اذا كان ادنيس يحمل بين جوانحه خطابا ، لم يستطع ، في بعض جوانبه ؛
أعني جوانب هذا الخطاب ، أن يبثه إلى الآخر ، فأن حالة اللابث هذه
قد أوجدت لديه حالة من الشعور بالاغتراب ، حاولنا تلمس إبعادها في
دراسة سابقة عنه (1) . الا انه ، وعلى ما يبدو ، ومن خلال عينة
أخرى من قصائده ، وعلى وجه التحديد ، مجموعته البكر والمعنونة (
حدود اليأس ) ، أن هذه الحالة ، أعني حالة الاغتراب ، لم تكن
مقترنة بمسألة بث خطابه إلى الآخر ، بل هي سمة ، يمكن القول ،
مقترنة به ، أعني هي سمة أساسية من سمات شخصيته . فهي إذن لازمة له
منذ أن اصطدم بالوجود ، أعني منذ أن أدرك ذلك الوجود كموضوع مستقل
عنه . ومن هنا جذور ومنشأ مشاعر الاغتراب لديه . ومن هنا أيضا تبدأ
رحلته وصراعه وعذاباته مع هذا الوجود !! . وسوف نرى ، فيما بعد ،
عبر مساره الشعري على وجه الخصوص ، كم هي معاناته وتعاساته ...
ولذلك فأن من الطبيعي أن يكون الارتداد إلى الطفولة والنكوص الى
عوالمها هي من البدائل التي لجأ إليها الشاعر للتخفيف من وطأة تلك
المأساة . ونظرة الى طروحاته المعرفية ، تكشف لنا ، عن عمق المحنة
المعرفية التي عاش شاعرنا تفاصيلها .
وهذه النظرة ، إنما
عرجنا إليها ، لتكون تأييدا لرؤيتنا للاشاكلية التي واجهها (
ادونيس ) ، على الأقل من خلال الصور التي قدمها لنا في خطابه
الشعري ، لاسيما في بواكيره الأولى . والنقطة التي نود التركيز
عليها ، هي أن الشاعر ما زال متعلقا بذكريات الماضي ، اعني بخبرات
الطفولة . ولم يتمكن بعد من تجاوز أثارها ، أيا كانت طبيعة تلك
الآثار . وسوف نلاحظ من خلال القصائد التي تتضمنها مجموعته هذه
والتي كرسها لموضوعات لها علاقة بموضوع هذه السطور ، اعني ذكريات
الطفولة وخبراتها . ولاشك فأنه ليس بمقدورنا .. ولن يكون كذلك ، أن
نغطي كل التفاصيل لقطاع طفولة ( ادونيس ) . ولذلك فان مهمتنا سوف
تتحدد بالنصوص التي سنقف عندها ، اعني نصوصه الشعرية التي يتحدث من
خلالها عن ذلك القطاع . وقبل الخوض في عوالم الطفولة عند شاعرنا لا
بد من وقفة قصيرة لطبيعة هذه الفترة من فترات النمو الإنساني .
وستكون نقطة انطلاقنا للتعرف على أبعاد هذه المرحلة هي وجهة نظر
مدرسة التحليل النفسي الفرويدية حصرا ، لاعتقادنا أن الشاعر كان
متأثرا بتصورات هذه المدرسة ، على الأقل ، تلك التصورات التي تتعلق
بالحضارة والشخصية ومسار الثقافة الإنسانية على وجه العموم . وعلى
أساس هذا التأثر حاول توظيف تلك التصورات في خطابه الشعري . و لا
نفترض أن يكون( أدونيس ) محللا وفق الصورة التقليدية حتى يتمكن من
عملية التوظيف تلك . ذلك أن نتاجه الشعري شاهد عيان لا يحتاج إلى
وقوف أو إمعان حتى تكون دليلا – على الأقل من وجهة نظرنا –
على قدرة الشاعر في استلهام وتوظيف تلك التصورات . وسوف نرى ،
سواءا في موضوع هذه السطور أو موضوعات السطور الأخرى ، كيف أن
الشاعر كان موفقا الى حد كبير في عمليته الشاقة تلك . لنا إننا
سنقف عند موضوع ذكريات الطفولة كما وردت في مفاهيم التحليل النفسي
ومصطلحاته . وثمة مصدر أساسي يساعدنا عل تحقيق هذا الغرض ، وهو
المعجم الذي وضعة كل من ( لابلانش) و( بونتاليس ) ( 2 ) . فقد ورد
في هذا المعجم عدة مصطلحات استخدمت للتعبير عن مخلفات وآثار
الطفولة وهي :-
1-
أثر ذاكري
memory trace
:- ويستخدم ( فرويد ) هذا المصطلح خلال أعماله كلها للدلالة
على كيفية تسجيل الأحداث في الذاكرة . تحفظ الآثار الذاكرية ، تبعا
ل( فرويد ) في مختلف الأنظمة ؛ وتبقى هناك بشكل دائم ولا تثار الا
بعد أن توظف نفسيا . ( ص42-44)
2-
ذكرى ساترة
screan memory
:- هي ذكرى طفلية تتميز في آن معا بوضوحها المميز وبافتقار محتواها
للمعنى بشكل جلي . يؤدي بنا تحليلها الى تجارب طفلية دامغة و
على هوامات لا واعية والذكرى السارة هي كالعارض تماما ، عبارة عن
تكوين يتخذ طابع التسوية ما بين العناصر المكبوتة والدفاع . (ص
250-251)
3-
رواية أسرية
:- وضع ( فرويد ) هذا التعبير للدلالة على الهوامات التي
يغير الشخص خياليا من خلالها علاقاته مع والديه ( إذ يتخيل أنه طفل
لقيط ) . نجد أمثال هذه الهوامات أساسا لها في عقدة الاوديب . (ص
272-273) .
infantile amnsia
:- هو ذلك النسيان الذي يشمل عادة وقائع السنوات الأولى من الحياة
. ويرى فيه ( فرويد ) شيئا آخر غير مجرد تأثير العجز الوظيفي الذي
يعاني منه الطفل عن تسجيل انطباعاته ؛ فهو ينتج عن الكبت الذي يصيب
الجنسية الطفلية . وينسحب عل كل أحداث الطفولة تقريبا . تمتد
الحدود الزمنية للمجال الذي يشمله النسيان الطفلي الى فتر أفول
عقدة الاوديب ، والدخول في فترة الكمون . (ص542) .
5-
رمز ذاكري
mnmic symbol
:- شاع استخدام هذا المصطلح في كتابات ( فرويد ) لوصف العارض
الهستيري . ( ص 272) .
6-
عودة
المكبوتreturn
of the repressed
:- أنها العملية التي تنتزع من خلالها العناصر المكبوتة التي
لم يقض الكبت عليها مطلقا ، الى الظهور ثانية ، وتتمكن من
الوصول الى ذلك بطريقة محرفة على شكل تسوية . ( ص374) .
تلك هي إذن المفاهيم التي اقترحها ( فرويد ) جانب مهم من
جوانب الشخصية الإنسانية عموما ، وخبرات الطفولة التي على بنية تلك
الشخصية خصوصا . وسوف ننطلق من بنية تلك المفاهيم لقراءة
عينة من نصوص ( أدونيس ) الشعرية . وما يعزز هذا الانطلاق هو الصور
النفسية والعنوانات الدالة في هذه القصائد . والهدف الذي نرمي الى
تحقيقه هو دراسة هذه العينة من قصائد ( أدونيس ) على ضوء تلك
المفاهيم التي وقفنا عندها . ويبدو أن الشاعر (أدونيس) كان قد اهتم
بتحليل ذاته ، ولذلك نرى أن أغلب تنطلق من ضمير الانا . وحتى
قصائده التي تنطلق من ضمير الهو، فأنها ، في تقديرنا ، إشارة إليه
هو ذاتيا . وإذا كان ( أدونيس ) قد قام بتلك الممارسة ، فلا غرابة
أن نجد لديه محاولات للكشف عن خفايا وبقايا خبرات طفولته .
وأول ما يمكن ملاحظته في تلك الخبرات هو الالتصاق بالمكان ، بمعنى
آخر فأن ( أدونيس ) لا يعيش طفولة زمانية مجردة ليس للمكان
دور فيها . ولذلك فهو يشير الى مكانية الأحداث التي عاشها
إبان لك الفترة . فلدى الشاعر إذن مشاعر الالتصاق بأرض معينة
ومحددة بالنسبة إليه ، لها معالمها وأنساقها وحلاوتها وما الى ذلك
. وهذا ما نلمسه في قصيدته المهداة الى ضيعته والتي سوف نحاول
قراءتها أولا وانطلاقا من الاعتبار الذي يضع في حساباته زماكانية
أحداث الطفولة . صحيح قد يغلب أو يسبق الإحساس بالمكان على الإحساس
بالزمان ، لان النمو الذهني للطفل يبدأ بالمحسوسات لينتهي بادراك
المجردات ، ولذلك فمن الطبيعي أن يكون للمكان أثاره على نمو
الشخصية أقوى من الزمان ، لا سيما في المراحل الأولى من ذلك
النمو . ولا شك فأنه لا يمكن فصل بعد المكان عن بعد الزمان . و ليس
من شأننا ، هنا ، ال
في بيتنا عباءة .... مرفوضا .. بل تحرسه أدعية الأب ... عناية
السماء ، ليعيش في الغابة أي في العالم مغنيا من نشوة
الانتصار والظفر .
وإذا كانت تلك الذكريات التي حاولنا أن نسلط الضوء عليها .. قد
علقت في ذاكرة ( أدونيس ) فهي ذكريات تعبر عن محنة عاشها
الشاعر في فترة طفولته ولذلك فإنها قاومت النسيان وأصبحت ذات
سطوة عليه ...
1-
بهنام
، شوقي يوسف ، هذا هو أنا أيها الأخر أو أدونيس والحاجة الى تحقيق
الذات ، مجلة أفق الثقافية ، 7/10/2005 على موقع أفق على شبكة
النفسي ، ترجمةالمؤسسة الجامعية ، لبنان .ر عبد الرحمن بدوي
، 1977 ، ط3 ،ت
.مدرس
مساعد/ جامعة الموصل