الهدف الثقافي

مؤسسة ثقافيه مستقله تعني بالآداب والفنون تحرير : سعيد الوائلي

Alhadaf Althakafi

www.tahayati.com


مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا

شوكت الربيعي / مسقط

* الجمعه 18 / 8 / 2006

من تاريخ الحركة المسرحية في العراق

shawkat_alrubaie@yahoo.com

نصوص اخرى

 


خلفية اللوحة: أوفيد الشاعر / وبرويجل الرسام / والمتصوفة.

 

 

 

قلت لنفسي :( هيا انهض وأرسم وابحث وادرس وفكر وجرب..) ، ثم أضفت متثاقلا تعباً مهموماً: (لأنهض وابحث عن واسطة تقلّني إلى مهجعي. فأنا اشعر بالتعب الشديد.. ياه. ياله من مساء متعب وافتتاح متواضع. يا له من إرهاق. لم يأت أحد من أصدقائي إلى النادي هذه الليلة ).. وكانوا في تلك اللحظة في مسرح مدرسة الفيحاء للبنات، المسرح الذي يضم باكورة إنتاج جمعية الطليعة ورائعة مؤسسها الفنان الكاتب( عيسى عبد الكريم؛ شكسبير مدينة العمارة في الخمسينيات من القرن المنصرم).انهم الآن منشغلون بالنور، ينسجون عقولاً من ضوء المعرفة بفن المسرح، ينحتون الصخر بأظافرهم. يا للفنان المخلص في زمن صعب ضاعت فيه قيم الإخلاص، وضاعت فيه الأسماء واختلطت فيه الأشياء وازدوجت أسماء الأشياء، ولم يعد لأحد منا موقف سوى الخوف على نفسه.. الحرص على تذكّر ملامحه وشهواته الخاصة التي لا تجلب سوى المتاعب والاستكانة لطغيان تتابع الأشياء وسطوة الأسماء واختلاط أوراقها. فلا هي أسماء ولا هي معاني تشيع من حولنا الأمان. وكأن ذلك الخوف المستديم، يحدث منذ أمد بعيد، نراقبه منذ مرئيات السحر في الكهوف، حتى مراثي السومريين وتراتيل البابليين وأناشيد الآشوريين. إذ لم يكن أولئك المنشدون لتراتيلهم الروحية، يسعون للتقرب من الآلهة. انهم يرتلون أدعية يدفعون بها عن أنفسهم غائلة الخوف. لم تكن شعائر دينية. كانت مواساة للبشرية. أرادوا أن يفكوا وثاق أرواحهم منذ تفاحة الندم والخوف والمأساة. مثل هذه الأفكار كانت منذ عام 1955، تتلبس مسرحيات الفنان الكاتب عيسى عبد الكريم بخطابه التأسيسي. الذي قطع به الأشواط الصعبة الحرجة من مسيرة المسرح في مدينة العمارة. كان عيسى عبد الكريم يتحدث عن تجربة أرثر ميللر. و يراه من أبرز مؤسسي المسرح الأميركي المعاصر ومنهم يوجين أونيل وتنيسي وليامز، رغم أن بعض مسرحياته الأخيرة لم تنجح في إعادة وضعه على الساحة المسرحية الأميركية.
حيث ظهر بعده جيلان من الكتاب المسرحيين المتميزين في مقدمتهم إدوار آلبي وسام شيبرد وكتاب من أصل أفريقي أبرزهم أوغست ويلسون.. إلا أن ذلك الفشل المتأخر لا ينفي دوره التأسيسي وأنه من أبرز كتاب المسرح العالمي في القرن العشرين. وقد وجد المثقفون العرب في مأساة بطل مسرحيته «وفاة بائع متجول»، إدانة قوية للرأسمالية. وبعد خمس واربعين سنة من ذلك الحديث صدر كتاب :أرثر ميللر (1915 ـ 2005)، أبو المسرح الأميركي الحديث الناشر : كتاب الهلال ـ القاهرة 2005 - الصفحات: 342 صفحة من القطع الصغير.
كان الفنان الكاتب عيسى عبد الكريم يتحدث لأعضاء فرقة الطليعة التي أسسها عام 1955م في لواء العمارة، يحدثهم عن أهمية الموسيقى التصويرية، وبخاصة «أثر الموسيقا والفن التشكيلي على مسرح توفيق الحكيم» وقد تعرض لحياة توفيق الحكيم ومسيرته مع الفن والكتابة والبيئة التي نشأ فيها والعوامل التي أثرت في تكوينه قبل سفره إلى فرنسا لدراسة القانون ونيل درجة الدكتوراه فيه، وأسباب فشله في الحصول عليها. ويتابع عودة الحكيم إلى القاهرة ومسيرته مع كتابة المسرحية والرواية والقصة مركزا في ذلك على إبداعاته المسرحية التي افتتح بواحدة منها نشاط الفرقة القومية المصرية التي ولدت عام 1935 حيث قدمت في ذلك العام مسرحية «أهل الكهف». وأشار إلى الأفكار والرؤى والذخيرة التي عاد بها توفيق الإبداعي. ليكشف من خلالها أثر الموسيقى والفن التشكيلي في مشاهد من مسرحية «أهل الكهف» و«محمد رسول البشر» و«بجماليون» و«يا طالع الشجرة» و«رحلة إلى الغد» و«الطعام لكل فم». وقد انتهى رأيه إلى أن من يتأمل توفيق الحكيم، وهو يرسم لوحاته في مسرحياته المختلفة يرى أنه يوشيها بالموسيقى التي اختزنها في ذاكرته من أعمال كبار الموسيقيين في العالم وهو ما انعكس على مسرح الحكيم بشكل واضح، خاصة في بناء الفعل الدرامي الذي يعتمد على جدل حركتي الصعود والهبوط والتناغم الفني بينهما. وذكر أن من يتأمل مشاهد المسرحية يجد أن الحكيم يعتمد في رسمها على لوحة فنية ناقصة ترك للمخرجين وقراء مسرحياته مهمة سد فراغاتها. ولم ينس الفنان عيسى عبد الكريم التحدث عن التجارب الروا ئية المتميزة، للكتاب الذين يحتلون مكانة عالية في المسرح الإبداعي، اليوم، فهم يعيدون كتابة النص الروائي بلغة جديدة. و يستخرجون ذلك الكنز الكتابي الممتد من ماركو بولو ودانتي وصولاً إلى أليساندرو باريكو ويصوغونه من جديد جاعلين النص إياه مزيجاً من القصة القصيرة والشعر والسينما والخاطرة والتأمل. اؤلئك الكتاب الذي يدونون رواياتهم بشاعرية شفافة مؤثرة ولكنهم أيضاً كتبوا بمسطرة هندسية: (.. دقة وضبط وانسجام وتوازن واقتصاد كثيف في الجمل والتعابير، حتى تبدو الكتابة وكأنها صيغت دليلاً لترتيب هندسي لزهور مختلفة في حديقة صغيرة ...)
كانت نصوصه المسرحية : مثل (قسمتي) تختزن قدراً كبيراً من الأصالة والجمال بمفاهيم الإلتزام الجذابة التي عاشها الكتاب، المرتبطين بفكر وعقيدة وموقف نابع عن الإيديولوجيا التي تبناها منذ العام 1950 في مدينة العمارة التي كانت تكتظ بالفقراء والمعوزين ممن يلتهم العمل الشاق وقتهم وجهدهم ومشاعرهم.. دفعته ظروفه في عام 1956 إلى الإشتغال بأعمال درامية عن تأميم قناة السويس وحرب 1956م وحرب 1967م. ومعـــها بدأت الثيـــمة الأساسية لكـــتابته تظـــهرلمشاهدي مسرحه: الإيمان بالغد والانسان ورفض العـــزلة عن المجتمع وتعميق الشعور بتقدم الحياة والحـــب والإيمان والانشغال في مسؤوليات وتفاصيل الحياة اليومية المضنكة، و كان في نصوصه المسرحية يمنح الأشياء الصغيرة من يوميات العيش، جمالية هادئة وآسرة. تلامس الفلسفة والدين والشك والبحث الصوفي عن معنى الوجود. لكنه كان يفعل ذلك بلمسة شاعرية بسيطة ومرهفة. بلا حبكات درامية معقدة ولا سعيا بأثر مادة قصصية مثيرة.(.. إذ ان نصه المسرحي، يبدو أشبه بقصص ـ قصائد متباعدة.. تمسك بالقارئ وتسحره. وفي حين تبدو شخصيات الرواية بسيطة، عادية، بدون خلفيات فكرية أو فلسفية تتحلى بحكمة عميقة في مقاربة الحياة. ولأبطاله منظور فريد للحب والصداقة والسعادة والحزن والشقاء والموت. يتأملون المرائي حولهم ويبنون مفاهيمهم ومواقفهم الخاصة.) وقد عرضت جمعية الطليعة اللمسرح الحديث (تمثيلياته الشعبية)، في إطار الواقعية التي كانت سائدة وهي تحمل عطر الأماكن الشعبية العزيزة على الوجدان المألوفة في أحياء فقيرة في مدينة العمارة.. وصف فيها ما كان يدور من حوله في الواقع الإجتماعي والإقتصادي في بداية الخمسينيات الذي كان يهيمن ثقيلا على الحياة اليومية لشريحة عريضة من بسطاء شغيلة المجتمع. (..ولكن اللغة التي كتبت بسلاستها وعمقها، اليوميات، التي كانت تنبض بالحيوية الحميمة بين الأشخاص وتؤلف مشهداً شاعرياً. تبدو فصولاً بذاتها، كقصائد ملونة في ديوان شعر يمضي بالجميع إلى التأمل واكتساب الحكمة في الحياة..). وليس هنالك مغالاة في ما كنا نقرأه، أو نشهده على مسرح الطليعة -(في مبنى مدرسة الفيحاء للبنات التي تحولت إلىاعدادية الفنون المنزلية وثانوية العمارة للبنين)- وما كنا متوهمين بان تجربة جمعية الطليعة للفنون المسرحية، تبتعدعن روح الواقعية، إنما تقدم فهما حديثا لرؤى أعضائها الفنية ومنطلقات المسرح المتواضعة البسيطة أنذاك، إذ هم يرون في اسلوب الواقعية أساسا للأدب وأساليبه، ودلالته مع الموضوع الاجتماعي وأغراضه ومواقفه الفكرية. وما كانت لهه القيمة الفنية في المسرح أن تتبلور بدون معاناة الرواد الذي حرثوا وزرعوا الأرض البكر ووضعوا قواعد ومفاهيم واصول لمسيرة الحركة المسرحية العربية ومنها العراقية.
ومن هؤلاء الرواد المؤسسين الفنان الكبير حقي الشبلي (1913 -1986 ) والفنان القدير (جعفر السعدي- 1924 – 2005 ) إذ كانت الخطوة الأولى معهم في أعمال( التمثيل)، رصينة، أشارت إلى بداية نشاط المسرح في العراق منذ أواخر القرن التاسع عشر في لواء الموصل مع ظهور نصوص مسرحية (حناحيش) المؤرخة عام 1880. و المتأثرة بالتوجه الكنسي الأوروبي في المسرح. ومع نشر مسرحية (لطيف وخوشايا) الإجتماعية الأخلاقية متأثرة بالمسرح الفرنسي ، لكاتبها (نعوم فتح الله السحار) والمطبوعة عام 1893م في لواء (الموصل). بينما عثر علىأول مسرحية كانت مطبوعة (الطبعة الثانية)
بعنوان «لهجة الابطال» للدكتور سليمان غزالة عام 1911 صادرت في مدينة القسطنطينية، وهي مسرحية شعرية سبقت ظهور محاولة أحمد شوقي في المسرح الشعري الغنائي . وبعد الحرب العالمية الأولى أسس «محمد خالص الملا حمادي»(جمعية التمثيل العربي) وقدم مسرحية (فتح عمورية) لعبد المجيد شوقي، ذات البعد التاريخي. وظهر من كتاب تلك الفترة، (حنا رسام، ويحيى العبد الواحد، وسليمان الصائغ). و مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 شهدت حركة المسرح الشابة، مرحلة جديدة.. وشهدت البصرة عروضاً مسرحية تؤكها بعض الصور التوثيقية لمسرحيات مؤرخة في عام 1921. ومن المعروف أن رواد الحركة الثقافية عامة، والفنية بشكل خاص، قد نشأوا زمن مقاومة الاحتلال الانكليزي للعراق بعد عام 1914 وكانت الحركة الوطنية في أوج تصاعدها، فنشأ المسرح في احضان السياسة وانعكس تمسك المثقفين بالوطن والأمة والإنسان على المسرح العراقي . و قد افرزت تلك المرحلة، خيرة كتاب المسرح، من الجيل الأول منهم، الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي، وموسى الشابندر، وسليم بطي، ونديم الاطرقجي، وصفاء مصطفى، وجميل قبطان ومحمد رضا شرف الدين، و عبدالحميد الراضي، وخضر الطائي، ومحمد الهاشمي، و خالد الشواف. وفي فترة لاحقة تميزت فيها كتابات يوسف العاني، ومحي الدين زنكنه، وعادل كاظم، قاسم محمد، بدري حسون فريد، طه سالم وعلى مزاحم عياش وعيسى عبد الكريم رئيس جمعية الطليعة التي تاسست في العمارة عام 1955 استمرارا لتشكيل اول جمعية فنية فيها عام 1942 .
الفرقة التمثيلية الوطنية
لقد أسس حقي الشبلي عام 1927 (الفرقة التمثيلية الوطنية) و تعاون معه هواة المسرح آنذاك ومنهم : (فاضل عياش بهرام، فوزي محسن الأمين، محي الدين محمد، وعبدالله العزاوي وسليم بطي، ونديم الاطرفجي، ومنعم الدوربي، وعتايه الله الخيالي) ثم بعد ذلك تأسست عدة فرق مسرحية أمثال: (الفرقة التمثيلية العربية، فرقة بابل للتمثيل، جمعية انصار التمثيل) وقد تفاعلوا مع زيارة فرقة جورج ابيض العراق عام 1926 و فرقة يوسف وهبي وفرقة فاطمة رشدي وعزيز عيد عام 1929 عرضوا عدا بغداد في ألوية الجنوب على مسرح ملهى الحمراء في مدينة العمارة وعلى مسرح اعد لهذا الغرض في شارع ابوالأسود الدؤلي. في البصرة. وبعد انتهاء زيارتهم العراق، رافق حقي الشبلي الفنانة فاطمة رشدي وفرقتها الى القاهرة للإطلاع على التجربة المصرية.
مرحلة جديدة
كان أكرم شكري أول موفد حكومي لدراسة فن الرسم في لندن، عام 1931 وكذلك تم إيفاد فائق حسن إلى باريس برغبة الملك فيصل الأول التي نفذها الملك غازي عام 1934 بعد أنشاهده يرسم بصحبة خاله، البستاني في حديقة القصر الملكي. وفي تلك الفترة أرسل الفنان حقي الشيلي الى باريس لدراسة المسرح برغبة الملك فيصل الأول أيضا ، باقتراح من فاطمة رشدي أثناء دعوته لها ولفرقتها إلى القصر الملكي. وعند عودته عام 1939 بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة المسرحية في العراق. وكانت باكورة اعماله تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة الذي كان يقتصر على الموسيقى في عهد عميده (استاذ آلة العود) الموسيقار الشريف محي الدين حيدر. كما تم فتح قسم الرسم بعد عودة الفنان فائق حسن من باريس عام 1938 . وفي هذا المعهد درس وتخرج صفوة الفنانين المبدعين في الفنون الموسيقية والرسم والنحت و(الكرافيك )- الحفر و الطباعة والتصميم والخط العربي والسيراميك والفنون المسرحية.
تلك صورة مشرقة من الخلفية التاريخية لذاكرة الفنون الإنسانية التي سادت فترة جيل جعفر السعدي ونشأتهم ودراستهم وحضورهم الفني .
تجربة السعدي الأولى
كان الصبي جعفر السعدي عام 1934 تلميذا في مدرسة المفيد الابتدائية في الكاظمية.. وشاء معلم اللغة العربية عام 1937 أن يختاره ليقدم دورا صغيرا في مسرحية عنوانها (مظالم الاستعمار لليبيا). فزكاه نجاحه في أدائه، أن يشترك في عمل آخر اسمه (مثلنا الاعلى) تناول موضوع الوحدة الوطنية . وفي مرحلة لاحقة في معهد الفنون الجميلة، اخرج عددا من المسرحيات معظمها للشاعر أحمد شوقي. وكان اول مسرحية أنجزها بعنوان (فلوس) لكاتب (تركي) اقتضت وجود ست مؤديات في زمن حرج من فيضان اجتاح بغداد سنة 1953 وفي وقت كان الحصول على العنصر النسوي، أمرا صعباً. وقد واجه مثل ذلك الموضوع عندما طلبت منه إدارة ثانوية الاعدادية المركزية في بغداد ان يقدم لهم نشاطا مسرحيا يقوم هو باختياره. فقرر إخراج مسرحية القبلة القاتلة .. ولكنه احتاج عنصرا نسائيا لتنفيذ العمل المسرحي.. فجاء أحد زملائه:(عدنان عبد القادر) بأخته وبدأت التدريبات. وأثناء تقديم (بروفات)العمل على مسرح قاعة الإعدادية المركزية، توطدت أواصر العلاقة بين المؤدين وابتدأت من خلال (نظرات) شغوفة متبادلة بين (جعفرالسعدي) وبطلة المسرحية، وبعد عام 1956 تزوجها ووصف شريكة حياته بأنها ( أمه وابنته وأم أولاده..).
أما آخر عمل اخرجه ضمن ذلك الموسم المسرحي، فكان (رقصة الاقنعة) للشاعر شاكر السماوي.. وللظروف التي رافقتها، قصة طويلة فيها مأساة، اذ كان نصف الممثلين الذين شاركوا في المسرحية، خارج العراق، ولم يبق سوى اسبوع واحد على تاريخ العرض، فأضطر السعدي إلى الإستعانة بزوجته وابنائه واصدقائه لتقديم العمل، بالرغم من محاصرة الشرطة لمبنى المسرح، لأن نص المسرحية كان يدعو الى الاشتراكية، وهو أمر محظور في زمن (رئيس وزراء العراق نوري السعيد). ومن المعروف أن رواد الحركة الثقافية عامة، والفنية بشكل خاص، قد نشأوا زمن مقاومة الاحتلال الانكليزي للعراق بعد عام 1914 وكانت الحركة الوطنية في أوج تصاعدها، فنشأ المسرح في احضان السياسة وانعكس تمسك المثقفين بالوطن والأمة والإنسان على المسرح العراقي . و قد افرزت تلك المرحلة، خيرة كتاب المسرح، من الجيل الأول منهم، الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي، وموسى الشابندر، وسليم بطي، ونديم الاطرقجي، وصفاء مصطفى، وجميل قبطان ومحمد رضا شرف الدين، و عبدالحميد الراضي، وخضر الطائي، ومحمد الهاشمي، و خالد الشواف وفي فترة لاحقة تميزت فيها كتابات يوسف العاني، ومحي الدين زنكنه، وعادل كاظم، قاسم محمد، بدري حسون فريد، طه سالم وعلى مزاحم عياش وعيسى عبد الكريم رئيس جمعية الطليعة التي تاسست في العمارة عام 1955 استمرارا لتشكيل اول جمعية فنية فيها عام 1942 .
المسرحيون وقلة المسارح
اجتمع خريجو معهد الفنون عام 1947 وقرروا تشكيل أول فرقة سميت (الفرقة الشعبية للتمثيل). وكان كل عضو فيها يستقطع من راتبه ليدفع الايجار او مستلزمات الفرقة فلم يعيشوا من وراء المسرح. ولكنهم كانوا يعيشون براتب الوظيفة. ثم تشكلت في ظل الظروف المادية الصعبة إياها ـ فرقة المسرح الفني الحديث 1952. و ـ فرقة المسرح الحر 1954.
كانت الحركة المسرحية تفتقر إلى وجود صالات المسارح في البداية، إذ لم يكن هناك سوى مسرح واحد في الثانوية المركزية، و صالة شيدت عام 1950 سميت قاعة الملك فيصل، تدعى ألآن قاعة الشعب. وفي فترة لاحقة، اجيز عدد من الفرق المسرحية في بغداد، و في ألوية العراق ومنها الموصل والبصرة، والعمارة والناصرية، وتغير الحال بعد ان تأسس التلفزيون عام 1956 وأخذ يرفد المؤدين بمورد بسيط يعين رواتبهم من الحكومة وليس من الفن. ويتذكر السعدي أنه لدى عودته من الولايات المتحدة قدم للمسرح اول عمل اخرجه بهنام ابراهيم وعندما عرض لم يكن هناك أي جمهور، فخرج إلى الشارع ولم اجد سوى بائع الشلغم فقال له "لماذا لاتدخل وتتفرج"..؟ فدخل وحده وجلس معه . وفي العرض الثاني، قال السعدي (..بدأنا نتوسل بالناس للدخول) وفي العمل الثالث بدأت الناس بالدخول . اما في العمل الرابع وهو مسرحية (عطيل) بدأت الناس تطلب البطاقات وفي السنة الثانية اخذت تتوسل للحصول على البطاقات . وفي عام 1963 بيعت البطاقات في السوق السوداء.. بينما كان جعفر السعدي في قمة تألقه الذي امتد في العديد من العروض المسرحية، وبخاصة في مسرحية (نفوس) عام 1972 لفرقة المسرح الفني الحديث،.. ثم صار لصيقاً بذاكرة الجمهورالعربي، من خلال دوره في المسلسل التلفزيوني: (مكاني من الإعراب). بوصفه أحد ابرز العلامات الباسقة في الحياة المسرحية.. إن النخلة تنمو بفسائل لصيقة بها .. ثم تستقل عنها عندما تكتسب إرادة الحياة. وفي السنوات اللاحقة تبدلت الظروف والاحوال والنفوس والمشاعر والأذواق إزاء فن المسرح. وفي سنة 1979 قدم آخر عمل له على مسرح بغداد وبقي من المبلغ 56 دينار وهذه اول مرة في حياته يقبض فيها مبلغا عن عمله في المسرح. وهناك مثال ىخر عن سوء طالعه المادي أثناء تقديم سهرة "الهجرة الى الداخل" من تأليف عبد الوهاب الدايني تتحدث عن الموظف المسحوق فاتصل به الاستاذ خليل شوقي وهو المخرج وقال له: " ارجو ان تكون البطل وزوجتك تكون هي زوجة البطل " فرحب بالموضوع وبدأ العمل ولكنهم واجهوا ظروفا انتاجية سيئة ولم يأخذوا اجورا عن أدوارهم...وبعد ان عاد من تونس علم أنه حصل على الجائزة الاولى في براغ من بين 56 دولة " وقد مر الكثير من الفنانين بمثل تلك الظروف المتعبة الحرجة ومن هؤلاء (ابراهيم جلال، خليل شوقي، جاسم العبودي، وسعدون العبيدي، يوسف العاني، فاضل القزاز، سامي عبدالحميد، قاسم محمد، بدري حسون فريد وسامي قفطان وفاضل خليل وجواد الأسدي والمرحوم د.عوني كرومي وفاضل سوداني .. وكان آخر عمل له في حياته، مسرحية "رغيف على سطح الماء" للمخرج وجدي العاني. ولكنه استطاع أن يكون المؤدي والمخرج والمؤلف والمنتج منشغلا مع الرواد بحرث الارض البكر، لكي يبدأ المسرح العراقي يؤسس سماته المميزة عن الأقطار العربية.
جعفر السعدي بين المسرح والسينما
منذ بداية الانتاج السينمائي في العراق، وتحديداً منذ فيلم (عليا وعصام) والذي اعده البداية الحقيقية للانتاج السينمائي العراقي، حيث كان الانتاج عراقياً برأس مال عراقي، بعد ان شيد ستوديو بغداد بأمكاناته المتواضعة والكافية في ذلك الوقت للانتاج من الناحيتين التقنية المطلوبة والفنية التي تعتمد على عناصر ذات خبرة متواضعة ايضاً لكنها حريصة على ان تتعلم وتتعاون مع كفاءات يستعان بها عادة في بدايات العمل السينمائي في بلدان مازالت في اول الدرب.

عليا وعصام كان البداية بموضوعة وبعناصر شابة او العناصر الفنية الاخرى حين شاركت في القاهرة بغداد.. الانتاج المصري العراقي والذي أفتعل موضوعه ليجري التصوير في البلدين مصر والعراق.. ويطعم بفنانين عراقيين ظل حضورهم في الصف الثاني بعد العنصر المصري.. عليا وعصام وأؤكد مرة اخرى كان البداية.. وكان بداية لممارسة جادة لشباب.. تخرجوا من معهد الفنون الجميلة فرع التمثيل والاخراج.. ووجوه جديدة ولاسيما في مجال العنصر النسائي.. ورواد مسرح عرفوا بموقفهم وموقعهم في المسرح العراقي مثل يحى فائق وعبد الله العزاوي وفوزي محسن الامين وغيرهم.. ووقف معهم.. ابراهيم جلال للدور الاول- عصام- وجعفر السعدي.. الاب المهيب.. حامل تجربة فن التمثيل والقادر علي ان يكون (نغمة) عالية العزف عميقة الاثر خالية من (النشاز) بعيدة عن التشنج او التكلف.. خالصة الاثر المسرحي الشائع انذاك في ان تكون مبالغا بادائك متكلفا ومغاليا بتعبيرك.. فتحول الشخصية التي تؤديها الي نموذج خال من الاقناع بعيد عن اقتناع المشاهد بها. جعفر السعدي في اول فيلم سينمائي يمثل فيه (عليا وعصام) عام 1949.. كان نسخة رقراقة هادئة حتي في انبهارها او انفعالها العميق.
كان جعفر يدري كيف يتعامل مع الكاميرا ويدري في ذات الوقت كيف يتعامل مع الممثل الذي يقف امامه ليكون الفعل ورد الفعل متوازياً متوازناً بلا غلو او سرقة للمشهد- كما كانوا يسمونه انذاك.
ايقاعه وحركته في فيلم (عليا وعصام) كانتا محسوبتين منضبطتين.. وكأنه اي جعفر- قد مثل في عشرين فيلماً او اكثر.. وهذا هو الاحساس الفني للاداء المدروس واستيعاب الشخصية والابداع الذي يبدو عفوياً بلا إدعاء. بعد سنوات وفي عام 1956.. كان جعفر السعدي معنا في مشروع سينمائي جديد مثل (الحلم).. شباب كلنا نريد ان نأتي بمحاولة جديدة جادة وممتعة نقية القصد امينة الهدف تتعامل مع انساننا العراقي بصدق ومحبة في ان يجد نفسه علي الشاشة حياة حقيقية حلوة في انتزاعها منه، واعطائها له.. عملية فنية تمتزج بفكر تقدمي يلمس الواقع بنعومة ويرسم خلفيات ذاك الواقع بوعي من أجل ان يحيله الي نمط فيه الجديد الخالي من الكذب والبهرجة الزائفة.
كان ذاك (الحلم) سعيد افندي
دخل جعفر معنا مجموعة مسؤولة عن كل خطوات العمل..وعن كل النتائج مهما كانت صعبة او خطرة.كان اضافة الى دوره (الاسكافي) مسؤولاً عن الانتاج مع عبد الكريم هادي الحميد كما كان ابراهيم جلال مسؤولاً عن الاخراج مع كاميرات المخرج.. وانا ممثل دور سعيد افندي وكاتب السيناريو والحوار.. وواحد من اللجنة الخماسية المسؤولة عن الفيلم اشرافاً وتخطيطاً.. ومسؤولية - كما اشرت- وحين قررنا البداية.. اقسمنا نحن الخمسة.. علي ان لانبقي في الفيلم (خطأ) نحس به او نعرفه.. أي الا يكون في عملنا(غش).. اما اذا فاتنا ذلك الخطأ ولم ندركه او نعرفه.. فذاك امر آخر ليس فيه قصد او نية سيئة. وكان القسم بصوت (جعفر السـعدي) ونحن نردده بعده..! وراح كل الى عمله.. اما جعفر فقد كان يحضر التصوير يومياً يبعد من يقترب من مكان التصوير بكل ادب.. ويشــــرح له اهمية هذا الفيلم ويدعوه للتعاون معنا.. وحين يأتي دوره يعود ذاك الاسكافي الانسان البسيط الطيب يملأ الشـــــــاشة حناناً وصدقاً وحيوية لاتنس فكان وحتى اليوم حين نستذكر ما كان يضعه واحداً من دعامات فيلم سعيد افندي.

فنان بين المسرح والسينما
جعفر السعدي في السينما- كما المسرح- ليس سهلاً في قناعته في ما يؤدي او يقدم.. ممثلاً او مخرجاً.. فبعد سعيد افندي الذي عرض عام 1957.. لم يشارك الا في فيلم (الجابي) الذي انتجته دائرة السينما والمسرح.. من اخراج جعفر علي.. السينمائي المثقف عام 1968.. تقدم بتواضع ومثل الدور بهدوء ورقة وحميمية عالية ومعه زميله اسعد عبد الرزاق واخرون من ممثلي مسرحنا العراقي ليرسم في الذهن صورة ذاك العراقي الطيب بطريقته السلسة والمؤثرة والتي لايمكن للمشاهد الا ان يعشقها.. ومثل بعد ذلك في فيلم (المسألة الكبري) عام 1983.. وحين تقدم محمد شكري جميل يدعوه لتقديم دور متواضع في الملك غازي- عام 1993- دور السفير الروسي.. قبل.. وملأ الشخصية، وتجاوز متطلباتها بكل احترام وكفاءة.
باختصار شديد وانا ادري ان الحديث عن جعفر السعدي حديث لاينتهي ، ولاسيما في المسرح.. ثم التلفزيون.. اثرت ان اتحدث بايجاز عن دوره الرائد والمبدع في خمسة افلام من كم كبير في العدد قدمت وانتجت عبر سنوات تجاوزت الاربعين.. فقد كان جعفر في هذا (الكم) القليل جداً كبيراً عميق الحضور شديد الاثر في نقل الحقيقة الفنية n كما اسميها- ليرسم الانموذج العالي والصادق.. للفنان العراقي الذي يتحمل الابداع مسؤولية شريفة وكريمة.. كي يتكلمها الاخرون درساً قد لايجدونها لا عند القلة القليلة من فنانينا الرواد وكذلك الشباب. وما حديثي المتواضع هذا الا جزء من وفاء نشعر به جميعاً وقد فارقنا.. الفنان والانسان والمربي جعفر السعدي- رحمة الله عليه-
آراء في تجربة السعدي
السعدي و السينما
يرى يوسف العاني أن جعفر السعدي في السينما- كما المسرح- (ليس سهلاً في قناعته في ما يؤدي او يقدم، ممثلاً او مخرجاً.. وفي اول فيلم سينمائي يمثل فيه (عليا وعصام) عام 1949.. كان نسخة رقراقة هادئة حتي في انبهارها او انفعالها العميق... ايقاعه وحركته كانتا محسوبتين منضبطتين.. وكأنه قد مثل في عشرين فيلماً.. وهذا هو الاحساس الفني للاداء المدروس واستيعاب الشخصية والابداع الذي يبدو عفوياً بلا إدعاء...)
وعدا تجربة الفيلم المشترك (القاهرة بغداد).. يبقى فيلم (عليا وعصام) يشكل رمز البداية الشابة الجادة... لوجوه الفتيات والفتية الذين تخرجوا في معهد الفنون الجميلة ولرواد المسرح العراقي مثل يحى فائق وعبد الله العزاوي وفوزي محسن الامين. وبطل الرواية ابراهيم جلال، للدور الاول- عصام- وجعفر السعدي لدور ( الاب المهيب).. حامل تجربة فن التمثيل والقادر علي ان يكون (نغمة) عالية العزف عميقة الاثر خالية من (النشاز) بعيدة عن التشنج او التكلف..) وبعد أن اشترك في فيلم ( سعيد افندي) الذي عرض عام 1957.. وأسهم مع اسعد عبد الرزاق في فيلم (الجابي) الذي أخرجه جعفر علي عام 1968..دعاه المخرج محمد شكري جميل للعمل معه في فيلم (المسألة الكبري) عام 1983.. كما قام بدور السفير الروسي في فيلم الملك غازي- عام 1993.. قبل الدور المتواضع .. وملأ الشخصية، وتجاوز متطلباتها بكل احترام وكفاءة. على حد وصف وتقدير الفنان يوسف العاني. وكان الفنان سامي عبد الحميد يرى )السعدي( من اكبر المسرحيين على الاطلاق، وانه تعرف عليه في بداية الخمسينات عندما احيا (الفرقة الشعبية) ويتذكر انه استدعاه للتمثيل في مسرحية (فلوس) التي قدمت في قاعة الشعب ولمس منه الاخلاص والحماس . وكان ملتزما ودقيقا بأوقات ومواعيد العمل المسرحي.
مسرحية "عرس الدم"
قال:( الفنان د. فاضل خليل : عندما كنت بطل مسرحيته "عرس الدم" تأخرت 5 دقائق فلم يتحدث معي لمدة 5 سنوات.. كان عمقه في بساطته.. عندما تنظر الى جعفر السعدي تجد فيه الانسان الذي خّرج اجيالا واجيالا، وكلما تقدم بنا العمر يبقى يرانا تلاميذه، وفي يوم عاد د. عوني كرومي بعد ان حاز على الدكتوراه من المانيا واصبح أستاذا مع الجعفري في قسم المسرح فأحتدم النقاش بينهما مما كان منه ان هاجمه بأبوية عالية ، فقلت له "استاذ لقد كبرنا ونحن اليوم زملائك" ، واهم ميزة في تصوري عنه انه لم ينافس احدا فهو شئ كبير فهو درسنا ودرس اجيالا قبلنا ونحن نحترمه وهو انسان رائع..) وكان السعدي يعني للفنانة شذى سالم الاصالة والتاريخ، فأول تجربة لها معه كان عمرها 13 سنة وليس من السهل التحدث عنه وليس من السهل ان يرد جميله أو نسيانه.
ولم يصبر على فراق حبه
تصاعدت التراجيديا الحقيقية عندما تغبشت الرؤية من خلال (نظرات) كانت شغوفة متبادلة بين المعلم (جعفرالسعدي) وبطلة مسرحياته، التي غدت شريكة عمره في المسرح وفي الحياة.. ووصفها بأنها ( أمه وابنته وأم أولاده..).. رفيقة حياته وإبداعه وقرينة روحه.. وكانت الفنانة ماجدة السعدي، من المؤديات الرائدات النوادر على خشبة المسرح العراقي في ظروف وتقاليد اجتماعية محافظة وحرجة. وحققت حضورها البارز والواضح في المشهد العراقي، وقبل شهرين لفظت أنفاسها الأخيرة.
وفي الثاني عشر من شهر أبريل عام 2005 - كانت كلماته تتنفس بصعوبة.. و يلتم أحبابه حوله في صالة المسرح الوطني وهو يحضر مؤتمر المثقفين العراقيين .. وبدأت أنفاسه تثقل، وأخذه الغياب.. وعجلوا به الى الفضاء، ثم إلى المستشفى، لكن المبدع الكبير رحل فيما أراد الناس الاحتفاء به. فهل من المجد ان يموت المرء واقفاً كما النخلة .. وان يكون الإنسان كما الروح في تألقها، في قمة عطائه وخصب تجاربه ونبل مواقفه.. كان بهيا،ً خصباً ، يختزن الفكر والإبداع والتجارب والرؤى. من حيث كان إلى أن احتضنه تراب الوطن . .



* - نعت المؤسسات الفنية، الفنان المسرحي البارز جعفر السعدي..الذي فارق الحياة في قاعة المسرح الوطني ببغداد في يوم 12 نيسان الجاري، خلال حفل افتتاح مؤتمر المثقفين العراقيين: وجاء في النعي:
المجد ان يموت المرء واقفاً كما الشجرة . كما الجبال .. كما الروح في تألقها .
والمجد ان يكون الإنسان في قمة عطائه وخصب تجاربه ونبل مواقفه حتى يبقى مضيئاً. والراحل الكبير جعفر السعدي كان الشجرة الوارفة التي ألقت بظلالها وثمارها على أجيال من المبدعين الذين كبروا بعطاءاتهم وتواصل مسيرتهم .. وتمكن من الحصول على جائزة افضل ممثل عالمي في مهرجان براغ الدولي.
في فرقته المسرحية الأثيرة: فرقة المسرح الشعبي، كان يقدم أزهار عمره الى المسرحيين الشباب، الى جانب الرواد انطلاقاً من فهمه العميق أن النخلة تنمو بفسائل لصيقة بها .. ثم تستقل عنها عندما تكتسب إرادة الحياة .. لكن مسرح الستين كرسيا الذي كان تشغله فرقة المسرح الشعبي مع فرقة مسرح اليوم .. كان قد احترق في ظروف غامضة قبل سنوات .. ومن الفاقة أقفلت أبواب الفرقتين !
في مسرحية (نفوس) عام 1972 لفرقة المسرح الفني الحديث، كان جعفر السعدي في قمة تألقه الذي امتد في العديد من العروض المسرحية .. ثم صار لصيقاً بذاكرة الجمهور من خلال دوره في المسلسل التلفزيوني: (مكاني من الإعراب) وقبل شهرين من وفاته، ودع السعدي رفيقة حياته وإبداعه وقرينة روحه .. زوجته.
.
إشارات ومراجع
1- أحاديث للفنان السعدي مسجلة في مكتبة التلفزيون ومحفوظة في قسم البحوث والدراسات في مصلحة السينما والمسرح-في العراق. وأخرى دونها المرحوم احمد فياض المفرجي عندما كنت مسؤولا عن الشؤون الفنية وعملنا معا يرافقنا الفنان شاكر حسن سعيد وأسعد محمد علي في قسم التوثيق والدرسات في دائرة الفنون التشكيلية. للسنوات من 1978- 1980 - 2ـ المسرح العراقي اليوم/ وزارة الثقافة والفنون/ بغداد 1978.- 3ـ المسرح في العراق/ احمد فياض المفرجي/ نقابة الفنانين/ بغداد 1978. - 4ـ الحركة المسرحية في العراق، احمد فياض المفرجي/ بغداد/ 1965.
5- موقع – مسرحيون. - 6- مقالة يوسف العاني في رثاء السعدي . 7- مقالات ودراسات كثيرة نشرت في مواقع وصحف وإذاعة و تلفزيون . لزملاء وتلامذة واصدقاء الراحل. وبقية المؤدين العراقيين - ومواقع المدى والبيان وعمان ومواقع ثقافية أخرى - 8 - موقع الشرقية - 9- موقع الفنان فاضل خليل– 10 - كلمة وزارة الثقافة في تأبين الفقيد. 11ـ ملف حقي الشيلي/ عبد الاله عبدالقادر/ العدد 3 السنة الثانية 1985


يوسف العاني .. رائد آخر
هكذا .. و(..مع هزة نخلة (البريم) ولد ، في السطح الحار، ماكثا شهرا في رحم امه فوق الحمل المألوف، عصيا عن الخروج إلى العالم، فمتى جرب عناد الدنيا كي لا ياتي كأطفال الناس بلا أقماط..قال:(... صرخت قابلتي سيموت هذا الطفل ، فقدماه خرجتا قبل الرأس، ولكن حينما لامسني الماء الدافئ بكيت.. بكيت حتى خافوا مني، فضحكت ضحكت ممن خافوا مني ، وبعد الضحك اعلنت قبولي فرداً في هذه الدنيا مضطراً لامختاراً، ولكي اتجنب كل عذابات الاتي اختاروا لي اسم نبي الحّسن يوسف فصرت يوسف اسماعيل العاني .).
على شواطي دجلة أمر.. يامنيتي وكت العصر
كانت ولادته في صيف عام 1927 - في بيت الحاج اسماعيل العاني في مدينة الفلوجة غرب العراق. وكانت عائلته تسكن في سوق حمادة – في بغداد.. وانتقل الى بيت عمه في منطقة (خضر الياس) في بداية الاربعينات وكان قرب البيت جامع ومقهى مشهور يسمى (مقهى احمد الجداع) ، ويقطن المنطقة يغداديون أصلاء وكانت الألفة تسود بين العوائل وكأنما الناس عائلة واحدة .. ثمة روابط متينة تربطهم، وكانوا رغم فقر الحال اغنياء بالطيبة. لقد تشكلت لديه على ضفاف خضر الياس علاقة يومية مع نهر دجلة تبدأ منذ الفجر واصوات صيادي السمك تغرد اغنية مشهورة ومحببة لدى العراقيين:(..على شواطي دجلة أمر.. يامنيتي وكت الفجر).. ثم انتقلت عائلته الى كرادة مريم في جانب الكرخ من بغداد.
. خلت من والديه الدار
مات ابوه وهو طفل يحبو، ، وكانت (شهادة نجاحه) بالمرتبة الثانية على زملائه في الصف الثاني، يحملها بيده اثناء قفوله إلىأهله وقد خلت من امه الدار. فاثر رحيلها المبكر في مجمل حياته الى فترة طويلة رغم ان زوجة اخيه واخته وزوجته فيما بعد صرن بمثابة الأم، ولكنه رغم ذلك كان بحاجة الى حنان وكان يحتويه فراغ النفس المؤلم.. وبخاصة عندما كان طالبا في كلية الحقوق، يشعر بضيق شديد، فيذهب الى زيارة قبر امه.. من هنا جاء اهتمامه بشخصية الأم في المسرح.
يوسف الطحان
كان اول (أداء) له، في مسرحية يوسف الطحان في مدرسة دار السلام الابتدائية، ولكن موهبة التمثيل لديه كانت قد تبلورت بعد انتقاله إلى الثانوية المركزية وكان اخوانه من أوائل مشجعيه على الفن والمسرح خاصة.. وعندما سأله معلمه :( من علمك التمثيل يا يوسف ؟) أجابه : ("الناس يا أستاذ.. الناس") ومن الأهل والناس و(المجتمع)، انطلقت بدايته.. وعندما تخرج في الاعدادية من الفرع العلمي، سعى إلى كلية الطب، بمعدل يؤهله للدراسة الطبية، لكنه سقط في فحص العيون، فذهب الى الجامعة الاميركية في بيروت وتم قبوله هناك، ولكن مرضه الشديد اعاده إلى بغداد، ودخل كلية الحقوق وكانت دروسها بمثابة مفاتيح تربوية لبلورة شخصيته.. كان عقله مع ممارسة المحاماة وقلبه مع المسرح. فقرر الدخول إلى معهد الفنون الجميلة ولكنه اعتقل وفصل لأسباب سياسية..
الخطوة الاولى
كان ثمة شئ يتشكل في داخله قاده إلى المسرح، حيث الخطوة الاولى التي خطاها أثناء دراسته في متوسطة الكرخ إذ كان يحلم بالمسرح و يتمنى الظهور على خشبته و في المدرسة كانت هناك جمعية الخطابة، وكان حقي الشبلي - ( عميد المسرح العراقي، فيما بعد )- هو الذي يختار الطلاب..بعد اختبار. فقال له : "هل عندك مشهد تمثيلي" فقدم مشهدا تمثيليا شعريا وقال له "كافي ابني هل تحفظ شيئا من مسرحية قيس وليلى" فقدم قطعة من مسرحية اخرى فقال له "ابني انت تنفع لكل شئ الا التمثيل" . ولكن (يوسف العاني ) ظل منشغلا بنسج شرنقة حرير مسرحه، وبدا بتكوين علاقاته بالفنانين الآخرين، مما كان له اثر في انطلاقة جديدة للمسرح العراقي وتشكيل رؤية متقدمة، منذ التجربة الأولى في معهد الفنون الجميلة في مسرحية (مجنون يتحدى القدر) وكانت اول مسرحية مونودراما تكتب بالعراق وعلى صعيد العالم العربي كتبها يوسف العاني ومثل دور المجنون فيها .. وبعد ان انهى التمثيل شاهد شخصا خلع سترته والبسه اياها قائلا: ("اخاف عليك من البرد يا يوسف") وكان هذا الشخص، هو الفنان ابراهيم جلال. ومنذ تلك اللحظة أصبحا اخوين وصديقين.. وكانت بذرة تأسيس فرقة المسرح الحديث . واتسعت مساحة ابداعهم وتوغلوا الى قلوب الناس . وصاروا أصدقاء فاعلين في ثقافة المسرح عامة. وغدا يوسف العاني مع حقي الشبلي وجعفر السعدي وابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وجاسم العبودي وجعفر علي وبهنام ميخائيل وبدري حسون فريد وسعدون العبيدي وصفوة جيل الرواد الأوائل، والأجيال اللاحقة، يشكلون بناة الحركة المسرحية المعاصرة في العراق.
أفكار ومشاريع وانجاز
قال العاني : (تركت العراق في عام 1957 بعد ان أنجزت فيلم( سعيد افندي ) وذهبت للاتحاد السوفيتي وكان هناك مهرجان وسافرت الشبيبة الديمقراطية مع وفد كبير من الشباب العراقي بمختلف الاتجاهات عبر سوريا ومنها للاتحاد السوفيتي وفي دمشق حملت معي مسرحية راس الشليلة ، وكانت اول مسرحية صامتة تقدم من قبل اول مجموعة عربية واخذت جائزة ووسام . ثم حطيت الرحال في المانيا وانخرطت لاتعرف على مسرح بريشت الذي كان طلسما ومدخلا لانفتاح كبير وانتقلت الى المانيا الغربية ثم النمسا وكتبت سيناريو لفيلم جديد فكرت ان يكون تكملة لفيلم سعيد افندي سميته (في الصيف ضيعنا اللبن ). وبخصوص ترجمة النصوص المسرحية الى النصوص الالمانية والفرنسية والاسبانية كانت مسألة مهمة لكي يطلع عليها الآخرون ممن لايعرفون العربية كما انها تسمح بالانفتاح ، واول مسرحية ترجمت الى الفرنسية هي (آني أمك يا شاكر) ، ومن حسن الحظ شاهدتها سيدة فرنسية تعمل في السفارة في بغداد وكتبت نقدا عنها وقارنتها بمسرحية (الام كوراج) لبرخت وترجمت المسرحية عام 1959 .بعدها ترجمت مسرحية (المفتاح) وهي تشكل نقلة نوعية لي كما ترجمت الى الاسبانية .)
وفي عام 1958 بدأت اخطط لتأسيس مصلحة السينما والمسرح ولم يكن اسمها هكذا وانما كمديرية عامة ونصحني احد الاصدقاء وكان(مدير مصرف الرافدين) بتسميتها والمصلحة في القانون تبتعد عن الصيغة الرسمية والشكلية في الدوائر الحكومية ، نهاية عام 1959 صدرالامر بتأسيس مصلحة السينما والمسرح وعينت مديرا لها .
بعث المسؤول عن مهرجان قرطاج رسالة رسمية فيها قرار تكريمي لعام 1983 ففرحت بان اتوج كرائد من رواد المسرح العربي ولكن حز في نفسي ان اتوج قبل استاذي حقي الشبلي الذي كان يستحق التتويج قبلي فكتبت رسالة أخبرهم فيها بعدم قبولي التكريم قبل استاذي ففرحوا وشكروني وتوج الشبلي عام 1983 وتوجت انا عام 1985 واهديته الى العاملين في المسرح العراقي والشعب العراقي.
تأخر تكريمي في المسرح التجريبي 7 سنوات بسبب الظروف السياسية بين العراق ومصر ، وبعد فترة شعروا انه لابد من تكريمي لاني احد الذين كتبوا في مجال المسرح التجريبي ، فضجت القاعة بالتصفيق وكنت اريدهم ان يهدأوا فانفعلت واستدرت الى وزير الثقافة وقلت له هل رأيت لقد كان الناس يريدون ان اكرم قبل الان .
السينما الواقعية
كنا نقترب في تجاربنا السينمائية من المدرسة الواقعية الايطالية وكنا نقرأ عن السينما الايطالية التي كانت تختلف عن المدرسة الاميركية وكانوا مجموعة من الشباب الذين درسوا في اوربا على رأسهم وليد صفوت الذي يدرس القانون لكنه مولع بالسينما فجائنا بالافكار الجديدة السائدة في ايطاليا وبدأنا نحاول عرض الافرم الايطالية في السينما ، واصدر المخرج كاميران حسني مجلة السينما وبدأ يكتب ثم صار العثور على قصة شجار لكاتبها ادمون صبري فعرضت القصة على اساس ان اكتب السيناريو والحوار فأعجبتني شخصية القصة سعيد افندي وبحثنا عن البطلة ووجدنا رسالة من مدرسة مفصولة اسمها (زينب) وبعد انتهاء الفيلم سافرت الى المانيا ووصلتني اخبار ان جائزة الفلم معطلة لان جهاز الامن جائته اخبارية بان الذين يعملون في الفيلم هم ضد الحكومة .ففحص الفلم مدير الداخلية العام ممتاز العمري وقرر ان يجيز الفلم وعرض عام 1998 في حفل تكريمي في باريس واعتبره الفرنسيين واحدا من افضل افلام تلك الفترة وقال احد النقاد الفرنسيين "انا جاهل انه كانت هناك قبل 40 سنة واقعية حديثة في السينما العراقية " . شاركت كاتبا ومؤلفا في 12 فيلم تتحدث عن احوال العراق واسمه "غير صالح للعرض" بمعنى ان الشئ الذي صار في العراق لا نستحقه وتبنى الفيلم غودار المخرج الفرنسي وهو يتحمل تكاليف النسخة الاخيرة ومن المفترض لعرضها في مهرجان برلين السينمائي ثم يعود الى الوطن ، وهذا اخر فيلم انا مشارك فيه فيكون العدد 100 فلم واعتقد انه سيكون للمخرج الشاب عدي رشيد شأن كبير في المستقبل.
هل نختصر الحديث فنقول 41 مسرحية تأليف ، 58 مسرحية تمثيل ، 12 فيلما ، 18 كتابا ، عشرات التمثيليات التلفزيونية ، مئات المقالات في المجلات العراقية والعربية .. إنما يغالبنا في هذا الموجز حب المعرفة، فنطلب المعنى والمبحث..لنتعرف عطاء هذا المبدع.. ألم تر أنه زهد الحلاوة بالشقاوة والهدى وأصبح في ركب المسارح مبدعا.
كان متعبا لفرط ما بذله من جهود مضاعفة لتقديم أعمال مسرحية في الاردن. وفي لقائي معه في مايو عام 2000- كان قد استلم نسخته الخاصة من كتابي طائر الشوف الأصفر وكنت مغادرا لتوي أمكنة الأحزان في مشفى أبوظبي من الضغط والسكري وتراكم الأوجاع التي ما عادت تتنزه في الممرات السرية. حدثته كيف كنت استمع للأنين الذي يقطع الانفاس، مستذكرا تغريبة أمي وخوفي عليها من رقتها في وحشتها، دوننا بين الاهل:(يامسية العافية، يانور عيني ياروا .. يا مسا النخلات يا قلبي ربى .. ياهيبة الشحمان ياطلعة رفا .. ويا آخر العنقود من أكرم شجر.. يا نبعة الريحان ( يا صبحة) رجا .. يا خيمة الصحراء يا نبع الوفا .. يا فراتين العراق ويا نخل جلجل علينا ويا ثمر .. فاضت عيون الروح من ضيم وقهر. . بلحظة غدر ضاع العمر .. يا يمه مسا ك الصبر بالخير.. يا عواف العافية يافتشة عيوني عليك من الجوى يايمه ياوهج الحنان ورحمة الباري علينا .. يا عراق..
أسعد عبد الرزاق
.شعر بوجود موهبة التمثيل في سن مبكرة.. واول مشهد مثله وهو صغير كان في مسرحية القطار في دور الطفل .بدعم وتشجيع مدرس اللغة العربية حمدي قدوري الذي زرع حب التمثيل في أعماقه ، وهو لم يزل تلميذا في الصف السادس الابتدائي. وبينما دخل أسعد عبد الرزاق المرحلة الثانوية، كان رائد المسرح العراقي حقي الشبلي قد عاد من باريس عام 1938.. وتم تعيينه مشرفا على المسرح في المدارس الثانوية، فقام بتنظيم الدورات المتواصلة للطلاب الراغبين بالتمثيل. وكان أسعد عبد الرزاق أحد طلبة تلك المدارس الثانوية المنبهرين بشخصية الفنان الشبلي الذي كان يعامله كأحد أبنائه.
.الطريق إلى معهد الفنون
لم يوفق أسعد عبد الرزاق في الإنضمام إلى الكلية العسكرية فاختار سبيله إلى معهد الفنون الجميلة في اواخر الاربعينات عن طريق تقي البلداوي أحد أصدقائه ودفعته هواية التمثيل منذ البداية للدخول إلى المعهد، مجتازا اختبار لجنة القبول في قسم التمثيل. وبسبب ذلك قاطعة والده والعائلة لمدة سنة ولم يبق له سوى والدته التي كانت تدعمه معنويا وماديا. مصرا على تنمية موهبة التمثيل لديه.. وبينما كان يواصل الدراسة في المعهد، صدر امر تعيينه معلما في مدرسة (المشاهدة) قرب مقبرة الشيخ معروف.. وحينما أراد أهله إرساله إلى دمشق لدراسة الحقوق، استشار استاذه حقي الشبلي قبل أن يسحب أوراقه من المعهد . فقال له: (لماذا لا تقدم اجازة بذلك؟ فقد تعود مرة اخرى..)، وعندما فتحت الدراسة في كليتي الحقوق والادارة والاقتصاد في بغداد قبل فيهما، ولكنه اختار الحقوق، فكان يداوم فيها صباحا وفي معهد الفنون الجميلة مساء. وبقي حقي الشبلي يعاملنا كابنائه.
شهد عام 1952 تعيينه مدرسا في معهد الفنون وبدأ طريق اللاعودة عن الفن وارسل في بعثة الى ايطاليا وكان اول دور اسند له هناك، هو دور (حسن التتري) وحظي باعجاب استاذه ومدير المعهد في ايطاليا الذي كان من كبار الممثلين المسرحيين الطليان. وكان (براندلو) مشرفا على رسالة (الماجستير). .
في السينما - مثل أسعد عبد الرزاق في فيلم الجابي وفي افلام النهر والفارس والجبل. ولكن حياته وروحه وحبه هناك.. على خشبة المسرح.
.تشكيل اكاديمية الفنون
كان الرسام الدكتور خالد الجادر يشغل عمادة معهد الفنون الجميلة عام 1961 وفي فترة وجوده عميدا، عاد أسعد عبد الرزاق من روما، إلى العمل أستاذا في قسم الفنون المسرحية، ثم رئيسا للقسم واتفقا على رفع رسالة رسمية الى وزير التعليم العالي يقترحان فيها تشكيل الاكاديمية فتمت الموافقة وعين د. خالد الجادر عميدا لها وأسعد عبد الرزاق عميدا لمعهد الفنون الجميلة، حتى عام 1963 ، الغيت اكاديمية الفنون وصار تحت عنوان(قسم المدرسين العالي في معهد الفنون الجميلة)، عين د. علي الزبيدي عميداً للمعهد وأعفي الدكتور خالد الجادر من منصبه لاسباب سياسية سرعان ماتغيرت فتبدلت معها الكثير من القوانين ومنها: إشغال أسعد عبد الرزاق منصب عميد اكاديمية الفنون عام 1971 ولمدة 17 سنة ويتخرج فيها العديد من صفوة الفنانين .



لقد تحدث الفنان المؤدي والمخرج د . فاضل خليل عن إشكالية النقد في المسرح العربي. ووضع أمامنا قراءتين في النص المسرحي: الأولى/ في الذي يقال ضمن الحوار .
والثانية/ في ما يدرج بين الأقواس من إرشادات المؤلف للمخرج ، وهي غالبا ما يغادرها المخرج ولا يلتزم بها .
إن مهمة المخرج تكمن في تأليف العرض وفي مقدار احتفاظه بالخصوصية التي تميزه عن غيره . وفي ما يجعله حر التعامل مع المتفرج الذي من خلاله يستطيع الخروج بقراءته الخاصة المختلفة عن القراءات الأخرى المكونة للعرض ، والتي نطلق عليها اصطلاحا [نص المتفرج] . ليصبح معها لدينا ثلاث نصوص أو قراءآت وهي : نص المؤلف - أو قراءته ، نص المخرج - أو قراءته ، نص المتفرج - أو قراءته .
فالنقد إذن هو : تفسير وتحليل ، وتعددية في تأويل الاستقبال وفي حرية الرأي والتلقي . يدركها الناقد بعد اطلاع و معرفة جيدة لمكونات العرض التي بعكسها سيتحول النقد من خطاب علمي إلى خطاب [مدرسي-إنشائي] هدفه الوعظ والمديح أوالذم غالبا . إن " النقد كالفكر ، أو هو فكر لا يتغذى ولا ينمو إلا بالتساؤل المستمر ". انه يضع المنجز أمام تساؤلات مستمرة ، وأمام مشروعية لاعادة النظر من قبل المبدع بمنجزه . وخاطئ من يرى في مهمات النقد غير ذلك ، لأن النقد مشروط بثقافة الناقد وموقفه المنتمي إلى العمل . وكلاهما يولدان من رحم المسرح . فليس النقد مزاج شخصي ، أو مصلحة فردية يحدوها أمل ناقد في الشهرة أو في الانتشار السريع بين الناس . فالناقد الذي تنقصه المزايا التي ذكرناها ، والذي لا يمتلك موهبة استقبال شفرات العرض بمكوناته من : نص ، واخراج ، وتمثيل ، وأخرى ، يصعب عليه تقديم الفهم المتقدم في العمل الذي يتصدى لتقويمه . والذي سيكون هداية للمتلقي يعتمدها في الوصول إلى قراءته الخاصة ، التي تضاف للنص وتفاصيل العرض ، وبها ستكون رأيا أو قراءة أخرى غير التي أرادها المؤلف . لكن قراءة المخرج ستبقى الأولى في تسلسل الاهميات من بين القراءات المتعددة بما في ذلك قراءة المتفرج . فلقراءة المخرج معناها الذي يقول أنها : حصيلة الجهود طويلة الأمد التي كونت خبرته التطبيقية التي تضاهي حصيلة استقبال الناقد الذكي الذي ينطلق من التجريد في إطلاق الرأي إلى التحديد فيه . فما بالك بالناقد الذي يسلك طريق النقد الكاشف للعيوب والسلبيات ، الذي يقترب في قراءته من قراءة المتفرج مع شئ من الإضافة البسيطة غير المحسوسة .
يعاني المسرح العربي والعراقي بشكل خاص ، من غياب الناقد الموضوعي البعيد عن وجهات النظر الانطباعية والجاهزة أحيانا في اعتمادها على رأي الآخر والتي تسبق المشاهدة في أحايين كثيرة . إن للناقد طريقه السالكة في الدخول إلى العرض بذكاء ، ذلك الدخول الذي لا يتكئ فيه على رأي الآخرين . فهو وحده من يمتلك زمام المبادرة في إسناد العرض أو عدم إسناده . لأن مهمته كما يصفها برتولد بريخت : هي التي تستدرج الجمهور إلى المسرح .فهو يمتلك حق النصح والإرشاد بمشاهدة العرض أو عدم مشاهدته ، أما النتائج التي تأتي أحيانا عكس المطلوب فستضيع ثقة المشاهد بالنقد وبالمسرح . بل هناك من يذهب أبعد من هذا حين يضعون اهتمام المخرج بجمهوره بنفس موقع اهتمام الناقد بجمهوره . في معرفة الجمهور ومعرفة اهتماماتهم وأذواقهم .
إن من أولى مهمات الناقد تكمن في حرصه على متابعته للعمل المسرحي منذ اختيار النص وقراءته من قبل الممثلين وبقية العاملين في المسرح وحتى خروج آخر المتفرجين من صالة العرض ، وهو ما يلزمه بامتلاك حق القول في العرض الذي يكتب له نقدا ، وعليه يجب أن يقول فيه رأيا لابد أن يختلف عن الآراء الأخرى إن لم تكن اكثر أهمية منها جميعا . " إن الناقد قد يعلم المبدع ربما دون وعي منه ، الكثير من صنعته وقد ينبه المتلقي إلى ما ينبغي أن ينتبه إليه "(يمكن أن يكون قياسه بمقياس الآراء الكبيرة في العرض : مثل رأي المؤلف والمخرج وبقية العاملين . لأنه رأي عن قرب ، بل قل من داخل المسرحية ، لا رأيا انطباعيا جاهزا تكون من مشاهدة واحدة ولاول يوم من أيام العرض الذي غالبا ما يكون عاجا بالأخطاء . هذا الذي يتبعه النقاد في كتابتهم عن العروض المسرحية وهومايستهجنه المسرحيون ويجعلهم موقنين من أن النقد يشكل الحلقة الأسهل في عمل المسرح . إن النقد من يعني بإعادة الصياغة للعمل الفني ، هو يعني هداية المخرج إلى ما فات العرض من قيم جمالية ومن اكتمال موهبة وإيصال معنى راق ، لم يتمكن المخرج أن ينتبه إليها لانشغاله بخيوط العرض وتشعبات قنواته التي تصبو إلى التكامل . فلدى المخرج العديد من المخاوف التي يخشاها ومنها خوف الانزلاق بما هو استهلاكي يومي يبعده عن تحقيق الفعل الراقي في المسرح . بل خوفه من الانزلاق في المسرح التجاري الذي غزى مسرحنا العربي وبات من المستحيل حضور النقد من دون إبداع يحركه..) .
يوميات رسام
بقلم شوكت الربيعي

منطلقات وآفاق
كانت العلاقة بين الحضارات و ماتزال مسألة مطروحة على الفكر الاجتماعى، الثقافى السياسى وتوجهاته فى العالم، منذ عام 1949 .. وقد شهد العقد الخامس من القرن العشرين عقد اجتماعات دولية، كان من بينها مؤتمر فكري ثقافي فى أغسطس عام 1954 و فى سبتمبر من العام نفسه، عقد فى جنيف اجتماع آخر كان موضوعه:" العالم الجديد و أوروبا ". و اجتماع آخر أيضاً فى عام 1957 عقد فى جنيف لبحث موضوع:"أوروبا و العالم اليوم" وكذلك انعقد فى القاهرة مؤتمر" صراع الحضارات أم حوار الثقافات " فى أكتوبر 1997 وبإشراف منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية. وتبع ذلك مؤتمرات عديدةحتى عام 2005م ناقشت وقدمت توصيات وتطلعات واستشرافا لرؤى الثقافة في عالم ما بعد الحرب الثانية واقترحت الإستراتيجيات التنموية المناسبة فى كل مجالات تطورها الثقافى اللاحق، من النظرية إلى التطبيق، من الفكر المجرد إلى الفعل الإبداعي المعرفي العلمي والتربوي والثقافي والفنى و الأدبى، والاعلامي، إلى الإدارة والتنظيم الاقتصادى والاجتماعى.. وكان أغلب ماتم التوصل إليه، قد وضع فوق الرفوف العالية، من ارشيف الشعوب الفقيرة.
الوعى المعرفى بحقائق العالم
لقد قدمت تلك التجارب رؤية شاملة ومتكاملة لقضايا التنمية مع دعمها بمجموعة كبيرة من المؤشرات ذوات الصلة . وساعدت على إظهار التشابكات بين مختلف القضايا الفرعية للتنمية . كما أنها سلطت الضوء على العلاقات المتبادلة فيما بين قطاعات الاقتصاد القومى من جهة ، وكذلك فيما بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من جهة أخرى، بحيث يسهل استيعاب محتواها أوالإلمام بترابطاتها بصورة شاملة وعلى نحو متكامل. وأسهمت التقارير الوطنية للتنمية البشرية، بدرجات متفاوتة، فى إشاعة الوعى الشعبى بالمنظور الشامل والمتكامل للتنمية الذى يجسده مفهوم التنمية البشرية . كما أسهمت فى تسليط الضوء على التباينات الإقليمية أو المحلية فى التنمية.
معمار التنمية ورؤية الثقافة

كانت إشاعة الوعى المجتمعي بالمنظور الشامل والمتكامل لخطط التنمية، تشكل ركنا مهما من القضية الرئيسة بالنسبة للعمانيين، بل اندرجت في معمار ومنطلقات وآفاق التنمية والثقافة، فى الفترة التي أعقبت (الصحوة الحديثة) وتكوين رؤية (مرحلية) عنها بعد عام 1970م مسترشدين بضوء ماتم مناقشته، وفي اطار دعـم الحوار بين الثقافة العربيـة / الإسلاميـة والثقافات الأخرى. وكانت فترة ما بعد (الصحوة)، قد شكلت إحدى التحولات التاريخية الكبرى في عمان. و كانت أفكار ومنطلقات قادة السياسة الثقافية العمانية قد تحاورت مع روح الحالة الوضعية المستجدة، اثناء السنوات العشر الاولى ( 1970م – 1980م )، كما توضحت أهميتها التاريخية التى مكنت خطط التنمية والثقافة في عمان من استيعاب وتطوير موروثها الحضاري، و مكنت في مرحلة رئيسة تالية، اثناء السنوات العشر الثانية ( 1980 – 1990م ) من تهيئة الظروف الموضوعية لمشاركة المثقفين في عملية النماء وبناء نواة سليمة حولها تجتمع إرادة العمانيين على مد الجسور التى أقامتها بواسطة (الكتاب والصورة والصوت والمواقف الفكرية والتربوية والمجتمعية)، أن تكون عبر مؤسسة ثقافية، تكاملية مع الحضور القوي لدائرة المستشار الثقافي لجلالة السلطان قابوس ولوزارة التراث والثقافة، لكي نرسم على وفق هذا الاعتبار، مديات الرؤية المستقبلية، متخذين من البعد الثقافي الملامح التنظيمية، ليتم دعمها وليجعل من حضورها الفاعل قوة دفع لبلورة موقف وقرار ومشاركة رئيسة في عملية التنمية والثقافة العمانية نفسها، وبارادة تدفع مسيرتها الطالعة في مسالكها التأسيسية، وتصعيدحركة الثقافة الحقيقية الحديثة، بعيدا عن الوهم المصطنع بعقدة الإبعاد والإقصاء والاضطهاد والاستلاب بمقابل الكتابة المطلقة والمخاتلة المفرغة من محتواها الواقعي، الاجتماعي والانساني. بل تقتضي خصوصية المرحلة أن تنبثق قوة مفاصل الثقافة بمعادلة الضرورة والحاجة والموقف، وبحداثة الرؤية والفكر وباللغة العالية العميقة السهلة المكثفة الموجزة الواضحة الدقيقة. والمثقف الذي يعرف مايريد، يوجز مايريد بأقل واعمق وأدل معنى وضاء في النصوص ذوات النزعات المثمرة التي تخدم مرحلة البناء المستقبلية التي تنمو في حيوية تربتها وشمسها مرابع معرفية تحتاج إلى بعد زمني وجهود استثنائية صادقة لكي ينشأ جيل يتميز فيه صفوة نوعية من المثقفين المتخصصين في مجالات معرفية متنوعة كثيرة، تقود بالنتيجة المشروع الثقافي الوطني المترابط مع المشروع التنموي الأشمل الذي يحمل ضمنا تكوينه المؤسساتي الفاعل الذي يدعم ويطور ويعزز الحقوق المشروعة لدور المثقفين في عملية البناء والتحول والنماء والتطويروالتقدم.
العمانيون و تحقيق أهداف التنمية
لقد أثبت العمانيون بشجاعتهم المتفردة بين الشعوب العربية، أنهم أهل لتحقيق أهداف التنمية البشرية حتى عام 2020م، متطلعين إلى مرحلة متقدمة لاحقة. ونرجو أن تكون الدعوة المتجددة الآن، صفحة وضاءة أولى من طموحات الخطة الخمسية الجديدة: ( 2006 – 2010). التى تتشكل وتتطور بضوء استلهام القيم الجوهرية لحضارة عمان القديمة وحضارة الثقافة الإسلامية و العربية. وتنبثق هذه الدعوة كجزء من السياسات الثقافية الوطنية التى ساهمت بقوة فى دعم ونمو أولويات المجتمع العماني المعاصر، الغنية بالوعود الطموحة والإمكانيات المتقدمة، فى كل مجالات الحقائق الفعلية الملموسة للواقع الثقافى الحديث، فكانت هى المنطلق الحقيقى لدراسة واستكشاف أساليب دعم " التفاعل والمشاركة " الإيجابية فى فترة مختلفة من حقائق التاريخ و الجغرافيا والتفاعل الثقافي، الحضاري، العملى والتلقائي، والسياسات المقررة، وماترتب عليها من تحرير المعرفة و" إتاحة " فرص تعميمها بتطوير وسائل توجيهها. ولايمكن للكاتب المنصف أن يتجاهل حقائق منجزات التنمية والثقافة وشجاعة العمانيين في تنفيذها وجعلها قوة بنائية مساندة تحولت بالفعل إلى قاعدة راسخة قوية، يشيد العمانيون عليها الآن دعائم مستقبلهم" المادية". متفاعلين مع المنجزات البشرية(الفيزيائية والبيولوجية) والتكنولوجية، مستفيدين من ثورة الاتصالات وماتقدمه من : تحرير المعرفة وتطوير وسائل "توجيهها" وتزايد طموحات الشعب العماني إلى التنمية من خلال الاستثمار على أسس عادلة وإعادة توزيع ثمار و أرباح التطور المادى الذى أنجزته خطط التنمية والثقافة الانسانية فى العقدين الأخيرين وضمن مسيرة العمانيين ومع أساليب ومديات فهمهم واستلهامهم لتراثهم الحضاري، بكل طبقاته ومكوناته. وتبرير هذا " المفهوم" ، هو ما تواجهه دعوتنا المتجددة الآن لحوار إيجابى بين الثقافة الاسلامية (و) العربية ، و بين الثقافات الأخرى. من هنا جاءت الدعوة الآن إلى مشاركة العمانيين الجوهرية في دعم التنمية والثقافة، لتكون صفحة وضاءة من طموحات الخطة الخمسية الجديدة في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعرفية والإعلامية، تدعيماً للتحولات الاجتماعية.
المعانى الأنثروبولوجية لمصطلح " الثقافة "
إن عوامل كثيرة تراكمت و تفاعلت وأنتجت مؤشرات مترابطة بين الثقافات التى تنتمى إلى الحضارة الاسلامية، ومنها موروث عمان الحضري و أشكال المعمار والأزياء والتقنيات و المعارف و الأفكار و التنظيمات الإجتماعية.التي كشف عنها ودونها علماء الإنسانيات و بخاصة فى مجالات التاريخ الثقافى / الحضارى والتاريخ الاجتماعى وتاريخ الأفكار. مما حدد ملمح الصورة المبتغاة حول الإطار التنموي الثقافي المتغير والمصالح الوطنية القومية العمانية.التي تشير ضمنا إلى تجدد الاهتمام بفكرة وخطة و تصور جيوستراتيجى جديد. فتشهد هذه الأفكار بدورها على رفض بقاء أنواع من العقليات أسيرة لمفاهم لا تصلح لتفسير العالم أو للتعامل معه ؛ أوهي (.. تفتقر إلى الوعى المعرفى بجوهر ثقافاتهم ذاتها ، وبحقائق العالم الذى يعيشون فيه الآن..) إن مسألة العلاقة بين ثقافات (حضارات) العالم الإنسانى، هى مسألة واقعية ؛ فعلية ، قبل أن تكون قضية فكرية أو نظرية. إن مشكلة التفاهم الدولى هى مشكلة علاقات بين حضارات. ومن هذه العلاقات يجب أن يظهر مجتمع عالمى جديد على أساس من التفاهم و الإحترام المتبادل . و يجب أن يتبنى هذا المجتمع ( العالمى ) نزعة إنسانية جديدة بحيث تتحقق فيه العالمية من خلال الإعتراف بالقيم المشتركة فى الحضارات المختلفة. إن الأنشغال بمسألة العلاقة بين الحضارات كانت و ماتزال مسألة مطروحة على الفكر الاجتماعى الثقافى السياسى بمختلف انتماءاته و توجهاته فى العالم ، منذ عام 1949 .. ويستحسن، بل يفترض، أن يتضمن الخطاب العربى المقروء و المسموع والمرئي على إنتاج كثيف للثقافة العربية– الاسلامية من " معرفة " بالآخر و " ثقافاته " – بكل المعانى الأنثروبولوجية و الاجتماعية و الأكاديمية لمصطلح " الثقافات " مستخدمين إيجابيات(الميديا ) وهي تحتل المكان الأول، وتلعب الدور الرئيس فى حمل الخطاب، سواء بدرجة تعقيده أم بتطور "الثقافة" و الرؤى التى تؤدي مع " الآخر " دور "حشد" أو " تعبئة " الرأى العام. وتوظيفها لخدمة أهدافها الحقيقية، لتمكين الخطاب الثقافى / الاعلامى العربى/ الاسلامى بمختلف مستوياته على معرفة عميقة بالآخرين – سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا – مستمدة من تعريف الآخر ذاته لنفسه؛ وعلى معرفة بتاريخ و تطور العلاقة الحضارية الشاملة..ولكي لايبقى الخطاب، معزولا بنسبة كبيرة عن الانتاج المعرفى الاكاديمى و العلمى والنقدى الذى تنتجه مكونات " الصناعة الثقافية " المتطورة فى مجتمعاتنا العربية / الاسلامية ذاتها : الجامعات ؛ مراكز البحوث والدراسات، الجمعيات الأهلية، العلمية، المتخصصة، المجالس والمراكز القومية المعنية. وذلك مسار تكميلي للخطاب الموجه إلى "المجتمع " الذي يتجسد فيه" الرأى العام " و هو ما يخضع إلى نظرية الاستيعاب الثقافي. ويحمل وعياً مشبعاً بموروثات ومكتسبات الذات الحضارية الثقافية منها والسياسية. تحت تأثير، أو بفعل تزايد قوة عوامل فرض العولمة( الاقتصادية- الثقافية)على الأصعدة التفاعلية الأخرى من أجل تعميق و تعميم معرفتهم الموضوعية و النقدية" لتجديد الخطاب الفكرى فى كل تجلياته : السياسية و الدينية و القانونيــة والاجتماعية و الفنية. وتهدف التقارير الوطنية إلى نشر للوعى بشان تحديات التنمية الشاملة والمتكاملة ومتطلبات مواجهتها، و يرتهن ذلك بمدى اتساع وعمق الحوار الذى يسمح بإدارته حول تلك التقارير ، وبمدى ما يتاح من فرص لمختلف فئات الشعب ومختلف أقاليم الدولة للحوار الحر حول ما تطرحه وما لم تطرحه من قضايا ومقترحات لدفع مسيرة العمل التنموى والارتقاء بمستوى أدائه . وبقدر ما يتحررذلك الحوار من القيود وتتسع دوائره وتتعدد، بقدر ما تزداد فعالية هذه التقارير فى حشد الجهود الوطنية من أجل التنمية ، وتعبئة جمهور واسع من المواطنين حول قضاياها. و يوفر قاعدة معلومات لترشيد القرارات وحسن إعداد الخطط التنموية المعبرة عن موازنة المجتمع بين عائدات وتكاليف البدائل التنموية المختلفة، ويتم ذلك من خلال تدعيم أدوار مؤسسات الانتاج الثقافى المدنية: الاكاديمية والبحثية و الدينية و السياسية – بكل مستوياتها و تخصصاتها و مجالاتها و تدعيم التفاعل فيما بينها، ضمانا للتفاعل بين الموروث والمستولد، بين " التقليد " والمبتكر ؛ وبين ما هو "" روحى " و بين ما هو مادي ،اجتماعى ، تاريخى واقعى. وهكذا أمكن الاستفادة مما أسفرت عنه الخبرات السابقة فى تجارب الشعوب الوطنية من منافع خطط التنمية والثقافة البشرية. وإلى الموضوع الاتي الذي يتحدث عن أثر عامل الثقافة في التنمية الانسانية


 

 
 

الصفحه الرئيسيه