قراءة في المشغل السردي في البصرة بقعة زيت قابلة للسرد (4) 
الحلقة الرابعة
 

علي الاماره / العراق

* الاثنين // 19  / 2 / 2007

7ـ قصة ( عين الطائر ) للقاص رمزي حسن

بعيدا عن الرمزية التي يسقطها بعض المؤولين على هكذا نصوص يصف فيها الناص حيوانا ما .. حد التقمص لشخصية ذلك الحيوان ، فاننا نسترسل في افق التاويل مع طائر رمزي حسن في قصته ـ عين الطائر ـ على ان الطائر طائر فحسب وعلى اننا نستطيع ان نستخلص العبرة مما يمر به هذا الطائر من موقف وحدث ما .. كما في قصيدة ـ رحلة القرد ـ للشاعر محمود البريكان الذي يصف حالة القرد وهواجسه وهو في الطريق الى المختبر او في الطريق الى الموت ..
لم يكن القرد في القصيدة سوى قرد مثلما لم يكن الطائر في القصة عند رمزي سوى طائر ولكن التنافذ النصي الى هواجس القرد او الطائر في ذلك الموقف والحدث هو المدى الفني المشحون بالدلالة المستقاة من الحالة النفسية والسلوكية التي يعيشها الحيوان في ساعته الاخيرة.. تلك المشاعر التي يتماهى بها القاص حد تقريب ذلك الكائن من الانسنة عندما يتوعل الناص الى ذاكرة ذلك الطائر وفضائه العائلي وغيرها .. ( تذكر : امه واباه ، اصدقاءه وابناء عشيرته ، تذكر : اخاه الصغير الذي تعلم الطيران توا .. )
وان لم يكن نص رمزي قد انجذب الى العنونة المشتركة ــ بقعة زيت ـ بشكل مباشر الا انه اعطى بديلا ايحائيا لهذه العنونة حين جعل من عين الطائر عنوانا للنص وكمرآة عاكسة لبقعة الزيت الطافية على سطح النهر والتي كانت السبب الرئيس في انخذال الطائر ووقوعه في قبضة الموت كما يكرسها السرد باشارة مركزة وموحية الى ان عين الطائر هي بقعة الزيت على مستوى الانعكاس البصري للبقعة او على كون رؤية البقعة الزيتية بشكلها المفزع سببا للانتكاس وبالتالي طريقا الى الموت والنهاية فالناص يعطي اشارة اولية الى هذه الدالة البصرية بطرحه سؤالا في بداية النص ( هل اغواه النظر الى العالم بمعزل عن ابناء جنسه ؟ ) حيث كانت النظرة الاولى هي التي افردت الطائر عن ابناء سربه او جنسه وتخلفه عنهم وابقته ضعيفا في عزلته ثم يتدرج هذا السبب كانه يشكل نسغا دراميا لحالة الطائر الآيلة الى الانهيار فيذكر ليصف بقعة الزيت الكبيرة وهي تنشر ظلها الاسود ذا الوطاة الثقيلة على نفسية الطائر ودخوله في افق الوهن والانهيار لهذه البقعة التي اخذت مساحة كبيرة من سطح النهر ( ربما ذلكم هو سبب ضعفه .. لقد اصابه المشهد بالشلل ولم يعد قادرا على الطيران مجددا ..) .
وهنا تشكلت الحلقة البصرية الثانية مع رؤية بقعة الزيت التي تاخذ الطائر الى منطقته الاخيرة .. ثم يستمر ويتوغل الناص في رحلة هواجس واستذكار للطائر ووصف للمحيط الذي يقع فيه الطائر، ولكنه ما يلبث ان يعود الى تلك الحلقة البصرية في الجزء الاخير من القصة ليكمل حلقة الموت البصرية التي تشكل بدلالتها البعيدة من خلال عين الطائر الرائية بقعة الزيت المرئية من خلال جدل بصري سردي يجعل من عين الطائر هي بقعة الزيت التي جعلها الناص عنوانا متماهيا مع العنونة او القاسم المشترك للمشغل السردي بشكل مختلف عن القصص الاخرى في اشتراكها العنواني ضمن مشغلها السردي ..
فمحاولة الطائر الاخيرة للطيران والخلاص مما هو فيه جاءت بعد ان شاهد سربا من طيور البجع محلقا فحاول ان يندفع منطلقا ليلتحق بهذا السرب ولكن مالذي حدث ؟
تجيبنا الحلقة البصرية الثالثة حين يذكر الناص:
( ... واندفع بحماس ثم ضرب الارض بقوة فخفق جناحاه عاليا وحينما وقعت عيناه على تلك البقعة السوداء ادرك ان الحظ جانبه .. وجد الطائر المسكين نفسه بين حدي الموت) وهنا انغلقت الحلقة البصرية واكتملت بقعة الزيت في عين الطائر على ثلاثة مراحل من مستويات النظر وبالتالي من مستويات السرد عبر لغة قصصية دقيقة وعالية وفي الوقت ذاته بعيدة عن اللغة الشعرية او عن المباشرة ..انها لغة الاحساس الدقيق بالاشياء كفعل قصصي وصفي مشهدي وكفعل حدثي .. لغة توازن بين الاحساس والمشهد بين ذات الطائر وهواجسه ومخاوفه وبين المكان والحدث والافق .. هذا التوازن منح القصة القها الفني وحبكتها السردية المتوالدة والمؤدية الى نهاية متفاعلة مع نقطة التماهي في موضوع بقعة الزيت حيث صار الزيت منزلقا للموت وراسما لحظات احتظار الطائر ( تشبث باعشاب الماء ، كانت الاعشاب زلقة هي الاخرى ، وفي كل مرة يحاول فيها التشبث ينزلق الى النهر.. .. ثم افرد جناحيه وطوف فوق الماء كزهرة من حداد ).
عندما يكون البطل شيئا اخر غير الانسان في السرد فعلى الناص ان يتنافذ الى تلك الذات الاخرى غير الانسانية عبر احاطة نصية بتقنية عالية تقترب من حلول ذات الناص في الذات الاخرى ..
وهذا ما فعله رمزي حسن عبر عين طائره ــ بقعته الزيتية ..

8ـ قصة ( كريم 78 ) للقاص كامل فرعون


هذه قصة تحاول ان تحول المكان الى زمان او ان تجعل منه مكانا زمانيا مسحوبا بقوة الاستذكار الى زمن ما .. منذ العنوان يمكن ان نقسم النص الى قسمين على مستوى السرد والدلالة وكذلك الفن القصصي ايضا فالقسم الاول الكبير من النص هو استذكاري وصفي وتاملي من خلال اقتحام الماضي القريب واستجلاء مكنونات لحظة هاربة .. فما ان يفتح البطل باب غرفة مهجورة فوق السطح منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي 78 حتى يتنفس هواء ذلك الزمن من خلال ( العطر المنبعث من قارورة الزمن يكتسح كل كياني .اسعى الى رؤية عالم تراجع الى غرفة فوق السطح .. ) ولكن هذا المكان او هذه الغرفة هي بالاصل مرسم كان يستخدمه الرسام كريم في ذلك الوقت .. والمرسم مكان يستمد خصوصيته من من كونه مشغلا رؤيويا ومرصدا لحركة الزمن والاشياء ومحاولة اصطياد اللحظة الهاربة عبر تخليدها او تجميدها على صفحة اللوحة بادوات الرسم التي راح البطل يتلمسها ويوقظ حضورها المنكفئ في زمنها المركون فوق رفوف الذاكرة حد ان يصبح هذا المكان زمانيا لانه مكان محاط بزمانيته وممتلئا ببهائها وكأن باب الغرفة ومدخلها هو مدخل الى ذلك الزمن ..
اما المستوى الثاني من السرد فهو مستوى الانزياح الدلالي حيث يخرج الناص من حالة الوصف والاستذكار والمكان المسحوب الى بؤرة زمن ما .. بخرج الى بؤرة فضاء اخر غير فضاء الغرفة وغير فضاء السرد الذي في جزئها الاول . فيبدا الجزء الثاني او المستوى الثاني بجملة انزياحية تقول ( زمن مرتجل ممهور برائحة النخل .. ) ويتمثل هذا الانزياح بالتماهي مع الدخول الى فضاء اللوحة واستمداداتها الابداعية الرؤيوية وفي الخروج خارج الغرفة الى الفضاء الخارجي عبر سرد متداخل بين الفضائين اللوحة وخارج الغرفة وكلاهما يمثل انفلاتا من فضاء الغرفة وتدفقا الى انزياح دلالي اخر بما يمكن ان نرصد هذين المستويين على انهما مستوى افقي يمثل الجانب الوصفي من السرد ومستوى عمودي عمقي يمثل الانزياح السردي وكسر افق التلقي وانفتاح مساحة التاويل وانكسار قشرة الزمن المركون على رفوف الذاكرة في غرفة فوق السطح واندماج الزمن بين الحاضر والماضي لتتحرر شخصية البطل من هامشيتها على ضفاف الزمن المستذكر وتتخذ او توسع متنها الزماني والمكاني والحدثي وبالتالي متنها النصي وحضورها الفاعل في النص .. وصولا الى نقطة التماهي ـ الموضوع المشترك بقعة الزيت .. حتى ان البقعة هنا في هذه القصة تاخذ مداها وتاثيرها التشكيلي المتجسد على اللوحة فبقعة الزيت هنا هي زيت الرسم والتشكيل لا الزيت الذي ياخذ اشكاله العفوية كما في اغلب القصص ضمن المشغل السردي المشترك كأن تكون بقعة نفط او بقعة عطر او بقعة دم وغيرها بل هي بقعة قابلة للتشكيل والقصد والسرد كذلك .. وقد تضمن المستوى الثاني من السرد في قصة كريم 78 هذا التناغم التشكيلي والدلالي مع بقعة الزيت المركونة في بقعة مركونة في غرفة مركونة في زمن مركون ولكن البقعة هذه التي تمثل بؤرة النسيان والركون فجرت هذه الحواجز والركونات والنسيانات لينهمر الزمن الخاص على الزمن العام وليندمج الداخل المكاني والسردي على الخارج امتدادا من بقعة الزيت الى الفضاء الخارجي ( حبيبات بلا شكل ، ارميها ، فيسقط غضبي فوق بقعة الزيت ، احرك طرفها فيفاجؤني وجه الرسام يشكل ثلث اللوحة .. ) .
ان هذا النص ينطوي على صراع بين زمنين زمن منكفئ يستقطب البطل ببهائه وتخيله وزمن حاضر ثقيل الوطاة يضع البطل في دوامة واقعيته واستمراريته زمن الفوق في غرفة الذاكرة والحنين والتطلع ، وزمن التحت في شارع الواقع الصعب الذي يسحب الخطى باتجاه واقعيته وحضوره الكثيف ( فصول من تاريخ مجنون حفزني على هبوط درجات السلم .. ) .
كما ان ثنائيات عدة تتنازع هذا النص اولها ثنائية الزمن وثانيها المكان وثالثها ثنائية الواقع والخيال كذلك ثنائية الفوق والتحت والثنائية النصية او السردية التي قسمنا بها النص الى مستويين افقي وعمودي او ثابت ومنزاح .. بل ان النص يؤكد ثنائياته الدلالية والفنية في اخر سطريه حين يسقط هذه الثنائية على النظر الى الاشياء والعالم من خلال عينين ( عين تنظر الى البعيد ، واخرى منطفئة .. )


يتبع ..

* * * * *

 

 
 

الصفحة الرئيسيه