|
|
|
* الاحد //
17 /
12 / 2006 |
قراءة
في كتاب جابر خليفة جابر القصصي ...طريدون .. (2)
|
alikalafalemara@yahoo.com |
|
نصوص اخرى |
|
|
|
|
|
| |
في ( لوحة زيت )عنوان الجزء الاول من الفصل الثالث تتمرأى
المدينة بصورها وحدثها على انعكاسات الزيت وتتراءى طريدون
بواقعية كثيفة..
( ساح الزيت ومن انعكاساته تراءت طريدون .. )
فراى - احد – صورته مترجرجة في قلب البساط . و – احد – هو
احد البحارة او احد سكان طريدون او احد ابطال او شخصيات
الرواية التي يعطيها المؤلف هذه التسمية ذات المجهولية
والمعلومية في آن واحد، مجهولية الفرد وذوبانه في الوان
اللوحة وشخوصها ، ومعلومية الجماعة وتشكيلها المشهد العام
للوحة الطريدونية .. فكما للمدينة وللسفينة تفاصيل رؤى
وتشكيلات صورية وحكائية تدل عليها مفردات القص ومكوناته
فان للوحة تفاصيلها ومكوناتها التي تشكل الحكاية باسلوبها
الفني وانزياحها التصويري .. ففي هذه اللوحة يتمظهر الزيت
كمكون رئيس لهيئة اللوحة وخطابها الحكائي بمظاهر عدة سواء
شكلته فرشاة بيد بشرية ترصد المشهد العام وتدخله في فضاء
اللوحة او شكلته يد القدر او المصادفة حين يسيح الزيت
بحركة عشوائية فيتخذ اشكالا عشوائية عدة هي الاخرى، لكنها
تشير الى قدر او زمن يلف المدينة فتتمظهر قدريتها في فضاء
لوحة او في فضاء ماء وابحار .. لقد كان فضاء اللوحة خطابا
سرديا لونيا مندمجا مع خطاب السرد اللغوي الذي سحبه الى
عملية السرد وجعله عنصرا فاعلا ومكونا موحيا من مكوناته ..
لكنه مكون تعبيري لا شخصاني او زمني او حدثي . مكون يحاول
استدراج كل مكونات السرد الى فضائه اللوني .. بساط على باب
المقصورة – لوحة زيتية – تتراءى فيه الاسرار وكانه عين
سحرية وشاشة تتنقل وتصطاد الحدث ..
( وفي جيب صدريتي نسخة من المفتاح ، كان مرسوما على حاشية
البساط فقصصت الرسم لئلا يفضحني والقيته عبر الكوة في
الظلام .. ) ..
ان ثراء الغموض في كتاب طريدون القصصي يحفز التاويل على ان
يتحرك فيه باكثر من اتجاه معتمدا على تعدد المحاور التي
تناول بها الناص النص واتاح لحركته التاليفية مساحة
ديناميكية تتوالد منها مساحة التاويل وطاقته الكامنة على
المشاركة في النص عبر فسحة التلقي وتجلياته ازاء النص
القصصي ..لينتقل من الدلالة الوضعية الى الدلالة الرمزية
كما يوضح ابن عربي في الفتوحات المكيةحيث يميز بين ((
المضمون الاول الذي هو النص من حيث دلالته الوضعية ،
والمضمون الثاني الذي هو النص من حيث دلالته الرمزية ))
كما يذكر كمال عيد في – فلسفة الادب والفن – او ما يسميه
ابن عربي (( وجه الرسالة الاول ( العبارة ) في حين يسمي
وجه الرسالة الثاني ( الاشارة ) ... )) كما يذكر سعيد
الغانمي في – اقنعة النص - ففي طريدون فسحة من الوسع او
الفاعلية التاويلية بحيث يستطيع المتلقي بموجهاته القرائية
ومجساته الاستنباطية ان يستقرا المشهد القصصي او النصي
ويضيف اليه او يعيد تركيب مكوناته النصية المترجرجة كرجرجة
الزيت على بساط اللوحة او رجرجة الباخرة على امواج دفينة
او رجرجة المدينة على قاعدة زمنية زئبقية .. لا تبقي حالا
على حاله حتى الاشجار فيها قابلة للمشي والهجرة والرثاء ..
مدينة منكوبة بزمنها المهدور مثل دم جدرانها وانهارها
وابنائها واحلامها .. الشواهد كثيرة والشهود قلة فالشهادة
الادبية تتطلب تخميرا للنص وذاكرة سليمة خارجة من اتون
الحدث ومنفتحة على اجيال مائية منعتقة من سراب الهجير
وفالتة من غبار الزمن .. الشهادة الادبية نص محفوف بالامل
والالم والكلمة القادرة على الصدم والاستفزاز ومداهمة
الفضاء التاملي للاخر الواقف بحذر على طرف المعادلة
الكتابية الصعبة حيث لا وقت للكلام سوى الايحاء والتلميح
والاشارة بما تبقى من ادوات الكلام الى ما تبقى من هواجس
المدينة وشواخصها ..
في افق التاويل ..
للقارئ نصه ايضا في مساحة التاويل مثلما للكاتب نصه .. نص
القارئ ذاك الذي يختبئ بين السطور .. النص الذي تهمس به
الكلمات دون ان تبوح به على سطح الصفحة الكتابية .. النص
الذي يتوغل به القارئ مع النص المكتوب الى اعماق الصفحة
حيث يتدرج القارئ مع هذا النص الذي يترسب في قاع الصفحة
الى ان يستقر في القاع فيصبح نص القارئ المؤول المنغمس مع
موحيات النص ... اذن لنقل ان نص الكاتب فوق على سطح الصفحة
اما نص القارئ فهناك في القعر او في قاع الصفحة .. هو النص
المخبوء في الصفحة لا النص الظاهر .. النص الماخوذ
والمدفوع بقوة التاويل الى الاعماق النص المسحوب من الافاق
الى الاعماق، الافاق للكاتب والاعماق للقارئ . ولكن أي
كاتب واي قارئ .. ؟
كاتب الافاق الذي يجعل من وسع افاقه النصية ملاذا للقراءة
وحصة للمشاركة في سلطة التاليف، الكاتب الذي لا يحكتر النص
بافق تاويلي ويجعل القراء مشاهدين خارج شاشة العرض النصي
.. بل يفتح شاشة العرض على قاعة الحضور فيدخل الجميع الى
الى فعالية النص في شاشة نصية ذات ابعاد مجسمة وتجليات
متوالدة تغري المشاهد - القارئ – بتجليات قرائية متوالدة
ايضا ..
واي قارئ . ؟ القارئ القادر على تسلم جمرة النص من موقد
الكتابة مثل الشعلة الاولمبية والذهاب بها الى اعلى نقطة
من مكان العرض او الاحتفال بالنص ..
القارئ ذو الابوة على النص القادر على تخليصه من يتمه
واجابته على اسئلة الوجود التي يطرحها النص – الطفل –
باستمرار ..
هذا القارئ الاب حامل اعباء النص المجيب على اسئلته سواء
بالاجوبة الحقيقية المجردة او بالاجوبة التاويلية او
التاليفية التي تصبح شيئا فشيئا نصا يترسب في قاع الجواب
او قاع الصفحة كما نوهنا ..
ليس هناك حد للحدث في طريدون الرواية سواء كان هذا الحد
زمنيا او مكانيا .. بل ان الحدث يسبح على حدود الزمن الى
زمن اخر خارج حدود اللوحة الزمنية لذلك اختير الزيت في
اللوحة لمحاكاة هذا السيح او الانزياح مثلما اختيرت
الباخرة لما في دلالة الابحار من انزياح مكاني وزماني
وبالتالي انزياح حدثي .. كل شيء قابل للانزياح في طريدون
بدأ من المكان الذي هو وعاء الحدث ووعاء مكونات السرد
الاخرى .. من هنا صارت صعوبة الامساك بحدث متحرك ضمن وعائه
المكاني المتحرك .. زمن عائم على ماء يعوم معه الحدث وقد
تعوم معه الرؤية والرؤيا الكتابية الملاحقة لهذا الحدث
والمتقصية لحيثياته الشخصية او المكانية .. هذا التحرك
السردي الرجراج في طريدون جابر خليفة جابر وسع من افق
التاويل لدى القارئ وتحركه القرائي مع النص من ناحية وقطع
فكرة الطريق الواحد الى النص من ناحية ثانية ، بدد الطرق
وقطع السبل المؤاتية الى طريدون فعلى القارئ ان يبتكر
سبيله اليها او يختار الطواف حول النص ومراقبته من الخارج
كمن يراقب مدينة غريبا عنها وهنا يسقط القارئ في غربة النص
، او الغربة عنه ..
الضحى .. والجدار
في عنوان ( الضحى ..الجدار ) من كتاب طريدون يلوح لنا
جداران يربط بينهما ضحوان ينتميان الى المكان والحدث وضحى
واحد هو ضحى اللوحة او الامتداد الزمني للعين السحرية
السرية الكامنة في البساط الذي تتراءى عليه صور الشخصيات
التي تصنع الحدث او بالاحرى التي تبحث عن تداعياته وبقاياه
سواء على وجوه وملامح المفجوعين به – الحدث – او على جدار
المدينة الموازي بالسرد لجدار الباخرة فيبدا هذا المقطع او
العنوان من الرواية بـ
( ضحى – على سقالاتنا – معلقين كنا ، نحك الصدأ .. )
واي صدأ هذا ؟ هو صدأ جدار الباخرة الحديد .. لكي يطلى هذا
الجدار بالصبغ الابيض، يقابل هذا الجدار – كما تقول لنا
اللوحة – التي تشكل العين السحرية للحدث ، او كما يقول لنا
صانع الحدث او الباحث عنه :
( في الجهة اليسرى من اللوحة ، رايت نفسي اجتاز البوابة
الرئيسة للمستشفى فجلست – كما يقول البحار احد – على حافة
ارجوحتي ودققت النظر .. )
ثم يحيلنا البطل الراوي الى جدار اخر شهد الحدث فاستحق ان
يكون جدار المدينة الابيض او الصفحة البضاء التي كتبت عليه
قصة ما حدث في قلب المدينة..
( كان جدار العيادة الخارجية ابيض .. )
والوقت ضحى حيث يتوافد المراجعون على العيادة ولكن أي
عيادة واي مراجعين .. ؟ سيجيب على السؤال الجدار بدقات قلب
المراة المفجوعة باخيها فالمراجعة اذن للذكرى العالقة على
الجدار .. .. والمراجعون هم المتبقون من ابناء المدينة
الذين يجمعهم او يمثلهم قلب امراة مفجوع او قلب مدينة تنزف
دما على جدار اشبه بضريح .. دم يذكره السارد بجملة ايحائية
..
( كانني رايت صف بنادق افقية كسقالاتنا . )
وربما في هذه الاحالة التشبيهية الى ان الجميع شارك في
عملية القتل حتى البعيد عن المديتة المنشغل بجدار ابيض اخر
بعيد عائم على ماء مسافر .. وبهذا التاويل الغريب يصبح كل
شيء صورة لبندقية حتى فرشاة الصبغ البريئة التي تبيض
الجدران .. !
غير ان المفجوع يبحث عن شاهد او بديل للذي فجع به ..
( قالت : اتعرف الكابتن شهاب البحر ؟ )
كما ان المفجوع يتماهى مع الازاحة الزمانية والحدثية مثلما
تماهى مع الازاحة المكانية فجعل من الجدار ضريحا وذكرى
ومراجعة يومية لتطبيب الجراح .. فتنزاح المعاني بحديث
المفجوعــــــ(ة)..
( زارنا يوما بقاربه ، دخل حجرة الكتب ، راى الزنج يخرجون
وراهم على جذع النخل مصاليب فاغلق المجلد وخرج .. )
هذا الانزياح والاستبدال والتكثيف الشعري لا يتيحه سوى
لسان فجيعة مكبوت في صفحات الكتاب الحكائي او في بيوت
المدينة المحكية .. ولكن بين الحاكي والمحكي ثمة لوحة
زيتية سردية تشير الالوان والتشكيلات فيها الى افاق السرد
وتنهل من اعماقه موسعة من فضائه الفني وفضاء التلقي منه ..
كان القاص حريصا على ايحاء الزيت في اكثر النقاط احتداما
وبوحا في الخطاب القصصي..
( قل له : صانع الطبول لقد ترك دمه على هذا الجدار ومضى ..
)
وفي هذا التصاعد الدرامي ندخل فضاء اللوحة من جديد..
( اشارت الى الخدوش فانتشرت الاضاءة اغرقت اللوحة كلها.. )
مستفيدا من تقنيات اللوحة وما يمكن ان توسع من فضاء
الدلالة ثيمة الاضاءة والظل في لوحة اضاءة و حدث وروي
وشهادة .. لا على سطح اللوحة – البساط – حسب وانما على سطح
الارض التي شهدت الحدث وبالتالي على سطح النص الذي ارّخ
بالفن القصصي لهذه الارض .. لتبقى هذه اللوحة – البساط
تؤازر السرد وتجدد خطابه وايحاءه ..
( .. تركتها ، في حجرها قربة فخار تنضح ماء وتبلل البساط
.. )
البساط اللوحة المعلق عند باب المقصورة في الباخرة كعين
خلفية ترصد الحدث وتسجل حواراته بتقنية الزيت الذي يحرص –
احد – بطل هذا المقطع من الكتاب على جلبه من المدينة الى
السفينة كرابط دلالي وفني بين صورتي المدينة .. ولكن هذا
الزيت مادة الكتابة والتوثيق سرعان ما ينتشر بعشوائية اخرى
جالبة معها او عاكسة صورا جديدة للوحة تتراءى عليها هيئات
البحارة والاشكال الطريدونية المحيطة ..
( حين تنزلق بطة الزيت من يد – احد – الى قاع القارب
وينقلب الزيت .. ) !
لينتقل الى عنوان اخر من كتاب – طريدون – لكنه يبدا بزيت
اخر يملا بطة الزجاج لتنهض الرواية من جديد بـ ..
( زيت خام ، خاثر وثخين .. )
يتبع ..
|
|
|