|
مقدمة : -
ليست " الشهامة " من مصطلحات نقد الشعر ، ولكن يمكنها أن
تجري فيه مجرى مصطلحات أخرى قريبة ، مثل " الفحولة " و "
الحماسة " و " كثرة الماء " إلخ ، فتتأسس بهذا أداة واصفة
ومعيارية يصح أن يُحتكم إليها في درسه وتحليله . ولعل ما
يبرر هذا الأمر أنها قد تدخل فيه بوصفها عنصرا تكوينيا ،
فتجعله في الفرادة يقوم على غير مثال .
* ـ إذا افترضنا أن " الشهامة " عنصر تكويني كما أشرنا ،
تم به ميلاد هذا الشعر، فكيف تبدّا هذا العنصر في بنيته ؟
هل تبدّا على سبيل الإحكام والترتيب ، أم على سبيل التنظيم
والإضطراد ؟ كما في نظام المجموعات الرياضية ، أم على سبيل
الاصطفاف والتجاور كما في المنظور الذري ؟ وإذا كان ذلك
كذلك ، فهل تحل "الشهامة " في قصائد هذه المجموعة شكلا أم
تتنزل فيها مضمونا ؟ وهل هي تنداح في التركيب الجملي ربطا
بين ألفاظ ، وفي إنشاء علاقات بين جمل ، وفي نسيج النص
لحمة وسدى ؟ أم هي تنداح فيه إيحاء للمعاني وإنشاء للأفكار
؟ أم هي شيء آخر يأتي إلى الشعر من خارجه ؟
* ـ هذه أسئلة تمتلك وجاهتها ، ولا أدري إذا كان بمقدور
أحد أن يجيب عليها وهو في مقام التقديم وليس في مقام الدرس
والتحليل . ثم إن هذه الأسئلة تستدعي أخرى هي في ذهننا ،
وهذه الأخرى لا تقف عند حدود نفسها ، بل هي تستدعي أخرى
أيضا نراها ببصائر أفكارنا ومشاعرنا وأحاسيسنا ، وما دام
هذا هكذا ، فحسب هذا الشعر فضلا أنه يثير في حقل المعرفة
الأدبية أسئلة تلحق به وظيفة معرفية بالإضافة إلى وظائفه
الجمالية والشعرية الأخرى التي تكرسه أدبية وشعرية ، وبهذا
يكون لهذا الشعر من كل سؤال يثيره نصيب . وهذا أمر يجعله
هو نفسه غنيا بهذه المعارف الأدبية ويجعل قارئه ملتذا بكشف
هذه المعارف .
* ـ ألا وإن الشعر عندما يكف عن أن يكون موضوعا يقوله
الشخص ويبدعه ليصبح كائنا هو يقول الشخص ويبدعه ( أنظر
خصوصا قصيدة لآلئ الماء والأسماء ) ، فينتقل بهذا من موضوع
شخصي إلى كائن نصي ، فإنه من الممكن حينئذ الحديث عن "
شهامة " الشعر في إطار نقدي ومنهج تحليلي أو تفكيكي ، على
نحو أدق وأصح .
* ـ ولقد يجعلنا هذا نقرر في هذا الشعر عدة حقائق ، كل
واحدة منها تعطيه من فرادة وجودها فرادة وجوده:
1 ـ إن كل شعر لا يشخصن " قائله ليقول قولا مطلقا وحرا
لقائل لم يعد له عليه بعد إنجازه وأدائه، هيمنة أو قدرة في
تقرير المصير ، فإنه شعر ينتمي إلى نفسه ولغته وكائنه
النصي ، وهذا الديوان الذي يقوم بين أيدينا الآن ، هو من
هذا الضرب ومن هذا القبيل ، وإن انحيازه هذا إلى نفسه
ولغته وكائنه النصي ليعطيه سمته الأولى من سمات " شهامته "
وفرادته وطريقة حضوره في ديوان الشعر المعاصر.
2 ـ إن كل شعر ينتمي إلى نفسه ولغته وكائنه النصي ، يجعل
مضمونه بالضرورة مطلقا وحرا على مثاله وإذا كان هذا هكذا
فإن صيروراته الدلالية ستتعين تعددا بتعدد قرائه وتلاحمهم
معه .
3 ـ إ ن كل شعر ينتمي إلى نفسه وتتعين صيروارته الدلالية
تعددا بحسب قرائه وتلاحمهم معه ، هو شعر يصح أن تقوم فيه "
شهامة الشعر " فهو في بذله وعطائه ، وتمايزه عما سواه ،
يستند وجودا وحضورا وظهورا إلى خصائصه الذاتيه ، التي
تبنيه نصا ، وتؤسسه نسقا ، لا يعترف إلا بنسقه الخاص، ولذا
نجده عند قراءاته كأي كائن يمتلك نبل " الشهامة " ( زكي
الفؤاد ، متوقدا ، جلدا ) ولقد نستدل على كل هذا حين نعلم
أن من علامات بذله وعطائه قوة تواصليته ، ومن علامات
تمايزه توهجه إبداعا، ومن علامات مفارقته لما سواه ، عدم
اعترافه إلا بنسقه الخاص ، وإن هذا ليعني بامتياز أن النص
المفارق هو نص الشهامة التي يتمثلها هذا الشعر في مجمله .
* ـ للشعر إذا " شهامة " فإذا قامت فيه فإنها تجعل مكتوبه
خلقا نبيلا وترفعه مكانا عاليا، لا يرقى إليه أي مكتوب آخر
إلا إذا ماثله أو ساواه أو وازاه ، ولكي نقول أكثر ، بل كي
نقول حقا ، فقد تميز هذا الشعر ليس بوزنه وإيقاعه ، فهذه ـ
من منظور معين ـ أدوات لا يعتد بها في إنشائه لأنها "
جواز" وجود في بعض المنظوم وليست كذلك في كل المنظوم ،
ولكنه تميز بشهامته التي هي سر أسراره ، في ارتقائه إلى
سلم القيم ومراتب النبل .
* ـ ونحن لا نشير هنا إلى مبدأ أخلاقي يدخل إلى الشعر من
خارجه ، ولكننا نشير إلى أمر تكويني، " فالشهامة" في هذا
الشعر هي أصل التكوين التي تم بها مولدا فوجودا ، فحضورا ،
فبهاء ، فلإباء ، فجمالا . ولذا فإنها تقوم فيه مقام
الإشارة ، وإن المستدل ليستدل بها عليه ، وللتدليل على هذا
الأمر قد لا نجد خيرا من المقارنه سبيلا إذا أردنا أن ندرك
هذا الأمر فهما بالعقل أو لمسا بالحواس ، وإني لأقول بهذا
الصدد إن قراءة شاعر كأدونيس مثلا ، لا تعطيني انطباعا إني
إزاء شعر تكونه الشهامة ، بل أشعر أنني إزاء شعر يكاد يفقد
الشهامة في أصل تكوينه ، ولقد يعني هذا أنه لا يملك نخوة
تستفزه أو تستنهضه في عالم الشعر ، ولذا أجده ناقص بهاء في
مولده ، وناقص إباء في وجوده ،وناقص جمال في حضوره ، وهو
بهذا أقرب ما يكون إلى المستنسخ وليس إلى الأصيل ، أي إلى
ما يصير به الشعر النبيل نبيلا حتى منتهى فحولته وشهامته .
وإذا تركنا المقارنه ، فيبقى أن نقول إن هذا الشعر بسبب
قيا م الشهامة فيه في أصل التكوين ، لا يحتاج منا إلى دليل
يستدل به على حقيقة المولد ، وما هيه الوجود ، وكيفية
الحضور ، لأنه إشارة تدل بنفسها على نفسها .
* ـ ولقد يمكننا أن نقول بيانا لما تقدم ، إن هذا الشعر لا
يزال منفتح الدلالة ، وإنه سيظل كذلك أزمنة طويلة، ما دامت
صيروراته الدلالية منفتحة في عالم القراء ،على ما لا يمكن
أن يحصى منهم عددا .
* ـ فالقارئ يشكل وحدة قرائية ، كما إنه يعد وحدة صيرورية
ودلالية ، لايمكن الإحاطة بها زمانا ومكانا، لغة وأقواما ،
إحصاء وعددا ، وهو ما دام هكذا فإن مكتوب هذا الشعر،
القائم على النص وإلغاء الشخص، سيبقى عند قارئه نابضا
بدلالات جديدة على الدوام ، بيد أن أهم ما يجب أن يشار
إليه بهذا الخصوص هو أننا لا نستطيع أن نبرز فيه دلالة من
الدلالات زاعمين أنها دلالته الوحيدة ، والمستمرة
والنهائية ، وإذا كان ذلك كذلك ، فإنا نرى أن "
فينيمينولوجيا " هذا الشعر ترتكز إلى شيئين لا ينفكان
تلازما:
أولا ـ إنه شعر في الصيرورة يقوم وجوده
ثانيا ـ إنه شعر في النسبية تقوم دلالته .
***
وعودا على بدء يمكننا أن نقول : إن " الشهامة " تمثل قيمة
، فإذا كان الشاعر يوسف طافش قد أعطى لمجموعته الشعرية
عنوانا هو ( مراياتشبهني) فإنه قد جعل عبر هذا التركيب
الاسمي ( الذي أفرغ فيه اللفظ " مرايا " من كونه فاعلا
نحويا، لاعبا بذلك على كونه فاعلا منطقيا ، وهذا هو جوهر
لعبة المرايا ، في النظام العلامي للتركيب ) من الضمير " ي
" الملحق بالفعل " تشبه " ضميرا نصيا يرتديه كل قارئ تسجل
عيناه لحظة القراءة ، وقفة بحث لا عن معناه في مرايا تعكس
ذاته ، ولكن عن معنى ذات لمرايا تشبه ذاته . ولما كان هذا
القارئ المنضوي في الضمير " ي " فإن المرايا لن تكون في
انعكاسها شبها لأحد ، بقدر ما تكون مفهوما لا يمتلكه أحد
بسبب توزعه على كل أحد لغوي يشير إليه النص بالضمير
العلامي " ي "
ولعمري ليس شيء أقدر على الإخفاء عبر إطار الظاهر ، وإبراز
المرئي من المرايا . ألا وإنها ، لعبة تقفز لحظة الولوج
قراءة لتذوق عُسيلة النص لغة ، فوق القيم الأخلاقية،
باتجاه القيم الجمالية التي تكسو كل القصائد، بحقائق من
الألق ، والكبرياء، والأنفة، والبهاء، والثناء ، بوساطة
الفقد الدلالي أو التعدد الدال الذي يقوم عليه هذا التركيب
. فهنا لا يشبه ضمير النص " ي " وجود المرايا خارجه ( هذه
علاقة بسيطة ) ولكن وجود المرايا يشبه ضمير النص الذي
ينضوي فيه في الحقيقة وجود كل قارئ " والعلاقة هنا
بالإضافة إلى كونها معكوسة فهي مركبة وبالغة التعقيد " .
إن هذا القصد في إنشاء الغموض من خلال الظاهر والمرئي
ليعطي للنص جماليا كل قوى السحر ، حتى لكأن " شهامته "
تأبى أن تُمتطى إلا بجدارة ، كما تأبى إلا أن تقرأ وتقارب
إلا بفهم وحساسية ، بالغة .
وما دمنا في هذا التقديم لا نحلل ، ولكننا نستعرض لكي ندرك
بعض تجليات " الشهامة " في هذا الشعر ، فبإمكاننا أن نقف
على إحدى القصائد بمنظر آخر ، غير منظور المرئي والخفي هو
منظور التعبير الانطباعي ، ففي قوله ـ مثلا ـ عنوانا لإحدى
القصائد " قلعة تستحم بقطر الندى " نجد هذا العناق الذي
تنطف " شهامة الشعر من خلاله في رحم اللغة نطفة هذا
التشكيل الجمالي حيث تبدعه على نحو فريد ، إن نسجا للنص ،
وإن تخليقا للكائن ، فالقلعة هنا كائن حي ، مرتفع سامق ،
علامة على مجد وقوة ومنعة ، وهي أيضا في الوقت ذاته ، في
رقة زهرة ، ورهافة حسناء، وشفافية طيف ، وضوع حلم، لأنها
تستحم بقطر الندى ، ولقد نعلم أن هذا نسج من القول ، وضرب
من التوليف وإنشاء من العلاقة الاستبدالية بين ألفاظ
موجودة بالفعل ، وألفاظ موجودة بالقوة ، غير مألوف ولا معر
وف ،.
ولقد نجد في هذه القصيدة أيضا استدعاءات تعبيرية، تقوم
أمامنا بوصفها تمثيلات "لشهامة " الشعر ، على مختلف
أنواعها ، وتعدد ضروبها ، ومن هذه التمثيلات نجد هذا
الاستدعاء التعبيري مثلا :
تطلين من شاهق
آه يا وردة تستحم بقطر الندى
وكذلك القول في القصيدة نفسها :
شممت روائح كل العصور على كتفيك
لأختار عطرا
يليق بليل زفافي
إلى حاضري
ومنها أيضا :
يزحف العاشقون
إلى سدرة في الأعالي
يزفون وجه العروس
إلى شفق في تخوم المدى
***
أخيرا :
لم أقل في هذا التقديم ما يجب أن يقال ولا القليل مما يجب
أن يقال ، ولقد عود الأخ الصديق الشاعر يوسف طافش رواد
شعره ومحبيه وإن غمطوه ، أو خذلوه ، أو لم يوفوه حقه ، أن
يغفر لهم بشموخ الإنسان فيه ، وشهامة الشعر فيه ، وبحبه
الذي يغمر كل الآفاق . أوليس هو الذي يقول في قصيدة " كل
شيء طويل هناك " :
هناك صقور البراري
تواصل طقس الحياة
وتخصب كل فصول الزمان
فلا خوف من عقم أيامنا
ووددت لو أني تناولت هذه القصائد بتحليل فني أوسع وأشمل من
خلال دراسة نصية تطبيقية ، ولكن المجال لا يتسع والمقام لا
يسمح ، لأن الغاية مما كتبت هو التقديم لهذه المجموعة ،
التي حاولت من خلال مراياها أن تشبهنا جميعا
د .
منذر عياشي
|