|
ذات الشاعر برج للرؤيا ومرجل للعذاب والخلق .. فالشمولية
وبعد النظر متاتية من اطلالة البرج ، وصدق التجربة فنيا
وحياتيا متات من حرارة المرجل ..
بل ان هاتين الصفتين – الشمولية والصدق – هما السكتان
اللتان تسير عليهما عربة الشعر فكلما اقترب الشاعر من ذاته
اقترب الى عينه الشعرية ورؤيته الخالصة التي يرى من خلالها
العالم ويصور او يعكس من خلالها هذا العالم الى الاخرين ..
او لنقل ان الشاعر يكتب العالم بواسطة هذه الرؤية ..
فكانت اكبر التجارب الشعرية واعمقها تاتي من الازمات
النفسية وحالات الاغتراب التي يحسها الشاعر تجاه الزمن او
المكان او الناس .. أي عندما يتحد الشاعر مع ذاته ويعتصم
بها دون الانطواء عليها ..
انها الموازنة الصعبة بين الذات الشاعرة والعالم ، أي
عندما ياخذ الشاعر من العالم كل شيء و لا يعطيه سوى الشعر
على اساس ان الشعر هو اهم من هذا ال ( كل شيء ) !
انه – الشعر – صورة العالم الاخرى التي عجز الواقع ان يسبق
التاريخ اليها .. فصورها كما هي لان الواقع واحد من مفردات
التاريخ اما الشعر فهو التحليق فوق التاريخ دون الوقوع فيه
.. لذلك فهو اشمل من الواقع واكثر حرية .. !
وجمال جاسم امين من الذين اتخذوا الذات برجا شعريا فرأوا
وقالوا ..
دون ان يصبحوا مؤرخين من ناحية ، او ان يخسروا حريتهم في
التعبير من ناحية اخرى ..
و ( انا ) الشاعر هي ( انا ) العالم المهضوم شعريا ..
فحين يتكلم الشاعر بـ ( انا ) المتكلمين انما يقصد ذاته
المتضخمة بماساة الاخرين والمتكرسة فيها ..
وجمال جاسم امين يبدا مجموعته الشعرية ( لا احد بانتظار
احد ) بـ :
اميون يشيرون لاسمائنا
فتختلط اصابعهم
دون ان تشير
فيشخص بـ ( انا ) المتكلمين الاشارة الامية لذات الشاعر
ويعني المجموعة بهذه
( الانا ) نفسها :
يوم نموت
لا نملك سوى ان نلدغ الارض
كثقوب ..
أي ان حياة الشاعر كانت ثقبا في جدار الزمان والمكان ،
وبما ان هذا الثقب غير مرئي لذلك فان الاميين لا يستطيعون
ان يشيروا اليه ، أي انهم لم يستطيعوا ان يقراوا حياة
الشاعر ذلك الكتاب المفتوح – المغلق !
وهكذا تتمحور الذات عبر فصائد المجموعة لتصبح رسالة فنية
للحدث والاشخاص وحركة الزمن ..
ففي قصيدة – احتراز – تبدا :
الشعراء
اجسادنا التي تتنافس على الطعنة
ثم تفيض هذه ( الانا ) على الاخرين او تسحبهم اليها لتشمل
( امراء الممالك الغائبة ..
، الوارثين لكنوز العزلة ، القابضين على جمرة الشعر
الذين يخطأون لشدة احترازهم )
أي انها الذات الشاعرة المنفتحة على الاخر التي ترصد
العالم عبر منظار ذاتوي شعري و التي تمتد لتشمل الاخرين
بصعودهم الى اعالي الاشياء ..
وكما يقول مصطفى سويف في كتابه الاسس النفسية للابداع
الفني – في الشعر خاصة – ص 337 ) وهو يصف عبقرية الشاعر
بقوله ( انه شخص تنتظم علاقته بمجاله الاجتماعي بحيث تبرز
لديه الشعور بالحاجة الى النحن .. وحركة الشاعر كلها هي
حركة لاعادة تنظيم النحن ، يمضي فيها بخطوات ينظمها اطاره
الشعري ) .
و لا تكتفي هذه الذات بتلبسها للضمير الجمعي بل تشمل في
فضائها المطلق جدلية الزمان والمكان كما في قصيدة – مدن لا
اثرية – حين تصرح هذه الانا بانه لولاها لما صار التاريخ
تاريخا لانها هي التي تسبغ صفة ( اثرية ) على المدن ، أي
ان الزمن يتحرك داخل المكان عبر هذه الذات !
( .. وان المدن
بلا احد منا
لن تصبح اثرية .. )
وهكذا تستمر الذات بالتمحور او لنقل تستمر الاشياء
بالدوران حولها حين تصيح هذه الذات في قصيدة – صعود - :
( يكفي .. انني ساكون
اخر النبت في حقل ايامنا الاجرد )
وفي قصيدة – حرصا على الشجن - التي تبدا بـ
( ليأسنا الاخذ بالفطنة )
أي بخطاب الانا الشاعرة الممتدة الى نا المتكلمين
.وعلى الرغم من الياس والعزلة والفقدان ولكنها تطمئن
الاخرين بانها
( ستطعن النسيان ،
حرصا على الشجن )
أي ان اطمئنان الاخرين واستقرار الاشياء من حولها ياتي من
تفاعل هذه الذات معها على الرغم من تداعياتها .
وحتى قصيدة – لا احد بانتظار احد – التي هي عنوان المجموعة
تعد انعكاسا للذات على مرآة الاخر وامتداد لهذه الذات
الشاعرة في افق الانتظار اللامجدي .. ولكنها – الذات – على
الرغم من تصريحاتها المفردة في هذه القصيدة دون ذكر ضمير
الجماعة كما في قصائد اخرى من الديوان ولكن هناك تناميا
ذاتويا مفضيا الى الانا الجماعية لانها ذات شاعرة منفتحة
على الجماعة غير منفصمة يتسلق خطابها المرتقى الخفي كطريق
من العام الى الخاص او من الداخل الفرداني الى الخارج
الجماعي عبر احتواء الذات الشاعرة للمشهد الجماعي العام ..
هذه ..
رغوة الاناشيد /
اسمال شفاه تتيبس
بثور تلمع ...
وعراء يركض خلف عراء
البيوت – اذا – مكائد
والمظلات ..
كلها كاذبة
هنا ينتهي التوصيف العام وتصل رسالته الشعرية على مستوى
الدلالة ولكن هذا المقطع الذي تبدا به القصيدة سرعان ما
يحتوى من قبل الذات الشاعرة ببداية مقطع جديد يعكس هذا
التوصيف الى فضاء الذات وعذاباتها النفسية من ناحية ،
وشموليتها الشعرية للمشهد العام واستيعابها الواقع الخارج
ضمن خطاب الذات الداخل عبر جدلية الانا والاخر او الذات
والعالم ليبدا المقطع بـ
وها انذا ..
كلما سنحت فرصة للربيع
تذكرت اني بعيد
و لا شيء عندي
سوى رغبة في الذبول ..
لتؤكد الذات الشاعرة ذاتويتها الشعرية وفردانيتها النصية
التي تسحب العالم الى بؤرتها الداخلية المستقطبة للحدث
والمكان والزمان وبالتالي لانعكاس الشخصية الجماعية على
مرآتها عبر نسغها الشعري المتنامي ..
و لا سيما حين تنتهي هذه القصيدة بخطاب ذاتوي جامع لتؤكد
هذه الثيمة وهو :
لا شرفة
لا صوت
و لا احد بانتظار احد
كما ان القصيدة مبنية على فكرة ان الذات بتداعياتها لا
تملك الا الذبول امام مقدم الربيع .. فما الجدوى من
الانتظار ، أي يمكن ان نترجم العنوان حسب رؤية تداعي الذات
بـ ( لا ذبول بانتظار الربيع ) .
اما قصيدة – مكائد فهي انعكاس لتهافت الاخرين على مرآة
الذات .. وهي ردة فعل الذات امام مكائد الاخر .. انها
مكيدة الانا المقابلة .. فاذا كان الاخرون قد خلدوا (
الصمت بالتماثيل ) فان الذات الشاعرة ( دربت البكم على
الهتاف ) أي اخرجت تلك التماثيل من صمتها المفروض والمغري
بالخلود ..
********
|