|
|
|
* الاثنين // 19 /
2 / 2007 |
قراءة
في المشغل السردي في البصرة بقعة زيت قابلة للسرد (3)
|
alikalafalemara@yahoo.com |
|
نصوص اخرى |
|
|
|
|
|
| |
الحلقة الثالثة
5ــ قارورة الزيت .. للقاص ناصر الاسدي
حسنا فعل ناصر شاكر الاسدي حين جعل من عنوان قصته قارورة
زيت وليس بقعة زيت كما في اغلب القصص الاخرى من المشغل
السردي الذي نحن بصدد قراءته .. فبقعة الزيت لا تكفي حسب
تسلسل السرد ودلالته في هذه القصة من استيعاب واحتواء
دلالة النص وتحولاتها الفنية .. ففي هذه القصة يمكن ان
نرصد اكثر من انشطار سردي ضمن النص سواء على مستوى الحدث
او المكان او الزمان او السرد نفسه .. فاللقاء العابر بين
البطل وفتاة تجلس معه او قربه ( على كرسي واحد ضيق في
سيارة .. الكيا الصغيرة .. ) يتنامى دراميا بينها عبر تسرب
بقعة زيت من قارورة عطر تخفيها المراة بين طيات ثيابها ..
الا ان هذا التسرب الزيتي او العطري وبالتالي هو نسرب بين
الحلم والواقع هو الذي وسع فضاء النص وعمق من دلالته
وفنيته .. فاذا تواصلنا مع هذه الانشطارات سنقف اولا مع
الانشطار الزمني الذي احدثه التسرب العطري في النص .. فكان
تسرب العطر من جسد المراة او من ثيابها ينتقل بالبطل الى
زمن الطفولة ( عبق مثير يدلف انفي يشعرني بزمن قديم ، عدت
على اثره بصورة لطفولة جذلى ) او الانشطار النصي بين الحلم
والواقع فتدفق الزيت الى ثياب البطل من ثياب المراة يشكل
تدفقا لفضاء الحلم من ارضية الواقع الذي يمتد من مباغتة
العينين .. التين تدعوان البطل للسباحة في فضاء الحلم ( هي
كتلة من السواد تضيئه عينان مخيفتان سوداوان كأن البحر
فيها والمساء .. ) هذه هي حدود الواقع كما انها حدود الحلم
ايضا فمفردة البحر حلقة وصل نصية وحلمية بين الفضائين .. (
كنت اغفو على هذا البحر ، وحينما افيق اجدني اطقطق اصابعي
بحثا عن مخرج .. ) فكأن لحظات تدفق الزيت العطري هي لحظات
رجرجة المشهد المكاني والزماني والواقعي او الحدثي
وبالتالي هي رجرجة المشهد النصي المكثف الذي يحاول مسك
اطراف هذه الثيمات ولمها في بؤرة حدثية واحدة هي تدفق بقعة
الزيت او لنقل ان هذا الحدث يشع او ينشطر الى هذه الثيمات
فمرة يتجه الى مسار ذاكراتي ( انهمرت دموع على الخد الموجع
بالذكريات ) ومرة الى مسار حلمي كما ذكرنا ومرة الى مسار
مكاني اخر كمعادل موضوعي للمكان الضيق المشكل وعاء للحدث (
السيارة الضيقة ) حيث يقابلها او يعادلها الافق المكاني
الممتد ( ثم اتابع من خلال نافذة الزجاج المرئيات التي
تترى وتتكسر صورها على الزجاج .. ) وكأن النص ينقسم الى
ثلاث مناطق سردية الاولى منطقة الوصف والاخبار عن
الشخصيتين والمكان والتمهيد للحدث، والمنطقة الثانية هي
منطقة التشظي بالافكار بعد ان يبدا الحدث او تدفق الزيت
العطري بالاندلاق فتنشطر الذاكرة والحلم والزمن والمكان ،
اما المنطقة الثالثة فهي منطقة ما بعد الحدث والمواجهة مع
الاخر عبر الحوار والتنامي السريع او التداعي للحدث ،
والنهاية التي تحمل صدمتها وفضاءها الحلمي المفتوح ( قالت
: اتريد ان اغسل ثيابك ؟ قلت : لو كنا في عالم اخر .. )
وعبارة ( في عالم اخر ) هي تكثيف للانشطار الحلمي والمكاني
بل وللزماني ايضا ..
فقد كانت بقعة الزيت قاسما مشتركا بين مشاعر الرجل و
المراة وحبلا سريا ممتدا بين قلبين وذاكرتين ورغبتين
دفينتين .. مثلما كانت بقعة الزيت هذه قاسما مشتركا بين
هذا النص ــ القارورة ــ وبين نصوص المشغل السردي الاخر ى
..
6ـ خلوة حارس الكرسي الدوار للقاص ناصر قوطي
هذه القصة لا تعبا كثيرا بثيمة بقعة الزيت او الزيت بالذات
وان كانت تحمل في طياتها انتماءها الدلالي لهذه العنونة او
المشغلية المفروضة او المتاحة مسبقا لمشروع القص فهي قصة
حوار مع الذات عبر المرآة لحارس مبغى او مكان قريب منه
يتذكر حين صدر قرار يقطع رؤوس المومسات .. ولكنه اضاف الى
هذا الحوار او الى المرآة السردية الذاكراتية بقعة او ندبة
او حبة او لطخة دم لم يكن ذكر الزيت مهما .. او ما يسميها
ايضا بقعة دم او حبة خردل او عين ضفدع ترقب الغرفة ..
ولكنها على اية حال ليست ثيمة البقعة كما حدثت في القصص
الاخرى فان مرآة البطل الذاتية الضميرية كانت تستوعب أي
شيء ممكن ان يضاف اليها تماهيا مع لغة الترميز والازاحة
الزمانية والمكانية والدلالية .. امتدادا من فضاء المرآة
الواسع الذي تتيحه دلالة المرآة ولا سيما حين تصبح مسرحا
للحدث وانعكاسا له ولتداعياته .. من هنا كانت اضافة حبة
الخردل او بقعة الزيت واحدة من تلك الانزياحات الدلالية
التي تحملها ثيمة المرآة الذاتية كما يتحملها السرد
والحوار الذي كان العمود الهيكلي للقصة ...
وحتى في عنونة النص لم يذكر القاص بقعة الزيت بل يتصدره
بمفردة ( خلوة ) مما تعني الوقوف مع الذات والحوار معها
عبر المرآة بل ان حوارية هذه القصة تعطيها افقا دراميا
وكانها مسرحية لشخص واحد يضيئها الحوار والحدث المتجلي عبر
الحوار والذاكرة .. بل ان المرآة تحمل في اشعاعها السردي
اكثر من مدلول الاول هو كونها مرآة تنعكس عليها الصور
والاحداث والثاني تجليها كمرآة سردية والثالث احتواؤها على
البقعة التي تشبه حبة الخردل التي تتجلى عبر ذاكرة البطل
بتجليات عدة ( .. بقعة سوداء صغيرة بحجم حبة الخردل تلتصق
بالمرآة .. ) كانت المرآة تحمل دلالة متداخلة عبر هذه
البقعة التي ( تناور ولكنها باقية هناك والى الابد محض
بقعة مستترة تنطوي على مكنون ظلمتها وهي تغوص بعيدا في
العمق الناصع للمرآة .. )
كما ان موضوعة البقعة تنشطر في النص الى معان ودلالات عدة
فلم تقتصر الدلالة على الزيت او على بقعة ذات دلالة واحدة
فهي احيانا .. بقعة دم حين يشير السرد الى عملية قطع
الرؤوس او التعذيب او الافعال التي يمكن تعبر عنها بقعة
الدم فهو يبدا نصه بسؤال حواري :
ـــ ارايت الكثير من الدماء ؟
ـــ بقعة واحدة فقط .
لكنه سرعان ما ينتقل الى الدلالة الاخرى للبقعة حين ينتقل
الى موضوعة المرآة والافرازات المتبلورة عليها والتي تشير
الى ماض يتجلى على سطح هذه المرآة الحاملة للبقعة ليكرس
سردية المرآة ودورها الحواري والذاتي في النص :
( .. بقعة سوداء صغيرة بحجم حبة الخردل تلتصق بالمرآة .. )
ولكن هذه البقعة السوداء الصغيرة تحمل انزياحها الدلالي
المكثف حين تجمع بين دلالتين متباعدتين يتيح هذا الانزياح
سطح المرآة العاكس والحاضن لهذه الدلالة المزدوجة فهذه
البقعة السوداء الصغيرة هي بقايا ( ثلاث ذبابات اجتمعن في
غفلة من الوزغة المتربصة والقين برازهن .. وسط ذلك النقاء
البلوري او الالتماع الفاضح لمساحيق وجوههن ..) هذا
الانزياح السريع بالدلالة بين الذباب والمومسات حين تجمع
بينهما هذه البقعة السوداء .
ثم يتدرج الانشطار او الاشعاع الدلالي للبقعة فيردف بعد
تلك السطور
ـــ ربما بقعة زيت ...
ـــ لا ..
ـــ او بقية قطرة دم ..
ففي هذا النص لم تكن البقعة محددة بتشكيلها الظاهري كبقعة
زيت بل هي بقعة سردية تحمل تماهيها مع الاحتمالات الدلالية
التي يحاول المتلقي ان يضعها في مكانها المناسب المتخيل
عبر ما يتيح له السرد من دلالة احتمال وتحول ..
بل ان المرآة في حوارها الذاتي وانعكاسها النصي تاخذ البطل
في نواح اخرى من الدلالة بتشظيها المستمر وانعكاساتها
المتعددة على مرآة السرد
( ــ انما في سويداء القلب بقعة مظلمة داخلك وداخل كل واحد
منا بقعة مضببة تنطوي على ما لا يباح به و .... ) فهنا
البقعة اخذت تشكيلا معنويا محسوسا لا ماديا ملموسا لتنفتح
على افق اخر غير افق التمظهر الشكلي هو افق التمظهر
التخيلي .. بل ان تمظهرات البقعة تعكس معها احيانا تمظهرات
المرآة نفسها فهي مرآة سرد بالشكل النصي العام ومرآة
حقيقية عاكسة للاشياء وحركتها ومرآة ذات واحيانا تتخذ شكل
الانوثة وكانها امراة يخاطبها البطل .. ويؤنسنها بالانوثة
..
( وحيدا يقف مذهولا امامها وهي تنظر اليه بصمت ، خالها
الاسود يضيء على خدها الناصع البياض .. )
ان موضوعة البقعة في قصة ( خلوة حارس الكرسي الدوار ) هي
ثيمة ممتدة من سطح المرآة وانعكاساتها الدلالية كما انها
اقتطعت من العنونة الرئيسة ـ بقعة زيت ـ مفردة بقعة فقط
لكي تتخلص من قيد المضاف والمضاف اليه ولكي تضيف الى
المضاف اضافة دلالية وفنية اكبر واكثر مما يمكن ان يقيدها
به افق الاضافة ( بقعة زيت ) ..
يتبع..
* * * * *
|
|
|