|
د .
عدنان الظاهر / المانيا |
|
|
الثلاثاء
// 20 /
2 / 2007 |
رومانس
المتنبي (2) |
aldhahir35@yahoo.de |
|
نصوص اخرى |
|
|
|
|
|
| |
الحلقة الثانية من
مسلسل جديد تحت عنوان ( رومانس المتنبي )
www.mars.com
جاء صاحبي متثاقلاً أو متمارضاً لكن قصده الأساس غير
خافٍ عليَّ . إنه يروم التملّص مما قد إتفقنا عليه
نهار أمس . موضوع الرومانس ثقيل عليه ولا يود الخوض
فيه ... لعله بقايا الحياء المزمن لدى بعض شعراء ذاك
الزمان وتحرجهم من كشف ما في الصدور بإعتبار هذا الكشف
ضعفاً في رجولة الرجل وهتكاً لأعراض بنات الناس .
ألححتُ عليه في أن يفي بما وعد ، وإن وعدَ الحرِّ دين
في عُنُقه ولا يليق بالرجال التنازل عمّا قالوا ووعدوا
. وضعته وجهاً لوجه أمام كبريائه وإعتداده المعروف عنه
بنفسه فلم يجدْ بُدّاً من الرضوخ لطلبي . قال : موافق
. سأقص عليك أو أقرأ عليك ما بقي محفوظاً في صدري من
مراسلات النسيب والتشبيب المتبادلة بيني وبين بعض
الأديبات والشواعر بشرط ... وتوقف عن الكلام . حثثته
ورجوته أن يكشف هذا الشرط وتعهدت له أن أقبل شروطه دون
قيد أو تحفظات . قال : شرط أن لا تطالبني بكشف أسماء
هؤلاء الأديبات والشواعر . قلتُ موافق ، ثم ما حاجتي
لأسماء بنات الناس من ذوات الحجال والحشمة والأنفة
وبُعد الصيت . قال للحيطان آذان كما تعلم . قلت أعرف
ذلك ، كما أنَّ في بعض الحيطان أجهزة تنصت سرية يا أبا
الطيّب !! لم ينتبه إلى تعقيبي القوي ولم يفقه مغزاه .
حقه ... إنه ينتمي للزمن القديم إذْ لم تكن يومذاك
أجهزة تنصت سرية . كانت آذان الناس الفضوليين أو شرطة
السلطان عريضة كآذان الفيلة وحساسة مثل حساسية الرادار
وصحون الفضائيات . قال ألا ترى من المناسب أن أنفتح
على هذا الموضوع المُغري والبالغ الحساسية في مكان
شاعري رومانسي يبعث فيَّ الكثير من الحيوية والرغبة في
سرد الأحداث التي شغفت فؤادك وسلبت لبّك ؟ قلت موافق ،
ماذا تقترح ؟ قال فنأخذ قطار الضواحي
S Bahn 6
ونجلس على ضفاف بحيرة شتانبرغرزي
Starnbergersee
نمتّع الطرف بمناظر جبال الألب النمساوية وما يغطيها
من ثلوج ، ثم مجموعات البط والأوز العراقي وباقي أنواع
الطير السابح والغاطس والمحلّق والمصفّق بجناحيه
والمنقضّ بمنقاره الطويل الحاد على أسماك البحيرة .
قلت فكرة جيدة وصائبة . هيا توّكل .
جلسنا على إحدى المصاطب القريبة من ساحل البحيرة تحت
أشعة شمس شهر شباط النادرة في هذا الشهر . كان المكان
غاصّاً بالبشر من مختلف الأعمار وكانت الشمس قاسمهم
المشترك الأعظم . مدد صاحبي ساقيه وضغط كفيه بقوة ثم
سرّح بصره في الآفاق البعيدة كأنه يتهيب القول وكنتُ
أفهم ما يجول في خاطره وأسباب حذره وتردده في التنفيذ
. تركته على سجيته ولم أشأ أن أستأنف الضغوط . نظر
إليَّ بغتتةً ثم قال : أجل ، كانت أشعار الغزل والنسيب
الذي تسمونه اليوم رومانس ، لا تمثل إلاّ رأس جبل
الجليد . كانت تخفي الكثير من الأسرار والتفصيلات التي
كنا حريصين على أن لا نبوح بها حفظاً لرؤوسنا من أن
تطيح بها سيوف ذوي الفتيات ، فضلاً عن الإلتزام
بمقتضيات الحرمة والستر وصون الأعراض . قلت هيا إبدأ
أبا الطيب ما دام مزاجك قد راقَ . كل بيت شعر قلته في
فتاة وراءه الكثير من الحكايا ودقائق الأمور ، بعضها
حقيقي حرفي والآخر خيالي مختلق تقتضيه أساليب الشعر
ومستلزمات الإبداع .
زاد تلهفي وفضولي لسماع ما سيقول الشاعر وما سيسرد من
محتويات الرسائل المتبادلة بينه وبينه أحبابه . قال هل
أنتَ معي ؟ إذاً إسمع ْ ما كتبت لي بدوية حسناء جمالها
غير مصنوع ، لا تمضغ الكلام ولا تصبغ الحواجيب :
سيدي العزيز
لا تقلقْ.... ألم أقل لك إنك سر ٌ في حياتي ... سرٌّ
كبير ؟ أعيد قراءة رسائلك دائماً وإنها لاتسبب لي
مشاكل مع الأهل لأنهم لا يعرفونك ولم أتحدث عنها لأحد
من أترابي . أدرك مدى قلقك عليَّ لكن عندما تقرر أن
تنشر بين الناس أشعار النسيب والغزل المخصصة لي لا
تكشف رجاء ً إسمي ولا إسم عشيرتي ولا تبالغ في الغزل
والدقة في ذكر أوصاف وجهي وجسدي وما أحب من ملابس
وألوان وما أركب من دواب . لا تكشفني رجاءً . إجعل
الأمور بيننا في غاية السريّة وأنت تعرف الظروف وأحوال
البادية .
سأحاول خلال الأسبوع القادم أن أتصلَ بك إذ سأحدد لك
موعداً نلتفي فيه بعينه بعيداً عن أعين الرقباء
والوشاة والحسّاد وما أكثرهم في هذه الأيام . سأرسل لك
بيد وصيفتي رسالة قصيرة فيها موعد اللقاء ومكانه
وسترتب هي هذا الأمر بعناية فائقة فإني أثق بها وهي
مؤتمنة على أسراري .
هل لهجتك عراقية وتتكلم كباقي العراقيين ؟ أنا أفهم
الكثير من لهجات العرب والبوادي من الخليج إلى المحيط
. جميلٌ أنك بعيد عن الدين والتدين فالدين والمذهب
تعصّب وشقاق بين بني البشر .
سأقرأ ما أرسلتَ لي من جديد أشعارك وسأغني بعضها فصوتي
جميل رخي في أماسي البادية وهوائها العليل .
كن بألف خير وحتى رسالة قادمة . في إنتظار جوابك .
إنتهى المتنبي من قراءة رسالة حبيبته وكنتُ خلال
قرائته لها مصغياً في خشوع ، أتابع كلمات هذه الفتاة
التي وقعت في حب شاعر عراقي من بلاد سواد الرافدين وهو
بلا شك أكبر منها سنّاً و أنضج عقلاً . هل صحيح هذا
كلام ظباء ومها البوادي وأين تعلّمت القراءة والكتابة
وقومها قوم رحَّل لا يكادون يستقرون في مكان بعينه
إلاّ لفترة قصيرة ثم يترحلون . لم أجد أجوبة عن هذه
الأسئلة ، كما لم أشأ أن أحرج صاحبي بطرحها عليه . بعد
صمت عميق سألته وهل أجبت على رسالة حبيبة قلبك أم تُرى
فضّلت الإنتظار حتى يحين موعد لقائكما الذي إقترحت هي
عليك ؟ قال لم أنتظر ، ومن ذا الذي يُطيق الإنتظار .
كتبتُ لها جوابي على الفور . من جهتي وجدتُ من
االطبيعي أن أسال صاحبي عن فحوى جوابه . سألته : ألديك
مانع في أن تقرأ لي نص جوابك ؟ قال بكل سرور ، من يحفظ
عن ظهر قلب رسائل أحبابه لا يصعب عليه حفظ نصوص رسائله
لهنَّ . صح ، قلتُ له ، معك حق ثم أضفتُ : والذي يرتجل
بعض أشعاره إرتجالاً آنياً لا يعسرعليه تذكّر ما يكتب
من رسائل . أحس أنَّ بي شوقاً عارماً للإستماع إلى ما
سيقول فشرع يقرأ مقفل العينين كعادته في مثل هذه
الأحوال :
هل أكتبُ لك المزيد يا حبّي ؟ إستكثرتُ على نفسي أن
تخاطبيني بكلمة
" سيدي " ... فكيف وأنت تقولين لي " حبيبي " ؟ كيف
سأرد وكيف سأتفاعل مع هذا التطور الجديد الذي أخاف منه
أن يعصفَ بحياتي ؟ كيف ؟ أخافُ عليكِ منّي وأخاف منكِ
عليَّ .هل ستضيعين شبابك مع رجل مثلي عالمه كبير فارغ
وقلبه يسعُ الوجود أرضاً وسماءً ؟ كيف سأملأ حياتك
روحاً وفكراً وواقعاً وأنا سأكونُ عنك بعيد ؟ هل نكتفي
باللقاءات العابرة وفيها ما فيها من مجازفات ومخاطر
علينا كلينا ثم بتبادل الرسائل الملأى بالعواطف
والمشاعر الحارة الصادقة الحقيقية وهل يكفينا هذا ؟ هل
نستطيع تحمل صدمة عنيفة أخرى وخاصةً أنتِ وظروفكِ
معروفة للجميع والدنيا أمامك واسعة عريضة مُترعة
بالأمل وعَرار البراري وخزامى الصحاري وأثل الوديان
وسِدرها ؟ أجل ، أخاف عليكِ منّي وأخاف منكِ عليَّ
وأخافُ هذا القَدَرَ الأعمى الذي وجدنا نفسينا فيه
كقشّة في مهب الريح يتقاذفنا أنّى شاءَ وكيفما شاء ولا
نملك له دفعاً أو قوّةً كافية لصده أو إيقاف جبروت
تأثيره . ما العمل ؟ نغمض الأعين ونرفع شعار ( ليكنْ
ما يكنْ... ثم : أنا الغريقُ فما خوفي من البلل ) كما
قلت يوماً في بعض أشعاري ؟ هل نعي حدود ما نحنُ فيه من
طغيان مد الإلتحام الروحي وعمق الود الجامع بيننا
وكثافة الوصل الصوفي المتصل والمتجدد دقيقةً فدقيقة ؟
هل نستطيع الفراق ؟ هل نغمض العيون ؟ هل نستمر غير
آبهين بالنتائج ؟ هل لديك تصور ما أو حلٌ أو شبه حل
لما نحن فيه ؟ هل تشعرين أنك في خطر أو أنَّ الخطرَ
قريبٌ منكِ ؟ أخاف عليكِ حبيبةَ وجنّة حياتي . نعم ،
أخاف عليك .
إنتهى المتنبي من قراءة رسالته الجوابية للمهاة التي
يحب . بقيت صامتاً متأثراً بأجوائها المؤثّرة وصدق
عباراتها وشجاعة قائلها وشرف مبتغاه وشدة حرصه على
سلامة حبيبة قلبه في أن يجنّبها متاعب هذه المغامرة
غير محسوبة العواقب . أجل ، أرى أحياناً أقداراً عمياء
تحرّك البشر أو بعضهم في هذا الإتجاه أو ذاك ولا
يملكون حيالها حولاً ولا قوة . يندفعون مع إندفاعتها
كما يدفع الموج العاتي قطعة خشب صغيرة . أقدارٌ عمياء
ّّّ!! هذا هو نصيب بعض الناس .
لم يسألني صاحبي عن رأيي فيما قرأ . لكأنه يدرك عمق
إعجابي وتأثري بتلكم الرسالة . لِمَ هذا التحول
المفاجئ في موقف الشاعر من حبيبته وفردوسه المنتظر ؟
هل هو فارق العمر ما بين الإثنين ؟ فرق المسافات التي
ستفصلهما عن بعض ؟ متى فرّقت وفصلت المسافات العاشقين
؟ الحب ظاهرة عابرة للحدود والسدود والبحار والقارات .
الحب قاهر الزمن ، والحب أداة الزمن في الكشف عن طغواه
وجبروته . أمام هيكل الحب يركع الزمن وتنحني الساعات
وتلين القرون . إذاً لِمَ قرر المتنبي فجأةً أنه لا
يصلح للحب ، بل ويرى إنه في حبه هذا يظلم مَن أحب ...
يظلم نفسه ومن قد أحب وتواضع أمامها فناداها [[ سيدتي
... مولاتي .... أميرتي ... جنّتي وحبيبتي ]] . هل
أتدخل في شؤونه الشخصية جداً فأسأله تفسيراً لرغبته
بالإنسحاب القتّال الذي هو في الحق عملية إنتحار مع
سبق الإصرار .... التخلص من النفس التي حملت كل هذا
القَدر من الحب الذي لا تتحمله الجبال الشاهقة ؟ لا /
لا أسأله عن خصوصيات قلبه وما يضم بين الجوانح ، لا .
لعله في رأيه كل السداد وكل بعد النظر والكثير من
الإنسانية ونبل التربية وشهامة الرجال .
طاال الصمت بيننا رغم روعة جبال الألب و جمال البحيرة
وما يحيط بها من غابات كثيفة وكثرة المارّة وحركة
زوارق السياحة جيئةً وذَهابا تمخر مياه البحيرة الحلوة
المذاق بمسافريها على أنغام فرقة موسيقية . رغم كل هذا
آثرنا أن نظلَّ صامتين خشوعاً كأننا في صلاة نافلة
نؤديها في معبد للحب والأحزان المترتبة على عواقب مثل
هذا الحب الذي وقع المتنبي فيه أواخر عمره .
قلت لصاحبي هيا نعود إلى مدينة ميونيخ لنأكل شيئاً ثم
نواصل أحاديث الحب . نهض على الفور دون تعليق ثم قال :
نعود إلى ميونخ أدراجنا ولكن بشرط . ما هو يا أبا
الطيّب ؟ أن تقرأَ لي بعض رسائل حبك القديم المطوي أو
الحديث المخبّأ تحت الأفرشة والوسائد . قلت بل أقرأ
شيئاً من مقامات الحب القديم ... لا حبَّ جديداً لديَّ
. كبرنا يا أبا الطيب ... كبرنا كبرنا وضعف القلب
وإشتعل الرأسُ شيبا . قال لا تكذب !! لا شيبَ في رأسك
وقلبك أقوى من قلب كلكامش السومري .، ثم علمت أن لديك
حباً عاصفاً جديداً أخشى أن يقضي عليك . ضحكنا معاً
ونحن في طريقنا إلى موقف قطار الضواحي للعودة إلى
مدينة متونيخ .
* * * * *
|
|
|