مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


جمال المظفر / العراق

* الاربعاء // 10 / 1 / 2007

 قراءة في رواية البلد الجميل

 

نصوص اخرى

 

 

 


 

التنافذية والبناء الاسطوري في هيكل الرواية / الجزء الثاني


تأخذ الخرافة جانباً مهماً وواسعاُ في رواية البلد الجميل للروائي احمد سعداوي من خلال صور سردية ـ اسطورية ـ عائمة على جسد النص ـ الرواية - .
يقول الراوي ”ولأنها محرومة من الأولاد سارعت الى الكتلة اللحمية الهشة لجنينها المجهض وسرطته، أي ابتلعته لتعيده الى بطنها ثانية، وصلّت لله ان يبقيه حياً هناك، وبعد ان أتمت من الحمل سبعة أشهر ولدته من جديد فنزل كأبن تسعة أشهر وعاش ونما فسمته مسروط“.
ان استخدام الخرافة في هذا النص له أكثر من دالة وأشارة مثيولوجية معتمدة عبر الموروث الحكائي المتعمق في المجتمعات الريفية والقروية يشكل خاص، فالكتلة اللحمية هي الجنين الذي يرمز الى ـ الروح ـ التي اقتلعت من رحم الأم واعادت هذا الجزء المفقود من خلال (سرط) أي بلع هذه الكتلة لتعيد دورتها الحياتية في داخل الرحم الذي مازال دافئاًومهيئاً لأستقبال (الكتلة اللحية ) من أجل هيكلتها وتطويعها في الرحم، أي أن عنصر الارادة موجود. ولأن هذه الحالة نادرة الحدوث الا لمن يؤمن ايماناً كاملاً بالاشياء الروحية ورموزها الايحائية، فأن الولادة ستكون معجزة، لأن هناك اعداداً كبيرة من الكتل اللحمية تسقط من ارحام الامهات في دورات المياه أو بين افخاذهن ولكن عنصر الرهبة والخوف أو ـ الرعب ـ الذي هو أعلى درجات الخوف يجعل النساء يخافن لمس هذه الكتل وبالتالي، عدم قدرتهن على (سرط) فلذات أكبادهن الذين لم يتموا بعد دورة حياتهم، فحالة أُم مسروط دالة على التعلق بالشيء او الالتصاق الروحي مابينها وبين هذه الكتلة التي قد تكون مقززة للآخرين، بينما تراه عنصر الحياة وديمومتها، ولأنها محرومة من (الخلفة) فعليها فعل أي شيء من أجل طفل يعيد لها شخصيتها وسط المجتمع الذي يعتبر المرأة عاقراً حتى لو أجهضت عشرات المرات. ولأن (مسروط) كان من المواليد النادرة الحدوث ـ اجهاضياًـ فقد أصبح مصدراً للكرامات في المدينة والمدن المجاورة.
يقول الراوي ”قيل ان الملائكة تحفظه وتسنده، كان كامل النقاء والبراءة، عندما كبر جرت على يديه كرامات كثيرة ولو قال أحد أنه شاهده يرتقي درجات خفيّة في الهواء ليغيب في العتمة لما كذبه أحد، كان يرسل الكلمات من شفتيه وكأنها نزلت تواً من مكان آخر غير بشري“. ان القدرة الآلهية هي التي اعادت الروح الى كتلة اللحم التي لم تكنى بعد (مسروط) وانما حالة (السرط) هي التي اعطته هذا الاسم واعطته المكانة والأهمية.
يقول في مسروط: كانت بصقته شفاء، وصفعته شفاء، ضغطة قدمه الخشنة المفطرة شفاء، وزجره شفاء، عصاه.. أقدم صيدلية في العالم. لو نظرنا الى هذه الجمل (عصاه.. أقدم صيدلية في العالم) و(بصقته شفاء) لوجدنا ان القدرة الألهية قد منحته القابلية على التداخل روحياً مع الجسد المريض ـ الروح ـ وعلاجها روحياً من خلال مويجات باراسايكولوجية تخترق الاجزاء المصابة وتزيلها .. كل شيء في مسروط له القابلية على الشفاء (النظرة ـ البصقة ـ الزجرة ـ الضربة .... الخ). لقد كانت هناك حكايات وممارسات خرافية في القرى والأرياف حيث يذهب الناس بأطفالهم أو مرضاهم الى (السيد) الذي منحه الله القدرة على شفاء الناس وأن لديه كرامات تشفي المريض وترقي الممسوس وتداوي الجرب، حتى يصل الأمر بان يبصق (السيد) في فم الطفل أو المريض لأن (بصقته) عنصر شفاء، وغالباً مايلجأ الناس الى هذه الحالات عندما يعجز الطب عن العلاج، مثلما يلجأ الناس الى الصلوات والدعاء وزيارة قبور الأئمة والأولياء والصالحين، وهناك العديد ممن يلجأون الى التعاويذ او الرقي لشفاء المرضى وخصوصاً الممسوسين أو الذين يعانون من الصرع والذي يعزوه الناس الى ان الجن يتلبس اجساد ابنائهم وبامكان (السيد) ان يطرد هذه الروح المتلبسة من داخل الجسد.
وفي مكان آخر يقول الراوي ”مرة قرأت عن تلك المهندسة التي تعرضت لتيار كهربائي شديد القوة، فأصيبت أصابة بالغة، حملت على اثرها الى المستشفى وبعد شهور شفيت بأعجوبة ولاحظت وهي تخرج من المستشفى الى الشارع انها قادرة على رؤية ماوراء الأشياء، ارعبتها هذه القدرة الغريبة التي اكتسبها بصرها، ترى الراكبين الى الحافلة من الجهة الثانية، وترى من خلال السياج العالي للمدرسة الداخلية التلاميذ وهم يلعبون، ترى الكسوة الداخلية لأمراة عجوز، تتوهم الدخول الى حديقة عامة، فتصطدم بالحائط“. هذه الصورة الفلمية هي ايحاءات روحية تدمج مابين الواقع والخيال، الخرافة والأسطورة، هي لم تصطدم بالحائط، انما الروح هي التي تجتاز الحائط، مثلما يفعل الدراويش عندما تخترق اجسادهم المدي والسيوف. الاختراق هو اختراق افتراضي يقع ضمن دائرة الخيالات. والغريب في الأمر ان (مسروطاً) رزق بولد أسماه (فرج) ولكن هذا الولد كان (حرامياً) وقتل الشيخ بعصاه التي ورثها عن أبيه، ولأن العصا التي يحملها موروثة عن (مسروط) لم يتوقع أحد ان الأبن حرامي أو أنه قتل الشيخ بها. وفي انتقالة سردية الى ـ أدوات الخرافة ـ وهي ان العرب كانت تسمي عبيدها بأسماء مملوحة، وابناءها بأسماء مستقبحة معللة ذلك بان عبيدهم لهم وابناؤهم لاعدائهم، لكن ذلك لايفسر كل الاسماء الغريبة التي يحملها الكثيرون من الرجال في مدينتنا شبه الريفية. وفي مزاوجة مابين الميثولوجيا العربية والغربية يؤكد الراوي على ان الهنود الحمر حين يولد لهم مولود ينظرون حولهم ويستلمون أية اشارة طبيعية أو حادثة مصاحبة ليشتقوا منها أسم المولود الجديد، وهم بذلك ينساقون مع نظرتهم للحياة، هذه الرواية ذات المكنونات الأسطورية والغيبية تفعل فعلها في ثقافات مختلفة وليست التسمية سوى أثرها. ولتفادي الحسد تسمي العائلة مولودها الذكر بنفس الآلية ولكن الهدف يختلف (جليب، جريدي، زبالة، جحيش). وتتوالى هذه الخرافات عبر متوالية الجد والأب والأبن :
مسروط ـ فرج (الحرامي) ـ كشاش .
فالأب فرج الحرامي سلك نفس ما سلكته جدته في تسميتها لمسروط اذ سمى المولود الذكر (كشاش) جد حلمي البطل الأصلي في الرواية، وكشاش تعني مايجمع بعد كش للغرف وباحات البيت من تراب وفضلات وقشور ثم يرمى، ويسمى في لهجة الجنوبيين(كشاش)، وهو الذي جاء بعد خمسة أخوة لم يرهم أبداً، وكانت الأم تخاف الحسد كثيراً لأن من أخذ الخمسة قادر على اخذ السادس.
يقول الراوي: ان الاسم القبيح الذي اطلقه الأب أنقذه بعد ان كان من الممكن ان يكون قبراً آخر بجوار قبور اخوته الرضع. في هذه الرواية الممتعة تدخل الخرافة كائناً وجودياً وبأسلوب يجعل المعتقد الشائع مساراً في ثقافة الآخرين.
 

 
 

الصفحة الرئيسيه