
 
 
"استخلاص"
 
* أن الشاعر حفظ الكثير من الشعر القديم وهضمه ورصع به ديباجة شعره بصورة مباشرة وغير مباشرة.
- ففي الأسلوب برز التأثر واضحًا في مجموعة "البواكير".
-  وفي التراكيب التي رددها لاحظنا أن أكثرها من الشعر العباسي، وقد نثرها السياب في مجموعاته
   المختلفة.
-  وفي التضمينات الشعرية والاقتباس لاحظنا انه وردت- في أغلبها - في ديوانيـه: "أنشودة المطر" و "شناشيل ابنة الجلبي"، وهذا يعني أن الشاعر في نضجه الأدبي كان مقتنعًا بالتضمين -على طريقة إيليوت- بل يفعل ذلك عن قصد، فالتضمين عنده له علاقة واعية مع القديم، وفيه إثراء للتجربة وتعميق للمعنى.
-  وفي تطوير المضمون لاحظنا الأثر القديم، لكنه توسع أو عارض، وفي كلتا الحالتين يشحن معانيه الجديدة بطاقة لها جذور قوية في التراث.
ملاحظات إضافية:
 
لم تقتصر استفادة السياب على الشعر القديم، بل إننا نرى صدى الشعر المعاصر ( الكلاسي )، ونسوق مثلاً من شعر شوقي إذ يقول: "حف كأسها الحبب" (272).
فيقول السياب:
"دون أن يحضين حتى بالحباب
هيئي يا كأس من حافاتك السكرى مكانًا" (273).
فالسياب يصوغ من كلمات شوقي بيتين جديدين يحويان هذه الكلمات وتبقى أصداؤها:
فحف عند شوقي "حافات" عند السياب، والكأس مشتركة، "وحباب" عند السياب هي "حبب" عند شوقي، لكن المعنى يتطور إذ يجعل الحافات سكرى ،  و ها هو يطلب تهيئة مكان الكأس.
 
بين القديم والجديد "ظواهر أخرى بارزة
في مبنى الجملة
 
تمهيد:
تحدثنا عن الأصداء القديمة -من القرآن والشعر- كظواهر بارزة تتعلق في شعر الشاعر، وجدير بنا أن نقف عند ظواهر أخرى تتعلق في مبنى الجملة لها أصول قديمة وفيها ظواهر جديدة. فالتكرار مثلاً وارد في الشعر القديم، لكنه يشكل عند السياب علامة هامة من علامات شعره، إذ يرد بصورة جديدة. وكثيرًا ما نرى في الظواهر التي سنتناولها أصداء قديمة وأصواتًا جديدة، لكنا لا نضعها في هذا الإطار أو ذاك، وإنما نفرد لها بابًا يقف بين البابين بسبب التمازج والتداخل بينهما.
وأراني في غنى عن التأكيد أنني لست بصدد الحديث عن ظواهر عادية في اللغة كاستعمال الفاعل بعد الفعل، أو تقديم الخبر حين يكون جملة أو شبه جملة ،  بل سنقف عند بعض الاستعمالات التي لا تظهر عند الشعراء  - نسبيًا - كما تظهر عند السياب، مثل استعمال ضمير الشأن واستعمال نون النسوة بعد جمع غير العاقل، وهذا أيضًا لا يعني أن مثل هذه الظواهر مقصورة  على السياب وحده -كما أشرنا في مقدمة هذه الدراسة- بل هي بارزة لديه  على وجه الخصوص، وإليك نماذج من هذه الجمل:
1- الجملة الإنشائية:
من طبيعة الشعر عامة والخطابي منه خاصة أن تكثر فيه الجمل الإنشائية، فلا يكاد شاعر قديم أو محدث إلا ويستعمل الاستفهام والتمني وما إلى ذلك، لكن شاعرنا يستعملها بتكرار غير مألوف على الشعر القديم، وذلك بسبب عاطفته الشديدة وحالات مرضه ،  ففي قوله:
" يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد
فلا تمهليها فالعذاب بـأن تمري في أّتئاد
قصي عليها..." (274).
فهو ينادي ويسأل ويطلب ويلتمس، وهذا سقناه من بين أمثلة كثيرة بارزة (275).
وقد قمت بمسح أربع قصائد تبرز فيها الجمل الإنشائية وهي: "مدينة السندباد" (276) "كيف لم أحببك" (277) "النهر والموت" (278) و "ليلة الوداع" (279).
ولنسجل أمامنا مسحًا للقصيدتين الأوليين لنرى كيفية ترتيب الجمل، ففي القصيدة الأولى:
1. جملة خبرية تتبعها جملة خبرية أخرى.
2. ستة أفعال أمر متتالية.
3. جملتان خبريتان.
4. دعاء.
5. تمن (نود لو... كررها خمس مرات).
6. استفهام (مَنْ ثلاث مرات) وبعدها استفهام (أهذا خمس مرات) وبعدها استفهام (أين مرتين).
7. نداء.
8. تعجب.
وفي القصيدة الثانية "كيف لم أحبـبـك " يبدأ استفهام _كيف) ثم نداء فتأوه (آه) فبعض جمل تقريرية فاستفهام ونداء، فبعض جمل وصفية فتفجع (آه كيف، آه لو، آه).
 ومن هذين المثلين نستشف بروز الجملة الإنشائية بصورة طاغية، حتى لتشكل سمة من سمات شعر السياب، وسنتناول هذه الجمل الإنشائية كلا على حدة:
 
أ- الاستفهام:
 
وهو أكثر أساليب الإنشاء ورودًا عند الشاعر، والاستفهام وتكراره يبرزان ضمن شعر يظهر فيه انفعال الشاعر، فتتواتر استفهاماته يتأتى كلما تأثر ،  وكلما تحركت عاطفته وأثير وجدانه، ولنرافق الشاعر في مثل من هذه الأمثلة الكثيرة:
" فما قيمة العمر أقضيه أمشي
بعكازة في دروب الهرم؟
أهذا شبابي؟
وأين الشباب؟
ألا حب لا زهو لا عنفوان؟
أهذا مشيبي؟ حصدت السّراب
إذا كان معنى المشيب الهوان
أعُقبى المشيب الأسى والندم؟
أما من شبابي الذي مر ذكرى؟
أما منه مال وبُقيا شمم؟
أكان الذي خلفت منه شعرا
وبيتًا وراء الرياح انهدم؟" (280).
فهو في هذا المثال يتشوق ويتلهف ويتوجع ويتفجع، ثم إذا تابعنا قصيدته نرى أنه يتمنى الموت بين الثلوج، وعندها يسال:
"ومن أين للروح هذا البقاء؟" (281).
ثم يتخيل نفسه ميتًا، وتبقى صيغة الاستفهام تلح، فيأتي أصحابه ويسألون هم أيضًا :
"أهذا هو الشاعر؟" (282).
وقد أحصيت في قصيدته "أهواء" (283) المتوسطة الطول فوجدت خمسة وثلاثين استفهامًا: (الهمزة وردت تسع عشرة مرة، والهمزة محذوفة- أي مقدرة- ثلاث مرات، "هل" وردت أربع مرات، "كيف" وردت أربع مرات، "ما" وردت ثلاث مرات، "من" وردت مرتين).
معاني الاستفهام:
نظرة فاحصة إلى الاستفهام فإننا نجد المعاني البلاغية له...وأكثر هذه المعاني:
أ- الاستفهام الإنكاري (284)، وهو يجيء فيما لا يقول عاقل أنه يكون، والإنكار لتنبيه السامع حتى يثوب للفكرة الصحيحة:
" أيشنق من يحمي الديار بسيفه؟" (285).
"أيخون إنسان بلاده؟" (286).
ب- التمني: (287) ويكثر عند السياب بحكم ظروفه ومعايشته لأوضاع قاسية:
"وكيف لو أفقت من رقادي المخدر؟" (288).
"فهل أعود غدًا إلى أهلي؟" (289).
ج- ومنه التشوق والتلهف (290) كقوله:
"أين أين الصبايا يوسوسون بين النخيل؟" (291).
د- التقرير: (292) وغالبًا ما يكون مسبوقًا بنفي كقوله:
"أما رأيت النازخين؟" (293).
ه- التهويل والتعظيم: "أهذه مدينتي؟ أهذه الطلول؟.. أهذه مدينتي خناجر التتر؟" (294).
وقد قمت بتتبع ثلاث قصائد في معاني استفهاماتها، فوجدت أن الصيغة الإنكارية هي الأكثر ورودًا، ففي قصيدة "أهواء" المذكورة أعلاه نجد:
الإنكاري في ثمانية مواضع، التعجب في ستة مواضع ( في أربع منها أداة الاستفهام "كيف")، التمني في خمسة مواضع، التفجع في خمسة مواضع، التقرير في موضعين، وسائرها في معاني التهكم والنفي والمبالغة والتشويق والإثارة.
تكرار أداة الاستفهام:
لا شك أن حميّا التكرار من طبيعة الإنسان الذي يريد التأكد وترسيخ عبارته وإبداء  تلهفه.
ونظرة إلى القرآن نجد في سورة "الصافات" (295) توالي الاستفهام مجابهة للكفار بالسخرية، وعلى غرار هذا التكرار نسمع جريرًا وهو يكرر تساؤله بالأداة "من":
" من سد مطلع النفاق عليكم أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظة إذ لا يثقن بغيرة الأزواج" (296).
غير أن الإكثار من تكرار الأداة عند السياب توتر بحيث لم يجاره شاعر (297)، ولنر بعض الأمثلة لكل أداة:
الهمزة: يقول السياب:
" اهو بعث؟ اهو موت؟ أهي نار؟" (298).
" أأبصرت ابنتي؟ أرأيتها؟ أسمعت ممشاها؟" (299).
" أضاعت حياتي؟ أغاب الغرام؟ أماتت على الأغنيات الشفاه؟" (300).
وهو يكرر بشكل متتال "أهذه" (سبع مرات) (301)، "أهذا" (سبع مرات) (302)، "أكانت" (خمس مرات) (303).
ما: فمن التراث لاحظت تكرارها في الاستفهام – مثلا  في خطبة لعلي بن أبي طالب إذ يوردها:
" ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟" (304).
والسياب يسأل:
"ما العمر؟ ما الأيام عندك؟ ما الشهور؟ ما السنين؟" (305).
"نرى العراق يسال الصغار في قراه
ما القمح؟ ما القمر؟ ما الماء؟ ما المهود؟ ما الإله؟ ما البشر؟" (306).
كما تكرر  السؤال بـ "لِمَ" خمس مرات في صفحة واحدة (307).
أين: يقول السياب متشوقًا:
"أين هو العراق؟ أين الأحبة؟ أين أطفالي؟ وزوجي والرفاق؟" (308).
"فأين أبى وأمي؟ أين جدي؟ أين آبائي؟" (309).
" أين جاري؟ أين داري؟ أين - أواها- أميرتي؟" (310).
وتكرار "أين" كما لاحظنا يبرز أكثر في ديوانه "شناشيل ابنة الجلبي" حيث كان يصارع مرضه، وترد "أين أين" كذلك مكررة:
"أين أين هي الحروب؟" (311)، "أين أين الصبايا؟" (312).
أي: وترديدها بارز عند السياب:
"أي حشد من وجوه كالحات؟
....... أي حشد من ذئاب؟
....... أي نعش؟ أي شكوى؟ أي دمع من نساء ثاكلات؟
أي جمع من عذارى نادبات؟ أي موت مثكل؟" (313).
وهناك نماذج أخرى يبدأها "من أي"، واستعمالات "أي" كما هو ظاهر تفيد التعجب غالبًا (314).
من: فقد لاحظنا تكرارها في القرآن والشعر القديم مسبوقة ب "أم"= "أمّن" (315) ..
والشاعر هنا يسأل من غير أن يسبق الأداة ب "أم":
"من مات؟ من يبكيه؟ من يقتل؟
من يصلب الخبز الذي نأكل؟" (316).
وربما نجد أن الشاعر يغفلها أحيانًا:
"فمن يتبع الغيمة الشاردة؟
ويلهو بلقط المحار
ويعدو على ضفة الجدول
ويسطو على العش والبلبل؟
ومن يتهجى- طوال النهار-؟
ومن يلثغ الراء في المكتب؟
ومن يرتمي فوق صدر الأب؟..." (317).
متى: وتفيد أكثر ما تفيد الاستبطاء:
"متى أعود إلى العراق؟ متى أعود؟
.... متى أعود؟ متى أعود؟" (318).
إذن فتكرار الأداة يدل على إلحاح العاطفة على الشاعر، واغلب الاستعمالات رأيناها في سياق حديثه عن ألمه سواء بسبب الحب أو بسبب المرض.
ويلاحظ القارئ هنا انه لم يكرر "هل"، وهذه ظاهرة نكتفي بتسجيلها مع أن في جملة الشعر القديم ترديدًا لها (319).
أما في مبنى الجملة الاستفهامية فلم الحظ استعمالاً غريبًا على اللغة سوى في استعماله "أفهل" (320).
ب- النداء:
والنداء ظاهرة بارزة كذلك في الجملة الإنشائية عند السياب، واغلب معناه توجع واستعطاف، وقد غلب عليه في جميع مراحل حياته، فهو يدعو:
أ. الله:
ويكرر نداءه ليظهر انكساره وضعفه أمام جبروت الله:
" يا رب أيوب قد أعيا به الداء
........ يدعوك في الدجن
يدعوك في ظلموت الموت
........ يا منجيًا فلك نوح" (321).
" يا رب ارجع علي أيوب ما كانا
يا رب يا ليت أن لي إلى وطني عود" (322).
ب. الإنسان:
" يا أختنا يا أم أطفالنا
....... يا جميلة
يا أختي النبيلة، يا أختي القتيلة" (323).
ج. الإنسان والأشياء معًا:
" يا جسم طيفك أنت يا شبحا
من ذكرياتي يا هوىً خدعا" (324).
د. ويخاطب الأشياء، وهنا تظهر حسرته أكثر:
" أأشتهيك يا حجارة الجدار يا بلاط
يا حديد الطلاء؟" (325).
ولننظر إلى الحرقة التي تنبض في نداءاته:
" يا دفء شتائي يا قبلاً أتمناها" (326).
وهو ينادي قريته "جيكور"، ويكرر النداء (327) ، ونلاحظ أنه يهمل الأداة أحيانًا، ففي ندائه لبويب (نهر بالقرب من قريته) يناديه آنا بأداة ..... وآنا بلا أداة (328).
وهو لا يتقيد باستعمال الأداة -وغالبًا ما تكون "يا"-:
" ويا مصباح قلبي يا عزائي في الملمات
منى روحي ابنتي" (329).
هـ . وينادي الضمير المخاطب:
" يا أنت يا أحد السكارى" (330)، " يا أنت يا قابيل" (331)، " يا أنت يا قطرات يا دم يا نقود" (332)، " يا أنتما" (333)، وقد وردت شواهد قليلة في الشعر العربي القديم لمثل هذا الاستعمال (334).
والنداء من طبيعة الشاعر، فهو لا يكتفي بنداءاته هو ،  بل يجعل الأشياء التي يتحدث عنها تنادي أيضًا:
" والموت يركب في شوارعها ويهتف يا نيام
..... والنار تصرخ يا ورود تفتحي
ويا شموع رشي ضريح البعل" (335).
ويستعمل النداء كذلك في الجملة الاعتراضية:
" يا ظلي الممتد حين أموت، يا ميلاد
عمري من جديد
الأرض (يا قفصا من الدم والأظافر والحديد
...... عشتار فيها دون بعل" (336).
وقد يستعمل الأداة من غير أن يقصد النداء:
" أصيح بالخليج- يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى كأنه النشيج
يا خليج يا واهب المحار والردى" (337).
فالنداء الأخير لا يقصد به النداء، وإنما إظهار الخواء عند الشاعر، فحتى صدى الصوت لا يعود كما كان يصرخ، واختفت كلمة "اللؤلؤ" من رجع الصدى.
وهو يقصد ب "يا" أحيانًا للتنبيه أو التعجب:
"ويا نعم الزعيم" (338)، "يا أهلاً" (339)، "يا طول ما انتظر" (340)، "يا ليت" (341)، ومن الاستعمالات الخارجة عن المألوف في مبنى الجملة قوله:
"يا بوركت" (342)، والمنادى هنا محذوف وتقديره من، وهو يقول "يا طالما بهما حلمت" (343)، وربما كان هذا بتأثير اللهجة الدارجة، وذلك لأنه تركيب جديد.
نخلص إلى القول أن النداء يتردد عند الشاعر، وبه يسكب خلجاته النفسية، ويظهر انفعالاته، فينادي الله والإنسان والأشياء، بل يجعل الأشياء بدورها تنادى ،  وكأنه يسقط عليها انفعالاته.
ج- التمني:
ومن الجمل الإنشائية البارزة جمل التمني وهي أكثر من أن تحصى، وفي أمثلة التمني التي نسوقها يعبر عن لوعته وحرمانه في حالتي الحب والمرض:
" لو صح وعدك يا صديقة
لو صح وعدك -آه لانبعثت وفيقه-" (344).
وفي قصيدة "هدير البحر والأشواق" (345) يستعمل "لو" مع أفعال مختلفة تسع مرات نذكر منها: "ولو عراك لو ذراك لو أكلتك أشواقي"، ويقول في مكان آخر:
" لو سيكارة في فمي لو غنوة
لو ضمة لو عناق" (346).
وتقع "لو" بعد مشتقات "ود" ففي قصيدة "النهر والموت" استعمل "أود لو" ست مرات (347) وفي صفحة واحدة تتكرر "نود لو" أربع مرات (348) "لو أنها" أربع مرات (349) وتتكرر "ليت" بنفس القدر لكنها لا تتعاقب ولا تتوالى في مثال واحد:
" يا ليت أوتاري
خضراء حمراء من قلبي ومن ثاري
يا ليت أبواب قلبي منك تلتهب
يا ليتها دون قفل ليتها خشب" (350).
د- التأوه والتفجع:
فظواهر الندبة وتأوه الشاعر وتفجعه ظواهر بارزة في شعره، وكثيرًا ما يجعل التأوه  بحد ذاتها اعتراضية: "أين- أواها- أميرتي؟" (351)، "ضيعتك- آه- يا جميلة" (352).
بالإضافة إلى استعمالاته "ويلاه" ، "واخيبتاه" ، "وأخجلتها" مما يتناثر في قصائد عديدة، وما أصدر الشاعر في قوله عن نفسه: "أنثُّ الآه بعد الآه" (353)، "يزفر الآها" (354).
2- الجملة الاعتراضية:
وقد اعتبرها القدماء ضربًا من ضروب الإطناب (355)، وهذا الإطناب من شأنه أن يثري الصور الشعرية ويجعلها تتراكم وسط تداعيات كثيرة (356).
وإذا القينا نظرة على الجمل الاعتراضية عند السياب نجد أن منها:
أ. جملاً إنشائية:
" والله- عز وجل- شاء" (357)، "رأى - ويح عينيه- حورية" (358).
ب. جملاً خبرية: بيد أن الجملة الأساسية هي  إنشائية:
" فليتك حين هز الموصل الإعصار-
لا دربًا ولا بيتًا ولا قبرًا نجت فيها-
شهدت الأعين الغضبى" (359).
" وكيف- وجسمها أبقى على جسمي
عبيرًا منه دفئًا غلف الأضلاع- أنساها" (360).
ج. جملة تشبيه:
" والنغم الرتيب- وقع الخُطا المتلاشيات
كأنه الهمس المريب-
ما زال يخفق من بعيد" (361).
د. جملة تفسيرية:
 " قتلت- إذ قتلته- الربيع والمطر" (362).
وكثيرًا ما تتواتر الجمل الاعتراضية بين أجزاء الجملة الأساسية:
"الأرض- يا قفصًا من الدم والأظافر والحديد حيث المسيح يظل ليس يموت أو يحيا كظل
كيد بلا عصب كهيكل ميت كضحى الجليد
النور والظلماء فيه متاهتان بلا حدود-
عشتار فيها دون بعل" (363).
فهو يريد أن يقول: الأرض عشتار، فأخذت الجمل الاعتراضية تتراكم، بل إننا لا نستطيع تحديد مكان الإشارات الاعتراضية، فمثلاً نستطيع أن نبدأ الجملة الاعتراضية من كلمة "النور" إلى كلمة "حدود" وكذلك نستطيع أن نجعلها من كلمة "كظل" إلى كلمة "الجليد".
وما أكثر الجمل الاعتراضية التي تتداخل حتى لا يصبح لها معنى ايجابي، فكأن كل جملة لها أهميتها:
" يا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى
( ما ظل يحلم -منذ كان-
به ويزرع في الصحارى
- زبد الشواطئ والمحارا-
مترقبا ميلاد أفروديت ليلاً ونهار)
أتريد من هذا الحطام الآدمي المستبيح
دفء الربيع" (364).
ولو طلب من شخص يتقن الترقيم أن يضع علامات الجمل الاعتراضية ، لتَردد أين يضع العلامات، فان جملها تختلط فلا نستطيع تأكيد الجملة الأساسية، ونرى أن الجمل كلها تشكل كلاً واحدًا:
" ورأيت من خلل الدخان مشاهد الغد كالظلال
تلك المناديل الحيارى وهي تومئ بالوداع
تطفو وترسب في خيالي هوّم العطر المضاع
فيها وخضبها الدم الجاري
لون الدجى وتوقد النار
يجلو الأريكة ثم تخفيها الظلال الراعشات
وجه أضاء شحوبه اللهب
يخبو ويسطع ثم يحتجب" (365).
ولو نظرنا إلى الجملة الاعتراضية في الشعر القديم، ولنعتمد على دراسة إبراهيم أنيس في كتابه "في أسرار اللغة" (366)، فإنه قد وجد القليل من هذه الجمل في ديوان المتنبي، وقد ذكر بعض الأمثلة منها:
" وان محالاً -إذ بك العيش- أن أرى وجسمك معتلّ وجسمي صالح".
"برد حشاي -إن استطعت- بلفظة فلقد تضر -إذا تشاء- وتنفع".
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح -إذا أرضاكم- الم".
أما شاعرنا الحديث فقد  أفرط كثيرًا في استعمال الجملة المعترضة، ولا تكاد تخلو صفحة من ديوانه منها.
ويرى الدكتور إحسان عباس أن كثرة المعترضات "تصبح نوعًا من المعاظلة التي كرهها نقاد العرب في القديم" (367)، ذلك أن الجملة الاعتراضية في ما يظن السياب أنها جاءت توضيحية ،  وإذا بها تؤدي غير ما جاءت له "لأنها تنقل القارئ من السياق العام إلى التأمل في حقيقة جانبية استطرادية" (368).
وإذا كان عباس يرى أن تزاحم العبارة في الذهن نوعًا من المعاظلة، فان بعض النقاد (369) يرون في هذا التزاحم إثراء للتجربة وتعميقًا لها.
وأيا كان الأمر فان الإفراط في الجمل المعترضة سمة من سمات شعر السياب وميزة هامة من ميزاته.
3- جملة القول:
وهو يستعملها كثيرًا وخاصة في إظهار لوعته، وتكون هذه الجمل أصداء تتردد عند تذكره كقوله:
" غيلان يدعو (أبي سر !)
وتدعو من القبر أمي (بني احتضني !)" (370).
وكثير من هذه الجمل يعاد بنوع من الهذيان، إذ يتخيل الشاعر الجملة التي قيلت ويعيدها في صورة المونولوج (371).
وجدير أن نذكر أن بعض الجمل المقولة ترد بلهجة عامية (372).
4- الاشتغال:
وهو أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل عامل في ضمير عائد إلى ذلك الاسم السابق، أو في اسم مضاف إلى ضمير الاسم السابق، وهذا ما سماه النحويون بالاشتغال، ويشير سيبويه إلى "انهم يقدمون الذي بيناه أهم لهم، وهم بشأنه أعنى  ، وان كانا جميعًا يهمانهم" (373).
والسياب يستعمل الاشتغال ليبين الأهم ويقدمه:
" والماء ستنهله نهلاً (374) :" الماء قيدوه في البيوت... محمد اليتيم احرقوه" (375).
وقد تتركب الجملة بحيث تتعقد، كقوله:
" أعواد السود  غذى عجله الذهب منها" (376).
" والبحر تقدح أحداق الكواسج في صخابه العالي" (377).
إذن فاستعمال الاشتغال عنده له أصول قديمة، وهو يردده أحيانًا بصورة غريبة  و جديدة.
 
5- استعمال ضمير المفرد الغائب (هو، هي):
* ومنه ضمير الشأن كقوله تعالى: "هو الله أحد" (378)، والغاية من هذا الضمير تعظيم الأمر وتفخيمه، كأن المتكلم يذكر هذا الأمر أولاً بوجه مبهم أي بالضمير، حتى ينتبه السامع إلى أهميته، ثم يفسره بالجملة التالية ليزيل الإبهام، إذن  فهذا الضمير رمز للجملة أي إشارة توجه إليها.
والشاعر وخاصة في ديوانه "شناشيل ابنة الجلبي" مولع باستعمال ضمير الشأن "هو"، أو ضمير القصة "هي":
" هو الصيف يلثم شط العراق" (379)، " هو الموت جاء" (380).
وضمير الفصل ، نحو: "جميل هو السهد" ، "جميل هو الليل" (381).
ونرى هنا ظاهرة تقديم الخبر (382).
* ويأتي الضمير تفسيريًا في مثل هذه الجمل:
" والريح تعيد أنغام الماء هو المطر" (383).
( فكأنه يريد أن يقول: هو المطر أنغام الماء).
" أتخاف أن تطأ النبوة مقلتيك هو الدمار هو الدمار" (384).
* وربما يكون الضمير متصلاً "بأن" حتى يفيد تأكيد ما قبله:
" تراقصت الفقائع وهي تفجر إنه الرطب" (385).
" إنه المقدور" (386).
6- استعمال نون النسوة:
وأعني بهذه النون الواقعة بعد جمع غير العاقل، كأن يقول القائل: الجذوع انكسرن -  بدلاً من انكسرت، وفي كتب النحو (387)ورد أن " الأحسن في جمع المؤنث غير العاقل إن كان للكثرة أن يؤتى بالتاء وحدها في الرفع، وإذا كان جمع قلة ( أي على وزان فِعْله، أفعال، أَفعُل، أّفعِلة) فالأولى مع النون: "الأجذاع انكسرن".
والشاعر يبيح لنفسه الاستعمالين دون النظر إلى جمع القلة أو الكثرة:
" وتحرقت قطراته المتلاحقات لتستحيل دموع يخنقنني" (388).
فالقطرات "تستحيل" أما الدموع "يخنقن"، وكذلك في المثال التالي نلاحظ أن الفعل يرد مرتين مرة بصورة المفرد ومرة مع نون النسوة:
"أعين البندقيات يأكلن دربي
فأحداق شعبي تحمل العبء عني" (389).
وهو يلجأ إلى ذلك للضرورة الشعرية كقوله:
" وطوفي أناشيد في خاطري
يناغين من حبي الضائع
يفجرن من قلبي المستفيض
ويقطرن في قلبي السامع" (390).
" عيونكم الحجار نحسها تنداح في العتمة
تدور كأنهن رحى بطيئات تلوك أجفاننا" (391).
وليس الاستعمال للنون هنا  ذا دلالة خاصة تستوقف النظر، غير أنها قليلة الاستعمال في الشعر، وهي عند السياب بارزة قد  يستعملها أو يهملها بلا تبرير محدد، وغالبًا ما يقرر ذلك الوزن الشعري.
7- تأخير الفاعل:
ونحن هنا إزاء ظاهرة تتردد كثيرًا في شعر السياب- وهي تأخير الفاعل بعيدًا عن الفعل، وقد تناولها النحويون والبلاغيون وبحثوا أسباب وجوبها (392)، إلا أن الغالب في أسبابها هو ضرورة تقديم الأهم أو طلبًا للقافية، وإذا كانت مثل هذه الظاهرة مترددة في الشعر القديم (393) إلا أنها قليلة الاستعمال في القرآن (394)، ونحن نلاحظ في الكثرة الكاثرة من أمثلة تأخير الفاعل عند السياب أن الشاعر يطيل علينا ، أو يؤخر ، حتى يذكر لنا الفاعل:
" وقد رف مثل الجناح الكسير-
على كومة من حطام القيود
على عالم بائد لن يعود
سناها الأخير" (395).
فهو يقول " وقد رفَّ سناها مثل" فاستطرد في التشبيه، وهذا يحتاج متابعة وتركيزًا، وإلا فان هناك احتمال التباس أن تكون "سناها" فاعل يعود، ومثال آخر:
" وألهب كل ألواح الزجاج الزرق في الظلماء ْ
فنوّر غرفتي إيماض برق ثم رش مدارج الأفق
 نثار" ........(396).
وانظر كيف أن القافية تلزم هذا التأخير: "يكاد يهوي من صراخي عنده التاج" (397).
وكان بإمكانه أن يقول - لولا القافية السابقة- مع المحافظة على الإيقاع الشعري:
"... يكاد تاجي،
من صرختي يهوي".
إن  الشاعر مفرط (398) عنده تقديم المفعول ،  فـبه يحس أنه يبتعد عن اللغة الدارجة ويقترب من الفصحى – وهي المنشودة لدى الشرعية الأدبية الرسمية .
8- ظاهرة التكرار عند السياب:
والتكرار موضوع اعتبره القدماء (399) ضمن الإطناب، واعتبره بعض المحدثين (400) بأنه يضفي وحدة فكرية أو عاطفية على الأبيات، وهو يضع بأيدينا مفتاحًا للفكرة المتسلطة على الشاعر (401) وبه يؤكد الشاعر غرضه ويبالغ فيه (402).
ومن الحري بنا أولاً أن نقف عند ظاهرة التكرار في القرآن:
جاء في "بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح" (403) في باب التكرير -  أن التكرار يكون:
أ. إما لتأكيد الإنذار في قوله تعالى: "كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمون، ثُم كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمون".
ب. وقد يكرر لتعدد المتعلق كما كرر الله تعالى: "فَبِأَيِّ ألاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبان" لأنه تعالى ذكر نعمة بعد نعمة، والغرض من تكراره بعد كل نعمة يختلف عن الأخرى.
وفي الشعر القديم نماذج كثيرة للتكرار، ففي المدح تستطرد الخنساء وهي تقول: "وإن صخرًا"،
كما تكرر ابنة عم النعمان بن بشير الأنصاري :  "وحدثني أصحابه أن مالكًا" (404)، بل أن المهلهل كرر "على أن ليس عدلاً من كليب" أكثر من عشرين مرة (405).
لكن هذه الأمثلة التي سقناها وردت كظاهرة فريدة  ، وربما ضمن ظواهر قليلة، ومع ذلك فشيوع استعمال التكرار في الشعر الحديث لا يدعنا نؤكد التأثر بالموروث اللغوي، (فظاهرة التكرار مألوفة في الشعر الغربي أيضًا ،  وقد أفيد منه الكثير).
ويرى صبري حافظ في معرض نقده لصلاح عبد الصبور أن التكرار يساهم في بلورة الصور الحسية ، ويركزها بالشكل الذي يحفرها في وجدان القارئ  ، ويعمق دلالتها في أعماقه.
والسياب يستعمل التكرار بشكل بالغ، حتى لا يكاد يضاهيه شاعر محدث (407) :
ولننظر إلى قصيدة "رؤيا في عام 1956" مثلاً (408) فسنجد أربعًا وعشرين كلمة  منها كررت مرتين، واثنتي عشرة كلمة كرر كل منها ثلاث مرات، وكلمة  أخرى كررت ست مرات، و أخرى  كررت سبع مرات، عدا عن بعض الحروف التي كررت أكثر من المألوف (409).
تكرار الحرف:
تناولنا في هذه الدراسة تكرار أدوات الاستفهام (410) والنداء (411) والتمني والتوجع (412) "وأن" (413) وواو العطف (414)، غير أن هناك حروفًا أخرى تستوقفنا لكثرة ترديدها، ومنها:
أدوات التشبيه:
1. كاف التشبيه: ومع أنها من حروف الجر إلا أننا آثرنا فصلها لنتحدث عنها كأداة تشبيه، فالشاعر يفرط في استعمالها- وخاصة في ديوانه "أنشودة المطر"- ففي قصائد "حفار القبور" (415) " قافلة الضياع" (416) "المومس العمياء" (417) نلاحظ العشرات منها، ومنها ما يتواتر ويتعاقب في بيت واحد:
" كيـَدٍ بلا عصب كهيكل ميت كضحى الجليد
.... كالمد يصعد كالسحابة كالدموع
إلى العيون" (419).
وفي كل مرة كما رأينا يتجدد التشبيه، ومنها ما يكون متبوعًا ب "ما"= كما:
" كما تأفل الأنجم الساهرات كما يغرب الناظر المسبل
كما تستجم البحار الفساح     مليًا كما يرقد   الجدول
كنوم اللظى كانطواء الجناح كما يصمت الناي والشمأل" (420).
ففي هذا المثل يقوى التشبيه حتى يرسخ فينا كيف يأفل الهوى.
2. كأن للتشبيه:فالشاعر إذا استعمل أداة تشبيه (421) استبدت به ففي قصيدة "أنشودة المطر" يكرر "كأن" (422):
" كأن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام"
" ... كأن صيادًا....................
................. كأنها تهم بالشروق
............... كأنه النشيج.... كأنه النشيج".
وبين صفحتي 474- 476 في ديوانه ( الجزء الأول )  نجد الكثير- الكثير من أدوات التشبيه: الكاف، كأن، كأنما، بل أن جملة التشبيه هي أبرز أنواع الجمل في شعر السياب، ولا تكاد تخلو قصيدة مكنها.
3. تكرار "لا" النافية: ففي القرآن: " لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابا" (423)، "لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا" (424)، وفي الشعر القديم يقول المتنبي:
" لا خيل عندك تهديها ولا مال" (425).
ولكن استعمال هذا الأسلوب في اللغة الدارجة أيضًا لا يجعلنا نؤكد انه تأثّرٌ من الموروث القديم حصرًا ، وها هو السياب يقول وقد ألحت عليه "لا":
" لا زوج ولا ولد
ولا خل ولا أب أو أخ فيزيل همي" (426).
بل إنه في صفحة أخرى يكررها سبع مرات (427).
تكرار الكلمة: فمن الكلمات المترددة لديه -  "الشراع" التي يرمز فيها للخلاص (428) أو معنى الوداع والرحيل (429) ومنها " المطر "  التي تعني الخير، وهذا هو المعنى الغالب في "أنشودة المطر"، "مدينة بلا مطر" (430) ، ومن معانيها كذلك  ما يرد بصورة سلبية بمعنى الموت والدماء والقنابل كما ورد في قصيدة "مدينة السندباد" (431). وتتكرر كلمة "المطر" على تتابع منظم- ثلاثًا وعشرين مرة- في قصيدة واحدة (432).
وقد خلص مدني صالح إلى ملاحظة تكرار اللفظ وثبات العبارة في بواكير شعر السياب بين سنتي 1944- 1948 ، فوجد أن كلمة "اليد" هي المتكررة ، وقد تبين له أن اليد عنده فارغة تستعطف واليد بائسة تستنجد ،  واليد كسولة لا تمتد ،  واليد يده هو، وعلى العموم  فهي سلبية عاجزة عن الآخذ ،  واليد –يد غيره- وعلى العموم قادرة على العطاء (433).
ويرى جبرا إبراهيم جبرا أن السياب "أوجد تلك الرموز التي أصبحت تدل على شعره: المطر، الريح، الرعد، الخبز، السنابل، الشقائق، النهر بمائه ومحاره، القرية، الصليب، الجلجلة، القبر، القيامة، الخنزير....الخ" (434).
ومع أن بعضًا مما أورده جبرا لا يتردد عند الشاعر... إلا أن الغالب على ديوانه الأول ألفاظ لها اتصال بالطبيعة، وقد أحصيت فوجدت بروز الكلمات التالية: بحر، نهر، موج، شاطئ، شراع، ريح، شعاع، نخيل، دوح، أزهار، كما انه يستعمل ألفاظًا لها اتصال بالموسيقى والغناء: اللحن، الوتر، القيثار، الناي، الشبابة والمزمار.
وهذه الكلمات ليست مقصورة على السياب وحده ، بل أن علي محمود طه مثلاً يرددها أكثر منه، فالنخيل والشراع والقيثارة من مفردات الرومانسيين (435).
وكثيرًا ما تتكرر الكلمة الواحدة في ثنايا القصيدة، ونظرة إلى قصيدة "السوق القديم" (436) فإننا نجد تكرار كلمة "الليل" ست مرات، "الضوء" و "السوق" خمس مرات، "الغريب" و "الظلال" أربع مرات، "المساء" و "الخريف" ثلاث مرات.
ولنقرأ تكرارا من هذه التكرارات المتواترة:
" حجار-
حجار وما من ثمار
وحتى العيون
حجار وحتى الهواء الرطيب
حجار ينديه بعض الدم
حجار ندائي وصخر فمي" (437).
فهو يكرر "حجار" ليرينا المأساة التي يعيشها وهو يهز الغصون لتسقط الثمار، لكنه لا يحصل إلا على الردى والحجار ،  فالعيون حجار، والهواء حجار، ونداؤه حجار، ولم يجد أن كلمة "حجار" بتكرارها تصف فمه كما يريد فلجأ إلى مشتقات الحجار (صخر) ليرينا عمق مأساته.
وكما ترددت "حجار" فـإن كلمة "تمثالك" تتردد سبع مرات في صفحة واحدة (438)، كما تتردد "أنا" ست عشرة مرة في قصيدة "المخبر" (439)، ولفظة  "كانت" بشكل بارز (440).
وأحياناُ تستبد به الكلمة فيعيدها: "أسى ذقت منه الدموع الدموع" (441)، ومثل هذا: "الشموع" ثلاث مرات متتالية (442)، ويعود ذلك لكثرة إلحاح الكلمة  وتأثيرها عليه، وأحيانًا يستعمل الكلمة مكررة مدخلاً بينهما كلمة أخرى كقوله "عليه الجرح بعد الجرح بعد الجرح أكداسا" (443).
تكرار الجمل:
وكثيرًا ما نقع على أبيات شعر تتكرر في ثنايا القصيدة الواحدة، فالشاعر مثلاً في قصيدة "رحل النهار" (444) يكرر هذه الجملة عشر مرات.
* ومن الجمل ما تتطور بعض كلماتها وتتغير حتى تحدث في  العبارة هزة ومفاجأة (445):
" الموت من أثمارهن وبعض أرمدة النهار
الموت من أمطارهن وبعض أرمدة النهار
الخوف من ألوانهن وبعض أرمدة النهار" (446).
* ومن الجمل ما يزيد عليها في تكرارها:
" ... لقتل النعاس
لقتل النعاس البريء" (447).
 
- " أين كنا أما تذكرين
أين كنا؟ أما تذكرين المساء" (448).
والكلمة الإضافية تحمل شحنات نفسية يقولها الشاعر وهو يحس بضرورتها، بل إنه حذفها من البيت الأول بشكل يلفت النظر  ، وذلك لأهمية الكلمة المضافة.
* ومن الجمل ما تنقص منها كلمة عند التكرار- وهي عكس ما سبق:
" أحقًا نسيت اللقاء الأخير
أحقًا نسيت اللقاء
... خبا في جليد الشتاء
خبا في جليد" (449).
وقد تتلاشى الكلمة ... وبها نلمس عمق مأساته، حتى أنه لا يستطيع متابعة جملته لصعوبة استساغة الكلمة المحذوفة، فعندما يقول:
" ولأينا صدأ القيود لأينا صدأ القيود
لأينا.................." (450)، ففي توقفه كثافة معنى... وهي تقول الكثير، ومثل هذا:
" لا تبعدي لا تبعدي
لا......" (451).
" وعلميه أن يذيل القلب لليتيم والفقير
وعلميه.........." (452).
وقد جعل الشاعر جملة حبيبته "سأهواك حتى تجف الأدمع" (453) تتلاشى إلى "سأهواك حتى" ثم "سأهواك" فـ  "سأهوا ".
ويطلق موريه (454) على هذه الظاهرة "تكرار سيكيولوجي" ففيها عوامل وخز مشبع بالمرارة وسخرية من الحاضر، وقد سمت نازك الملائكة البتر في العبارة المنبعثة من أعماق الشعور "التكرار اللاشعوري".
* ويلاحظ في شعر السياب تكرار عدة أبيات ترد معًا:
أ. منها ما يظهر في مطلع القصيدة، ثم يعود ليظهر في ختامها، ويشير موريه إلى أن الأبيات المكررة بالإضافة إلى تقسيمها للقصيدة إلى أدوار أو أقسام متعددة، فإنها تضفي على هذه الأدوار أو الأقسام وحدة وتربطها برابطة قوية، وتؤكد الفكرة الأساسية فيها وتضفي الجو النفسي الذي يسود الشاعر في تجربته الشعرية (455).
وترى نازك الملائكة "أن هناك خواتم ضعيفة، وما التكرار إلا نوع من التنويم يخدر به الشاعر حواس القارئ موحيًا إليه بـأن القصيدة انتهت" (456).
ليس من شأننا هنا أن نبحث سلامة هذا الرأي بقدر ما نتوخى أن ندلل على بروز الظاهرة جزءًا من أسلوبه ، ففي مطلع وخاتمة "سفر أيوب" (457) وردت هذه الأبيات:
" البرد وهسهسة النار
ورماد المدفأة الرمل
تطويه قوافل أفكاري
أنا وحدي يأكلني الليل".
ب. وترد أبيات متتالية في أكثر من مكان في القصيدة  ، وليس حتمًا أن تقتصر على المطلع
والخاتمة (458).
معاني التكرار:
صنف موريه أنواع التكرار: (459) التهديد والتشوق والرثاء والتعزيم وهذه الأنواع اصطلحت عليها "نازك التكرار البياني" (460).
فشاعرنا بهذا التكرار يتعجب ويتمنى ويتشوق ويدعو ويرجو. ونحن لا يجدينا أن نصنف أنواع التكرار، فكثيرًا ما نقع على تكرار بلا أي مبرر، وإنما هي ظاهرة يفرط فيها الشاعر، ولعل سبب هذا الإفراط يعود إلى أنه يلائم طبيعة حياته التي لا تكفي الإشارة لبيان عمق مأساتها، بل هو يصرخ صرخات تقع متشابهة الأنين والرنين، وهو لا ينفك يعيد في كثير من الحالات وبنوع من الهذيان ما يقول.
- ومن خلال استقرائنا للنماذج التي يكررها أو يكرر فيها نلاحظ أنها غالبًا ما وردت في سياق الألم.
9- التضمين:
وهو أن تتصل القافية وترتبط ارتباطًا مباشرًا بأول لفظة من البيت التالي، وقد عرف الشعر القديم نماذج قليلة كقول النابغة:
" هم وردوا الجفار على تميم    وهم أصحاب يوم عكاظ أني
شهدت لهم مواطن صادقات أتيتهم بنصح الود مني" (461).
والسياب يكثر  من ظاهرة التضمين، وهي ناحية بارزة في الشعر الحديث ومن ملامحه ،
 يقول السياب:
" نحن نهيم في حدائق الوجوه آه
من عالم يرى زنابق الماء على المياه
ولا يرى المحار في القرار
واللؤلؤ الفريد في المحار" (462).
" وتفتحت بين السنابل وهي تحلم بالقطيع
والناي زنبقة يدي إليها في خشوع" (463).
وظاهرة التضمين التي في شعره نلمح فيها أحيانًا طابع النثرية:
" كم يمضي الفؤاد أن يصبح
الإنسان صيدًا لرمية الصياد
مثل أي الظباء أي العصافير ضعيفا
قابعًا في ارتعاده الخوف يختص ارتياعا لأن
ظلا مخيفًا يرتمي ثم يرتمي في اتـئاد" (464).
10- الاستطراد:
وقد عرف الشعر القديم ظاهرة الاستطراد، فإذا شبه الشاعر حبيبته بروضة، انشغل بوصف الروضة في عدة أبيات (465)، وها هو الشاعر الحديث يقول:
" يعب الخمر شيخ عن دجى ضاف وأدغال" (466).
فهو يصف الدجى الضافي والأدغال ويقول:
" تلامح وسطها قمر البحيرة" وإذا به ينتقل إلى القمر ويقول: " يلثم العمدا...".
وأحيانًا يستطرد ويعود إلى نفس الموضوع بقفزة يستند فيها على كلمة أخرى، ولنوضح بمثال:
" ها هي الشطآن يعلوها ذهول ناصل
الألوان كالحلم القديم
عادت الذكرى به ساج كأشباح نجوم
نسي الصبح سناها والأفول
في سهاد ناعس بين جفون - في وجوم
الشاطئ الخالي كعينيك انتظار" (467).
فقد رأينا كيف حدثنا عن الشطآن يعلوها ذهول، والذهول ناصل أحلك، والحلم عادت الذكرى به مثل النجوم، والنجوم نسي الصبح سناها، ويجد أن الأفول رابط ليعود إلى موضوع الشاطئ.
وفي مثل هذه الجمل تكثر الجمل المعترضة ونرى عدم الوضوح في الفهم (468).
11- البعد بين شبه الجملة والمتعلق:
وأعني به:
أ. البعد بين الظرف ومتعلقه- كقوله:
هنالك قبل ألف حين مج لظاه من سقر
فم يتفتح البركان عنه فتنفض الحمى-
قراره كل ما في الواد من حجر
على حجر تفجر باللظى رحم البحيرة" (469).
فالظرف "قبل" في أول البيت يتعلق بالفعل "تفجر".
ب. البعد بين الجار والمجرور والمتعلق "من خلل الثلج................... المح عينيك" (470).
وتكثر مثل هذه الظاهرة بعد التشبيهات:
" كما ينسل نور خائف من فرجة الباب.......... سمعت هتافه المجروح" (471).
12- عدم وضوح الجملة:
وقد أشرنا إلى ظاهرة الاستطراد (472) التي قد تثير الالتباس في فهم الجملة، وهناك دواع أخرى ألمعنا إليها كالجملة المعترضة (473) ، وإليك ظواهر ملموسة عند الشاعر تثير الالتباس.
أ. ظهور بعض الألفاظ الغامضة: فمن الألفاظ ما هو معجمي، ومنها ما يرد ضمن جملة فلا يفهم المعنى كقوله: "يا جوادًا ساحقًا عيني بالصخر السنابك" (474) ، فما موقع كلمة "سنابك" هنا؟ وما معنى "كلا" في البيت التالي: "بعشرين كلا وهبت الربيع" (475) ، وقد يكون بعض الغموض بسبب تجديد في الصيغة والاشتقاق مما نشير إليه (476).
ب. ظاهرة تأخير الفاعل (477): وعدم تبين الفاعل والتردد في معرفته: فنحن لا نتبين الفاعل في مثل:
" شباك وفيقة في القرية
نشوان يطل على الساحة
كجليل تنتظر المشية
ويسوع وينشر ألواحـه" (478).
فليس من السهل ان نتأكد من فاعل "تنتظر"، وإليك مثالاً آخر:
" ورماه إلى اللجج الرمس
شباك وفيقة يا شجرة
تتنفس في الغبش الضاحي
الأعين عندك منتظرة" (479).
فما هو فاعل "تتنفس" ؟ الشجرة أم العين؟ وإذا كانت الشجرة التي تتنفس في الغبش فالشاعر يخاطب الشباك قائلاً: إن الأعين تنتظر عنده، وهذا الأكثر احتمالاً.
والثاني: أن شباك وفيقة كالشجرة عاليًا ، والأعين تتنفس - أي تتجلى وتراقب ،  وهو الأكثر شاعرية.
ج. الاكتفاء: وقد سميت هذا الفصل عمدًا عدم الوضوح- وليس الغموض والإبهام- ذلك لأنه يحوي أيضًا ظاهرة الاكتفاء التي ربما تكون مقبولة في الشعر، والاكتفاء أعني به عدم إتمام الكلام بقصد الإثارة:
" من يدري أنـي.ـ.....
من يدري" (480).
وقد صنفت أنواع الحذف فوجدتها:
1- بعد التمني: "لو أن غير الشيخ" (481)فنحن لا نعرف ماذا يتمنى.
2- وربما يعود إلى كلمة بدأها من غير أن يتم الجملة الأولى كقوله: "كأن -يا بشرى- كأن هناك...." (482).
3- وقد يحذف المضاف إليه:
" لم يبق من مرتوٍ أو ظامئ بفم
أو دون إلا ومن ماء الردى شربا" (483).
4- حذف كلمات ذكرت في أبيات سابقة كقوله: "أقوى جواد الحلم الأشهب" (484)، فهو قد ذكر قبل هذا "أقوى من الأسوار هذا الجواد".
5- حذف الخبر: " والغاب ساعتي الحبيبة من ظلال عقرباها
كم أنبآني أن طرفي بعد حين قد يراها" (485).
فبعد أن توقعنا شعرًا عن الغاب، وإذا به يتحدث عن ساعته التي كانت تواعده، وجمال البيت يكمن في استعماله كلمة "ظلال"، ومن هنا كان الغاب مصدرًا لهذه الظلال، وفي قول الشاعر:
"أما فؤادك ...ويح نفسي أين أنت ومن أنادي" (486).
فقد توقعنا منه الفاء الواقعة في جواب "أما" ولكنه لم يوردها وترك الأمر للقارئ .
6- حذف حرف العطف كقوله: "في ذلك الموت المخاض المحب المبغض المنفتح المقفل" (487) فإن عدم استعمال الواو من شأنه أن يثير التباسًا: فهل المخاض في الموت وما يلي كلمة المخاض صفات، أم أن المعنى في الموت والمخاض...وما يلي كلمة المخاض صفات لها، أم أن في ذلك الموت وفي ذلك المخاض وفي ذلك المحب... الخ (488).
 
أصوات جديدة
بعد أن وقفنا على الظواهر البارزة في الجمل السيابية، حري بنا أن نقف عند استعمالات قد ينكرها اللغويون أو يقولون على أن شواهدها في اللغة نادرة.
ذلك لان الاستعمالات الجديدة- وربما لم تكن مقصورة على السياب حتمًا- من شأنها أن تكشف لنا أضواء على الجملة حتى نتبين المزج بين العناصر القديمة والحديثة . ولا بد من القول إننا لا نتحدث عن ظاهرة وردت عنده مرة واحدة، لأن النادر لا حكم له.
1- في الجملة الشرطية: ونحن لن نتناول إلا الظاهرة التي تلفت الانتباه في جدة أسلوبها:
أ. بعد جواب الشرط عن اسم الشرط وتكرار اسم الشرط - ومثل ذلك الظروف التي تؤدي معنى الشرط نحو:
" حينما يزهر التوت والبرتقال
حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال
حين تخضر عشبًا يغني شذاها
والشموس التي أرضعتها سناها
حين يخضر حتى دجاها
يلمس الدفء قلبي" (489).
ولو لاحظنا هذه الجملة الشرطية:
أ- " إذا لم نعفر جباه الطغاة
على هذه الأرجل الحافية
ب- وان لم نذوب رصاص الغزاة
حروفًا هي الأنجم الهادية
ج- فمنهن في كل دار كتاب
ينادي قفي واصدئي يا حراب-
د- وان لم نضو القرى الداجية
ولم نخرس الفوهات الغضاب
ونجل المغير عن آسية
هـ - فلا ذكرتنا بغير السباب
أو اللعن أجيالنا الآتية" (490).
لرأينا الوحدة "أ" هي جملة الشرط ، ثم تبعتها جملة عطفية ،  فجملة اعتراضية ، فعودة إلى الشرط، وفي الوحدة "هـ " يقع جواب الشرط، وقد تأخر.
وفي مثال آخر يقول الشاعر:
" حتى إذا ما رش العتاة...." (491)، ونقرأ تسعة أبيات تختلف فيها الصور ...وإذا به يجيب: " أحيا دم الموتى فخر الطغاة".
ب. ومن المعروف أن (إذن) هي جواب شرط، والشاعر يستعملها بأسلوب جديد في الشعر العربي هو على غرار لغة الحديث الدارج:
" يا ليتها... إذن انتهى أجل بها فطوى أساها" (492).
" إذن ما عاد من سفر إلـى أهله عوليس
إذن فشراعه الخفاق يزرع فائر الأمواج" (493).
وهي جمل جوابية تفهم ضمنًا مما سبق كنتيجة له، فعندما نقول:
" إذن فالجراح
والصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل
لم تمتني" (494).
فكأنه يستنتج شرط حدوث شيء مسبق حتى لا تميته الجراح والصليب.
2- جملة أن:
وللشاعر استعمالات جديدة ل "أنَّ"، إذ في كل استعمال تتجدد الجملة، وهذا أسلوب لم تعهده اللغة القديمة، بقول الشاعر:
" أحسست أن السوط أن الدماء
أن الدجى أن الضحايا هباء" (495).
فهو يكرر "أن" بدلاً من حرف العطف، وفي حالات أخرى نجده يستعمل "وأن" ويكررها (496).
3- الابتداء بالحال:
ليس من شأننا أن نبحث مسألة جواز تقديم الحال عند النحويين، لكننا هنا إزاء استعمالات تثير انتباهنا:
" منطرحًا أمام بابك الكبير" (497).
" بعيدًا عنك في جيكور عن بيتي وأطفالي تشد
مخالب الصوان" (498)، أو يكرر الحال المتقدم: " نازلاً من صحاري السماء" (499).
ومن معانيه للنماذج الكثيرة لاستعمالات الحال في كتب النحو القديمة لم أجد بيتًا واحدًا يتصدر الحال فيه، وإنما وجدت مثلاً في "مجتمع الأمثال" (500) وهو "شتى تؤوب الحلبة" ويذكر أن "شتى" في موضع الحال.
4- جملة الإضراب أو الاستدراك:
وقد وقعت على استعمال لشوقي إذ يقول:
" بالأمس، لا لا اليوم التحقت به" (501).
والسياب له مثل هذه الاستدراكات القريبة من طبيعة لغة الحديث:
"الريح لا ليست الريح التي ركضت" (502).
"وكانت له زوجة وابن عم
وطفلان لا لا نسيت ابنتان وطفل" (503).
5- الإفراط في النعوت واستعمالات جديدة لها:
تقول د. سلمى الجيوسي (504) إن السياب الشاعر شديد التحفظ في استعماله النعوت، يكاد لا يستعمل منها إلا ما كان ضروريًا جدًا لاستكماله المعنى، وتضرب مثلاً على قولها أن قصيدة "أنشودة المطر" لا تتضمن إلا تسعة نعوت (505) تفرقت في سبع صفحات. وقد تبين لي خطأ هذا الحكم، إذ أن قصيدة "أنشودة المطر" التي فيها أحد عشر نعتًا لا تعتبر قياسًا، ففي "مرثية جيكور" (506) يستعمل الشاعر أكثر من خمسين نعتًا، بل إن كل سطر- باستثناء سطر واحد- من قصيدة "العودة لجيكور" (507) يحوي  نعتًا أو أكثر. وقد صنفت الصفات في قصيدة "نهر العذارى" (508)، وإليك هذه الصفات التي تقول عنها الجيوسي أنها "ضرورية":
أ- نعت ومنعوت: الشأو البعيد، الليل العميق، مرآتك الخضراء، الليل البهيم، القبة الزرقاء، النجم الأخير، المعبد المهجور، الفتنة السمراء، الأفق البعيد، البنان الرخص، المد القريب، الشاطئ الغربي، السعف الصموت، ساعتي الحبيبة، مدك العاتي.
ب- ما يرد على الإضافة الحقيقة المعنوية: زرقة الأفق، زهر النجوم، وما يرد على الإضافة غير الحقيقية أي اللفظية: لماحة الأضواء، مقصوص الجناح، بطيئة الخطوات، ذابلة الشفاه، مخمور الفؤاد.
والإفراط في استعمال النعوت بارز عند السياب  أكثر مما هو عند الشابي، وهذا خلاف ما ذهبت إليه الجيوسي في تتمة مقالها (509).
يقول الحاوي في كتابه "نماذج النقد الأدبي" (510).
" إن استعمال الصفة المباشرة بذاتها تنم عن موقف الشاعر من الأشياء يترسمها في حدودها الحسية والمعنوية لضعف الخيال عنده، يتحول الشاعر بها من الخلق والوصف ، فتقصر الرؤيا الشعرية، فالشعر ليس محاكاة للأشياء ووصفها أو رصفها بالألفاظ بل هو ابتكار".
فالفعل من شأنه أن يضفي الحركة الشعرية أكثر من النعت الذي أراه متكأ للشاعر للخروج من الانسياب الشعري، فها هو يصف شراعه مرة نديًا وأخرى قويًا وأخرى سريعًا وأخرى اخضر (511).
* كما نجد ظاهرة عدم الاكتفاء بنعت واحد:
" الأزاهير الطوال الشاحبات الناعسة" (512).
" كالربيع الأحمر الخضيب" (513).
* والصفة كما عرفها النحويون مشتقة، لكنها تقع أحيانًا مؤولة بالمشتق وهي قليلة، وشاعرنا يستعملها:
" وخطوه الجليد" (514)، (ويقصد به البارد)، "ورماد المدفأة الرمل" (515)ويقصد به الرملي.
* ومن ظواهر النعت عنده تأخره عن المنعوت، إذ يقول الشاعر:
" ولا وقت بها مرَّ ضائع" (516)، "باب علينا من دم مقفل" (517)، ووجه الخطورة في استعمال السياب أنه يمكن أن يفهم: "ضائع" فاعل "مر" و "مقفل" نعت لـ "دم".
* وأحيانًا يسبق الموصوف الصفة، والنحويون لا يجيزون تسمية ذلك بموصوف وصفة، لكن المعنى الذي نؤوله يبقى نعتًا ومنعوتًا، ففي قوله: "صوت قوي من فقير نبي" (518) فهو يقصد حتمًا: من نبي فقير.
وكذلك في قوله: "في موقرات من سفين الغزاة" (519) فهو يقصد: في سفين الغزاة الموقرات.
6- واو العطف وحذفها:
كثيرًا ما يبتدئ السياب قصيدته بواو غير مألوفة على الشعر القديم (520) كقوله:
"وغدا سألقاها" (521)، "وما وجد ثكلى مثل وجدي" (522)فالواو المعهودة في الشعر القديم وفي ابتداء القصيدة هي واو رب كقول الشاعر:
"وأطلس عسال" (523)، وكذلك واو القسم، أو أن يبدأ الشاعر قصيدته "ولقد" (524) والواو التي يستعملها السياب تأتي للإثارة، وكأننا نتابع الرحلة النفسية لهواجس الشاعر وخيالاته.
* ومن مظاهر تكرار الواو:
"عيناك والنور الضئيل من الشموع الخابيات
والكأس والليل المطل من النوافذ بالنجوم" (525).
"الليل والسوق القديم وغمغمات
العابرين وخطا الغريب" (526).
وهذه الواو من شأنها أيضًا تنويع الصور الشعرية وإثراؤها، وهي ظاهرة في الشعر العربي الحديث، وخاصة في شعر البياتي (527) وصلاح عبد الصبور (528).
* ومن استعمالات الواو ما نلاحظه في أسلوب اللغة الإنجليزية، وهو استعمال and قبل المعطوف الأخير، فيقول السياب بصورة جديدة ومثيرة للانتباه:
"دفء نعاس خدر وارتخاء" (529)، "فابرق أرعد أرسل المطر... وودع القمر" (530).
* وفي حين يردد الواو في كل مرة كقوله:
" الزاد تحثوه الربى والخمور،
والرقص والأغنيات والحب والذكريات" (531).
فكثيرًا ما نراه يحذفها ولا نراها قبل المعطوف الأخير أيضًا كما سنرى.
وقد وجدت في كتب اللغة (532) أنه يجوز حذف العاطف إذا أمن اللبس، فمثال حذف الواو :
 " تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع ثمره " .
وحذف الواو نراه عند السياب:
أ- من الأفعال: "في قبضة ماردة تمطها تشقها تحيلها دربا إلى الهجير" (533).
" في ليل الشهوة كل دمي يتحرق يلهث ينفجر" (534).
فنحن نجد أن الشاعر يريد أن يتوصل إلى القول الأخير بأسرع ما يمكن، ويجد أن الواو تعيقه، وفي اغلب النماذج نجد أن الفعل الأخير هو الذروة.
ب- من الأسماء: وفي النحو يصح ذلك إذا أمن اللبس كقول القائل: "سافر بالطيارة القطار الباخرة" (535).
فيقول الشاعر: "يشق إلينا غصون الهواء
صياح بكاء غناء نداء" (536).
وفي ظني أن هناك أكثر من احتمال في فهم الجملة، فهي إما:
أ. فيها صياح وفيها بكاء وغناء ونداء وهذا المعنى القريب.
ب. أن الأصوات سمعت أولاً صياحًا، وإذا بها بكاء، حتى يتبين بالتالي أنها نداء.
ج. أن الأصوات يمكن أن تكون أحدها.
وكيف نأمن اللبس في مثل هذه الجملة:
"تؤوب آلهة الدم خبز بابل شمس آذار" (537).
ج- قبل المصدر المؤول (538)- كقوله:
" صاحت به الآلهة الحاقدة المدمرة-
أن ينشر الشراع أن يضل في بحاره دون يقين
أن يعود في غد لداره" (539).
د- قبل حرف الجر: " جيكور ستولد من جرحي- من غصة موتي من ناري" (540).
 
 
7- استعمالات جديدة في استعمال حرف الجر:
وقد يستعمل الشاعر أنماطًا جديدة في استعمال حرف الجر:
* اللام- فالشاعر يقول:
"وعن بنات لآوى خلف منعطف" (541).
ونحن نعلم أن الاسم هو (بنات آوى) وشاعرنا يزيد اللام لكلمة آوى، وكأنها علم مفرد، وكذلك يقول:
" ويقطر لابن آدم قلبه ألـًما وينفطر" (542)، فنشعر أنها جملة مترجمة عن الإنجليزية أو هي قريبة من العامية، وهو يستطيع أن يقول- من غير أن يخل بالوزن أو القافية- "ويقطر قلب إنسان وينفطر" ( طبعًا إذا اجزنا لأنفسنا تبديل كلمة بكلمة ).
وكذلك يقول الشاعر:
"ونام تملأ الدموع- برنة الأجراس
أو بصيحة الذئاب- عوالم الحلم له" (543).
وهو يعني عوالم حلمه، وشبيه بهذا قوله: "تمتد بالجرة لي يدان" (544).
* الباء- يقول الشاعر:
" الدماء وحدت بالمجرمين الأبرياء" (545).
وفي الأصول اللغوية يقال: (546) وحد- من غير حرف جر-، ويصح كذلك: وحدت بين، فمعنى وحد بـ (جعله واحدًا) وهي تقال لله: وحدت بالله.
* من- يقول الشاعر:
"وترفع الجنازة اليابسة المهدمة من رأسها" (547).
و "من" هنا زائدة، كذلك في قوله: "وآسية الجملية كحل الأحداق منها الوجد والسهر" (548).
"إلى زوج تغير منه حال" (549)، "لم تخفق على الدرب منه الخطى" (550) وأغلب الظن أن هذه الاستعمالات بتأثير العامية العراقية.
تكرار حرف الجر:
كثيرة هي النماذج للاستعمال المتواتر لحروف الجر، ونلاحظ انه بغير حروف عطف غالبًا (551)، وإليك نماذج منها:
* من- "من مرضي من السرير الأبيض
من جاري انهار على فراشه وحشرجا.........
من حلمي" (552).
وقد أشرنا إلى ظاهرة تأخير الفعل المتعلق بالجار والمجرور (553).
* الباء- سواء كان للتفدية والقسم:
"يا أخوتي بالله بالدم بالعروبة بالرجاء" (554).
أو بمعنى (في): "بأسى الليل باحتراق الفراشات
بدمع من النفوس الظوامي
بسهاد الفتى بما بين جنبيه بما للنجوم من آلام" (555).
* على-
"يطرق الباب على الماضي على اليأس عليا" (556).
* عن-  "ونبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمه" (557).
* في-  "أي انطلاق في مصر في سورية في العراق في أرضك الخضراء" (558).
* إلى-         "إلى أيامي الحلوى إلى داري إلى غيلان إلى أهلي" (559).
8- لام الابتداء:
وهذه اللام تفيد التأكيد وهي مألوفة في اللغة القديمة، والسياب يستعملها بصورة مألوفة:
"لأهون أن أموت لديك وحدي دون حشرجة ولا أنه
من القدر المروع يجرف الأحياء بالآلاف" (560).
وليس في هذا الاستعمال غرابة، لكن هناك بعض الاستعمالات الجديدة:
"ولكدت من فرحي أقوم" (561).
"لأحببت لو أن في القلب بقيا" (562).
"لكأنه ضيف جديد" (563).
"لكم طال الدرب" (564).
"ولربما" (565).
9- ما الزائدة:
والشاعر يستعملها بعد (إذا) كما تستعمل في اللغة (566)، ويستعملها بعد (أي) كقوله:
"من أيما رئة من أي قيثار" (567).
ولا نرى تفسير استعمالها وإهمالها إلا ضرورة الوزن، ويوردها الشاعر بعد كلمات: غير، دون، كل:
"بغير ما رحمة" (568)، "دونما خوف من المطر" (569)، "أسائل كل ما طفل" (570)ويبدو لي أن الشاعر مولع باستعمالها، وأحيانًا تبرر هذا الاستعمال القافية ففي قوله:
"تفرقت الدروب بنا تسير لغير ما رجعة" (571).
وكان بإمكانه أن يقول:
(يسير بلا رجوع) من غير أن يختل الوزن.
 
" الفصل الثاني"
 
" اللفظة عند السياب"
 
 
اللفظة عند السياب :
اللفظة هي ركن هام من أركان الجملة ،  وبها نستطيع الحكم على تقليد الشاعر وتجديده، ونحن نتناول بحثها على هذا النسق:
أ- ظاهرة مستعملة كثيرًا في شعر السياب: وقد لاحظنا ظاهرتين بارزتين هما التشديد والتضعيف.
ب- التقيد بالأصول اللغوية واستعمال الكلمات المعجمية (كالواردة مثلاً في "لسان العرب" و "المنجد").
ج- التجديد في اللفظة: في صيغتها ودلالتها، مما نجده عند الشاعر، وقد يشاركه في استعمالها آخر؛ ومن التجديد ما لم يرد في المعاجم واعتبره البعض من الدخيل، والشاعر أيضًا لا ينفرد بها، ومنه ما يمكن اعتباره خطأ أو صورة جديدة غير مألوفة لغويًا، وهو في حاصل الحساب جديد.
أ- الظواهر البارزة:
1- اختيار كلمات مشددة: ومنها ما هو جائز لغويًا، ومنها ما هو تجديد لدى  الشاعر، ولنقرأ:
"وعلى القلوع تظل تطوى أو تنشّر للرحيل
... جلس الغريب يسّرح البصر المحيّر في الخليج
ويهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج
أعلى من العبّاب....." (573).
فهو يجعل "العبّاب" مشددة وهي ليست كذلك في المعاجم نحو  "لسان العرب"، ويقول الشاعر:
"فليحقدن علي كالحمم المستعرّة" (574)، "تنثّر زهرة" (575).
وأبرز ما يقع على وزن (فعّل): "سقّتك الحيا سحب" (576)، "تروّى" (577)، "وردّ هابيل ما قضّاه بارئه" (578).
وفي الكثير من هذه الاستعمالات نرى أنها تدل على عنف في نفس الشاعر، وتأتي للتنفيس عن كبت وضغط.
2- استعمال الأفعال الرباعية المضعفة ومصادرها:
وتبرز هذه الأفعال في شعر السياب (579)، وقد أكثر منها بشكل لا يجاريه شاعر قديم أو معاصر، ففي قصيدة "منزل الأقتان" (580)مثلاً نراه يستعمل: سقسقات (العصافير)، وهسهسة (الرثاء)، وهدهدة (طفلها)، وتهزهز (مهدها)، ويدندن (القصاص)، وولولة (الأب المفجوع)، وكفكف (أدمع الباكين)، ورقرق (الجدول). وهذا الولع الخاص بها جاء ليضفي موسيقى خاصة أو (أونوموتوبيا) يجاري المعنى فيها لفظ الصوت (581). ونظرة فاحصة إلى استعمالات المضعف فانه:
أ. يستعملها كما هي في المعاجم: لجلج، رجرج، لملم، غلغل، هزهز، هدهد، رفرف، صلصل (582).
ب. ويستعملها بمعنى حقيقي آنا وبمعنى مجازي آنا آخر:
حمحم: "الخيل من سأم تحمحم وهي تضرب بالحوافر" (583)، "أطيار من الفولاذ... تحمحم" (584).
دغدغ: من الاستعمال الحقيقي "تدغدغني ونحن على السرير" (585)ومن المجازي "نار تدغدغها" (586)، "التمني يدغدغه" (587)، "يدغدغ أشرعة" (588).
سقسق: الحقيقي "أيسقسق فيها عصفور؟" (589)والمجازي "سقسق الليل" (590)، "سقسقة الصباح" (591).
غمغم: وتعني في "لسان العرب " تكلم بكلام مبهم غير مبين، وقد أكثر الشاعر من استعمالها بجميع مشتقاتها، وكان أكثرها في المعنى الحقيقي: "تغمغم لا لن تراه" (592)، بل إن الشاعر يرددها في القصيدة الواحدة أكثر من مرة (593)، ومن المعنى المجازي لها ما ينسبه للشروق: "غمغمة الشروق" (594).
وسوس: وتعني في " لسان العرب " صوت فيجعلها الشاعر للخيوط والرغام والإنسان والنخل والسنابل والنقود والحرير والشاي والزورق (595).
وقد وردت "يوسوس" في القرآن في سياق الحديث عن الشيطان "الذي يوسوس في صدور الناس" (596)، فيظل أثر الخداع الشيطاني عالقًا في قول السياب:
"يوسوس في تهدج صوتها فيخادع الأرواح" (597)، إذن ،  فالكلمة عنده تعني (صوت) دون تحديد أي صوت. ومن الطريف أن نذكر أنه يستعمل (وسوس الشاي) أكثر من مرة، فترافقه بعض ألفاظ الجملة الأولى:
"ولا وسوس الشاي فوق الصلاء" (598)، "وسمراء تصغي إلى الشاي فوق الصلاء يوسوس" (599).
ج. يستعملها مجازيًا:
جعجعة: فهي في اللغة صوت الجمل وصوت الرحى فيجعلها السياب للسنين (600).
ذرذر: وتعني في اللغة رش فيجعلها الشاعر للأنوار والغبار والأضواء والظلمة (601).
قعقع: وتعني صريف الأسنان ، ولها معان أخرى ليس فيها صوت النار، يقول الشاعر: "نارًا تقعقع" (602).
ويذكر " لسان العرب " أن القعقعة للسلاح، ويبدو أن الشاعر رمز إلى السلاح بكلمة (نار).
قهقه: فالظلمة تقهقه (603)، والجليد يقهقه (604).
هسهس: وتعني صات ،  فالخبز والنار يهسهسان (605).
د. غير دقيقة الدلالة:
كركر: ومن معانيها في " لسان العرب " - تراجع في مسيله، صوت يردده الإنسان في جوفه، كركرت الشيء أي جمعته، وكركر الرجل أي انهزم...الخ.
وفي استعمالاته الكثيرة يعني بها صوت الماء، فهو يحسها قريبة ومتوافقة مع صوت الماء،  ، كما وترد بعض الكلمات من مشتقات (كركر) بمعنى الضحك، يقول الشاعر:
"طفل شرود يكركر بالضحكة الصافية" (606).
إلا أننا لا نستطيع البت في دلالة (كركر) إذا ما استعملتها للشمس والضياء والسحابة والصحراء (607) وأستطيع من خلال مراقبة استعمالاتها أن افهم أنها تعني الضحك، فكثيرًا ما وردت الكلمة وتبعتها أو سبقتها كلمة يدغدغ (608).
قفقف: وتعني في اللغة ارتعاد من البرد أو غيره، ويقول الشاعر:
"وسمعت قفقفة الضحايا في القبور" (609).
ولا نجزم أن كان هذا ما عناه الشاعر، وكثيرًا ما نرى الشاعر جريئًا في استعمال المضعف كأن يجعل الوهوهة (وهي ترديد الصوت بحزن، أو ترديد الزئير) للنيون الكهربائي وللدماء وللدجى وللماء ولليل (610).
ب- التقيد بالأصول اللغوية:
1- ألفاظ معجمية قليلة الاستعمال:
نجد الشاعر يستعمل الكثير من الألفاظ التي لا يعرفها كثير من القراء :
* كلمات وردت في القرآن مثل آد، أيمّ، اجتبى، أزف (611)، وقد أشرنا إليها في فصل الإيحاء القرآني.
* كلمات وردت في شعر العرب مثل: أثافي، دمنه، بهير، بوقات، تشظى، انثال، ثواء، عارض، سحاح، رداح، بهم وغيرها (612).
* وهو يستعمل كلمات نادرة الاستعمال مثل "جوسق" ، "كوسج"، "مغير" (613).
* والشاعر يستعمل كلمات غير واضحة الدلالة، كأن يكون لها أكثر من معنى في المعاجم مثل قداح، عفاة، عنقاء، غرب، نث، نض، (614) ومن الأضداد: جون، صرد (615).
* وكثيرًا ما نلاحظ أنه مولع باستعمال الكلمة الصعبة فيستعمل:
آب (616)بدلاً من عاد (وهي نفس الوزن الشعري)، عقار (617)بدلاً من خمور، موصد (618)بدلاً من مغلق، يم (619)بدلاً من بحر، أشاجع (620)بدلاً من أفاع، ثواء (621)بدلاً من بقاء أو مكوث وغيرها.
2- ألفاظ معجمية شعبية: ومن ملامح اللفظة عنده أن تكون في اللغة الدارجة، ولها أصول في المعاجم، فعندما يقول: "كتبوا أساميهم على الماء" (622) فإننا نشعر أن كلمة "أسامي" عامية وبعد تدقيق نجدها أصيلة، وهكذا شأن بعض الألفاظ مثل: جرار، حارة، أجنبي (623)وغيرها كثير.
ج- التجديد في اللفظة:
1- التجديد في الدلالة:
 وأكثر ما استعمله السياب متفق عليه بين عصره، لكني سأورد بعض النماذج القليلة لما أحصيت من الألفاظ التي تكاد لا تقع عند غيره إلا قليلا.
* بلم- "يتماوج البلم النحيل بنا" (624)، والبلم في "المعاصم" سمك بحري صغير، لكن هذه المعنى عند الشاعر لا يستقيم، والشاعر يشرحها في ذيل الصفحة: زورق يستخدمه أهل البصرة.
دخيل: "هل تصيرين للأجنبي الدخيل" (625)، وهي في "المنجد" تعني داخل أعماق البدن، بيد أن معناها الحديث اكتسب طابعًا سلبيًا للمستعمر الذي يدخل البلاد.
استمهل: "كبنلوب تستهمل العاشقين" (626)، واستمهل في "لسان العرب" استنظر، لكن الشاعر لا يريد القول أن بنلوب تستنظر وإنما يريد أنها تجعلهم ينتظرون.
هوّم: ومن مترددات ألفاظ السياب هذه الكلمة التي يعني بها غالبـًا: يدور أو يجول ...وغالبًا ما يرافق ذلك صوت :
 "من رياح تهوم بين النخيل" (627)، "على شط يهوم فوقه القمر" (628)
وقد أكثر منها بوجه خاص في ديوانه الأول "أزهار وأساطير" في مرحلته الرومانسية ،  ومعناها في "لسان العرب": هز رأسه من النعاس، نام قليلا، وشاعرنا يستعمل "هوم" باشتقاقاتها بمعنى آخر أشرنا إليه.
2- التجديد في الصيغة: فهو يستعمل أسماء الوحدة ( اسم المرة )  مثل: انكسارة، اختلاجة، تكشيرة (629)، وكثيرا ما يجمعها مثل: غمغمات، ابتسامات، تنهدات، التماعات، اختلاجات (630).
وليس جمع المصدر بالمألوف في العربية، وذلك أن ما جمع من  المصادر هو الحدث من كونه اصطلاحا نحويًا ، ولكنه انتقل من صورة الحدث إلى صورة الجمود، فاستحال إلى اسم يعيد عن الحدثية والاستعمال مرد هذا التوسع اللغوي.
ويرى د. إبراهيم السامرائي في كتابه "فقه اللغة المقارن" (631) أننا نقول إن النجاحات جمع لنجاح ونشاطات جمع لنشاط وهذه شائعة في الفرنسية succe`s, activite`s وفي الإنجليزية successes, activities. وقد أجاز الأقدمون جمع المصدر إذا أفاد النوعية المختلفة ،  وإذا انتقل من الحدث إلى الاسمية كما نجده في مقررات المجمع اللغوي في القاهرة.
وإليك ثبتًا ببعض الكلمات التي تعتبر صيغًا جديدة، وقولي (جديدة) لا يعني أنها مقصورة على السياب فقط، كما أننا لا نحصر - بالضرورة -  كل لفظ ولفظ.
* ملاحظة: الرقم إزاء الكلمة هو رقم الصفحة من المجموعة الكاملة.
أبيد: (ص56) وردت في " لسان العرب "  مرادفة  لأبد، والشاعر فصل بين الكلمتين: "أبيد الرؤى".
آدمية: (ص372) وهي مصدر صناعي من النسبة لآدم.
أكيل: (ص45) وهي صيغة جديدة أرادها صفة على وزن فعيل ولا تؤنث "الرئة الأكيل".
تتأكل: "يا لك ثورة تتأكل القلبا" (ص628) وهي هنا صيغة جديدة لـ (أكل)، ففي "المنجد" تعني: صار منخورًا وسقط.
آه: "أي آه" (ص433)، وآه في اللغة اسم فعل مضارع بمعنى أتوجع، والشاعر يجعلها أسماء.
بابا: ترد كثيرًا عنده بالمعنى الشائع يا أبي (ص324) مثلاً.
تحايا: (ص36) وهي جمع تحية لم ترد هذه الكلمة في المعاجم القديمة، ويبدو أنه جمعها على غرار منية- منايا، رزية رزايا.
خبّط: (البواكير: 101) والمعاجم تعرف خبط وتخبط، لكن الصيغة (خبّط) وقعت عند الشاعر بتأثير العامية، وهو يصوغها بصورة موحية.
مخاضر: (البواكير: 34) والخضرة في اللغة هي أرض فيها خضرة، والمخاضر تعبيبر جديد.
متخافق: (ص321) وخفق تعني اضطرب وتحرك، وتخافق تعبير جديد يضفي حرمة.
مدار: ولم ترد في المعاجم كمصدر أو اسم مكان، بيد أن اللغة تجيز ذلك، فها هو الشاعر يستعملها في التثنية (ص107)، وفي الجمع مدارات (ص13).
ذقون: (147) وهي في الأصول اللغوية أذقان، (انظر: "لسان العرب").
أَذْكَرَ: (ص104) وهي صورة جديدة ل (ذكّر).
تراعش: (ص553) وهي صيغة جديدة من (رعش).
سماوة: (ص324) وهو يعني بها سماء، وربما اشتقها مفردة من سموات.
ساع: (البواكير: 70) ويعني بها ساعة، حذفت التاء لضرورة الشعر.
زئبقي: (575)، ويعني بها الشاعر غير المستقر كالزئبق.
زنبقت: (ص386) فعل مشتق من الزنبق.
مزهرية: (ص203) مأخوذة من زهر ، وهي استعمال في اللغة الدارجة .
زغاريد: (ص347) جمع زغرودة: هدير البعير في جوفه "لسان العرب"، صوت النساء في الفرح "المنجد".
شَحِب: (ص 52 ) ، والوارد في المعاجم ( شاحب ) .
  مصارف ( ص630 ) اسم مكان من صرف  ، ويعني بها (البنك).
تصخاب: (ص564) مصدر على وزن تفعال لم يرد في المعاجم (ومثله تشراب، تسكاب في اللغة).
استضحك: (البواكير: 10) وهي جديدة إذا اعتبرناها لمعنى (ضحك) كما وردت عند الشاعر.
تضوأ: (ص401) والصيغة المعهودة في المعاجم- ضوّأ.
طفّأ: (ص77) ويستعمل كذلك: تطفأت (ص166) والمعهود في المعاجم- انطفأت، طفئت.
مطلول: (البواكير: 69) بمعنى أصابه الطل وهي في المعاجم: لم يثأر له.
ظلموت: (ص257) وهي لم ترد في المعاجم القديمة، وكما نرى فهي مشتقة على وزان ملكوت كهنوت جبروت، وفي (ص165) مثلاً يستعملها الشاعر، وبعدها بعدة أبيات يستعمل "ظلمات"،  وتبين لي أنه يجعل الظلموت للأحلام ليبين شدتها وحدتها . بينما الظلمات تأتي  لليل بالمعنى الشائع، وربما تقع كلمة "ظلموت" بتأثير جو كلمة أخرى في نفس القصيدة، إذ يستعمل الشاعر ملكوت (ص166).
عصفر: (البواكير:54) وهي صيغة جديدة يعني بها صبغة بالعصفر أي جعله أصفر اللون.
عضعض: (ص145) مشتق من عض.
معطور: (325) وصيغة المفعول من عطر صيغة جديدة في استعمالها.
عميل: (ص199) ترد كثيرًا عند الشاعر بمعنى الجاسوس الذي يتعامل مع الأعداء.
مفزّع: (ص608) اسم فاعل من فزع، وهي في اللغة فزع (من غير تشديد) ويعني بها الشاعر:
ما ينصب في المزرعة تخويفًا للوحش.
يتقافز: (ص440) ومعناها في  "المنجد" تواثب ، بينما لم ترد في معاجم أخرى  مثل: "لسان العرب"، "تاج العروس".
انقهر: (البواكير:30) وهي بمعنى قُهِر، ونسمعها في اللغة الدارجة.
مقهى: (ص550) وهي كلمة حديثة ترد مرارًا عند الشاعر.
كوخة: ويعني بها الكوخ (أشار إليها د.السامرائي في "لغة الشعر بين جبلين" ص324).
لحود: (ص476) وهي في اللغة بمعنى مائل، بينما هي عند الشاعر مشتقة من لحد وتعني لحود.
لاقف: (ص628) لقف الشيء تناوله بسرعة، ولاقف صيغة جديدة.
تلامح: (176) وهي صيغة تتردد عنده، وقد ابتكرها لتدل على وقوع اللمح تدريجيًا.
تلهاث: (ص365) وصيغة تفعال من لهث لم ترد في المعاجم.
تلاوين: (ص34) ويقصد بها ألوان ، وهي صيغة جديدة يستعملها الشاعر.
تتمرى: (ص259) وتتمرّى في "المنجد" تتزين ويقصد بها الشاعر- تقف أمام المرآة، وهي في الحالتين صيغة جديدة من (رأى).
هماس: (البواكير: 116) وهي صيغة جديدة لهمس.
تهاويل: (ص54) هول تهويلاً في "المنجد" أفزعه، وتهاويل صيغة جديدة في الجمع.
مستوحد: (ص676) ويعني بها الشاعر منعزل يرددها كثيرًا، بينما الصيغة اللغوية هي متوحد.
ويجعل الشاعر صيغة يتوحد (ص120) بمعنى يتحد ، بينما هي في اللغة يبقى وحده ويتفرد به.
"خلاصة تجديد الصيغة":
مما تقدم نجد التجديد:
أ. في الأفعال:
* على وزن فعل مثل خبّط، طفّأ وهي لزيادة التشديد.
* على وزن تفاعل مثل تخافق، تراعش، تلامح وهي لبيان التدريجية في الوقوع.
* على وزن تفعّل مثل تأكل، تضوأ، تمرى وهي أيضًا للتأكيد على الحدثية.
ب. في المصدر: يستعمل مصادر جديدة مثل تصخاب، تلهاث وغيرهما.
ج. في اسم المفعول: كأن يستعمل مطلول من الطل، ومعطور من العطر.
د. اشتقاقات أخرى: كقوله: آدمية (مصدر)، زئبقي (نسبة)، زنبقت (فعل)، نقالة (اسم آلة).
* يجمع جموعًا غير مألوفة في أصول اللغة: تحايا، مخاضر، عصبات، تهاويل، كما يجمع أسماء الوحدة: ابتسامات، تنهدات، التماعات... الخ.
3- كلمات لم ترد في المعاجم:
وهذه ظاهرة غير قاصرة على الشاعر، فهو مثلاً يجعل عنوان إحدى مجموعاته "شناشيل ابنة الجلبي"، والشناشيل (632) شرفة مغلقة مزينة من الخشب المزخرف والزجاج الملون كان شائعًا في البصرة وبغداد قبل مئة سنة، وقد ورد استعمال الكلمة مذكرًا (633).
والجلبي: لقب عند العراقيين يقابل الماركيز عند الأوروبيين، ومثل هاتين الكلمتين كثير مما لا نجده في معاجم اللغة، ومن هذه الكلمات: سيكارة، نيون، إسفلت، بار، باص وغيرها كثير.
2- ألفاظ بشكل مغاير للأصول اللغوية:
 وأعني ما اصطلح عليه بالأخطاء التي وقع فيها الشاعر، لكننا لا نؤثر استعمال هذه الكلمة، لأن اللغة في طبيعتها متطورة، فمن هذه الكلمات: بردانة (634)، استهون (635).
ومنها ما هو غير مألوف في الصياغة كقوله (مضارع) بدلاً من مضوع، ويحضين بدلاً من يحظين (636).
إذًا فباستطاعتنا تمييزها من صور التجديد التي ذكرناها، لأننا هنا نشعر بخطأ أكثر من محاولة تجديد، وأيًا كان الأمر فباستطاعتنا أن نحصر الكل في إطار اللفظة الجديدة.
د- المزج بين القديم والحديث:
من خلال معاينتنا لطريقة استعمال الألفاظ عند السياب تبين لنا هذا المزج:
أ. في الجملة الواحدة ...فبينما تكون لفظة فصحى فإننا نراها تعايش لفظة عامية كقوله:
"حيـًا زخّ" (637) تعني أن المطر نزل بغزارة، "فعنا القلب وانقهر" (638)، "ألفيتني احسب ما ظل في جيبي من النقد" (639)، "بردانة أنا والسماء تنوء بالسحب" (640)، "كالغابة تربض بردانة" (641)، "لا أرد من الزبائن أجمعين إلا العفاة المفلسين" (642).
وقد تكون الكلمة الأولى فصحى  ، والثانية جديدة على المعاجم- غير واردة في المعاجم، كقوله: "ونايي أجتبي الأنغام" (643)، "يوصد الماخور" (644).
"زورق العرس المحلى
بعيون آرام ودفلى
ودرابك ارتعدت حناجرها" (645).
إذن  فشاعرنا يمزج في القصيدة الواحدة، بل في الجملة الواحدة الكثير من الفصحى- أي القديم- بالتعابير الحديثة سواء بصيغتها أو بدلالتها، وسأسوق مثلاً آخر على هذه الظاهرة:
"فتسأل عن بابا أما طابا" (646).
وصيغة الاستفهام "أما" هي من فصيح الكلام في القرآن وفي الشعر، وكذلك استعمال ألف الإطلاق بعد "طاب"، لكن "بابا" و "طاب" كلمتان تردان على لسان الأطفال، ولهما دلالة جديدة.
وفي القصيدة الواحدة نلاحظ تعبير عامية في مجموعها "مدى ما ترى العين" (647)، "العيد من قال انتهى عيدنا" (648)، "بالعيون سلم علي إذا مررت" (649)، "الأقة- صاح القصاب من هذه اللحم بفلسين" (650)، "يا حاملات الجرار رحن واسألنها" (651)، وغيرها كثير.
- وهناك تعابير فصيحة يبدو وكأنها مترجمة عن العامية كقوله: "ماذا علينا أن عبد اللطيف يدري" (652)، فاستعمال "ماذا علينا" كأنه من العامية (إيش علينا)، وفي قوله: "وكل ضاحك فمن فؤاده" (653)، فكأنه يريد أن يقول -من كل قلبه-، وقوله "منذ صار" (654)ترجمة لقولنا من يوم ما صار.
- ومن استعمالاته التي تقع بتأثير لغة الحديث أو الفصحى المعاصرة:
* حتى- فهو يقول: "والظلام حتى الظلام هناك أجمل" (655)، "حتى كأن الأرض من ذهب" (656).
* إلا- ففي تكرارها تأثير من العامية: "ما فيه إلا النخيل وإلا العصافير" (657).
وعندما يقول الشاعر: "الجناح الحديد" (658)، "عجله الذهب" (659)، فهو يعني الحديدي والذهبي ومثل هين الاستعمالين يبرز في اللهجة المصرية الدارجة على وجه التخصيص.
ب. وقد يستعمل لغة شعبية في جملة القول (660)كقوله: "ترددها المقاهي (ذلك الدلال جاء يريد أتعابه)" (661)، فكلمة "ذلك" هي التي أكدت صيغة الفصحى.
- "والضيفة تضحك وهي تقول:
خطيب سعاد جافاها وانطوت الخطبة
الكلب تنكر للكلبة" (662).
"وتوسلته فدى لعينك خلني بيدي أراها" (663).
ج. وقد يكون في هذا المزج إدخال الأغنية الشعبية:
"وصدى يوشوش يا سليمة نامت عيون الناس آه من لقلبي كي ينـيمه" (664)،
 وقد يكون التضمين واضحًا من الغناء الشعبي العراقي:
"يا مطرًا يا جلبي          عبّر بنات الجلبي"
يا مطرًا يا شاشا، عبر بنات الباشا، يا مطرًا من ذهب (665).
 وهذه الأغنية من أغاني أهالي البصرة كما يقول مطاع صفدي، ويقول الشاعر ضمن قصيدة عمودية:
"خورس شيخ اسم الله ترللا