عندما يأتي الشعر في البريد تقوم قيامة الحلم ، ويتكأ
النجم على كتف صاحبه جراء ثمالة السماع التي يطلقها الشاعر
من عذابات أزمنته كما تطلق المومس شهوة الفراش على صدر
ذكورة لم تعِ معنى أن تغيب عن الوعي لدقيقة فقط . لقد كان
الشعر ولازال هاجساً يعطي أفتراضات الوجود حسب رؤى صاحبه ،
وهو يكمل وعي البعيد الذي يسكن الشاعر من خلال الحس
والتحسس وبهما نستطيع أن نصنع الشعر ونصدره الى خواطر
العامة الذين يتعلمون من وقيعة هذا الهم الذي شيدته الالهة
، كيف تكسب حلماً ماسياً بقرش واحد ، وربما بأقل ؟
كان الشعر منذ خليفة آدم ملاذ الوحشة التي تصنعها المدن
الماجنة وتلك التي يطلق عليها في قواميس العذاب مدن المنفى
. من واحدة : أستطاع الشاعر البابلي والذي يحاول في كل
رؤاه ان يصنع قيمة لمدركة الشاعر { سعد جاسم } أن يؤسس في
مدونته المسماة { ماوراء الألم } تأسيساً خاصاً لذلك
الشعور بالنفي ، عبر تداخلات المشهد المؤطر بروح من موسيقى
مفترضة لحنين لم تظهره القصيدة بشكله الوجداني إلا أن
القارئ يحسه موجوداً ، كما يحس السومري لحظة ‘عريه : ان
عشتار بدأت تعانقه .
يشتغل هذا النص الطويل على الثيمة المرتدية لثوب أغتراب
الوعي المفتوح على هاجس المكان ، وتتخذ من الغربة زاوية
لأيصال فهم المدرك لذات الشاعر في تناولات حادة ولكنها
تشتعل بثنائية الحس اتجاه الموجود بصلة أن يكون هذا الوجد
هو قاعدة الشعور أتجاه مايحدث في هذا العالم عبر تصور متقن
لحالة ثقافة الشاعر وسعة تحسسه بما يتعرض اليه من ضغوط
روحانية تجبره على أحداث قيامة النص والكشف عن مبتغى كل
الطلاسم المرئية التي داهمنا بها نص الألم هذا في لغة تكاد
تكون مشحونة بشئ من حداثة التعبير الى الآخرين الذين هم {
نحن } في داخل الوطن . وليبدأ { سعد جاسم } في أيقاد جمرة
الوصول الى ضمائرنا عبر أدراكه لكل تلك المعطيات التي خلقت
فيما مضى ألفة القراءات والحانات والصداقات وتبادل مشاعر
المودة للنساء البابليات اللائي كن يطرقن بوابة الشعر
فتنهض غربة الشاعر مثلما ينهض المارد من قمقمه :
{ مختنقاً في منفاه
آه ……
وحزيناً كان
مثل نهر يتعثر بجثث أخوته الغرقى ..
في دموع فراته الغريق }
هذا بدء يخلقه وعي المدن الغريبة . إلا أنه بدء موشوم
برغبة الألتقاء مع الظل الذي تركه الشاعر على أرصفة الحلة
، أو في ندامة المقهى في العاصمة ، أو ربما تحت أجفان
امرأة غيبتها الحروب بين نعوش الشهداء ، فكانت الآه في
حضور النهر تمثل الدلالة الواعية لميثولوجيا التذكر التي
أراد بها سعد جاسم ان يبني أخلاقيات الحنين بمساعدة هيمنة
الروح التي ملكها منذ صبا الثقافة وصار بفضلها شاعراً يعي
الحلم من أول اغفاءة على الوسادة ، وهاهو المهجر ، بل
المنفى يعلن مواقيت التذكر لتبدأ ثانية رؤى التفكر للذي
يحدث لهذه الروح وهيمنتها المتعالية على المكان رغم الفيض
الحضاري والحريات المتسعة حد أنهيار آخر أسوار الجسد ،
ورغم هذا تلازم الشاعر شغف النبؤات بما كان يحدث في سومر
وبابل وآشور بل في كل أشبار الوطن المتوزعة على جسده مثلما
يتوزع السمك على خارطة النهر :
{ أومضت في رأسه الفائر
فكرة أن :
يكسر أقواس عزلته / ويغادر أسوار ضجره
ذاهباً الى حانة ..يحسها حانية
وحين دخلها < كان لايملك غير : خفة الكائن التي لاتحتمل >
}
غير أن روح القصد في دلالة وعي هذه المدونة يبدأ من الآن
ليخلق جدلية الحال التي تربك الشاعر وهو يتوجه صوب النأي
الجديد في أضطرارية لم يصنع لها تأريخه الشخصي مثيلاً ،
فليس في عرف بابل أن تشتهي المنفى ، ولم تذهب الى أحد في
يوم ما ، حتى الأسكندر المقدوني جاء اليها ولم تأت أليه ،
وأذ لم تعجبها غطرسته وكبرياء أنتصاراته منحته منيته
المطلقة ، لكن الشاعر هنا يبدأ في رؤى المشهد من خلال
التحولات الجديدة في حياته بعيداً عن تلك الأيماءات
اللذيذة التي حملت جوع الشرق ولذة الفقر والبهجة المبتكرة
لقراءاتنا الجديدة عندما يأتينا هاجس الحداثة من كونديرا
أو ماريو فارغاس لوسا أو كويلهو ، ثمة شئ جديد في مرئيات
الشاعر ، ولكن وجدانيته العميقة أشركت تلك الأشياء بتلك
البيئات الساحرة لذلك الحس البهيج وكان الشئ الجديد كما
أرتنا أياه هذه المدونة الفائرة أنها حملت الرؤى بشكل
التصاوير الحافلة بمعنى الفكرة من خلال المعاناة والتجربة
، وهي في تقديري صورة جديدة لألم الغربة وتلك المواجع التي
أراد بها الشاعر سعد جاسم أن يرينا شكلاً جديداً لحتمية
النص وهو ينطلق من الذاكرة القصية الى تخوم الوطن ..
{ كتابه الأثير ـ أنه يحب كونديرا ـ ولايحب حكايات نجيب
محفوظ
حقيبة شبه فارغة إلا من مدية للأحتراس .
……………………………..
ساعة جيب عاطلة تعود نسيانها دائماً
ونقود ما ..تكفيه لعبور هذه الليلة الخانقة .
وهكذا تذهب القصيدة الى ماتريد أن تقوله في شكل من تداركات
الأزمنة وأحداثها في غربة الروح والجسد ، ويشكل الهاجس
الحضاري الجديد لديه نمطاً من أخلاقيات ليست بالضروة أن
نرتمي بها حد الثمالة ، كان وعي القصيدة واضحاً أزاء هذا
المستجد ، أنه هنا يرتقي بكونية الهم حتى مع جسد المرأة
المنتقاة من حانة المصادفة وهو في هذه الحالة يريد أن
يرينا ثبات وجوده وقابلية الحس والتصرف لديه ازاء كل جديد
مع ذلك الشعور المغيب في تلك الدهاليز الهائلة من الحضارة
المتشكلة من الثنيات الجرمانية التي تمتلك فلسفتها
ودعارتها وكنيستها وفق تصورات الفعل المقرون بحدث الألة
والنظرة العليا التي وفرتها لغات الأمبريالية الجديدة
المتمثلة في العولمة ومكاسبها الهائلة لساكني تلك المدن
الثلجية التي بدت شهوة الأنتماء اليها بالنسبة للشاعر من
خلال هذا النص هي شهوة محرمة ولكن لابد منها ، حتى يتخلص
من تلك العذابات الوطنية التي كاد فيها من كثرة البكاء أن
يفقد عينيه، وتسرق دموعه وتباع في أحاديث همس المقاهي
والمرابد ، ثم يأتي النسيان وينتهي كل شيئ.
{ وفي الحانة شرب ، وشرب ..
وغنى مع روحه :
كل منفى لعنة
كل منفى خراب
معناي ياوطني
فوق ذاك التراب }
هكذا بغنائية لاتطاق يشعل النص جمر غايته ويرينا فعل
المحاورة بين الروح المغتربة وظلها ، ولأن هذا الظل يعي
وجوده من خلال موهبة الشعر والثقافة المكتسبة من أداء
الشعر نفسه ، أستطاع سعد جاسم أن يقف عند نقطة الحسم في
قصدية الحالة التي يريد أن يوصلها الى روحه قبل أن يوصلها
الينا فهو في ماوراء الألم يريد ان يتحدث عن الألم الذي قد
يكون عبر أزمنة المخاضات التي يعيشها هو وغيره من مثقفي
ومهجري الوطن وكانت تداعياته الحكيمة في موسيقاها التي
صبغت بهمسة ألم واعية تريد أن تصل بنغمتها الى مسامع الذي
يصغى وهو متكئ على عرش الأبنوس ، وربما يقصد سعد ، اله
مدينته : مردوخ . الموجود الآن على دكة الحكم ، أو ربما هو
الان مختار المحلة التي ولد بها الشاعر ، فقسم من عذابات
القصيدة حملت مثل هذا النحيب وشغلت موسيقاها الذهنية عبر
ثمالتها اليومية لتصل الى حدود الصرخة التي علينا أن
نسمعها جميعاً وهو ما أراد الشاعر سعد جاسم أن يوصله ألينا
..
{ ثم رقص مثل طائر مجروح /
بطلقة الفكرة / ونون القسوة /
ومخالب تجار الهوية ، وباعة الوطن ..}
يتطور هذا النص في جدلية أشتغال جديدة عبر وصف المشاهد
للأحداث اليومية لهذا الأغتراب المؤقت وكأن الذي تلي قبله
هو مقدمات للحدث الروحي الأليم الذي حملته القصيدة وهي
تدرك وعيها عبر مشادات الكلام لذلك الأمس الذي يحن اليه
الشاعر مثل حنين الرمل لدوامة العاصفة . وكانت هذه المشاهد
التي تعني تحضراً في سلوك البلاد ، تعني للشاعر ممارسات
يطل منها على فحولة الشرق وجاهزيته ليكون مرغوباً في كل
حين ، مادام لبن بابل هو الأطيب والأجمل ، ورغم مايؤديه من
أتقان وكياسة أتجاه الواقع الجديد إلا أن الهاجس يظل غريباً
ويظل الشأن الروحي غائباً بكماله ورغبة الشاعر للأمساك
بتلك الأطياف الزرقاء ، فبعد فصل من مجون الحانة وشرابها
النقي بنسبة كحوله ، لآشئ من بابل وماتتحدث به النادلة أو
النادل لايحدث بالمفردة المسمارية أو عامية أهل المسيب ،
أن الأمر يبدو بعد أنتشار النشوة في الذاكرة أمراً غريباً
، وأن هذه البلاد لاتصلح لأزلية الروح التي عودها النخل
على سماع نايات الريح ومدائح الموج ورايات العلويين
المسفوح دمهم على ثرى الطف ، فالفيدرالية التي توفر متعة
الليل حتى داخل معاطف الفرو بعد أنتهاء الفاصل لاتبدو
جميلة فثمة نأي بين هذه المكونات والشاعر وكان الأحساس
بهذا عظيماً وهو يصف مشاعر تلك اللحظات بتلك الرثاءيات
الرائعة :
{ أطفأ نادل الحانة مصابيحها السكرى / ودخانها القزحي ،
وأنفاس زجاجتها الشرسة
أطفأها .. ثم أوقدها ..منقنقاً : { يلله حبيبي }
Get out
This night has been finshed
لحظتها غادر الحانة وحيداً.. غادرها الى هواء لايشبه هواءه
القديم
ومشى.. مشى .. في طرق ملأى بكلاب مدللة لاتجيد النباح أبداً..
ودروب مؤثثة بثلوج طاعنة بالبياض
البياض الذي يشبه قلوب أخواته ، النائمات الآن في ليل
البلاد النازفة …}
وهكذا تسير غربة القصيدة الى حدود لاتنتهي من ألم الحس
وأتقاد المفردة ونماء الشكل الشعوري لكل حاسة يحاول فيها
الشاعر أن يوصل ألينا الفهم لتلك الحبكة التي تشكل جوهر
القضية لديه : أن يترك هائماً في فضاء غربته ولانديم سوى
رجال البوليس الفيدرالي في بلاد لاتشبه بلاده ورغم ذلك هي
تأويه لتخلص من لحظة الولوج في قبر جماعي مع ندماءه .
لتزاول المشاعر في المتبقي من أحساس القصيدة لعبة البناء
في شكلية هذا النص ومرجعيته ، وتكون الخواطر التي تستعيد
مشاعر المجئ الأول هي المهيمنة على الصحوة الجديدة بعد أن
أطفأت الحانة أنوارها وانتهى موسم التسكع الليلي في أرصفة
الثلج .
الآن لاشئ سوى تلك الحميمية التي تحدث عنها في بدء المجئ ،
ذلك الكتاب وتلك الحقيبة ، ورغبة رؤية البحر ، ومشاهدات
السينما في صبا بابل وشبابها : ليجري بخطى صائلة ..ويتساءل
: من أين جاءت هذه القافية ؟! بعد أن تشده تلك الميثولوجيا
بمحليتها ، وأداها الممتع وطربها المصحوب بوعي الساسة :
{ كان يمشي …مترنماً بأغنية { ثعولت } في قلبه الشائط
فراح { يثغب } بها ،لائبا من فرط وحشته الجارحة ..}
وبذات الدالة الواعية لحدث المكان والزمان تظل القصيدة
تهيمن على فكرة ألم الداخل ، غير أنها في فصلها الأخير
ترتمي الى أحضان وجودها الأول بحميمة التذكر ، الحروب التي
صنعت فينا رؤى الحياة والموت وتخيل الأساطير الفارعة كجسد
دمية الفقر ، الكتب المحظورة والذكريات ، كل الأفعال التي
ملكت وقيعتها أيام الجندية والعشق ومنادمة الحانات المؤثثة
برغبة الحلم الوطني .. وقد كان علي (ع ) موجوداً في
الذاكرة كسطوة حلم على المخيلة الأثيرة ..عبر ذلك النداء
الأزلي التي كانت أمهاتنا تردده في وجه قسوة الحروب : أنا
قلت ياعلي . والشمال قال هاتيه ألي .{ أي يصبح ضحية الحرب
.. أيام برزران وحروب صدام اللاحقة }..
أعتقد في خاتمة القول أن سعد حاسم تحدث ألي من اوتاوا في
كندا حيث يعيش منفاه عن وعي بغربة عالية المدرك ، وان تحسس
هذه الغربة عن طريق الشعرهوأنجاز كبير ومميز…
|