ا
لنتأمل معاً مبدعاً من مبدعي المهجر الأمريكي ، إنه الشاعر العراقي
محمد الجوادي ، مرة أخرى يعود بنا في قصائده إلى أرض الواقع حيث الموت
، والدمار وأحياناً أخرى يتصاعد بنا إلى الأعالي ليناجي الخالق في
محنته ، وبفعل الكسل وخاصة من حملة الشهادات العليا وخاصة من الذين
يحملون الأفكار المسبقة التي تخشى بها إلا وقفة فتتحول مع الزمن إلى
عقيدة بل طقوس ، وكأنهم طواويس العصر لا يقبلون الجدل ، فيأتي مبدع
مثله مثل الآخرين في مهجرنا الأمريكي وخاصة ممن صنعتهم المرارة والحزن
، فأعادوا صياغة إبداعهم ليكتشفوا في الخارطة الشعرية الممتدة إلى حدود
الصين والعالم ، ليكتشفوا عالماً شعرياً فيه من الحساسية المرهفة ، أما
هؤلاء حملة الشهادات العليا أرادوا لنا أن نقرأ هؤلاء بملل ورتابة وأن
ندير ظهورنا إليهم بإستهانة ، وهم يعلمون أن الشاعر المبدع كالناثر
المبدع لأن معظم موضوعاته مستمدة من التجربة الحياتية بمبناها الواسع ،
والشاعر يترك أنفاس قصيدته بشكل خاص على الآخرين ، ويسخرها أي القصيدة
لخدمة الإنسانية جمعاء والمثل العليا. والنص الشعري ليس بناء محكم
الإغلاق ، بل هو بناء مفتوح تتسرب من خلاله أهواء نصوص أخرى ، ومادمت
قد تحدثت عن الجوادي بوصفه من الشعراء المبدعين في مهجرنا الأمريكي
حاله حال عدد من الشعراء الذين يرسمون خريطة الشعر في مهجرنا الأمريكي
أمثال الشاعر عامر حسن ، والشاعرة دنيا ميخائيل ، والشاعر د. قحطان
المندوي ، والشاعر سعيد الوائلي ، والشاعر إسماعيل محمد إسماعيل ، فإني
وعبر هذه السطور أود أن أتحدث عن عالمه الشعري فمن المعروف أن لكل شاعر
أصيل عالمه النفسي المميز الذي نستطيع القول بأنه عالمه هو فحسب
لست
أكثر فائدة
حين تكون
زجاجة
لا تضيف
للصورة شيء
وهي تخترقك
بينما أنت ، ذاكرة مترهلة
بالحروب
وفي زمن يتقنٌع فيه المكر بالقيم ويرتدي العهر فيه ثياب الأخلاق
والمبادئ السامية ، يصبح المبدع أسير الأفكار التي تولد في زمن هؤلاء ،
وأقصد هنا هؤلاء الذين تحجرت قلوبهم وصدئت أرواحهم ، وهم يهرولون
تاركين الإبداع وراء ظهورهم ليفلحوا في الحصول على المزيد من مواد
الملوك والأمراء والحكام بعدما ذاقوا مكرمات قائدهم واليوم يذوقون
مكرمات حكومتهم وهؤلاء أسهموا بضياع الشعر والشعراء لأنهم تمسكوا في (
البلطجة الثقافية ) التي تتنافى مع الشعراء والقيم الشعرية ، فظلوا
يصولون ويجولون لنزعاتهم الشخصية التي أغرقتهم في مستنقع الحضيض ، وما
عادت أسماءهم أو أعمالهم إلا سخرية للكثير من الذين يعيشون هنا في
منفانا . وللحق أقول أن الجوادي من الشعراء الذين سيكون لهم حضور في
الساحة الشعرية العراقية مستقبلاً ، فبعد إنقضاء عشرة أعوام على
إبتعاده من مدينته مدينة الحرمان والبؤس التي ظلت طوال العقود الثلاثة
المنصرمة تدافع عن العراق والعراقيين ( مدينة الثورة ) باحثاً عن
الهدوء وهو يتطلع إلى السكينة وراحة البال بعد أن طال تغرب روحه
المثقلة بالسنوات وأعباء الحياة
عربات
دبابات
هاونات
بنادق
مدافع
بساطيل
أكداس عتاد
جثث طرية
وجنود يرطنون
هؤلاء زوار
المقبرة
من سيقرأ الفاتحة
الجوادي صاحب الخطوات الهادئة المتسقة التي أفلحت في منفانا وفي عمان
أن تخرج عن هدوئها وإتساقها ، وهو يغتنم الفرص في المحافل الأدبية
ويترنم بالأبيات الشعرية الدافئة ، العذبة ، الرقيقة ، راسماً أنفاساً
، ليزيح عن نفسه ، وعن عذاباته التي تراكمت بالوحشة الغريبة المبهمة ،
وعلى حد تعبير صلاح عبد الصبور ذلك أن 0( اليأس تمدد والصبر تبدد )
وحينما عرفته في الساحة الهاشمية ممداً على الأرائك ويتجول في بصره هنا
وهناك وكأنه يكتشف من خلال نظراته العبارات العديدة المندسة في ثنايا
قلبه الذي أصبح مدينة من الأحلام والخرائط ، عشق الشعر ، وهو كالفراشة
الحائرة التي تنتقل من غصن إلى غصن ، عساه أن يجد الزهرة المنشودة ،
فظل مع الشعر في ساحتنا الهجرية ، ليواصل إبداعه في الصحف المهجرية ،
ثم أخذ اسمه ينتشر في المحافل الأدبية وخاصة في الأمسيات الشعرية
والمناسبات التي تعودنا أن نحضرها وأصبح من الشعراء المتميزين في
مهجرنا ، لقد أراد الجوادي أن يكون إنسانياً وليس للشعر فقط
نكهة التراب
مستفزة
ربما يغسل المطر
قلوب
الشوارع
غير أن الذكريات عوانس
في متاحف المدن العتيقة
ومن خلال الرمز يوجه قصائده في الغالب إلى شياطين العصر أو ذلك الجني
الذي أصبح معتوهاً في زماننا هذا ، وهو يعصر من روحه نغمة حزينة مصدرها
هذا الهاجس الذي يسكنه ، وهو يعيش لحظات الغربة الموجعة ، وهاجس الحنين
وما يزال الفارس محمد الجوادي متأهل للنزال لكي يصل بالقصيدة إلى ما
وصل إليه المبدعون الكبار وللشاعر العديد من القصائد منها :
( ثمر مؤجل ) ( أخي الذي في السماء ) ( سيد أخبار الموت ) ( حروف من
الأهل ) ( جنود ومقابر ) ( أية مواويل ستأتي ) ( رحيل بلا أجنحة ) (
وريث الموت شتوي ) وجميع هذه القصائد منشورة على المواقع الالكترونية
أو في الصحف المحلية هنا في الولايات المتحدة – ميشيغن فضلاً عن
إختياره من ضمن مجموعة من الشعراء العالميين والعرب في قيامة الشعر ،
والجوادي يحمل وطنه وأصدقاءه في قلبه بالرغم من المعاناة التي تحاصره
وهو يدرك أن أمور الحياة من حوله تسهم إسهاماً كبيراً في مدى توفيقيته
في تجاربه الشخصية أو إخفاقها ، ومع هذا نقول للجميع أليس الشاعر
إنساني وإن الشاعر واقف ضد الغربان ، والذئاب ، والأسود الضارية ، ضد
الموت، والدم، والدمار، ولكن بطريقته الخاصة وهو بميله الاحساس بالثقة
لهذا كانت قصائده معبرة ومصدرها الهم الإنساني
الكراسي
تلبس ثوب
الدم
ضمائر
مسترخية
تتكئ
ساعة الحرب
تشير إلى الموت وثانية
|