|
د .
عدنان الظاهر / المانيا |
|
|
الاربعاء
// 16 /
5 / 2007 |
نبال
والمتنبي أمام القضاء(32) |
aldhahir35@yahoo.de |
|
نصوص اخرى |
|
|
|
 |
|
| |
www.mars.com
دخل أبو الطيب المتنبي قاعة محكمة العدل الدولية في
مدينة لاهاي الهولندية لكي يدلي أمامها بإفادته إذ حرر
شكوى ضد القاصة المبدعة السيدة ( نبال شمس ) يتهمها
فيها بإساءة إستخدام إسمه وسمعته وشخصه الإعتباري إذ
عرفته على إحدى صديقاتها فتعلقت به مؤقتاً وأغرته بل
أغوته في أن يقضي معها أوقاتاً لا أحلى منها في أجواء
رومانسية ولا أجواء مدينة البندقية الإيطالية أيام
الربيع والكرنفالات ذائعة الصيت في العالم . دخلت معه
السيدة المتهمة مشرقة ساحرة الوجه والقوام أنيقة
الملبس ترتدي الجينز الأبيض مع بلوزة بيضاء من الحرير
. كنتُ أنا هناك في قاعة المحكمة منذ الصباح الباكر .
حضرتها كشاهد إثبات لصالح صديقي المتنبي . ثم إني لي
دعوتي الخاصة ضد السيدة ( نبال ) أدمجها رئيس المحكمة
سوية ً مع قضية المتنبي في ملف قضائي واحد ولم أمانع .
نادى رئيس القضاة علينا بأسمائنا واحداً بعد الآخر ثم
إقترح أن أبدأ مطالعتي قبل الآخرين فوافقتُ . وقفتُ ثم
قلتُ :
سيدي قاضي القضاة المحترم
سادتي حضرات القضاة أعضاء المحكمة الموقرة
السلام عليكم
سأختصر إفادتي بالقول إني ضحية بريئة من ضحايا السيدة
الفاتنة الجمال الشاخصة أمامكم في قفص الإتهام . سرقت
مني صديقي الدائم الشاعر المدعو المتنبي الكوفي
العراقي . ضربت له ومعه المواعيد المغرية دون علمي
ودون أن تضمن موافقتي لسبب بسيط : هو إني أنا المسؤول
عن سلامته الشخصية إذ أتولى في العادة دعوته ومرافقته
لتشريفي في بيتي على سطح الكرة الأرضية ، فهو كما
تعلمون جنابكم من سكنة كوكب المريخ / مارس بلغتكم
الأوربية . معلوم حجم الدمار والخراب الشامل الذي يضرب
العراق ، وطني ووطن المتنبي ، وما يحدث فيه يومياً
وعلى مدار الساعة من قتل وحرائق وتفجير سيارات وأحزمة
ناسفة وغير ذلك مما تقرأون في الصحف اليومية وما
تشاهدون على شاشات التلفزيون والفضائيات المختلفة .
مسؤوليتي الكبرى أن أضمن سلامة صديقي الضيف والضيف عند
العرب مكرّم . فكيف ، نعم كيف ، تسمح السيدة نبال
لنفسها في أن تتفق مع هذا الشاعر الفحل من وراء ظهري
ودون علمي وأن تنسق معه وتنظم له موعداً للقاء به
بدعوى أنها مراسلة صحيفة يومية وقد كلفتها رئاسة تحرير
الصحيفة أن تجري معه حواراً وتوجه له بعض الأسئلة
مقابل 200 دولاراً للساعة الواحدة . وافق الرجل لسببين
في الأقل . الأول إنه مشوق أن يلتقي بالكاتبات الحسان
بعد أن فارق وطنه وأهله وغزلان البوادي والبدو والعيون
النُجل . ثم إنه بحاجة ماسة للمكافأة الموعودة ... 200
دولاراً أمريكياً إذ لديه رغبة قديمة في أن يبتاع سترة
جلد ذات مواصفات خاصة تداعب خياله منذ زمن بعيد . قبل
الرجل الدعوة وكان ما كان ، وسيدلي لاحقاً بإفادته هو
بدلاً مني ، فإنه هو الشاعر الفطحل وهو صاحب البلاغة
والبيان وسيد اللغة العربية .
الآن أعرض على حضراتكم موجز حيثيات قضيتي ودعواي ضد
السيدة النبيلة الماثلة في القفص أمامكم . قبل أن تخدع
المتنبي وتعرضه للمهالك المحتملة وما أكثرها في هذه
الأيام ... خدعتني أنا المسكين الماثل أمام حضراتكم .
نعم ، خدعتني إذ لمست فيَّ براءة البدوي وسذاجته
الفطرية وثقته المطلقة بالناس . وجهت لي الدعوة
لزيارتها في بيتها ساعة الغداء فإستبشرتُ خيراً . بيت
الكاتبة الساحرة وغداء لا بد َّ وأنْ سيكون غداء ً
فاخراً فما أسعدني في هذه الحياة وبعد كل ما مر َّ من
العمر وما ضاع سُدىً جرياً وراء السراب ... قبلتُ
الدعوة وسارعتُ للحضور في الوقت المحدد. إستقبلتني
السيدة القاتلة الجمال إستقبالاً حاراً ورحبت بي أجمل
وألطف ترحيب ثم دعتني للجلوس في حجرة الضيوف الأنيقة
العابقة بعطور مختلف الورود والزهور الشتائية والصيفية
، القطبية والإستوائية ، الشرقية والغربية . جُننتُ
بما رأيتُ وتساءلتُ : أين أنا ؟ هل أنا في حلم أم في
واحدة من جنان الخُلد ؟ جاءت السيدة وهي في أبهى ما
ترتدي النساء من ملابس وما يتحلين من زينة وذهب وحلي
وجواهر ... ثم العطر الفواح الفاغم الذي ملأ الحجرة
وأشاع فيها سحراً مضافاً آخرَ فضلاً عما في مضيفتي من
سحر طبيعيي . سحر الحجرة وسحر صاحبة الدار ثم سحر غامض
لم أفقه مغزاه ... سحر يأتي من مجموع سحور متراكمة
متداخلة ... أفلم نقرأ في كتب التراث : نور ٌ على نور
!! ما الذي يمنع أن يكون السحرُ (( سحرا ًعلى سحر )) ؟
وضعتْ أمامي فنجان قهوة سوداء مرّة ثم قالت : إشغلْ
نفسك ... ها التلفزيون أمامك وجهاز الكومبيوتر جاهز
لتشغيله حيث تستطيع إرسال ما تشاء من رسائل شرط أن لا
تفتح صندوق بريدي الخاص ففيه أسراري الشخصية وبعضها ما
يخص النساء فقط ! قلت سمعاً وطاعةً . وهذه مكتبة كتبي
عامرة بما تشاء من مصادر وقواميس ودواوين شعر أحدها
ديوان شعر المتنبي . كدتُ أن أقفز من الفرح ... هذا
النعيم كله ثم ديوان المتنبي ؟ شئ لا يُصدق . قبل أن
تغادر الغرفة قالت مفتعلةً الصدق الدافئ : إنتظر ْ هنا
وسألتحق بك بعد حوالي ساعة ... ريثما أجهز الطعام .
تضاعفت مسرتي ... كنتُ جائعاً حقاً ولكن السعادة التي
أنا فيها أنستني جوعي ، ثم إنها مجرد ساعة ويأتيني
الفرَج وأواني الطعام الفاخر من طبخ هذه السيدة
النادرة المثال والتي لم تخدم في حياتها بشراً من قبلُ
. أنا الوحيد الفريد الذي تخدمه سيدة نساء العالمين.
سادتي القضاة . لا أطيل عليكم قصتي . قال له الرئيس :
نعم ، إختصرْ ، كاد الوقت المخصص لمرافعتك أن ينتهي
... سأمدده لك خمس دقائق فقط. نعم ، مرت الساعة أسرع
من البرق فدخلت سيدتي حجرة الضيوف ووضعت على الطاولة
فنجان قهوة سوداء مرة وقالت تفضل ْ ، إشرب ْ . قالت
ذلك ثم مسحت طرفي فمها القرمزي الرائع بقماشة حرير
بيضاء وهي تغرِّق ناظريها في عيوني . سألتها ، سيدتي
العزيزة أين الطعام ؟ أي طعام ؟ أجابت ؟ قلتِ لي إنتظر
ْ هنا ساعة ً ريثما أجهز الطعام . نعم ، قد قلتُ ،
جهزت طعامي وإنقضضت على ما جهزت لأنني كنت شديدة الجوع
. لم أقل لك إنتظرْ حتى أجهز الطعام لنأكل سويةً .
الفرق كبير بين العبارتين يا هذا . أُسقط ، سادتي ، في
يدي . تضاعف شعوري بالجوع فرط شعوري بالخيبة وسوء الحظ
. هل أن َّ العيب في فهمي للغة العربية أم في العربية
نفسها أم الحيلة والخدعة في منطق هذه السيدة اللغوي ؟
لا أدري ، لكني أدري أني أوقعت نفسي في فخ عميق . غامت
الدنيا في عينيَّ وغاب عني سحر حجرة ضيوف السيدة
وإنقلب عطرها الفواح إلى روائح غازات سامة مثل غاز
الأعصاب وغاز الخردل والسارين من تلك الغازات التي قصف
بها صدام حسين قرية حلبجة الكردية في كردستان العراق
عام 1988 . أهملتُ فنجان القهوة وطلبت الإذن بالسماح
لي بمغادرة بيتها العامر جائعاً مخذولاً مغلوباً على
أمري طعم الدنيا مر ٌّ شديد المرارة في فمي . هل جربتم
سادتي الطعم المر بعد أمل وحلم وردي جميل ؟ هل عرفتم
في حياتكم مذاق ذل الخيبة والفشل ؟ هل خدعتكم صبية
فاتنة الجمال والقلم بألاعيب اللغة ومرونة المنطق
ومنعرجات البلاغة ؟
هذه إفادتي سادتي الكرام . أطلب منكم مقاضاة هذه
السيدة الماثلة أمامكم وتعويضي عما لحق بي من خسارة في
الوقت ومن أذى معنوي . أطلب تعويضي بمبلغ لا يقل بأي
حال من الأحوال عن مليون دولار أمريكيا والسلام عليكم
سادتي ورحمته وبركاته .
ثم نادى رئيس المحكمة على الداعي الثاني فصاح منادي
المحكمة عالياً : الداعي الشاعر أحمد بن الحسين الكوفي
الجُعفي ثم الكندي . أجاب المتنبي : نعم ، حاضر . قال
له الرئيس وضح إفادتك بعد أن تقسم بالإنجيل ... إعترض
المتننبي بشدة قائلا ً إني رجل مسلم ولا يصح قسمي إلا
بكتاب الله القرآن الكريم . طلب الرئيس إحضار قرآن
فوضع المتنبي كفه اليمنى عليه ثم قال (( أقسم بالله
العلي العظيم أن لا أقول إلا الصدق )) . قال المتنبي :
إتصلت بي السيدة نبال شمس ذات يوم تلفونياً ــ ولا
أعرف كيف عرفت رقم تلفوني ــ وعرضت عليَّ إجراء تحقيق
صحافي معي لحساب الصحيفة اليومية التي تعمل فيها محررة
للشؤون الخارجية مقابل مكافأة مقدارها مائتي دولار لكل
ساعة من الحوار . فرحت بالعرض لأسباب كثيرة تخصني وتخص
ظروفي الراهنة مما لا مجال للإفاضة بعرض تفصيلاتها .
إلتقينا في الموعد المحدد الساعة الواحدة بعد الظهر .
أخذتني إلى مقهى أنيق صغير مطل على ساحل البحر . شربنا
القهوة ثم بدأت الأسئلة وإجاباتي عنها . كنت مسيطراً
تماماً على الموقف إذ خيل لي أني أعرف وأتوقع نوع ما
ستوجه لي من أسئلة ولديَّ خبرة واسعة في مقابلات رجال
الإعلام وتحقيقات أصحاب الأعمدة اليومية والأسبوعية في
شتى الصحف والمجلات . تجليت في إجاباتي وكنت شاعرياً
فيها أكثر مني سياسياً محنكاً ورجلاً مجرباً خبر
البوادي والحواضر . ثم لم تبرح خيالي صورتا الورقتين
من فئة مائة دولار لكل منهما . قلت أساعد بهما جدتي
العجوز التي تركتُ في الكوفة . لا أطيل عليكم ما حدث
سادتي الكرام . لم نكد ننتهي من الحوارات حتى قالت
إنتظر وسأعود إليك في غضون خمس دقائق . أفهمتني ــ كما
هو شأن النساء ــ أنها ستقضي حاجة سريعة في بيوت
الراحة . تنفستُ الصُعداء . أرحتُ ظهري المتعب على
مسند الكرسي الخشبي الذي زاد من معاناتي . شدما أكره
كراسي الخشب . عقدتني ونغّصت عليَّ متعة القراءة في
المكتبات العامة حتى أُضطررت إلى مقاطعتها جملة ً
وتفصيلاً . مضت الدقائق الخمس ولم تعد إليّ صاحبتي .
مضت عشر دقائق أخرى وليس لها من خبر . جاءت عاملة
المقهى وسألتني كما هو متوقع إن كنتُ أرغب في أن أشرب
شيئاً ما . مصيبة ! طلبتُ فنجان قهوة شديدة المرارة
والسواد لأعزي وأسلي نفسي بالطعم واللون معاً .
المرارة والسواد . مرت ساعة كاملة ولم تعد صاحبتي.
قررت مغادرة المقهى الذي تحول في عيني إلى مبنى شبيه
بالمقبرة . لم أكد أنهض وقد دفعتُ آخر ما في جيبي من
نقود قليلة حتى فاجأتني فتاة جميلة أنيقة جذابة
الشفتين والعينين شفافة البشرة متوردة الخدين فسألتني
: أأنت الشاعر المتنبي ؟ قلت نعم ، أنا هو . قالت أنا
صديقة نبال الشمس ، كلفتني أن أقابلك وأن أواصل الحوار
معك مقابل مائتي دولار إضافية . سألتها أين هي ؟ قالت
شغلها أمر طارئ إذ إتصل بها بالهاندي رئيس تحرير
صحيفتها وطلب حضورها إلى مقر الجريدة على عجل . وقد ،
أضافت ، خابرتني وطلبت مني أن أقابلك وأعتذر بالنيابة
عنها منك . بعد الحوار ، أضافت ، سنتمشى على ساحل
البحر معاً وسنتناول الطعام معاً في مطعم راقٍ يطل على
ساحل البحر . كدتُ أرقص ــ سادتي ــ من فرحي . تمت
بهذه الفتاة صديقة صاحبتي مسرتي القصوى . فتاتان بدل
واحدة . جنتان لا واحدة . آدم واحد مقابل حوائين فلمن
، تُرى ، ستكون الغلبة ؟ تحاورنا محاورة تختلف جذرياً
عن سابقتها ... محاورة مضنية معظم محاورها يدور حول
شؤون وأمور شخصية بحتة ، أحرجتني أيما إحراج . لا
أستطيع تقديم إجابات عنها صريحة مباشرة ولا أستطيع
التغاضي عنها أو المداورة حولها ... فأنا كما تعلمون
حضراتكم رجل شديد الوضوح تبدو سرائري على وجهي ولا
أستطيع إخفاء أسراري ... لا أطيق الكذب ولا أحتمل
تبعاته الخلقية . وقعت في فخ لست مهيأ ً له البتة.
أضنتني البنت الثانية الحلوة فصرت أردد مع نفسي بعض
أشعاري (( فعلى أي ِّجانبيك تميلُ ؟ )) . هان في نظري
كل هذا الضنى والتعب على أمل أن سأتمشى مع هذه الحورية
على رمال البحر القريب بعد المقابلة فضلاً عما سيأتيني
من مكافأة أخرى إضافية مائتا دولار . ثم ، ثم العشاء
الفاخر الذي وعدتني به حضرة الصحافية الحصيفة . فجأة ،
وكسابقتها غمزتني بطرف عينها اليمنى أن ستغيب عني
لدقيقتين فقط وأن أنتظر . إنتظرت وإنتظرت ولم تأتي .
مصيبة . أين أولي ؟ مضت ساعة كاملة من الزمن فيئستُ .
تعلمت الحيلة . إقتربتُ من عاملة المقهى بلطف وغمزتها
بطرف عيني اليمنى ورفعت يدي مشيراً صوب بيوت الراحة .
إبتسمت بكل أدب . مضيت ولم أعد ْ . كيف أعود وليس في
جيبي ما سأدفع ، ثمن قهوتي وقهوة السيدة الصحافية .
همتُ على وجهي أذرع ساحل البحر جيئةً وذهابا حتى حلَّ
الظلام فقررت أن أقضي الليلة منبطحاً على رمال الساحل
كما يفعل الكثير من الشباب صيفاً . لمحت وسط الظلام
الدامس أشباحاً تقترب مني . أوجستُ خيفة ً , تسمرتُ في
وقفتي . دنا مني شخصان مسلحان من رجال الشرطة . سألاني
عن إسمي ثم طلبا مني جواز سفري . عن أي جواز سفر
يسألون ؟ كان في حوزتي في يوم ما جوازان مزوران .
أتلفتهما في ساعة خوف وفزع قبل ثلاثين عاماً . لا أطيل
سادتي ، وضعا القيود في معصميَّ وربطا ذراعي َّ خلف
ظهري وجرّاني ككلب أجرب [ محشوم ٌ السامع ] إلى مركز
شرطة قريب . وضعوني في غرفة قليلة الإضاءة ثم قالوا لي
ستمضي ليلتك هذه هنا حتى يتم إستجوابك صباح غد . هل
تشعر بجوع ؟ أكاد أموت من الخوف والجوع ... أجبتهم .
أعطوني خبزاً جيداً مع شاي خفيف . نمت كالموتى من شدة
الرعب والمفاجآت وقوة صدمة خداع بنات حواء . لا أطيل
عليكم سادتي . أصبح الصباح فجاءوني بخبز حار وقطعتي
جبن ممتاز أبيض ، جبن ماعيز . بعد الإفطار مباشرة
قادوني لإستجوابي فأدخلوني في غرفة يتوسطها مكتب خشبي
عليه جهاز تلفون أسود عادي يجلس خلفه ضابط شرطة شاب
وسيم الوجه ضاحك العينين . أشار لي بالجلوس على كرسي
من الخشب الصقيل اللماع أمامه تماماً . غادر الشرطي ُّ
غرفة المحقق بعد أن فك القيد من معصمي َّ فشرع ضابط
التحقيق بإستجوابي . أسئلة كثيرة خبرتها في عموم حياتي
لكثرة ما عانيت من معتقلات الشرطة وتحقيقاتهم
وإستجواباتهم حتى غدوتُ خبيراً في مسائل التحقيق
الجنائي . ركز َّ الضابط على أمر واحد دون سواه : كيف
دخلت هذا البلد دون جواز سفر وما الغاية من هذا الدخول
؟ إحترتُ ، حقاً إحترتُ ، لا أجرؤ أن أقول له إن َّ
فتاة صحافية ساحرة الوجه والقوام أدخلتني هذا البلد
لتجري معي تحقيقات صحافية مقابل أجر عالٍ . كنت أشعر
أني أكثر سمواً وأعلى مقاماً من أن أفشي أسرار الناس
وأفضح أكاذيبهم وخداعهم . ثم ، وهذا هو الأهم ،
سيتهمني بالغباء والسذاجة المفرطة كيف تخدع فتاة في
مقتبل العمر رجلاً مجرباً مثلي . كيف أنخدع بحيل واضحة
المعالم ووعود بتمشيات رومانسية على سواحل البحار
ودخول مقاه ٍ راقية ومطاعم فاخرة ؟ كيف أزور بلداً
غريباً عليَّ بدون كفاية من النقود ؟ فكرت طويلاً ثم
طلبت من الضابط أن يؤجل النظر في قضيتي ريثما أرتب لي
كفيلاً يضمن إطلاق سراحي وتكليف محامٍ يدافع عني . قال
سأتكفلك أنا ... رأيتك رجلاً شهماً صادقاً صريحاً تأنف
من الكذب . نعم ، إعتبر نفسك طليقاً وعد إلينا حين
تتفق مع محام ٍ قدير يفهم قوانين الهجرة جيداً . نادى
على شرطي يقف في باب غرفته وأعطاني مبلغاً بسيطاً من
المال وقام يصافحني مودعاً . كان القضاة يتابعون
إفادتي بكل هدوء وإهتمام كأن على رؤوسهم الطير . توقفت
عن الكلام ومسحت جبيني بمنديلي مما تراكم عليه من حبات
عرق . طلبوا مني مواصلة الكلام لكنني إعتذرت . قلت
أصابني الإعياء ُ والكلال . لا أستطيع مواصلة مرافعتي
. أطلب تأجيلها لفترة أسبوعين لكي أهئ باقي إفادتي .
ثم الباقي من قصتي لا علاقة له بهذه السيدة المتهمة
الواقفة أمامكم في قفص الإتهام مزهوةً تتضاحك وتتغامز
مع بعضكم كأنها طاووس يتباهى بألوان ريشه الزاهية.
قال الرئيس موافقون على طلبك ولكن ، ما تطلب من
المتهمة جراء ما سببت لك من عناء ومتاعب ؟ أطلب منها
الإعتذار مني علناً ... إعتذاراً تنشره في العديد من
الصحف بما فيها صحيفتها المزعومة . ثم في العديد من
مواقع الإنترنت وعلى رأسها موقع ( الهدف الثقافي ) .
ثم أطالبها بتعويضات شرفية لأنها خدعتني وشهرت بي أمام
معارفي وأصدقائي وأفراد عائلتي ونسبت لي مغامرات
رومانسية ما أنزل الله بها من سلطان أنا عنها جدَّ
بعيد . ثم تعويضات مالية لكي أدفع بها أجور المحامين
الذين سيدافعون عني أمام المحكمة الأخرى التي سأمثل
أمامها متهماً بتهمة خطيرة هي دخول بلد تهريباً بدون
جواز سفر أصولي . تبسم َّ رئيس المحكمة وهو يقول :
أقترح أن تتنازل عن حقك بطلب التعويضات المالية !
لماذا يا حضرة الرئيس ؟ قال نحن سنقوم بالدفاع عنك !
لم أصدق ! هل حقاً ما يقول ؟ سكتُ . خانني لساني فلم
أقوَ على السؤال لماذا وما هو الدافع ؟ المهم إنهم
سيتولون مهمات الدفاع عني وكفى .
صاح المنادي : المتهمة السيدة نبال شمس . قالت نعم ،
أنا هنا . تفضلي إجلسي في المقعد المخصص لك في قفص
الإتهام . إمتثلت نبال للأمر لكنها وقفت وإقترحت تأجيل
النظر في دفاعها حتى يوم غد . لم يوافق رئيس المحكمة .
أصر َّ على رفضه قائلاً ( اليومَ اليومَ وليس غدا ً )
.
إمتثلت السيدة المتهمة وما كان أمامها من خيار آخر .
وقفت ثم قالت :
سيداتي سادتي / عضوات وأعضاء المحكمة عالية المقام
الموقرة . إفادتي قصيرة ودفاعي عن نفسي كذلك .
أولاً / بخصوص المدعي الأول ... أقول إنه لا صحة َ
لدعواه على الإطلاق . إنها دعوى ملفقة كاذبة من ألفها
إلى يائها . إنه رجل غيور شديد الغيرة مني لأنني
أنافسه في بعض كتاباته وأتفوق عليه في البعض الآخر
منها . إنه يخشى على مستقبله الأدبي من منافسيه الشباب
وقد شاخ وكبرَ وهرم ، وإذا شاخ السبع بالت عليه
الثعالبُ . فإرتآي وقدّر فقرر لكي يتخلص مني أن يفبرك
ضدي تهمة سخيفة لا أساس لها من الصحة آملاً أن تضعني
محكمتكم الشديدة الحرص على العدالة في السجن . ففي
السجن يخفت صوتي ــ كما يأمل هذا الكاذب الدعي ــ
ويصدأ قلمي ورهافة إحساسي ونصاعة أدبي وإبداعاتي . ألا
فليخسأ الظالمون في الدنيا حتى قيام الساعة . أملي في
عدالتكم لا حدود له . هذه إفادتي والحكم حكمكم والقرار
قراركم .
ثانياً / وفيما يتعلق بدعوى الشخص الثاني الشاعر أبي
الطيب المتنبي ... فإن َّ سروري الأعظم أن أفاجئكم
بأنني جعلتها قصة سينمائية محبوكة حبكا متقنا ً ، فأنا
كما تعلمون قاصّة ومؤلفة روايات خيالية . وكان قراري
أن أشغلكم وأن أسرق وقتكم الدولي الثمين وأن أشغل
الناس بمن فيهم حضور وقائع هذه المحكمة فالمتنبي هو {
مالئ الدنيا وشاغل الناس } كما وصفه قدماء النقاد . ثم
إني أبتغي الشهرة لنفسي ، فما قيمة الكاتب اليوم دون
دعاوة وإعلانات وبهرجة وضجيج وأصوات طواحين هواء
و...و...
؟ يكفيكم أن تعلموا ، سادتي الكرام ، أن ْ لولا هذه
القصة الخيالية المفتعلة ولولا هذه المحاكمة
والمرافعات لما كتب عني صاحب الدعوى الشاكي الأول ولما
نشر ما نشر وكل ذلك يخدمني كاتبة ً وصحافية ً ويخدم
إسمي ويُعلي من شأني بين الكواتب والشواعر وغيرهن من
بنات جنسي . هذه إفادتي سادتي وسيداتي ولكم مني ألف
تحية . شكراً على صبركم وحسن إستماعكم لإفادات أصحاب
الشكوى وتقبل إفادتي ودفاعي عن نفسي . شكراً مع كامل
حبي وتقديري على ما ستتخذون من قرارات سأتقبلها بكل
ممنونية .
رُفعت الجلسة للمداولة ثم إلتأمت لتعلن براءة المتهمة
السيدة نبال مما وجه لها المشتكي الأول من تهم . ثم
إجباره على تقديم تعويضات مالية سخية يتفق معها بشأنها
، مع نشر إعتذار في كافة وسائل الإعلام المعروفة
والمتاحة .
قام الحضور فإشتعلت قاعة المحكمة تصفيقاً وتعالت
الهتافات تردد إسم الكاتبة ( نبال ) وتشيد بعبقريتها
الإبداعية في السرد والقص مطالبة ً محكمة العدل
الدولية أن ْ تُنزلَ ( بي ، أنا عدنان ) عقوبة الإعدام
شنقاً حتى الموت جزاء ما لفقت ُ ضدها من تهم عارية عن
الصحة .
غاب كعادته المتنبي ... إختفى . أما أنا ... المسكين
... فمتُ لساعتي إذ سمعت صرخات المطالبين بشنقي . مت
مردداً : ومّن لم يمتْ بالسيف مات َبغيرهِ // تعددتْ
الأسبابُ والموتُ واحد !! قرأت الفاتحة على روحي وأنا
مسجى ً في قبري .
هل تزور قاتلتي السيدة ( نبال ) قبري حاملة ً لي
أكاليل الورود ندماً وإعترافاً منها بهول ما أصابني
منها وما لحق بي من ردى جاء قبل أوانه ؟ ربما . إذا
طاشت النبال وأخطأت أهدافها تكسرت أو لانت فإنحنت !!
______________________
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|
|
|