|
" سيناريو
مستقبلي لكونية القصص القصيرة "
إلى احمد
بوزفور و محمد بنطلحة
"أعلينا،إذن،أن نستبدل هذه البقعة وهذه التربة وهذا المناخ
بجنة الحكايات؟ "
جون ميلتون،الفردوس المفقود،ص. 75
من يصدق هذا؟
فجأة،سوف تتضافر كل من خرائط الإحصائيات الديموغرافية
واستبيانات علم وراثة الجماعات،للكشف عن نمو سرطاني لشجرة
انساب كتاب القصة القصيرة فوق كل كيلومتر مربع من الكرة
الأرضية.
وسعيا وراء الغبار اللّماع لهذه التقليعة العرقية
الجديدة،سيعمد النزر الضئيل المتبقي من القراء(هؤلاء الذين
كانوا يسمون قديما، وفق نظرية نقدية آلت للانقراض،ب
"المتلقين") في شتى أصقاع العالم إلى تبديل مهنهم الأصلية
ليصبحوا – بدورهم – كتابا للقصة القصيرة.
أما الدولة وأجهزتها المادية والدعائية،فلم يكن أمامهما
مناص من إشهار تبعيتها المطلقة واللامشروطة لشعب القصاصين
وايديلوجيا مصانع إنتاج الحبر والورق.
الشعب التّواق إلى حاجة السرد ينهمك كليا في تأليف القصص
القصيرة نهارا،والايديلوجيا المتطلعة إلى مرضاة الحكائين
تنخرط بكليتها في طباعتها ليلا.
وفرط تعاقب نهار التأليف وليل الطباعة،ستضيق عن قدرتها
الاستيعابية رفوف و احيزة المكتبات الخاصة والعمومية
بالعدد المهول من المصنفات القصصية التي تطلق يوميا في
سماء النشر، فكان طبيعيا أن تصدر
البلديات قرارها العاجل (حتى لا نقول العادل) بإعدام
الساحات والحدائق لتوسيع المكتبات،ثم جاء فيما بعد حذف
المسارح والملاعب والمدارس والمسالخ والمطاعم والحانات
والمستشفيات ومخافر الشرطة ومبنى الإذاعة والتلفزيون ومقر
البرلمان لتصير أثرا سرديا بعد عين.
على أطراف المدن الميغالوبوتانية،ستشرع السابلة المعدمة في
استخدام المختارات والانطولوجيات والأعمال القصصية الكاملة
بمثابة حجارة واكعاب طوب،يرصصونها بواسطة الاسمنت
المسلح المخلوط برقيقات الرمل
والماء،ثم يبنون منا بصبر رواقي جدرانا صلبها عوالم أليفة
أو فنطاسية،واقعية أو حلمية،جذابة أو منفرة، ملتبسة
الوضوح أو ناصعة السرية،بالغة الرومانسية أو شديدة
القسوة،ولكنها في محصلة التحليل والتخييل انسيابية
وإنسانية في العمق.هناك حيث تحتدم وتتجاور كل الحدوس
والأساليب سواء أكانت فطرية معيارية أم تقنوية
تجريبية.هنالك حيث يجوز اقتفاء إرشادات الأعماق للعثور على
البوصلة لضائعة للتخوم القصوى للكتابة.
وهكذا عاشوا في أكواخ من القصص القصيرة،جنبا لجنب،وجها
لوجه، ندا لند وكجيران محترمين لقائمة مديدة من أساتذة جنس
القصة القصيرة.
ثم حدث أن فاض منتوج القصص القصيرة عن حاجيات
المدن،فاجتاحت فيالقها البوادي ساحقة في طريقها كتيبة
كاملة من الغابات وحقول القمح إلى أن انتهت بالوصول إلى
عقر الشواطئ.
عندها انتظم اجتماع حاشد لهيئة الأمم المتحدة،ودبج توصية
استعجالية تم بمقتضاها رمي التضخم القصصي في قعر البحر.
القعر ذاته،الذي أضحى شبيها بمقبرة مائية عظيمة للمتلاشيات
جراء تراكم المنشورات القصصية فوق ناصية بعضها البعض،إلى
أن تمكن هذا الاطلانتيس الغارق،ذات طفو،من مطاولة السطح
لتسقط حركة الملاحة
عموديا في الدرجة الصفر للسفن.
ثم وصلت الكارثة سريعا،إذ غمرت "التسوناميات " أراض كثيرة
وتزحزحت القارات والمحيطات عن مواقعها الأصلية،ليحدث توزيع
جغرافي جديد حلت بموجبه بحيرات وجزر وأرخبيلات محل بلدان
ودول برمتها وعلى الرغم من ارتفاع مؤشرات الخطوط البيانية
للكارثة والإفلاس الشامل لمصانع الحبر والورق،لم يتوقف
القصاصون عن معاقرة القصص القصيرة أملا في إيجاد تفسير
مجازي لما أحدثوه للعالم.فانبروا إلى تأليف قصص قصيرة
ميكروسكوبية على الورق بتقتير شديد،وحشروا القصص القصيرة
داخل أرحام بعضها البعض،كما كتبوا بأقلام الحبر الجاف قصصا
قصيرة جديدة ثم بجرة ممحاة أرسلوا القديمة منها الى
الهباء.
وبما انه لم يثبت بالحجة والبرهان القاطعين لدابر الشك –
إلى حدود كتابة هذه السطور – أن أيا منهم قد استطاع العثور
على بصيص هذا "التفسير المجازي"،فلن يكون بمقدورهم أو
بالأحرى ما عاد بمقدورهم التوقف قيد سطر واحد عن تأليف
العالم والقصص القصيرة…العالم الذي صنع على الدوام
كونية القصص القصيرة…والقصص القصيرة التي صنعت على الدوام
كونية العالم.
______________________
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|