علي الاماره / العراق

* الخميس // 9 / 11 / 2006

مكونات السرد الدائري في مجموعة-ظل استثنائي - للقاص عبد الحليم مهودر

alikalafalemara@yahoo.com

نصوص اخرى

الصفحة الرئيسيه

 
في كتابه الصادر عن منشورات اتحاد الادباء العرب لعام 2005 بعنوان – ظل استثنائي- يقدم القاص عبد الحليم مهودر مجموعة قصص تنهض على عدة مكونات للخطاب السردي يمكن رصدها من خلال محاور رئيسة تشترك بها أغلب هذه القصص لتشكل مهيمنة تكاد تتيح رؤية شمولية لهذا العمل الادبي .. لعل ابرزها ظاهرة الظل الممتد مع الحدث أو الزمن أو الشخصية ليكون صورة ثانية عبر ثنائية تقابلية كونه ضلاً للحكاية او هامشاً لها و صورتها على مرآة السرد ..
والظاهرة الثانية هي المكان والتعامل معه بتقنية سردية خاصة ورصد المدينة من عدة زوايا ومستويات ودلالات جغرافية وتاريخية عبر رموز المداخل والمخارج والآفاق والاعماق والمتواليات البصرية والارقام والحروف .. وغيرها من زوايا التقاط الصور واستنطاق المشهد المكاني واستبطان اسراره.. حد ان يصبح المكان بتكويناته السرية والسحرية بطلاً أو حدثاً بحد ذاته ..
ثم ظاهرة الاستدارة أو الدوران حول محور الحدث والشخصية والمكان في السرد لتعطي انطباعاً عن العودة الى نقطة الانطلاق والدوران في حلقة مفرغة سواء كانت هذه الحلقة مكانية أو زمانية أو حلقة حدث يتكرر من دون انتهاء .
ومن هذه الظاهرة تتوالد ظاهرة التعامل السردي مع الزمن كونه فضاءً سرمدياً يحاول المؤلف كسر قشرته والدخول الى فحواه ليكون احد العناصر المشكلة للحمة الخطابية والخروج به من معهوديته الى كونه ظاهرة ادبية وفلسفية ليكون زمناً مطلقاً مثل الوجود . وبهذه المقاربة القرائية للمجموعة يمكن تشخيص مستويات السرد فيها , لعل اقربها الى قرائتنا هو السرد الدائري., أو التدوير النثري والدلالي الذي ينهض به النص حين يظهر الشكل والمهيمن انسجاماً مع الفكرة التي يبدأ بها النص وينتهي اليها أو الى مايتعلق بها.
ليساهم هذا الاجراء القصصي في اثراء جمالية التشكيل النصي في العملية السردية فالتصريح بظاهرة الظل يبدأ من العنوان – ظل استثنائي- حيث يشي هذا الاستثناء , بان الظل هو ليس ظلاً لشيء ما , فهو قد يكون ظل حكاية أو ظل حدث أو ظل زمن ما ..
أو صورة نصية تشكل ثنائية تقابلية أو انعكاسية مما يكرس الصورة الى صورة او فكرة الاصل التي انطلق منها النص ففضلا عن العنوان تقع المجموعة القصصية كلها بين حكاية وظلها حيث يضع المؤلف قصة – شاهد قبر – على ظهر الغلاف الأول من الكتاب ويضع ظل هذه الحكاية على ظهر الغلاف الاخير .. بعنوان – ظل حكاية- لينبهنا منذ البدء بأن للحكايا ظلالاً قد تكون خارجية واضحة كما هو عنوان – ظل حكاية- أو قد تكون متداخلة مع النص كأن تكون ظل فكرة أو حدث أو غيره ..
فالقصة الاولى – شاهد قبر – تحكي عن جندي هارب من جيش أبرهة وعن قدرية الموت التي تطارده .. وظل هذه الحكاية يتمثل بحكاية اخرى عن امرأة تقرأ قصة – شاهد قبر- منشورة في احدى الصحف حيث يجلس المؤلف قربها ويتردد بأخبارها انه مؤلف القصة ويبقى على تردده حتى مغادرتها المكان , ولكنه يبقى { مشدوداً بحبل من نور لظل جلوسها.} وهكذا تشكل – ظل الحكاية – هذه عودة الى النص الاول بل عودة الى المؤلف نفسه ليكرس مستوى السرد الدائري في القصة .
كذلك في قصة – الدائرة والمفتاح – التي تتحدث عن هواجس الرجل الذي بنى قبة الموانىء الزرقاء عام1930 وعلاقته الروحية مع البناء وفلسفة البناء القببي .. ثم عودته اليها عام 1964 ومطالبته بامتلاك مفتاح القبة كمن يمتلك مفتاح الأفق أو قطعة من السماء ثم موته في نفس العام وهو يقول في نهاية القصة { يحق لي الآن , ونحن في خريف 1964 وأنا املك هذه الوثيقة بتوقيع ذلك الانكليزي , لي الحق ان ادفن تحتها } , فالحدث/ البناء له ظل في نهاية القصة هو الموت تحت البناء والعودة الى اللحظات الاولى ..
وقد يكون الظل نصياً أو كتابياً كما في قصة – انطفاء- التي تتحدث عن اربع رسائل كتبها البطل , الثلاث الاولى جلية المضامين امـّا { الرسالة الرابعة: ورقة بيضاء على رصيف المحطة ..} فتشكل ظلاً لفكرة كتابة الرسائل الثلاث ليشارك المتلقي في كتابتها عبر قراءة الفراغ المتبقي في القصة . وفي قصة – البرزخ – تتخذ هذه الظاهرة صورة تقابلية بين الهامش والمتن وانشغال البطل باصحاب الهوامش المكتوبة على نصوص الكتب والبحث عنهم حد تصريحه { وموقعي الفعلي يتراوح بين المتن والهامش فأنا لست راوياً وانما ناسخ قد يعده البعض مؤلفاً ثانياً , لكني لا أعدو أن اكون ظل ناسخ ينفي الأول فيما يؤكد الآخر ..} ثم يختم القصة بهامش من المؤلف نفسه يقول:{ هناك دائماً هامش مجهول.. لعل البحث عنه هو اضافة هامش جديد ..}.
وفي قصة – الواح الاستنساخ – موضوع القصة هو الحكاية ..{ نبدأ اليوم بحكاية الموت!!.} فتكون الحكاية التي يرويها هي ظل القصة الرئيسة وصورها الداخلية .. كذلك موضوعة النسخ في القصة { يكتب الأمل ممزوجاً بالرجاء , نسخاً متكررة من دعاء.} أو عالم منسوخ { تعالي اخلصك من عالم منسوخ } ونسخ الحكاية ذاتها { هب ان نسختك الاثيرية خرجت مشوهة ..} ثم ينهي القصة { وفي صباح يوم منسوخ ..} فاستنساخ الأيام والاحداث والاحلام والحكايات هي صور تقابلية وثنائية وظلال متكررة للسرد ..
وقد يتخذ ظل السرد مقطعاً صغيراً من قصة يمثل صورتها الاخرى صورتها الفلسفية أو الاسطورية أو الغرائبية كما في قصة – رأس مقطوع يتكلم – التي تتحدث عن رجل يبحث عن اسماء اجداده بصعوبة بالغة بسبب{ هجرة الاسماء المستمرة } ثم يكتشف اخيراً ان هناك شجرة اسماء في المنطقة الممتدة من اور الى البحر { شجرة تتدلى من اغصانها الجرداء ورقة وحيدة تحمل اسماً واحداً ينسخ نفسه كل صباح بحروف متغيرة وما من رجل مرّ بهذه الشجرة الاّ وجد في هذه الورقة الوحيدة الاسم الحقيقي لنسب أجداده.. بدءاً من آدم وانتهاء بأخر سلالة مهاجرة..} . ان هذا المقطع يمثل ظل الحكاية واستدارتها الفلسفية والاسطورية معاً .
وفي قصة – رجل مفترى عليه – يغامر المؤلف في الدخول الى عالم القصة الطويلة نسبياً فيلجأ الى الافادة من التراث واستخدام اسلوب قصص الف ليلة وليلة والمقامات من حيث طريقة الروي { بلغني ايها السامع التعيس } والاسهاب في السرد واستخدام القوافي , والاستشهاد بالشعر , والكلام عن ملل وسندباد لكن القصة تنقسم الى مقطعين طويلين الأول يبدأ بعنوان فرعي ( الصابر الغابر ) . والقسم الثاني من القصة بعنوان فرعي آخر ( الصابر اللاحق) ليلون صورة تقابلية بين زمنين حيث يكون اللاحق هو الظل الزمني والمؤدي الى ظل الحدث والشخصية وربط الماضي والحاضر عبر هذا الظل المتداخل وهذا التقابل الظلي او الصوري يبدو أكثر وضوحاً في قصة – ثنائية الوهم – المكونة من قسمين الاول بعنوان فرعي ( وهم/ حقيقة) والثاني ( حقيقة/ وهم) ليكون صورة عنوانية متقابلة مع صورة القسم الأول , هكذا في الاطار العام للقصة . أما التقابل الصوري الثاني فيأخذ شكل لعبة لفظية لغوية ( كما استخدمها الحريري في احدى مقاماته ) حيث تكون مفردات هذه القصة واحدة (كلماتها) واحدة بلا نقاط والتالية بنقاط .. وهكذا حتى نهاية القصة مثل{ الهم وزر هدَّ كياني , حمل ثقيل , راحلاً كنت مع الراحلين .} فهذا التنميق اللفظي بين الحروف المنقطة والحروف غير المنقطة صورة تقابلية لفظية للمفردة وظلها .. وبالتالي للنص وظله كما ان عنوانها العام – ثنائية الوهم- يعطيها هذه التقابلية والثنائية الضدية بين الوهم والحقيقة ..
وقد يتخذ الظل شكل شخصية ضمن القصة كما في قصة – أمل- التي تدور أحداثها عن ملاحقة البطل لفتاة في سوق البصرة حين شاهدها اول مرة مع صديقتها تمر امام المقهى الذي يجلس فيه وبعد المتابعة والجهود والمعاناة يفقد الامل بها ويعود الى مكانه المعتاد في مقهاه ولكنه يجد صديقتها بانتظاره .. فكانت هذه الصديقة ظل تلك الشخصية أو هي المرأة الظل التي تعود بالسرد الى بدايته ..
وفي قصة – ظل الرماد – يشكل رماد الموتى بعد حرقهم ظلاً فلسفياً وسردياً في جدلية الحياة والموت .
وفي آخر قصة من المجموعة تتكرر اللعبة اللفظية بطريقة اخرى حيث تمتد ظلال مفردة (لا) بالاتجاهات الأربعة من الصفحة حيث ينتهي المقطع الرابع والاخير في القصة بـ{ اعرف اني قد وصلت الى نهاية الخطايا والرحلة للبداية لكن ..لا} فهذه العودة تكرس السرد الدائري كما حصل في النصوص الاخرى السابقة ..
وتشكل ظاهرة المكان في بعض قصص مجموعة – ظل استثنائي- مكوناً من مكونات السرد الدائري حيث يتخذ هذا المكان ملامحه الفلسفية وهندسته الروحية فلا يتناوله السارد عبر صورته السطحية أو المشهدية الآنية وانما يتداخل معه بزوايا نظر مختلفة وبابعاد ورموز ودلالات متباينة أو قد يرتدي الصيغة الزمنية فيغدو مكانياً زمانياً أي مرتبطاً بتاريخ زمني معين أو يغدو ذاتاً يتبادل المشاعر مع الشخصية عبر ألفة مكانية حميمة .. وكل هذا يجعل من المكان السردي لانهائياً متكرراً سرمدياً مثل الزمن .. ولعل هذا التعامل السردي مع المكان يأتي من ( المحلية الخلاقة) كما يسميها ( محمود جنداري) ويصر..( أنا محلي وسأظل كذلك) وكذلك المحلية عند القاص ( محمد خضير) الذي تغدو المحلية عنده رسالة فنية وفكرية الى العالم وان كان يلامس بها حدود الخيال واليوتوبيا أو مدينة الرؤيا كما يسميها ( محمد خضير)( اصر على انني كاتب واقعي , لكني أعطيت مخيلتي حق ان تذهب الى الحافة الخطرة للواقعية ..) ثم يردف في مقالته ( ذاكرة العطار ). ( الخيالي الذي أقصد هو معنى لقوة اشعاع صادرة عن جوهر الشيء الواقعي , لا تنفصل عنه , كما لا ينفصل الاشعاع عن قطعة الماس .) فيمكن سحب هذا الكلام على واقعية المدينة السحرية التي تغري القاص بالسمو الى أفاقها الخيالية وفضاء الرؤية الاوسع الذي يتجه الجذر الواقعي الخاص بالمدينة .. فبعض المدن لها هذه القدرة الاغرائية على توغل القاص في مناطقها السحرية والسرية التأريخية والجغرافية كالبصرة والموصل ..
فقد اغرى المكان البصري القاص عبد الحليم مهودر لاستقصاء كوامنه واغواره التأريخية حد ان تصبح هذه الاغوار اغواراً نصية ..
ففي قصة- الدائرة والمفتاح- يتداخل المكان مع ذات البطل ويكون امتداداً له { لعلك تنتظر لحظة صراخها.. انا بنيتها من شوقي ولهفتي ..} ثم يصفها{ تضم في دواخلها فراغاً بلا بداية ولازمان , فراغاً وحيداً يعطيها قدسية مفتقدة في دائرة الدهر ..} ليؤكد احساسه بلا نهائية المكان ..
أو يصف المكان في قصة – رجل مفترى عليه- { باب فوق باب أو مدينة تحت مدينة , جدران بحرية سحرية لايقوى احد على ازاحتها تنظر اليها من دون ان تراها ..}.
أو استدارة المكان المديني كما يصفها القاص في قصة – عشرة ابواب- { قاصداً بيت الاشياء المدغمة في دورة محمومة تبدأ من الجنوب الى الجنوب ..} ثم يصف المدينة في مكان آخر { لاتستغرب فالمدينة لم تخطط على اساس الارقام العشرية وانما على نظام رقمي من كلمات متقاطعة } . من ظاهرة لانهائية الزمن واستدارته يشكل ظاهرة الدوران في بعض القصص . في قصة – الدائرة والمفتاح- { الصرخة تدور في نفسي داخل القبة تأخذ شكلها المدور بهدوء وانا ادور معها الى ان يتوقف احدنا عن الدوران }, وفي مكان اخر { لعل احداً ممن جلسوا تحت قبتي يعيرني حلاً ويعتقني من اسري ودوراني .} وتتكرر ظاهرة الدوران في قصة – عشرة ابواب- { في دورة محمومة من الجنوب الى الجنوب } وهذا الدوران مرتبط بالمكان واحياناً يرتبط بالحدث كقوله في قصة – الواح الاستنساخ- {حدثني العائد من الموت } أو في قصة – مدونات الرقى- { كمن ينظر في كوة صغيرة فلا يرى سوى حركة تضعه في المأزق نفسه ..} وتنقلنا هذه الظاهرة الى ظاهرة التعامل مع الزمن حيث يسعى القاص الى تفعيل المكون الزمني لتوسيع مدى الغورية النصية فيحاول ان يخرجه من تجريديته المعهودة الى كونه زمناً فنياً يزخر بالدلالات ويتداخل مع أو بستقطب مكونات السرد الاخرى عبر رؤية جديدة للزمن ضمن الخطاب السردي الحديث وتوسيع مفهوم الزمن ليشمل ابعاداً فلسفية جديدة استنبطها فن القص عبر طروحاته المتجددة وفي هذا السياق يقول ( اندريه بريتون ): ( ان ارثر كرفان طرح سؤالاً محيراً على الاديب الفرنسي ( اندريه جيد) مفاده : السيد جيد : اين نحن بالنسبة للزمن ؟ اجابه بدون خبث: السادسة الا ربع ..! ويضيف بريتون : آه يجب ان نعترف اننا سيئون جداً مع الزمن ).
بيد ان الزمن يأخذ ابعاده الفنية والجمالية من خلال توظيفه في مجال الكتابة السردية , ولعل القاص عبد الحليم مهودر يحاول ان يحفر في هذه الجوانب المنسيه من الزمن أو يحاول تدوير الزمن أو مده من جانبيه الماضي والمستقبل للامساك باللحظة الراهنة ..
فهو{ يجعل من يوم واحد وجوداً لا حدود له} وفي مكان آخر { سينعكس الزمن ويسير عكس ما نحسه الآن , نستطيع تذكر المستقبل بدلاً من تذكر الماضي , الزمن الوصفي اختفى ..} وفي قصة – البرزخ- يصرّحُ بكسر قشرة الزمن { كل ذلك تم في وقت سابق وعليك كسر الزمن للتوغل فيه ..} أو يحاول ان يشخصن الزمن وتدويره كقوله { كلما حاول احدهم التوقف نطق الزمان , ونطق زمانه بزمن آخر هو زمن الزمن الآخر } وفي مكان آخر { فقد كان لكل رجل زمانان , زمن حاضر يجري على مسرح الاحداث وزمن ماض مركب ..} .
وفي قصة – انتخاب ملك اللغو- يحاول ان يمد جانبي الزمن { قبل الف عام , وبعد الف عام , هل تنجلي الحقيقة ؟}.
وفي قصة – لا – اخر قصص المجموعة يذكر { اطلق سراحنا فعدنا من حيث بدأنا ..} وبهذه النهاية للقصة وللمجموعة بكاملها يتأكد مستوى السرد الدائري والعودة الى نقطة البدء سواء كانت هذه النقطة فكرة أو حدثاً ... الخ

.
 
 

الصفحة الرئيسيه