الثقافة العراقية وفي مآلاتها الاخيرة تبحث عن
نوافذ لتحقيق ثقلها النوعي وذاتها التاريخية
واستمرار حضورها الابداعي في المشهد العراقي العام
، وهذه النوافذ تكون باتجاهين الاول مع نفسها قي
الداخل عبر توحدها او تماسكها في خطابها الثقافي
ضمن ارضيتها الوطنية المشتركة ، والاتجاه الاخر هو
فضاؤها الخارجي سواء عند ادبائنا ومثقفينا في
الخارج او خطابنا الثقافي المشترك معهم ، أي
الخطاب الثقافي الداخلي والخارجي الموحد .. وارى
ان موضوع توحد الثقافة ورصانة ذاتها تتجسد في
مستويات عدة من اهمها عدم ذوبانها في الخطاب
السياسي او تبعيتها له .. بل ان الاديب هو الذي
يصنع فتحه التاريخي المتقدم على الخطابات الاخرى
لان التاريخ في النهاية يكون نصا مكتوبا .. وان
فتح المثقف العراقي يكمن في تجاوزه لكثير من
العوائق التي تحد من وحدته الثقافية وبالتالي
وحدته الوطنية وان يعلو على كثير من الماضويات
والقناعات والاراء المسبقة وان يستمع الى الاخر
ويجعل من الثقافة المجس الاول الذي يرتقي الى منصة
المصالحة والتسامح وجعل مصلحة العراق هو الهدف
الاول والغاية الاسمى لسعيه وخطابه الثقافي ..
ورابطة القلم الدولية هي نافذة مهمة وحيوية للادب
العراقي للتفاعل والاندماج مع الثقافة العالمية
والتلاقح الفكري والمعرفي مع الاخر في نتاجه
الانساني .. من باب حوار الحضارات والتواصل مع ركب
الانسانية المشترك وفي اهم ما يمثلها وهو الادب
بافاقه الواسعة .. فهي رابطة كما جاء في بنود
تاسيسها منذ عام 1921 تسعى للتقارب والسلم الدولي
ولم شمل الامم من خلال الادب ..
ونحاول هنا ان نقف عند فضاء هذه الرابطة ولا سيما
في مؤتمرها الاخير الثاني والسبعين والذي اقيم في
برلين عام 2006 وان نستقرأ شعاره الاثير وهو (
الكتابة في زمن اللاسلم ) وننتقل من هذا الفضاء
العام الى فضائنا العراقي الخاص ...
قراءة في مداخلة غونتر غراس
يستثمر غونتر غراس شعار المؤتمر الثاني والسبعين
لرابطة القلم الدولية الذي اقيم في آيار 2006 في
العاصمية الالمانية برلين .. ليعبر عن افكاره
المستمدة من واقع تجربته وارائه حول موضوع ((
الكتابة في زمن اللاسلم )) وهو عنوان الشعار الذي
اقيم تحته المؤتمر ، ليزيح ظلال الشك عن العيون
التي ترى ان السلام قد ساد في العالم وان زمن
الحروب قد صار شيئا من ذاكرة العالم على اساس
الابتعاد الزمني عن حيثيات الحربين العالمتين
الاولى والثانية والتي كانت فيهما اوربا محورا
رئيسا وهاما للصراع كما كانت ميدانا عريضا له ..
لكن شخصية روائية وشعرية واقعية لا تسحبها الاحلام
الى مناطقها الخادعة الوهمية مثل شخصية غراس لا
تخدعها الصورة البراقة للسلام وانما تعنى بقراءة
ما بين سطور الزمن وخلف كواليسه .. فتحس بغلالة
الحرب الخفية المدفونة في غيب الاحداث وتفاعلاتها
ومآلاتها فتستقرا الافق بمعطيات البصر والبصيرة
فيرصد الحرب من زاوية اخرى هي زاوية اللاحدوث
المرئي او الحدث اللامرئي فالحرب كما يراها غراس
ليس شرطا ان تتخذ شكل المواجهة المباشرة وفوهات
الاسلحة المفتوحة النيران .. بل ان الحرب ( كثيرا
ما لبست قناع – السلم - او – تطبيع العلاقات –
وجلبت الموت دائما ..) لان كثيرا من تمظهرات الحرب
قد يتخذ اشكالا – سلمية – الا ان نتائجها الفعلية
هي نتائج حرب سواء على مستوى اخضاع شعوب او مصادرة
قراراتها وحرياتها او على مستوى التجويع .. فالحرب
انثى حرام تستطيع ان تتخذ ازياء عدة وغالبا ما
تكون هذه الازياء براقة لامعة مخادعة تسير تحت
ظلال مسميات انسانية مقنعة – بكسر النون او بفتحها
وتشديدها - فاوربا التي تنعم بسلام ظاهر وقد نفضت
عن جسدها اخر غبار الحربين الثقيلتين لا يخدع
-سلامها – غراس فيتخذ منها مثالا حيا للحرب
الدفينة او استراحة المحارب او المحرك الخفي لحروب
( راديكالية او استعمارية ) خارج مجالها الترابي
( اما لتجريب سلاحها او لمصالحها الفردية ) بل ان
الاختراعات والعمل عليها في زمن السلم - الاستراحة
الحربية هي غبار حروب قادمة وان كانت هذه
الاختراعات قد انبثقت من نية الاهداف الانسانية
السلمية غير ان استغلالها وتفعيلها في المطبخ
الحربي خلف كواليس المرأى العام للعالم المعاصر ..
هو ما يثير هواجس ومحاوف امثال غونتر غراس ويسهم
باستمرارية الحروب الكونية وكأن المحارب الذي نزع
خوذته ايام الحرب من على راسه وضعها داخل صدره
لتنبض مثل قلب اخر يزاحم قلبه الانساني بقلب موحش
ووحشي يشبه الخوذة الي يذكر منظرها بالحرب على
الرغم من دلالتها الوقائية الدفاعية لكنها في
الوقت نفسه دلالة هجومية لان المهاجم نفسه يريد ان
يدافع او يقي هجومه من ردة الفعل ازاء الاخر .. بل
ان غراس يرى ان الحرب قد سادت دائما ( وحتى مواثيق
السلم نفسها كانت تخفي بحسن نية او بسوئها الخلايا
الجرثومية لحروب قادمة .. ) وبهكذا تصور يسحب غراس
الفعل السياسي الى الفعل الحربي ليكشف حقيقة ان
الذي يمكنه السيطرة على الزمام الساسي يمكن
بواسطته قيادة القرار الدولي او سحبه باتجاه
ارادته السياسية فهو غير محتاج الى قيادة حرب
ظاهرة . ومن هذه الزمامات هو زمام سوق التغذية
الذي يمكن بواسطته لَي يد الارادة التي تقف امام
ارادة المسيطر .. وغيرها من الزمامات الاخرى التي
تمرر بواسطة فكرة العولمة او المصالح الاخرى ..
ولكن اين الكاتب او الاديب من كل هذه الحروب
الخفية ومن مسيرة اللاسلم العالمي الذي يسير مشروع
الكاتب تحت ظلال هذه المشروع المستمر .. واين تقف
الكلمة الادبية الحرة من هذه العواصف السياسية
الدفينة ..
يستشهد غونتر غراس ببعض القصائد لشعراء المان شباب
في حينهم عد قصائدهم مع روايات اخرى رواسب ادبية
ظهرت في زمن ما بعد الحرب العالمية الاولى بمدة
طويلة ولكن هذه الرواسب تتخمر في الذات الشعرية او
الادبية .. وتتمظهر على اشكال نتاج ادبي يعبر عن
المشاعر المكبوتة او اسميه الامتداد النفسي للحرب
داخل النفس الانسانية فيذكر للشاعر اندرياس
غريفيوس الذي كتب قصيدته عام 1936
دموع الوطن
نحن الان كلنا
نعم كلنا مدمرون
شعوب تسكن المناطق الوعرة
الايقاعات السريعة
حيث السيوف مطلية بالدماء
اوقفوا النزيف وسقوط الجثث
لقد اخرج جنود الاحتياط
الصوامع على الجمر
والكنائس لم تغير دينها
حيث ان هاجس الحرب وافرازاتها وظلالها الثقيلة
واضحة في هذا النص على الرغم من كتابته في زمن
اللاحرب لكنه زمن اللاسلم ايضا او زمن الاستراحة
بين الحروب كما يسميه غراس ... والملاحظة المهمة
هنا ان هذا الشاعر الشاب في 1936 لم يشارك
بالتاكيد في الحرب العالمية الاولى لكن الشاعر
بؤرة اجتماعية ونفسية جاذبة للاحساس النفسي العام
ازاء الاحداث الكبرى و لا سيما الحروب منها
فالشاعر هنا يتكلم بضمير شعبه او مجتمعه أي بالانا
الجمعية ويمثل الاحاسيس الدفينة التي تتكلم بها
الملامح والهموم الثقيلة التي ترزح تحتها النفوس
التي عاشت الحروب وويلاتها أي ان الشاعر يتكلم
بلسان وطن وليس بعمره او لسانه الخاص ..
كذلك الشاعر مارتين اونس الذي يذكر في نصه :
الشمس الكبيرة دارت بخيولها الجميلة ثلاث مرات حول
الارض
منذ ان وصل كوكب مارس القاسي الى بلدنا المانيا
وكانت الانطلاقة عن طريق هذه الحرب الثقيلة
او الشاعر سيمون داخ الذي يذكر بحجم الدمار
والاتلاف الذي حل بمدينة بورغ
( اين اترك المانيا ؟
اين انت ؟
انت غيمة للقتلة
الذين اصبحوا جلاديك لمدة ثلاثين سنة
فيعد غونتر غراس هؤلاء الشعراء باحثين في زمن
اللاسلم عن استعارات وصور شعرية معبرة عن حجم
الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الاولى وافرازات
الحروب .. الدمار الذي حل بالمدن والارواح ..
فيقول غراس ( كانت الارض بالنسبة لهم خرابا ) ثم
يذكر غراس بالكتاب الذين لم تفارق مخيلتهم مشاهد
الحرب مثل تولستوي ( الحرب والسلم ) او روماركيز (
لا جديد في الغرب ) وسيليتس ( رحلة الى نهاية
الليل ) وكلوكس ( ستالينغراد ) كما ان غراس نفسه
طالما صرح بان الحرب عالقة في نفسه وصورتها لا
تفارق خياله وذكرياته .. وهذا ما ذكره في اهم
رواياته منها ( طبل من صفيح ) ..
يتبع ..
_________________
|
 |
التعليقـــات ..... |
|