|
د .
عدنان الظاهر / المانيا |
|
|
الاربعاء
// 20 /
6 / 2007 |
سياحات خيالية
(3) |
aldhahir35@yahoo.de |
|
نصوص اخرى |
|
|
|
 |
|
| |
كنتُ وحيداً في بيتنا ذات مساء صيفي أحضّر نفسي
لإمتحانات البكالوريا النهائية . سمعت قرع جرس باب
بيتنا يرن بدقات رقيقة متقطعة . ذهلت . صعدت دمائي في
رأسي . إرتعشت ساقاي . ماذا أرى أمامي ؟ سعاد ...
ممرضة مستوصف صحة الطلاب ، صاحبتي التي ورطني صديقي
جميل بها ومعها ، ورطة لها أول على ما بدا لي وليس لها
من آخر . ما كانت وحدها . مفاجأة أخرى كبيرة . جاءت
وبصحبتها صديقتها ، ممرضة مسيحية يعرفها أهل مدينتي من
جيلي ذاك . جاءت ( أميرة ) مع باقي أفراد أسرتها إلى
مدينتنا من مدينة الموصل فكانت عائلتها الكريمة موضع
إهتمام وعناية وإحترام أهل المدينة قاطبة ً . ما كنتُ
أعرف ( أميرة ) ، أعني لم نلتقِ يوماً لا في بيت أهلها
ولا في بيت أهلي ولا في المستشفى التي تعمل فيه . كنت
أراها في شوارع المدينة تروح صباحاً إلى مستشفاها
وتؤوب منه بعد الدوام . لماذا جاءت بيتنا ذاك المساء
مع صاحبتي سعاد ؟ لم تكن تعرف أحداً من أهلي ، لا
شقيقتي ولا والدتي ولا أحداً من أشقائي . إرتبكتُ ،
فقدت السيطرة على نفسي ، على لساني ، على تفكيري . ما
تفسير هذه الزيارة الليلية المفاجئة ؟ زيارة بدون موعد
أو إتفاق بشأنها أو بخصوص توقيتها ؟ بعد جهد جهيد ــ
وأنا صادق فيما أقول ــ إستطعت أن أعتذر من الزائرتين
أني لا أجرؤ على إدخالهن إلى بيتنا ، ببساطة ، لأني
كنتُ وحيداً . باقي الأهل جميعاً كانوا خارج الدار
لهذا السبب أو ذاك . أضفت في لحظة إلهام أتاني ببعض
الشجاعة وبحرارة وعفوية وصدق : إنه سوء حظي ... سوء
حظي أن لا يكون معي أحدٌ في الدار من أهلي . إعتذرتا
وإنصرفتا . قفلت الباب وعدتُ إلى حجرة دراستي الأمامية.
لم أستطع مواصلة الدراسة . ظل فكري مشغولاً بهذه
الزيارة الفجائية وبمن قام بها . يا لجرأة المرأة !
ليت لي جزءاً يسيراً من هذه الجرأة بل الجراءة. أجهدت
ُ نفسي لكي أستعيد السيطرة على زمام أموري التي إنفلتت
على حين غرّة مني . أجبرت نفسي على تناول كتاب
الكيمياء في محاولة لمتابعة الدراسة وضبط المعلومات
والمعادلات وحسابات المسائل الرياضية . كيف أستطيع ضبط
تعادل رموز العناصر وصيغ المركبات الكيميائية المعقدة
وأنا مضطربٌ فاقد لتوازني الجسدي ( ظللتُ لفترة زمنية
طويلة أرتجف وأصابعي ترتعش ) والنفسي عاجزٌ عن ضبط
أعصابي وتداعيات أفكاري السود والبيض والخضر والحُمر ؟
كيف أتتني هذه البلية وتم توقيتها بعد الساعة الثامنة
والنصف ليلاً ؟ ما سر هذا التوقيت ؟ هل كنتُ أنا
المقصود بهذه الزورة الخاطفة أم جاء الزوّار لتعميق
معرفتهم وصداقتهم مع أهلي ؟ بل أنا المقصود . هكذا
رسوتُ على هذا الإستنتاج الصعب . كنت منحازاً لنفسي ،
أخادعها ، أمنّيها بعسل وخمور جنات الخُلد . أنا
المقصود وأنا المُزار ، لا أختي ولا أمي ولا أخي
الأكبر مني ولا بالطبع والدي . أنا أنا ... أنا
أنطونيو وأنطونيو أنا !! عدتُ بعد لأي لكتاب الكيمياء
بنصف تركيز لا أكثر . دقيقة مع صفحاته وأخرى مع خطفة
الزائرتين . أدخلت نفسي في صراع مرير أنتصر تارةً فيه
فأعيد نفسي إلى كتابي ودراستي وأخسر الجولات تارات ٍ
أُخرَ فأتيه وأسيح مع سعاد وأميرة . تركيز وشرود ذهني
. جاء الأهل قبل العاشرة بقليل . أطلوا عليّ كعادتهم
يستجلون أمري مع كتبي وإستعداداتي للإمتحانات النهائية
القادمة الصعبة . كانت المروحة الكهربائية المنضدية
تدور ناقلةً رأسها يميناً وشمالاً تحرك هواء الغرفة
فيبرد قليلاً ويدفع عني غائلة حر الصيف القائض . قالوا
لي تصبح على خير ومضوا يعدون أنفسهم للنوم على سطح
الدار . كعادتها ، أضافت الوالدة بحزم وبلهجة آمرة :
لا تسهر طويلاً ، حافظ على سلامة عينيك . نمْ مبكراً
لتستيقظ مبكراً وتواصل الدراسة نهاراً . حملت الوالدة
سجادة السطح وفعل الوالد ما فعلت مستصحباً معه إبريقَ
ماء ِ وضوءِ صلاةِ الفجرِ . أخذ أخي وأختي معهما نصف
رقية حمراء مغرية ليضعاها على الحاجز الحجري الذي يستر
السطح عن العيون المتطفلة [ نسميه تيغة ] ... كما هو
شأن جميع البيوت العراقية دونما إستثناء . بالطبع لا
أنفذ طلب الوالدة مني أن أنام مبكراً . كانت عادة جيلي
أوقات الإستعداد لأداء إمتحانات البكلوريا السهرَ
طويلاً سواء في البيوت أو المقاهي . السهر حتى مطلع
الفجر ... ثم النوم حتى إلى ما بعد الظهر . الحق مع
والدتي ولكن ، من يُصغي ومن يسمع صوت أمهات جيلنا ؟
بعد قليل سمعت صوت شخير الوالدة يشق جدران البيت .
بصراحة ؟ لم أستطع مواصلة القراءة . لم أخبر الأهل
بزيارة سعاد وصديقتها أميرة . كنتُ خائفاً من لوم
شقيقتي وتقريع أخي الذي كان شديد الحرص على متابعة شأن
دراستي وجهادي مع الكتب والمقررات الدراسية الكثيرة
والمنوعة . سيسألونني ــ ومعهم كل الحق ــ ما سبب هذه
الزيارة وكيف تمت ولماذا نُفّذت في غيابهم وفي ساعة
متأخرة من الليل . معهم حق ولكن ما ذنبي . كنت بريئاً
منها كل البراءة . أنا مّن فوجئ بها لا هم . أنا مَن
صُعقت وكدتُ أن أنهارَ على مدخل دارنا لا هم . أنا
الذي خسرت حصيلة جهاد ليلة كاملة مع الكتب والتحضير .
أنا الضحية ولا من أحدٍ غيري . من يصدق دفاعي وحقيقة
ما حصل ومن أني بريء لم أخطط ولم أدبر في ليل ٍ ولم
أتفق على موعد مع هاتين الفتاتين ، مَن ؟ أبي هو
الوحيد الذي لا يتدخل في شؤوني أبداً ، لا يسائل ولا
يحقق ولا يسبب لي أية إحراجات ، لكنه أحد أربعة آخرين
. قررت أن أخبر أهلي بما حصل في غيابهم صباح اليوم
التالي وليكنْ ما يكن . ما كنتُ أعرف فنون إخفاء
الأسرار والتعمية على المعلومات والأخبار . كنت صفحةً
بيضاء لا شِية َ فيها . أخي هو الوحيد الذي سيواصل
قلقه عليَّ وعلى مصيري ومستقبلي وبالتالي سيستمر
يلاحقني بالأسئلة لماذا وكيف وعلى أي أساس و ... و ...
صحوتُ ــ وقد نمتُ وكتابي في حضني مفتوحاً ــ على صوت
والدي يتوضأ ويقرأ آياتٍ من القرآن الكريم بصوت يعلو
حيناً ويخفت أحيانا . كنت أحب سماع صلاة الوالد فجراً
. أطرب لما يقرأ . أشاركه خشوعه وإنصرافه الصادق
لمناجاة السماء . كنتُ أشعر بالإعتزاز بتقوى الوالد
فأزداد قرباً منه وتتعمق علاقاتي به فغدونا مع مر
الزمن أصدقاءً . أزوره نهاراً أحياناً في مقهاه . يرحب
بي وينادي فوراً وبصوتٍ عالٍ عامل المقهى ويطلب منه
تقديم ما أشاء من المشروبات . كنتُ دوماُ أطلب زجاجة
كوكا كولا وكان مشروب الكولا الأمريكي حديثَ عهد
يومذاك . واصلت نومي وقد أنهكتني زيارة ليلة أمس
وأضاعت مني جهد ليلة كاملة لم أفدْ منها مشتتاً وموزعا
ً بين أفكار متباينة شتى ومشاعر متضاربة شديدة
الإلتباس . هل ستنتصر إرادتي عليها فأنهض منتصراً
معافى لإستأنف الدراسة بالجدية المطلوبة ؟ هذا هو
السؤال الصعب . صرتُ أخاف البقاء في البيت وحيداً .
هاجس قوي كان يلاحقني بلا هوادة . ربما ، ربما ستكرر
سعاد زيارتها لنا في بعض الليالي . وحدها أو برفقة
صديقتها أميرة . فضيحة ، نعم فضيحة ! لو جاءتا ثانية
دون موعد أو إتفاق والأهل في البيت ، كيف سأتصرف ؟ هل
سيلومني الأهل ولا أستحق اللوم أساساً ؟ هل عندئذٍ
سأخسر ليلة دراسية أخرى وأتحمل العذاب والقلق وضغط
الوساوس وضرب الأخماس بالأسداس ؟ هل سأنشق على نفسي
فأُعاني ما أُعاني من صراع بين الإرادة الخيّرة
وإغراءات الشيطان ؟ ليس لي أي إيمان بالشياطين .
الشيطان ملتف ٌ في دواخلنا . نحن الشيطان ونحن ملاك
الخيرمجتمعان معاً . ستنتصر لا ريبَ إرادتي . سأنسى
سعاداً ومن تأتي مع سعاد . ليفتحَ أهلي لهما باب البيت
. غدوت شاباُ محنكاً في أمور الستات . لا أرضخ لغوايات
الشياطين . لا أؤمن بها . إيماني بإرادتي فقط .
الإنسانُ إرادة ، وللإرادة قوة إسمها قوة الإرادة . ما
كنتُ أعرف يومذاك تعبير الفيلسوف الألماني نيتشة ((
إرادة القوة )) .
فكرت جدياً أن أزور مستوصف صحة الطلاب لأعاتب صاحبتي
الممرضة سعاد على زيارتها المفاجئة التي سببت لي
الكثير من الأوجاع والمصائب . وأن أرجوها أن لا تكررها
فالإمتحانات النهائية على الأبواب. وأن أعدها أني
سأرتب لها بعد الإمتحانات موعداً لزيارة الأهل في وقت
يناسب الطرفين . وسأحاول جهد الإمكان أن أظل في البيت
طيلة فترة مكوثها ضيفة علينا .
______________________
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|
|
|