الهدف الثقافي

مؤسسة ثقافيه مستقله تعني بالآداب والفنون تحرير : سعيد الوائلي

Alhadaf Althakafi

www.tahayati.com


مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا

منذر عياشي / سوريا

* الاربعاء  13 / 9 / 2006

شهامة الشعرومرايا تشبهنا جميعا

 

نصوص اخرى

 
 

 

 

 


مقدمة : -


ليست " الشهامة " من مصطلحات نقد الشعر ، ولكن يمكنها أن تجري فيه مجرى مصطلحات أخرى قريبة ، مثل " الفحولة " و " الحماسة " و " كثرة الماء " إلخ ، فتتأسس بهذا أداة واصفة ومعيارية يصح أن يُحتكم إليها في درسه وتحليله . ولعل ما يبرر هذا الأمر أنها قد تدخل فيه بوصفها عنصرا تكوينيا ، فتجعله في الفرادة يقوم على غير مثال .
* ـ إذا افترضنا أن " الشهامة " عنصر تكويني كما أشرنا ، تم به ميلاد هذا الشعر، فكيف تبدّا هذا العنصر في بنيته ؟ هل تبدّا على سبيل الإحكام والترتيب ، أم على سبيل التنظيم والإضطراد ؟ كما في نظام المجموعات الرياضية ، أم على سبيل الاصطفاف والتجاور كما في المنظور الذري ؟ وإذا كان ذلك كذلك ، فهل تحل "الشهامة " في قصائد هذه المجموعة شكلا أم تتنزل فيها مضمونا ؟ وهل هي تنداح في التركيب الجملي ربطا بين ألفاظ ، وفي إنشاء علاقات بين جمل ، وفي نسيج النص لحمة وسدى ؟ أم هي تنداح فيه إيحاء للمعاني وإنشاء للأفكار ؟ أم هي شيء آخر يأتي إلى الشعر من خارجه ؟
* ـ هذه أسئلة تمتلك وجاهتها ، ولا أدري إذا كان بمقدور أحد أن يجيب عليها وهو في مقام التقديم وليس في مقام الدرس والتحليل . ثم إن هذه الأسئلة تستدعي أخرى هي في ذهننا ، وهذه الأخرى لا تقف عند حدود نفسها ، بل هي تستدعي أخرى أيضا نراها ببصائر أفكارنا ومشاعرنا وأحاسيسنا ، وما دام هذا هكذا ، فحسب هذا الشعر فضلا أنه يثير في حقل المعرفة الأدبية أسئلة تلحق به وظيفة معرفية بالإضافة إلى وظائفه الجمالية والشعرية الأخرى التي تكرسه أدبية وشعرية ، وبهذا يكون لهذا الشعر من كل سؤال يثيره نصيب . وهذا أمر يجعله هو نفسه غنيا بهذه المعارف الأدبية ويجعل قارئه ملتذا بكشف هذه المعارف .
* ـ ألا وإن الشعر عندما يكف عن أن يكون موضوعا يقوله الشخص ويبدعه ليصبح كائنا هو يقول الشخص ويبدعه ( أنظر خصوصا قصيدة لآلئ الماء والأسماء ) ، فينتقل بهذا من موضوع شخصي إلى كائن نصي ، فإنه من الممكن حينئذ الحديث عن " شهامة " الشعر في إطار نقدي ومنهج تحليلي أو تفكيكي ، على نحو أدق وأصح .
* ـ ولقد يجعلنا هذا نقرر في هذا الشعر عدة حقائق ، كل واحدة منها تعطيه من فرادة وجودها فرادة وجوده:
1 ـ إن كل شعر لا يشخصن " قائله ليقول قولا مطلقا وحرا لقائل لم يعد له عليه بعد إنجازه وأدائه، هيمنة أو قدرة في تقرير المصير ، فإنه شعر ينتمي إلى نفسه ولغته وكائنه النصي ، وهذا الديوان الذي يقوم بين أيدينا الآن ، هو من هذا الضرب ومن هذا القبيل ، وإن انحيازه هذا إلى نفسه ولغته وكائنه النصي ليعطيه سمته الأولى من سمات " شهامته " وفرادته وطريقة حضوره في ديوان الشعر المعاصر.
2 ـ إن كل شعر ينتمي إلى نفسه ولغته وكائنه النصي ، يجعل مضمونه بالضرورة مطلقا وحرا على مثاله وإذا كان هذا هكذا فإن صيروراته الدلالية ستتعين تعددا بتعدد قرائه وتلاحمهم معه .
3 ـ إ ن كل شعر ينتمي إلى نفسه وتتعين صيروارته الدلالية تعددا بحسب قرائه وتلاحمهم معه ، هو شعر يصح أن تقوم فيه " شهامة الشعر " فهو في بذله وعطائه ، وتمايزه عما سواه ، يستند وجودا وحضورا وظهورا إلى خصائصه الذاتيه ، التي تبنيه نصا ، وتؤسسه نسقا ، لا يعترف إلا بنسقه الخاص، ولذا نجده عند قراءاته كأي كائن يمتلك نبل " الشهامة " ( زكي الفؤاد ، متوقدا ، جلدا ) ولقد نستدل على كل هذا حين نعلم أن من علامات بذله وعطائه قوة تواصليته ، ومن علامات تمايزه توهجه إبداعا، ومن علامات مفارقته لما سواه ، عدم اعترافه إلا بنسقه الخاص ، وإن هذا ليعني بامتياز أن النص المفارق هو نص الشهامة التي يتمثلها هذا الشعر في مجمله .
* ـ للشعر إذا " شهامة " فإذا قامت فيه فإنها تجعل مكتوبه خلقا نبيلا وترفعه مكانا عاليا، لا يرقى إليه أي مكتوب آخر إلا إذا ماثله أو ساواه أو وازاه ، ولكي نقول أكثر ، بل كي نقول حقا ، فقد تميز هذا الشعر ليس بوزنه وإيقاعه ، فهذه ـ من منظور معين ـ أدوات لا يعتد بها في إنشائه لأنها " جواز" وجود في بعض المنظوم وليست كذلك في كل المنظوم ، ولكنه تميز بشهامته التي هي سر أسراره ، في ارتقائه إلى سلم القيم ومراتب النبل .
* ـ ونحن لا نشير هنا إلى مبدأ أخلاقي يدخل إلى الشعر من خارجه ، ولكننا نشير إلى أمر تكويني، " فالشهامة" في هذا الشعر هي أصل التكوين التي تم بها مولدا فوجودا ، فحضورا ، فبهاء ، فلإباء ، فجمالا . ولذا فإنها تقوم فيه مقام الإشارة ، وإن المستدل ليستدل بها عليه ، وللتدليل على هذا الأمر قد لا نجد خيرا من المقارنه سبيلا إذا أردنا أن ندرك هذا الأمر فهما بالعقل أو لمسا بالحواس ، وإني لأقول بهذا الصدد إن قراءة شاعر كأدونيس مثلا ، لا تعطيني انطباعا إني إزاء شعر تكونه الشهامة ، بل أشعر أنني إزاء شعر يكاد يفقد الشهامة في أصل تكوينه ، ولقد يعني هذا أنه لا يملك نخوة تستفزه أو تستنهضه في عالم الشعر ، ولذا أجده ناقص بهاء في مولده ، وناقص إباء في وجوده ،وناقص جمال في حضوره ، وهو بهذا أقرب ما يكون إلى المستنسخ وليس إلى الأصيل ، أي إلى ما يصير به الشعر النبيل نبيلا حتى منتهى فحولته وشهامته .
وإذا تركنا المقارنه ، فيبقى أن نقول إن هذا الشعر بسبب قيا م الشهامة فيه في أصل التكوين ، لا يحتاج منا إلى دليل يستدل به على حقيقة المولد ، وما هيه الوجود ، وكيفية الحضور ، لأنه إشارة تدل بنفسها على نفسها .
* ـ ولقد يمكننا أن نقول بيانا لما تقدم ، إن هذا الشعر لا يزال منفتح الدلالة ، وإنه سيظل كذلك أزمنة طويلة، ما دامت صيروراته الدلالية منفتحة في عالم القراء ،على ما لا يمكن أن يحصى منهم عددا .
* ـ فالقارئ يشكل وحدة قرائية ، كما إنه يعد وحدة صيرورية ودلالية ، لايمكن الإحاطة بها زمانا ومكانا، لغة وأقواما ، إحصاء وعددا ، وهو ما دام هكذا فإن مكتوب هذا الشعر، القائم على النص وإلغاء الشخص، سيبقى عند قارئه نابضا بدلالات جديدة على الدوام ، بيد أن أهم ما يجب أن يشار إليه بهذا الخصوص هو أننا لا نستطيع أن نبرز فيه دلالة من الدلالات زاعمين أنها دلالته الوحيدة ، والمستمرة والنهائية ، وإذا كان ذلك كذلك ، فإنا نرى أن " فينيمينولوجيا " هذا الشعر ترتكز إلى شيئين لا ينفكان تلازما:
أولا ـ إنه شعر في الصيرورة يقوم وجوده
ثانيا ـ إنه شعر في النسبية تقوم دلالته .
***
وعودا على بدء يمكننا أن نقول : إن " الشهامة " تمثل قيمة ، فإذا كان الشاعر يوسف طافش قد أعطى لمجموعته الشعرية عنوانا هو ( مراياتشبهني) فإنه قد جعل عبر هذا التركيب الاسمي ( الذي أفرغ فيه اللفظ " مرايا " من كونه فاعلا نحويا، لاعبا بذلك على كونه فاعلا منطقيا ، وهذا هو جوهر لعبة المرايا ، في النظام العلامي للتركيب ) من الضمير " ي " الملحق بالفعل " تشبه " ضميرا نصيا يرتديه كل قارئ تسجل عيناه لحظة القراءة ، وقفة بحث لا عن معناه في مرايا تعكس ذاته ، ولكن عن معنى ذات لمرايا تشبه ذاته . ولما كان هذا القارئ المنضوي في الضمير " ي " فإن المرايا لن تكون في انعكاسها شبها لأحد ، بقدر ما تكون مفهوما لا يمتلكه أحد بسبب توزعه على كل أحد لغوي يشير إليه النص بالضمير العلامي " ي "
ولعمري ليس شيء أقدر على الإخفاء عبر إطار الظاهر ، وإبراز المرئي من المرايا . ألا وإنها ، لعبة تقفز لحظة الولوج قراءة لتذوق عُسيلة النص لغة ، فوق القيم الأخلاقية، باتجاه القيم الجمالية التي تكسو كل القصائد، بحقائق من الألق ، والكبرياء، والأنفة، والبهاء، والثناء ، بوساطة الفقد الدلالي أو التعدد الدال الذي يقوم عليه هذا التركيب . فهنا لا يشبه ضمير النص " ي " وجود المرايا خارجه ( هذه علاقة بسيطة ) ولكن وجود المرايا يشبه ضمير النص الذي ينضوي فيه في الحقيقة وجود كل قارئ " والعلاقة هنا بالإضافة إلى كونها معكوسة فهي مركبة وبالغة التعقيد " .
إن هذا القصد في إنشاء الغموض من خلال الظاهر والمرئي ليعطي للنص جماليا كل قوى السحر ، حتى لكأن " شهامته " تأبى أن تُمتطى إلا بجدارة ، كما تأبى إلا أن تقرأ وتقارب إلا بفهم وحساسية ، بالغة .
وما دمنا في هذا التقديم لا نحلل ، ولكننا نستعرض لكي ندرك بعض تجليات " الشهامة " في هذا الشعر ، فبإمكاننا أن نقف على إحدى القصائد بمنظر آخر ، غير منظور المرئي والخفي هو منظور التعبير الانطباعي ، ففي قوله ـ مثلا ـ عنوانا لإحدى القصائد " قلعة تستحم بقطر الندى " نجد هذا العناق الذي تنطف " شهامة الشعر من خلاله في رحم اللغة نطفة هذا التشكيل الجمالي حيث تبدعه على نحو فريد ، إن نسجا للنص ، وإن تخليقا للكائن ، فالقلعة هنا كائن حي ، مرتفع سامق ، علامة على مجد وقوة ومنعة ، وهي أيضا في الوقت ذاته ، في رقة زهرة ، ورهافة حسناء، وشفافية طيف ، وضوع حلم، لأنها تستحم بقطر الندى ، ولقد نعلم أن هذا نسج من القول ، وضرب من التوليف وإنشاء من العلاقة الاستبدالية بين ألفاظ موجودة بالفعل ، وألفاظ موجودة بالقوة ، غير مألوف ولا معر وف ،.
ولقد نجد في هذه القصيدة أيضا استدعاءات تعبيرية، تقوم أمامنا بوصفها تمثيلات "لشهامة " الشعر ، على مختلف أنواعها ، وتعدد ضروبها ، ومن هذه التمثيلات نجد هذا الاستدعاء التعبيري مثلا :


تطلين من شاهق
آه يا وردة تستحم بقطر الندى
وكذلك القول في القصيدة نفسها :
شممت روائح كل العصور على كتفيك
لأختار عطرا
يليق بليل زفافي
إلى حاضري
ومنها أيضا :
يزحف العاشقون
إلى سدرة في الأعالي
يزفون وجه العروس
إلى شفق في تخوم المدى


***
أخيرا :
لم أقل في هذا التقديم ما يجب أن يقال ولا القليل مما يجب أن يقال ، ولقد عود الأخ الصديق الشاعر يوسف طافش رواد شعره ومحبيه وإن غمطوه ، أو خذلوه ، أو لم يوفوه حقه ، أن يغفر لهم بشموخ الإنسان فيه ، وشهامة الشعر فيه ، وبحبه الذي يغمر كل الآفاق . أوليس هو الذي يقول في قصيدة " كل شيء طويل هناك " :
هناك صقور البراري
تواصل طقس الحياة
وتخصب كل فصول الزمان
فلا خوف من عقم أيامنا
ووددت لو أني تناولت هذه القصائد بتحليل فني أوسع وأشمل من خلال دراسة نصية تطبيقية ، ولكن المجال لا يتسع والمقام لا يسمح ، لأن الغاية مما كتبت هو التقديم لهذه المجموعة ، التي حاولت من خلال مراياها أن تشبهنا جميعا


د . منذر عياشي

 

 
 

الصفحة الرئيسيه