قصيدة الشاعر فضل خلف جبر المنشورة في موقع – كتابات –
في يوم 22 / 10 / 2006 والمعنونة ( ابن عم الخياط الذي
كان ينظر من ثقب ابرة ) قد تبدو بطرة في بنائها او
رسمها وفي دلالتها وحتى في عنوانها او تكرارها .. لكنا
لو امعنا النظر فيها بطريقة تفكيكية او بنيوية لفك
شفرتها وحل اشكالية بنائها ورسمها وتكرارها لعذرنا
الشاعر وقدرنا مدى جديته وعمق دلالته في لمحته الشعرية
الموجزة .. فقد تواشج المعنى والمبنى حتى صار كلاهما
شراعا في الضرية الاخيرة من القصيدة وكأن الشاعر كان
ينسج بالحروف والكلمات شراعا ويشير اليه عبر رؤية في
الافق لا تعبها او تبصرها الا عين الشاعر وبصيرته
الثاقبة .. فهو كان يرى في الافق ما لا يُرى.. ويرسم
بالكلمات ما يراه ثم يؤكد ويكرر حين ينكر الاخر رؤيته
او يجهلها فيبقى الشاعر تائها في الفرق الكبير في
الرؤية بين اتساع الافق وضيق ثقب الابرة وهنا نقترب
قرائيا من طول العنوان وسخريته وعلاقته- تناصه - التي
تبدو بعيدة مع النص .. ان هذه القصيدة تفسرها نهايتها
وتجمع خيوطها ضربتها الاخيرة بل كلمتها الاخيرة –
الشراع التي تغدو شراعا مرسوما ومكررا ايضا لانها من
القصائد التي تتخذ من تشكيلها الحروفي والمفرداتي
مدخلا للدلالة وان كانت لا تخلو من تكلف بنائي ولزوم
نحتي بالكلمات وتصرف تشكيلي في فضاء القصيدة وفضاء
الورقة ايضا لتكون قصيدة قراءة وتفحص رؤيوي بصري وليست
قصيدة سماع لان الالقاء التسميعي سوف يجعل القصيدة
تخسر رسالتها التشكيلية المرتجاة منها .. من هنا على
القصيدة ان تسوغ العلاقة الفنية بين مستوياتها الثلاثة
.. الدلالة والبناء والتشكيل بحيث تبدو هذه المستويات
مكملة لبعضها البعض بعفوية او قصدية اسندعت هذا النوع
من الكتاية او التعبير ..وبتداخل مضموني وشكلي متواشج
لحد اننا لا نستطيع ان نحلل او نتناول كل مستوى من
مستوياتها الثلاثة على حدة .. مثل المثلث الهندسي لا
يمكن ان نرفع احد اضلاعه ونتكلم عنه كمثلث .. ولكن
يبقى نواة القصيدة هو المعنى الذي يمثل المرتكز الاساس
الذي تطلب المبنى واسندعى التشكيل ..
ان استطرادا جدليا انهمرت به القصيدة بالنداء :
( انظر
ماذا ؟
هناك ..)
حيث تشكل مفردة ( انظر ) راس الشراع المدبب الذي يتسع
شيئا فشيئا بالاسئلة والاجوبة عليها .. برؤية الشاعر
ونكران الاخر لها او ببصيرة الشاعر وعمى الاخر ذي
العيون المبصرة ولكن باتساع السؤال يتسع الشراع حتى
يصبح اكبر سؤال في القصيدة واخرها هو قاعدة الشراع
العريضة النهائية .. ولان القصيدة هذه مثل اللوحة لا
يمكن حذف شيء منها حين النظر او التكلم عنها لذلك
سنوردها كاملة لكي نتماهى معها :
أنظر
مـاذا؟
هنـــاك…
أيــــــــــن؟
تلك الناحيــة…
أية ناحيــــــــــة؟
حيث كــــرة اللهب…
أين هي كـــــرة اللهب؟
تلك التي تتدحــرج في الأفق…
أية كرة، وأي أفق، وأية دحرجة؟
الكرة التي غيرت شكلها الآن لتغدو شراعا..
متى غيرت شكلها، واين هو الشراع الذي تتحدث عنه؟
الا تنظر؟
بلى أنظر
مــــــاذا؟
هنــــاك..
أيـــــــــن؟
تلك الناحيـة..
أية ناحيـــــــة؟
حيث كـرة اللهب..
أين هي كـــــرة اللهب؟
تلك التي تتدحــرج في الأفق…
أية كرة، وأي أفق، وأية دحرجة؟
الكرة التي غيرت شكلها الآن لتغدو شراعا..
متى غيرت شكلها، وأين هو الشراع الذي تتحدث عنه؟
لم يجب الشاعر على السؤال الاخير لان بناء القصيدة
اكتمل ببناء الشراع وبفحوى الدلالة طبعا لكن الشاعر
كرر الاجابة قلا باس ان تكون القصيدة او السفينة
بشراعين ولعل في الاعادة افادة لمن لا يرى الافق الا
من خرم الابرة .. وان هذا التشكيل الشعري تكراري في
الشكل واللفظ والمعنى في حين اخذت بعض القصائد التي
كتبت بهذه الطريقة اشكالا اخرى واساليب اخرى غير
التكرار اللفظي او غير التكرار الشكلي ولكنها افادت من
فن التشكيل او الرسم لتكريس المعنى والمبنى في القصيدة
ضمن منطومة انفتاح الاجناس او حتى الانواع الادبية
والفنية على بعضها .. فهذه القصيدة تذكر بقصييدة اخرى
لصاحب هذه الكلمات من ديوان ( اماكن فارعة ) الصادر عن
منشورات الشارقة – دائرة الثقافة والاعلام عام 1999
وعنوان القصيدة ( توالد ) حيث يتشاكل او يتشكل المعنى
والمبنى والتشكيل لانتاج القصيدة وتوصيل رسالتها
الفنية والدلالية ولا باس ان نوردها على طريقة اللوحة
التي اشرنا اليها سابقا :
نعم بهذه البساطة سنغير التاريخ
نعم بهذه البساطة سنغير
نعم بهذه البساطة
نعم بهذه
نعم
نعم سنعود
نعم سنعود ثانية
نعم سنعود ثانية فافتحوا
نعم سنعود ثانية فافتحوا القبر
حيث اتخذت هذه القصيدة شكل ساعة الرمل المعروفة
المتساوية الجزئين الاعلى والاسفل واتخذت من مفردة نعم
انطلاقة للقصيدة في كل ابياتها ومفصلا يربط مقطعي
القصيدة مع بعضهما ليحقق ثيمة التوالد التي يشير اليها
العنوان .. توالد بيت من بيت ومقطع متلاش من مقطع
متوالد وتوالد حياة من موت على مستوى الدلالة .. ولان
القصيدة موضوعها تغيير التاريخ والعودة المخترقة للزمن
فقد تماهى شكل ساعة الرمل مع هذه الدلالات .. اما
قصيدة فضل فموضوعها الانكار وعدم رؤية الاخر لما يراه
الشاعر فقد اتخذت التكرار ردا على هذا الانكار واتخذت
شكل الشراع لان الشيء الذي رآه الشاعر هو كرة لهب
تحولت الى شراع بوسع الافق الذي يملا مخيلة الشاعر
وبصره وبصيرته .. فعلى الاخر ان يتماهى مع رؤية الشاعر
ولو من ثقب ابرة خياطة ..!