مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


د . عدنان الظاهر / المانيا

الاربعاء // 6  / 12 / 2006

المتنبي والقيسي /  ثالثاً : في مدينة ديترويت الأمريكية ( دير بورن )

aldhahir35@yahoo.de

نصوص اخرى

 

 

 



www.MARS.com
 



وصلنا بيت الصديق سعيد الوائلي فضغطنا على جرس الدار الكهربائي مرتين . لم نلبث طويلاً حتى جاءنا طفل في حوالي العاشرة من عمره فسألنا باللغة الإنجليزية : مَن أنتما ؟ قلت له هل أبوك في البيت ؟ قال أجل ولكن ، من أنتما وماذا تريدان من أبي ؟ لم يطلْ النقاش مع الطفل أحمد إذْ أطلَّ من باب البيت الداخلي أبو أحمد مُستنكراً هذين القادمين على غير موعد ( لكأننا ضيف إبراهيم... ) . حييته رافعاً ذراعي اليمنى وبصوت عالٍ قلتُ له : كيف حال أبي أحمد ؟ أنا صديقك جئتك زائراً وبرفقتي رفيقك أبو الطيب المتنبي . ما أنْ إلتقط فحوى ندائي حتى هرول مسرعاً فاتحاً ذراعيه مرحباً بكل ما يعرف من عبارات الترحيب والمجاملة . بعد العناق والقبل قادنا إلى داخل البيت معاتباً لِمَ لم نخبره بهذه الزيارة المفاجئة تلفونياً أو بفاكس أو بالبريد الألكتروني . قال إنه كان ممكناً أن لا يكون في هذه المدينة فلديه مشاغل في بعض المدن المجاورة . زاد من عتبه عليَّ بوجه خاص ، أنا الذي إعتدتُ أن أراسله بين يوم وآخر من خلال الإيميل فيرد عليَّ على عجل . قصصنا عليه قصة زيارتنا للصديق أبي نبيل التي كنّا قد إتفقنا معه مسبقاً بشأنها فلم يُفاجأ الرجل بالزيارة التي إمتدت لثلاثة أيام بكامل لياليها . لامنا أننا لم نتصل به ونخبره بوجودنا مع أبي نبيل . قال إنَّ ( هاملتون ) مدينة أبي نبيل الكندية ليست ببعيدة عن
( ديترويت ) الأمريكية . خاصة وإنَّ لديه سيارة ( شيفروليه ) جديدة تقطع القرون والآماد . إعتذرنا بأننا خططنا أن نرتب له زيارة مفاجئة ننفذها على الأراضي الأمريكية لا على الأراضي الكندية . لقاء الأمريكي لا يحلو إلاّ على أرض أمريكية وليس على أرض كندية . ضحك أبو أحمد الوائلي ثم قال : في الحقيقة هذه فلسفة لا أفهمها . فلقد غدا العالم بفضل العولمة قرية واحدة متلاصقة البيوت والحدود . فأنا أدخل الأراضي الكندية بدون تأشيرة دخول . تنهّد المتنبي هازاً رأسه بأسف وحسرة حاسداً الأمريكيين على أنعم الله عليهم . قال مضيفنا ماذا تشتهون قبل العشاء ؟ طلب المتنبي بعض السجائر الأمريكية التي يفضّل ( الكنت ) مع المزيد من الشاي العراقي التخدير . ثم قال لا بأس من بعض زلابية الدبس .... ثم إستدرك معتذراً مقترحاً بعض البسكويت مع الشاي . كان طعم زلابية القيسي الرائع ما زال في فمه وفي فتحتي أنفه بل وحتى في مخيلته . نظر إليَّ خلسةً رافعاً حاجبيه مردداً : زلابية أبي نبيل .... أين القاها .... أخ .... أين ألقاها ؟ متى نزور أبا نبيل ثانيةً ؟؟ أشفقتُ على صاحبي ثم طمأنته قائلاً لعل مع الوائلي ما هو أفضل من الزلابية . إنتظر قليلاً يا هذا ... إنتظرْ . ردَّ بصوت قريب من الهمس الباكي : ليس في الدنيا ما هو أفضل من زلابية أبي نبيل . رجوته أن لا يفتح هذا الموضوع أمام أخينا الوائلي . قال لماذا ؟ لأنه سيلبي رغبتك الجموح بأخذنا بسيارته في هذه الليلة إلى أبي نبيل في كندا كي تشبع زلابيةً ودبساً وزيت سمسم . قال في نشوة طفولية بالغة : سأنسى الزلابية إنْ توفر الدبس في بيت الوائلي . لا تخلو بيوت النجفيين من الدبس والراشي والتمر . هل أسأله إن كان لديه بعض الدبس ؟ أنّبته برفق . طلبت منه أن يسيطر على شهواته البدائية وأن لا ينسى أننا في أمريكا ولسنا في كوفة النخيل والفرات العذب ، ثم إنه مصاب بداء السكّري . إنكمش كالقنفذ الخائف ولزم الصمت . جاء الوائلي وجاءت معه صواني المأكولات الخفيفة التي تسبق وتمهّد للعشاء الثقيل . كنا جائعين حقاً . وكنا مشوقين حقاً لمثل هذا اللقاء . وكان شوق أبي أحمد لا يقل عن شوقنا . إختلطت الأحاديث دونما سياق أو نسق . ذكريات الكوفة والنجف وأسفار المتنبي ما بين بلاد الشام ومصر ثم العراق فإيران. حين شعرنا بالتخمة الخفيفة الأولى إنتقل الحديث إلى إنتفاضة شعبان عام 1991 ثم اللجوء إلى معسكر ( رفحاء ) السعودي . كان الوائلي دائم التنقل ما بين حجرة الضيوف وداره حيث أقامت السيدة أم أحمد مطبخ طوارئ عالي التجهيز. طلبنا منه الكف عن تجهيزنا بالمزيد من الأطعمة . ذكّرناه أنَّ موعد العشاء ليس ببعيد .
ما أن تذكّر أو ذُكِّرَ المتنبي بمعسكر رفحاء حتى تفجّر بنشاط غير مألوف هو مزيج من الإنفعالات العشوائية والغضب والإمتعاض فإزداد وجهه حمرةً وجبهته العريضة تألقاً ولمعاناً . في غمرة هذه الأجواء الشديدة التناقض كان يُلح في طلب المزيد من الشاي الثقيل الوزن واللون والطعم . لم يكن الشاي كافياُ لإطفاء نيران روحه المتأججة ولا ظمأ شفتيه ولسانه ولا هو بالوصفة الطبية الناجعة الكفيلة بإزاحة كوابيس همومه عن صدره المثقل والمتعب . تركنا له المجال واسعاً كيما يصول فيه ويجول وحيداً دون منافسة أو مضايقة أو مقاطعة من أي نوع كانت . سأل الوائلي أول ما سأل : كيف وصلتَ أمريكا بعد مخيم / سجن رفحاء ؟ أسهب الوائلي في الإجابة عن سؤال ضيفه الحيران بدنياه . قال لقد أخذت أمريكا كلاجئين خيرة المثقفين وتركت ما دونهم درجةً أو ثقافةً أو منزلةً إجتماعية لينتشروا في باقي أرض الله وخاصة الأقطار الأوربية . أشعل المتنبي سيجارةً أخرى من بقايا السابقة . أراد أو همَّ أن يقولَ شيئاً لكنه ولداعٍ مجهول أحجم عن القول وظل صامتاً يلتقط بصعوبةٍ أنفاسه . أراد الوائلي ان يلطّف الجو المشحون بالتوتر فسأل المتنبي : وأنت يا أبا مُحسّد ، أين أنتهى بك المطاف بعد رفحاء الجحيم والعذاب ؟! أغضى المتنبي أو تغاضى عن السؤال متريثاً مفكّراً بعمق . إعتوتم وجه الشاعر ، إكفهرَّ وغام . أعاد الوائلي سؤاله وهو يقدم له بعض قطع البسكويت الأمريكي .
تململ الشاعر الكوفي . غيّر قليلاً من وضع جلسته على المقعد الوثير إستعداداً للإجابة . نفض رماد سيجارته التي توشك على الإنتهاء . قال ببطء شديد مقتصداً في كلماته التي كان يختارها بعناية ودقة يمازجها الكثير من الحزن والألم . قال : رفضت أمريكا أو حكومة الولايات المتحدة الأمريكية طلب اللجوء السياسي . سأل الوائلي بلهفة عارمة لماذا ، أجل ، لماذا ؟؟ لم يتجاوب المتنبي وهذه اللهفة التي لم يكن يتوقعها على ما يبدو . أطرق طويلاً ثم عاود الكلام فقال : رفضت أمريكا طلب لجوئي متهمة إياي بأنني من الإرهابيين ، نعم ، من الإرهابيين . قالوا لي إنك من أنصار القاعدة وجماعة بن لادن . كانت بالنسبة لي ولأبي أحمد أكثر من مفاجأة ، كانت قنبلة مدوية . أصخنا السمع متوجهين صوب الشاعر في حركة نحثه بها على مواصلة الكلام . تجاوب مع رغبتنا فواصل الكلام قائلاً : قالوا إنَّ لديهم أدلة كثيرة أني كنت أحد الذين شاركوا في هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 التي وقعت في نيويوك . وقبل ذلك ، قالوا إني متهم بمعاداة السامية لأنني قلتُ في بعض قصائدي :

ما مُقامي بأرضِ نخلةَ إلاّ
كمُقامِ المسيحِ بين اليهود ِ


وقلت في أخرى :

فلا تسمعنَّ من الكاشحينَ
ولا تعبأنَّ بعجلِ اليهودِ


تبادلتُ نظرات الدهشة والإستنكار مع أبي أحمد . لا نرى أية إشارة على معاداة السامية في هذا الشعر . بل ، وكيف يُتهم رجل فارق الحياة قبل حوالي إثني عشر قرناً من الزمان ... كيف يُتهم بالمشاركة في حوادث تفجيرات نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية ؟؟!! إنبسط المتنبي قليلاً فعلّق ساخراً : هل نسيتما إننا نحيا في بداية القرن الحادي والعشرين .... قرن العولمة والقرن الأوحد .... أقصد القطب الأوحد والأشأم
و(( الأضرط )) من كافة القرون والعصور ؟؟ ضحكنا جميعاً إذ تبدل الجو المكهرب بفضل فكاهة أبي الطيّب المتنبي وطبيعته الساخرة والماكرة معاً . وليزيد في حجم الإنفراج قال الوائلي تهيأوا للعشاء . كل شيء أصبح جاهزاً . هل تودون غسل أيديكم ؟ تفضلوا ، ها قد نقل أحمد كافة الصحون وباقي مستلزمات العشاء إلى غرفة الطعام .
على مائدة الطعام تجاسرتُ أن أسأل المتنبي : ماذا بعد ، أقصد بعد رفضك لاجئاً في أمريكا ؟ قال أعطني مهلة ريثما أشبع جوع بطني ، إصبرْ قليلاً يا هذا وسأقص عليك (( قصة عنتر )) كاملةً . غاب المتنبي بين الصحون الفاخرة التي أعدتها السيدة أم أحمد . لا يدري أين يضع عينه ويديه . لا يستسيغ إستعمال الشوكة والملعقة بل ، وربما لا يعرف كيف يفيد منهما . نعم ، غاب الرجل الجائع وتركني أتحدث مع أبي أحمد بخصوص شؤون موقعه ( الهدف الثقافي ) ونيته في أن يفتتح ملحقاً للموقع باللغة الإنجليزية. قال أراها مغامرة ولكن سأجرب . سوف لا أخسر شيئاً والحياة ذاتها مغامرة بل وسلسلة من المغامرات . رفع المتنبي رأسه وقد إلتقط لفظة ( مغامرة ) ثم قال سأقص عليكما باقي قصتي ونحن على مائدة الطعام ، فإنها مغامرة كبيرة قد لا يصدقها عقل بشري . تركنا ما أمامنا من طعام لذيذ وأصغينا لما سيقول الشاعر العملاق من مفاجآت . قال عرضتني منظمات اللجوء على الكثير من عواصم الدنيا فلم تقبلني إلاّ عاصمتان فقط . تصوروا أن بلد الكنانة مصر رفضت قبولي على أراضيها . إتهمتني حكومة حسني مبارك بالشعوبية وبأنني صفوي صديق أو صنيعة بلاد فارس لا لذنب إلاّ لأنني قبلت دعوة الكاتب الرائع إبن العميد فزرت ( أرجّان ) ثم ( شيراز ) بدعوة من الشاه عضُد الدولة البويهي وقلت في الرجلين ما يستحقان من مديح . ثم عذلتني حكومة مبارك لأنني ذممتُ صاحبهم كافوراً الإخشيدي وقلت فيه ما قلتُ مما يستحق وأكثر من قبيل :

لا تشترِ العبدَ إلاّ والعصا معه
إنَّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ

نامت نواطيرُ مصرٍ عن ثعالبها
فقد بَشِمنَ وما تفنى العناقيد

صارَ الخصيُّ إمامَ الآبقينَ بها
فالحرُّ مُستَعبدٌ والعبدُ معبودُ


كما رفضتني حكومة بلد عربي آخر بتهمة الزندقة والإلحاد والمجوسية لأنني قلت في بعض أشعاري :

ومن خَبِرَ الغواني فالغواني
ضياءٌ في بواطنه ظلامُ


فإتخذوا من هذا البيت حجةً على أني مجوسي ثنيوي مانوي وما كنتُ يوماً هذا ولا ذاك والله شاهدٌ على ما أقول .
زاد فضولنا وأملنا جسدينا نحو الرجل ننتظر ما سيقول . أشار لي أبو أحمد بعينيه أن لا أقاطع الرجل أو أحثه على الكلام ، إنه بدأ يتكلم فلا من داعٍ للحث والضغط والإفراط بالفضول . فعلاً ، إسترسل الشاعر فقال : نعم ، لم تقبلني لاجئاً أو ضيفاً إلا عاصمتان هما طرابلس ودمشق . زاد فضولنا جموحاً فإنصرفنا إليه كالأطفال يمدّون أيديهم طالبين [ عيديتهم ] من أبيهم . تهللنا وصفقنا وغنينا مع تقديم أجمل عبارات التهاني . إكفهر وجه المتنبي قليلاً طالباً منا بعض الصبر وأن لا نتعجل الأمور . فلكل حدث زمان لا ينضج إلاّ فيه . قال لم تزودني هاتان العاصمتان إلاّ بوثيقة سفر مؤقتة ( لاسيه باسيه ) محددة بإتجاهين لا ثالث لهما : السفر ما بين العاصمتين فقط . ثم ، عليَّ تجديد هذه الوثيقة مرتين كل عام . أرحت جسدي على مسند الكرسي متنهداً تنفيساً غير إرادي عن هم لازمني مذ عرفتُ المتنبي عام 1948 . قال لي أراك قد إنبسطتَ من سماع قصتي . قلت أجل ، وجدت بعض عواصم العرب حلاً لمشكلتك التي إستعصت حتى على هيئة الأمم المتحدة . عاود أبو أحمد مغازلة صحون طعامه غير آبهٍ بحديثي مع المتنبي . رفع رأسه بعد لقمة أو لقمتين ثم قال : هل أجرؤ أن أسال ضيفي [ ولو أن في ذلك بعض سوء أدب ] وكيف كنتَ تدبر أحوالك المعاشية في هاتين العاصمتين ؟ قال لم أجد في ذلك مشكلة . كنت أستلم الكافي من النقود تدفعها لي دور النشر لقاء إعادة طبع ديواني وتنتفع هذه الدور كثيراً من هذه العملية ، بزنس !!
ثم ، كنت وما زلتُ أكتب مقالات وتعليقات سياسية وأخرى أدبية في الشعر والنقد الأدبي وأتقاضى عنها مكافآت مجزية . الحمد لله ... لا جوع في دمشق ولا مسغبة في طرابلس ، الحمد لله ، زادنا كفافنا . سألته : وهل كنتَ تبعث بعض المال لجدتك التي تعهدتك وربتّك بعد رحيل والدتك والتي تركتها منذ زمن وحيدةً في الكوفة ؟ قال بإقتضاب : بين حين وآخر. أرسلت لها مرة مع بعض المعارف كمية محترمة من الدولارات الأمريكية { هنا شدد على كلمة دولارات بقوة } لكنها لم تقبض شيئاً منها. [[ ضربها الرسول ]] طولاً وعرضاً ، لذا توقفت عن إرسال المزيد . عدتُ أسأله وأين تقيم في دمشق وطرابلس ؟ قال أقيم حين أكون في دمشق في إحدى الحجرات المخصصة لزوار السيدة زينب في ضواحي دمشق . اما في طرابلس فقد خوّلني صديقي الشاعر مظفر النوّاب صاحب ( للريل وحمد ) أن أقيم في الغرفة المخصصة له بشكل دائم في [[ فندق الشاطئ ]] الواقع في منطقة جرجارش من العاصمة الليبية طرابلس . غمزتُ لأبي أحمد بطرف عيني وسألت شاعرنا المغبون حياً وميتاً : أين تجد إقامتك أفضل ، في دمشق عاصمة الأمويين أم في طرابلس عاصمة السنوسيين ؟ إستنكر سؤالي هازاً رأسه نافياً رغبته للإجابة عن هذا السؤال . أعدت عليه سؤالي لكنه أغمض عينيه نصف إغماضة متوسلة ففهمت أنه لا يريد الإجابة ، لا يريد أن يتورط في ما لا طاقة له به . بعد لحظة تفكير إعتدل بتحدٍ ثم قال إسمعْ يا هذا : لا أجد فرقاً بين العاصمتين . أجد نفسي في غاية الراحة في كلتيهما . أنا بين أهلي وأحبابي. ثم ، كيف جرؤت على تسمية دمشق بأنها عاصمة الأمويين وطرابلس عاصمةً للسنوسيين ، كيف ؟ تضاحكت قليلاً ثم قلت : وأية غرابة في ذلك ، أفلم تكن دمشق عاصمةً للخلافة الأموية ؟ قال بلى ، قد كانت . أفلم تكن طرابلس عاصمة الملك المخلوع إدريس السنوسي ؟ قال بلى واللهِ ، قد كانت . إذاً ، ما الذي يخيفك في هذا الأمر ؟ ما الذي أزعجك ؟ قال قد كانتا كما تفضّلتَ ولكنهما الآن غير ما كانتا في السابق . قلت إنَّ اللاحقَ لا يمحو السابق ، إنما ينضاف إليه . هو التأريخ تراكم في الزمن والحوادث . قال أحسنتَ . الآن إقتنعتُ بوجهات نظرك . قلت للشاعر القلق في دنياه وآخرته : إن كنتَ تحمل وثيقة سفر مؤقتة ومحددة الحركة ما بين دمشق وطرابلس ، كيف وصلت ألمانيا وذهبتَ معي لزيارة القيسي في كندا ثم الوائلي في أمريكا ؟ نظر إليَّ نظرة عتاب عميق ثم قال : أمثلك يسألني مثل هذا السؤال ؟ ألححتُ عليه أن يجيب حتى قال ليس في الأمر من مشكلة .... زرت كل هذه البلدان الجميلة والتي رفضتني لاجئاً ... زرتها بجواز سفر مزوّر وتأشيرات دخول مزوّرة . هل أجبتك على سؤالك ؟ أجل يا متنبي ، قد أجبتَ . نظر في ساعته فجأة ثم تساءل موجهاً السؤال لصاحب الضيافة والكرم : هل من مزيد أم قد أفرغنا قدور أم أحمد ؟ أجاب أبو أحمد بعفوية وسرعة بالغتين : كل الليل عشا . قاطعته قائلاً بل سيحين قريباً موعد رحيلنا ولقد كنا في غاية السرور إذ رأيناك وشاركناك طعامك وتعرفنا على المحروس أحمد . سأل ومتى سنلتقي ثانيةً ؟ لقاؤنا القادم في مدينة ميونيخ إذ سيلتحق بنا القيسي وبهجت عباس وستكون أعيادنا دون حدود .
 

 
 

الصفحه الرئيسيه