|
إهداء:إلى صديقي القس عدنان الظاهر
"ويمكن عد القصة القصيرة،بالنسبة لهؤلاء،ديانة
أدبية بالغة السرية،لاتدخل ضمن أي شكل من
أشكال المطلق"
جوزيف ريد،"مجتمع القصة القصيرة"،ص125
بداية ،دعوني اقل:
إني لا أرى غضاضة أو سرفا في التصريح،كوني اعتبرت دوما أن
من شيّم القاص التجريبي،الذي وددت بكل عروقي وأعصابي أن
أصيره،الإخلاص الحديدي ل"عقيدة القصة القصيرة".
أن أكون قاصا فقط.
أن أكون قاصا لاغير.
أن لايتجاوز أقصى طموحي الكتابة ضمن جنس أدبي واحد لا
شريك له،هو القصة القصيرة.
أن يكون حسبي القصة القصيرة،وهي نعم الجنس الأدبي.
أن استعيذ من بقية الأجناس الأدبية،وبالقصة القصيرة وحدها
استعين.
باختصار:
أن تكون القصة القصيرة،هي خياري الجمالي والانطولوجي
الأوحد
والنهائي.
وهو خيار يستمد صلابته أساسا- بالاستناد إلى الافهوم
الدولوزي – من "انضباطية فكرية عالية"،قوامها افتحاص
غائر واستقراء عميق للذات والكتابة و اقتصاديات مؤسسة
الأدب.
الذات،التي ليس أمامها بدّ من امتلاك رؤية حصرية للعالم
بمنأى عن أية سطوة أو ادعاء تشميلي.
والكتابة،التي تشرئب إلى براعة المستحيل بما هو ضيق للحيز
وشساعة للتخييل.
واقتصاديات مؤسسة الأدب،التي حكمت بأقدارها الشيقة
وبتقسيماتها الطبقية للعمل الحكائي أن تظل القصص القصيرة
قططا "معاقة جينوميا"كي لا تصير ذات نزوة نمورا.
بل الأدهى من ذلك، يمكن الذهاب بعيدا في "التطرف العقدي"
لهذا الجنس ذي"اليقين المراوغ"،لدرجة القول بلا مشاحة:
إن انتفاء الإخلاص للقصة القصيرة،هو نوع مشين من القفز على
الحواجز بين الأجناس الأدبية ،لأنه يشكل- في تقديري الخاص
غير
الملزم- خيانة فاجرة للكيان الفني و الجوهرالادلوجي
المميزين
للقصة القصيرة عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى.
فالانتقال "الاكروباتي"- إذا صح التوصيف - من كتابة القصة
القصيرة للكتابة ضمن احياز جنس أدبي آخر،هو بمثابة
انتقال من كيان أصلي إلى كيان مزيف،ومن جوهر ثابت إلى
جوهر مخاتل.
انه نوع باعث على الرثاء من "الانتحار الاجناسي"(قياسا إلى
"الانتحار الطبقي" حسب المفهوم الماركسي)، الذي يفضي إلى
عماءالكينونة الإبداعية للقاص التجريبي إذا ما هو وزع
دماء القصة القصيرة بين قبائل "إمبراطورية الأجناس
الأدبية"،
كما انه يشي بغياب فاقع لمشروع"التنمية القصصية المستدامة
للتجريب"،باعتباره"مشروعا افكارويا" يشيده القاص
التجريبي بمعاول الحفر المستمر في"السيرة النظرية"و"المشغل
المفتوح" لجنس" بالغ التعقيد،عصي،لولبي،وممغنط" مثل القصة
القصيرة كما وسمها المعلم خوليو كورتاثار.
وما هكذا-من فضلكم- تورد القصص التجريبية؟.
شخصيا،لايمكنني أن أكون روائيا البثة لأنني لا أؤمن
بالتاريخ
والمجتمع.
وليس بمستطاعي أن أصير على الإطلاق شاعرا مادمت لا استسيغ
أن
أوصم باني رؤيوي أو طوباوي.
وبما أنني انتمي إلى "جماعة مغمورة"- حسب تصور صاحب "الصوت
المنفرد" فرانك اكونور- تقع على طرف نقيض مع كل رؤية
توافقية تجاه العالم والمؤسسة،فقد كان طبيعيا بل ضروريا
أن أكون قاصا وقاصا فقط وفيا دائما وأبدا لكتابة القصة
القصيرة لاغير.
الانتماء ذاته،الذي يجعل من أي قاص تجريبي ابعد مايكون عن
الصورة المبتسرة لغرضية"المواطن الأدبي الصالح"،لأنه يتمتع
بالفضيلة المصيرية لغياب الرضا الابدي عن النفس وعن المنجز
وعن الاصطفاف وعن الانتماء، لان الرضا بالعالم موت متجدد،
والشكوى من لاكمالية المؤسسة حياة دائمة ومضاعفة بلا
انقطاع.
والفضيلة عينها،التي لا تجعله يستند في تصييغ"نصه القصصي
المريب" سوى إلى استخطاطيات"نظرية الفوضى الأدبية الخلاقة"
-إذا ما نحن جازفنا بترحيل مصطلح ادوار لورينتز من مجال
الفيزياء الرياضية إلى حقل الادب - التي تعلن أن(الحدث
الصغير بمرور الوقت يمكن أن يصنع نتائج ضخمة)،وبان ( تطوير
الترابطات والتأثيرات المتبادلة والمتواترة التي تنجم عن
حدث
أول،قد يكون بسيطا في حد ذاته،لكنه يولد سلسلة متتابعة
من النتائج والتطورات المتتالية والتي يفوق حجمها بمراحل
حدث البداية)،تماما كما لو تعلق الأمر على نحو تمثيلي
بضربة
جناح فراشة في الدار البيضاء يتسبب بمرور الوقت بإعصار في
النصف الآخر من الكرة الأرضية.
"اثر الفراشة" المنشود هذا،بالتأكيد،تحققه لن يكون متاحا
في غياب"بطاقة العضوية الأبدية داخل نادي القصة القصيرة".
ولإدراك الخلفيات النظرية التي تدعم بشراسة موقفا متنطعا
من هذا القبيل،يمكن الاستئناس بما كتبه فبراندر ماثيوز احد
حراس العقيدة الأشاوس في مؤلفه القيم"فلسفة القصة
القصيرة"،حيث يؤكد على أن هذا الجنس الأدبي"عالم فني
متكامل بذاته ومحطة بقاء دائم لكثير من المبدعين،لكنه خادع
بإغرائه ينتسب إليه كثيرون ويبدع فيه قليلون".
ويصبح هذا الإخلاص حقيقة ملموسة،عندما نعلم أن أفضل كتاب
القصة القصيرة وطنيا وعربيا وكونيا-طبعا مع بعض
الاستثناءات الضرورية- هم أولئك المتمسكون بحبل القصة
القصيرة دائما وأبدا.
ختاما،وحتى نخرج من "أسطورة الإطار" ونتحلى بما تيسر من
"شمائل النسباوية" – بلغة الفيلسوف كارل بوبر – لهذا
الإخلاص القاسي مثل الحلقات المعدنية التي تطوق
سيقان"الجيشا
اليابانية" كي تصير أجمل ،لمن لم يرقه هذا التصور،فله طبعا
واسع مخالفة النظر وكذا واسع الأجناس الأدبية.
********
*نص الشهادة التي ألقاها الكاتب يوم23 دجنبر2006 في اللقاء
المفتوح الذي نظمه فرع اتحاد كتاب المغرب حول تجربته
الإبداعية مع طلبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية باكادير
التابعة لجامعة ابن زهر ضمن سلسلة"تجارب وأصوات قصصية من
الألفية الثالثة"،بمساهمة: الناقد والمترجم د.عبد النبي
ذاكر ،الناقد د.حسن المودن،والكاتب المسرحي عبد القادر
اعبابو.
____________
|