|
قراءة موجزة في قصيدة ( حياة ) للشاعر صلاح حسن
رغم القصر النسبي لقصيدة الشاعر صلاح حسن المنشورة في
كتابات يوم 7/ 1 / 2007 لكنها اوجزت ما اراد الشاعر ان
يضيء له بالرثاء الشعري الذي كان موت الشاعر الراحل كزار
حنتوش مرآة له في القصيدة لرثاء اشياء كثيرة عند الشاعر
ولكن كان رثاؤها مؤجلا لانها اشياء ليست عاجلة و لاتحمل
صدمتها السريعة كموت كزار ورحيله الصادم .. فالرثاء في هذه
القصيدة هو رتاء لحياة الشاعر الراثي وزمنه ووطنه وهي
بالتالي تشكل رثاء النفس من خلال الاخر العزيز الذي يقترب
شعريا من ثيمة الرثاء والفقدان فان رثاء شاعر لشاعر يحمل
في طياته هذه المسحة الفلسفية الوجودية لان الشاعر الراثي
سيقف امام مرآة مزدوجة من موت الشاعر كانسان عزيز مفقود
ومن الشعر نفسه .. لتمثل مقولة سارتر في رثاء البير كامو (
ان موت كامو هو السخف بعينه ) فمثلما تنطوي هذه الجملة
السريعة على تمرد وموقف فلسفي من الحياة والموت فان قصيدة
صلاح حسن تنطوي على هذه المعاني ولكنها تمتد من موت كزار
الى موت اشياء كثيرة في حياة الشاعر الراثي او في الحياة
بشكل عام ..
فعنوان القصيدة – حياة – يشي بقوة بهذه المعاني .. معاني
الرثاء العام لمفردات الحياة الكبرى .. الزمن والوطن
والنفس .. فعلى الرغم من انه بصدد موت شاعر فقد جاء
العنوان كتضاد جدلي لشمولية الرثاء – حياة – فضلا عن تكرار
اللازمة الشعرية ( اريد ان اصل الى حياتي ) خمس مرات في
القصيدة كحلقة وصل بين مفاصل القصيدة والضياعات والخسارات
المتكررة في حياة تقع في منطقة البرزخ بين حياتين للشاعر
الراثي .. حياة مضت فلم يستطع الشاعر العودة اليها بعد ان
تقطعت الجسور الزمنية والمكانية ، وبين حياة لم تات بعد..
يريد الشاعر ان يصلها او يحققها في مساحته الحلمية او
الواقعية دون بلوغها.. لتبقى ذات الشاعر الراثي معلقة بين
حياتين او شطرين من الحياة .. شطر لا يعود وشطر لا ياتي ..
وفي هذه المنطقة البرزخية تتراءى صور المفقودات كالوطن
والعمر والحب والحلم كلها على مرآة موت الشاعر الاخر كزار
حنتوش .. فان النص لم ينشعل او يقع في دائرة العواطف
القريبة الظاهرة والحس البكائي الذي تثيره احيانا حرارة
الفقدان ، بل تعداه الى منطقة الحزن العميق او الشامل
لمسالة الوجود .. فالشاعر يضع مشهده الحياتي او بالاحرى
اللاحياتي في مقدمة القصيدة ليعلن منذ البدء خساراته
الكبرى على مرآة الشاعر المفقود ..
هذا هو حاضري
شاغر وللايجار
هذا فجري العبد
هذه صورتي الاجنبية
وهذا تابوت وضعت به بلادي
ولم يمتلئ ..
اريد ان اصل الى حياتي
من المفقود الان الراثي ام المرثي . . ؟ من الذي خسر
الحياة ومن ملاها ومن ملا زمنه وملا وطنه وجسده .. وصورته
؟ واي الصورتين للشاعر تملا الوطن والزمن والجسد .. الصورة
الاجنبية ام الصورة المحلية .. هنا تكمن جدلية الرثاء بين
الشاعرين وكان المرثي يرثي الراثي لان الشاعر صلاح جعل من
موت كزار قصيدة لرثائه هو – الراثي – وهنا يتراءى كلام
لدستوفسكي ..
( تريدين منا ان نرثي للموتى ؟
نحن لا نرثي للاحباء بل لا نرثي لانفسنا ..
فما بالك بالموتى ؟! )
في لحظة جزن دهرية يلمح الشاعر عوالمه المفقودة على مرآة
الاعتراف وجدل الذاكرة والنسيان ..
ولكنني كلما تذكرتها
يزداد نسياني وضوحا
وفي حيرة اللاوصول والرجرجة المكانية والزمانية يطرق
الشاعر باب كيمياء الاشياء وفيزيائها تماهيا مع حركة الزمن
الاخذة بالتلاشي من يد الشاعر ..
دائما اقدم المتاخر
ولكنه لا يصل الى كيميائه
او ان حباله لم تعد تصل الى الزمن الماضي او تملا ثيمة ذلك
الفقدان المستمر للاشياء ..
ولكن حبالي لا تملا الماضي
فانقش فيزياء مستورة
بيد ان الشاعر يتجه الى ادات الكتابة اولا ..
.لان الحبر لا يمحو الخيانة .
.
حتى يصل الى معالجته الحروفية لموضوعته الرثائية وخطابه
الشعري مع الاخر الذي يريد منه ان يكتمل بموته ..
لقد اعدوا لي تابوتا
بين الكاف والنون
والكاف والنون هما حرفان يشكلان فعل الكينونة والنشوء
والتشكل فدخول التابوت بينهما هو شطر للكينونة باداة او
وعاء الموت مثلما يفعل مع مفردة – اكبر – فيقول متماهيا مع
معالجته الحروفية
لا تدخل بين باء – اكبر – ورائه الفا
فالبدء مع الالف
والهيبة مع اللام .
.
لينهي مقطعه الحروفي من القصيدة بلازمته الشعرية ( اريد ان
اصل الى حياتي ) مؤكدا صورة اللهاث في عراء الزمن ..
فالقصيدة قد تقسمت الى ثلاثة مقاطع تعالج الخسائر التي
وضعها واشار اليها الشاعرفي المقدمة فالمقطع الاول يعالج
الزمن المفقود للشاعر الراثي .. والمقطع الثاني يعالج وطنه
المفقود اما المقطع الثالث فيتناول صورته المفقودة المعبر
عن فقدانها بعبارة ( صورتي الاجنبية ) ..
فاذا انتقلنا الان الى الى المقطع الثاني نجد حيرة الشاعر
مع بلاده التي ..
تموت ولا تكتمل
وتحيا ولا تكنمل
وحين تجوع
تاكل احلامها
ولنقرا عذابه الازلي مع البلاد التي التي ابتدات به
كامتداد انساني مع من وضع لبنات البلاد الاولى والتي ابتدا
بها حيث تشكلت ملامحه من ملامح طينها واشعاعها الزمني
الاول .. البلاد الممتدة مع لا نهائية الزمن والذات
الشاعرة المتماهية مع هذا الامتداد ولكن الشاعر يعاني
ضياعه من البلاد وضياعها منه ليعلن في نهاية المقطع الثاني
للقصيدة ..
اريد ان اصل الى حياتي
ولو ميتا ..
لاعرف كم عنكبوتا تدلى فوق قبري ..
ولكي ابالغ في ضم هاء الله
فهذا المقطع هو مقطع البلاد وصورتها المنعكسة على مرآة
الحنين والفقدان ..
اما المقطع الثالث والاخير فهو مقطع – الصورة الاجنبية –
للشاعر أي الذات المتحولة الفاقدة الثكلى والمتلبسة
بمنفاها وغربتها ..
توكلت ولم ار وجهك
في صورتي الاجنبية
فعرفت
انني اخون نفسي
فالصورة الاجنبية للشاعر هي صورته الاخرى – منفاه وخروجه
من جسده ليبقى روحا في العراء .. هي مرآته المكسورة او
المهشمة التي تتراءى عليها ذاته منشطرة الى اجزاء يصعب
لمها ما يحدث تشوشا يجعل من البقاء الصعب صورة للموت
والعذاب اللامرئي سوى على مرآة الشعر ..
أي هاملت
اعطني نصفك المقدس
وخذ نصفي المشوش
هذا التشوش هو انشطار الصورة الاجنبية للشاعر وذوبان او
تلاشي ملامحه في فضاء الاخر وبالتالي هي خسارته داخل ذاته
التي تشكل البؤرة الجاذبة لكل الخسارات الاخرى التي
اثارتها واخرجتها الى سطح المرآة الذاتية الرسالة الموتية
القادمة من البلاد المفقودة هذه الرسالة التي تحمل بين
اسطرها موت شاعر عاش الغربة والاغتراب داخل وطنه وجسده
لكنه لم يتشوش لانه عاش عذاباته وهواجسه في فضائه وفي اطار
صورته - غير الاجنبية – وكأن الموت في الوطن اكتمال للحياة
المنقوصة المتآكلة بفعل صدا السنين ذات البقاء الصعب اما
الحياة خارج الوطن فهي انتقاص للحياة المتكاملة .. ما اثار
الصورة الاجنبية للشاعر في لحظة حزن لتوصي ..
تصرف بنصفي كما لو كنت قديسا
لا تشعل حربا
ولا تتزوج
و لاتقترب من الشعراء
ثم تتنامى ذروة الحزن الى ذروة ياس .
.
والان
دعني اذهب الى الجحيم
ولكن اين المرثي من كل هذه الحلقات او المقاطع التي تشير
الى مفاصل الفقدان المتواشجة بقوة والمحيطة بحياة الشاعر
الراثي .. واين الرثاء .. ؟
ان المرثي يتراءى لنا عبرالصورة الاخرى للقصيدة .. صورة ما
بعد القصيدة او ما بعد النص فهي محصلة الفقدانات والضياعات
التي يعيشها الشاعر الراثي ما جعل حضور المرثي كثيفا داخل
النص ولكنه في الوقت نفسه حضور غير مرئي بل هو حضور محسوس
ومهجوس من خلال الاصابع الخفية وهي تكتب القصيدة بقلم
الشاعر الراثي .. لان بوصلة القصيدة يحركها الشاعر المرثي
في بحر الفقدان الذي يخوض فيه الشاعر الراثي ..
اما الجانب الفني من القصيدة فقد نتحقق من خلال الانزياح
الاكبر بجدلية الرثاء وتبادل الامكنة والازمنة في الهاجس
الشعري بين الشاعرين كما تحقق باللغة الشعرية المكثفة
والصور الشعرية المتوالدة رغم انفعالها التلقائي ، ما حقق
تدفقا صوريا متمثلا باستخدام الشاعر كل ادواته الفنية
وخبرته الشعرية في لحظة وقوفه امام موت مباغت قادم من ارضه
الام ..
|