|
ثانيًا في مدينة هاملتون الكندية
www.MARS.com
كان القيسيُ في إنتظار مقدمنا لدى باب حديقة داره . كان يرقب الطريق
الممتد بين صفوف الأشجار الباسقة ينقّل خطاه بتؤدة مَن تخطّى منتصف
السبعين من العمر... هنا وهناك ضمن دائرة ضيقة محدودة تصريفاً لما
يعاني من قلق ومن شوق مضطرم لرؤيا الغائبين عنه ردحاً طويلاً من الزمن
. هل حقاً سيرى بأم عينيه الواهنتين الشاعر الأكبر الذي شغل الناس وملأ
الدنيا ؟ وهل هو أبو الطيّب المتنبي بعينه ؟ المتنبي الذي طالما إلتقاه
في سبعينيات القرن الماضي حين كان يزور كلية العلوم في الأعظمية ؟ ما
الذي ، تُرى ، قد تبدّل فيه وكيف واجه وصبر على عاديات زمانه وتقلبات
الدنيا وما جرى على العراق من مصائب وويلات ؟ أما زال ذلك الرجل العنيد
المكابر والمشاكس والفخور بنفسه ونسبه وأصله حدَّ التهوّر والهوس ؟
لم تطل حيرة القيسي وزال بعض توتره فلاحت على محياه ملامح الغبطة
والنصر . فلقد أخذ شبحا شخصين يقتربان من باب حديقة داره . عدّل من وضع
نظارته الطبية ذات العدستين السميكتين كما كانت عادته دوماً . مدَّ
رأسه إلى الأمام قليلاً كيما يتأكد من هوية القادمين يحثان الخُطى غير
آبهين بحركة مرور السيارات المسرعة . لم يصدقا عينيهما !! هل هذا هو
القيسي ، قيسي سبعينيات القرن العشرين ؟ ما أن إقتربا منه حتى علا
الهتاف من كلا الطرفين : أهللللللللللا ..... أهللللللللا ....أهلللللللا
.... كيف الحال ؟ أهذا أنت أبو نبيل الصديق الصدوق ورجل الملمات العفيف
الطاهر الذيل واللسان ؟؟؟ نعم أنا هو ولكن كما ترياني ، ما ظل حيل فيَّ
ولا ظلت عيون . تخطينا كل حواجز المصائب وقفزنا بالطول والعرض لكي نفلت
من خطر الموت الذي كان يحدّق بالجميع ، مفاجئاً الناس من كافة الجهات
وفي كافة الأوقات ليلاً ونهاراً .... علناً وبالخفاء .... صدفةً وقصداً
. هنيئاً لكما أنكما غادرتما العراق صيف عام 1978 ولم تريا ما جرى لنا
بعدكا . هنيئاً لكما ولأطفالكما الذين أنقذتم . ثم بدأ العناق والشم
والقُبل وتكرير الأسئلة عن الصحة والأحوال . دخلنا حجرة الضيوف الواسعة
والمؤثثة تأثيثاً جيداً يتصدرها جهاز تلفزيون عريض الشاشة كان ينقل
برامج بعض الفضائيات العربية . في غمرة فرحته الطاغية نسي القيسي أن
يسأل ضيفيه عما يودان تناوله من المشروبات وهو المضياف الكريم يداً
ولساناً . نهض إذ فطن الرجل لهذا السهو مسرعاً ليجلب لنا خليطاً منوّعاً
من المشروبات الباردة والحارة يتوسطها وعاء الشاي الحافظ للحرارة (
ثرموس ) مع بعض الطعام الخفيف المكون من الكيك والبسكويت وبعض الحلوى
مما يأكل الناس مع الشاي .... موضحاً أن ذلك إنما هو طعام خفيف لإراحة
الجسد بعد السفر الطويل تمهيداً للوجبة الثقيلة التي أُعدت لنا منذ
صباح ذلكم اليوم الأغر في حياة الضيف والمَضيف .
في غيبة القيسي القصيرة لإحضار الشاي وملحقاته قال المتنبي متنهداً :
أسفاً عليك أبا نبيل ، تغيّرت كثيراً . سقط شعر الرأس وتساقط الكثير من
الأسنان وإنحسرت قوة البدن وظهر الوهن وتقوّس الظهر قليلاً . ردد
المتنبي أسفه مع الكثير من الحسرات . ثم زاد : إنه مختلف عن القيسي
الذي رأيت صورته معلّقةً على أحد جدران بيتك في مدينة ميونيخ الألمانية.
طبيعي ، طبيعي يا أبا الطيب . إنه لأمر جدَّ طبيعي . تلك كانت صورته في
العراق قبل ثلاثين عاماً ، أما ما ترى ومن ترى الآن فإنك ترى القيسي
الحقيقي في كندا لا صورته في بغداد ، قيسي شهر كانون الآول من عام 2006
. قال : مع ذلك ، فلقد شخصته وعرفته على الفور . ما زال فيه شئ من ذلك
القيسي الذي عرفت أول مرة . هنالك شئ جوهري في الإنسان لا يتبدل ولا
يتغير . أحسنتَ أبا الطيب . عدتَ تتكلم الحكمة والفلسفة والرأي السديد
.
حين قفل القيسي راجعاً سألنا عمَّ كنا نتحدث . لقد أحس أن الجو ساخنٌ
وأن أمارات الجد كانت واضحة على وجه المتنبي . غيّرنا وجهة الحديث
وطفقنا نسأل مضيّفنا عن أحواله الجديدة وعما إستجد في حياته في هذا
البلد الأمين البعيد وهل ضمن الإقامة الدائمة فيه وغيرها الكثير من
الأسئلة الملحاحة . فضّل الرجل تأجيل تقديم الإجابات حتى وقت متأخر من
الليل. سأله المتنبي وهل سنبيت الليلة في بيتك العامر هذا ؟ بالطبع ،
أجاب ، بكل تأكيد . هذا بيتكما وأنا فيه الضيف . فيه حجرتان واسعتان
مجهزتان بكل مستلزمات الراحة العصرية أُعدتا لإقامتكما حتى لو بقيتما
معي عاماً كاملاً . هكذا عهدناك أبا نبيل . قلت للمتنبي بصوت خفيض :
أفلمْ أقل لك هذا الكلام ونحن في مدينة ميونخ ؟ قال بلى ، أذكر ذلك .
كنتَ حائراً أين سننام . لا يحار شخص في حضرة القيسي . لا حيرة معه أو
بوجوده . هو نفسه حضرة وحضور دائم . هو الرجل الذي لا يغيب .
كنا جميعاً نخوض معاً في أكثر من حديث . لا نكاد نتمه إلاّ وبدأنا
الخوض في غيره . حين يطفح الشوق تغرق الذات الواعية . وحين يطغى طوفان
الهموم والذكريات يتعطل اللسان الفصيح وتنحرف السويّة .
قاربت الساعة السابعة مساء فكان العشاء جاهزاً . كانت قناة فضائية
الجزيرة ما زالت تبث الأخبار ... آخر الأخبار المستجدة : إنفجاران في
شارع الرشيد . إنفجار سيارة مفخخة في مدينة الثورة . إنتحاري يفجّر
نفسه في وسط سوق شعبي في مدينة الحرية . سقوط قذيفتي هاون في المنطقة
الخضراء . إقترح المتنبي غلق جهار التلفزيون أو إيجاد قناة أخرى تبث
برنامجاً ثقافياً أو فيلماً جيداً أو مسلسلاً روائياً أو ما شابه ذلك .
بعد أن تناولنا ما أعد القيسي وحرمه لنا من أطايب الطعام العراقي
فاجأنا بنوع من الحلوى غير معروف للعراقيين من أمثالنا . ما هذا يا أبا
نبيل ؟ زلابية أعددتها بمربّى أو عصير التمر ( الدبس ) بدل السكّر
المألوف ، ثم بزيت السمسم بدل الدهن الحيواني . كنتُ متهيباً أن أجرّب
هذا النوع الغريب من الحلوى . حثني صاحب الضيافة أن أحاول . قال جربها....
ستجدها لذيذة الطعم ولسوف تطالبني بالمزيد والمزيد منها . بل وستطلب
مني أن أرسل لك شيئاً منها بالبريد الجوي العاجل إلى ألمانيا لتقدمها
لضيوفك هناك . ما كان المتنبي مبالياً مثلي وما كانت لديه أية تحفظات
على هذه الحلوى الغربية الإعداد ، حيث إنصرف كليةً لها ، يتناول
شبابيكها بأصابع كلتا يديه منتشياً بطعمها غارقاً في عالم آخر . هذه
إحدى بركات زيارتنا للقيسي في منفاه الجميل .... قلتُ لأبي الطيّب فلم
أسمع منه رداً . كان في عالم آخر ... عالم البقلاوة والزلابية .
في غرفة الإستقبال إستأنفنا الأحاديث المنوعة . طلب المتنبي من القيسي
أن يقرأ علينا شيئاً من آخر أشعاره التي نظمها بعد مغادرته العراق عام
2002 . قال أنا كما تعرف رجل كيميائي إنما أنت الشاعر ولستُ أنا .
تدخلت معترضاً لأذكّره أنه نشر قبل بضعة شهور ثلاث قصائد يدور بعضها
حول مأساة العراق الحالية التي تفوق التصور البشري . كما تكلم في واحدة
منها عن الجوانب الشعبية من بغداد وأهل بغداد البسطاء كباعة الطرقات
ومرتادي المقاهي البائسة والحرس الليلي وكلاب الليل السائبة وشقاوات
بغداد وبعض الحشاشين وقطاع الطرق . وعد وقد أحرجته أن يقرأ للمتنبي بعض
أشعاره ولكن في ليلة أخرى وفي جو آخر أكثر ملائمة.
ونحن نتجول في مناحي مدينة هاملتون الكندية سال المتنبيُ القيسيَ إنْ
كان يعرف الدكتور بهجت عباس علي حيث هو الآخر مقيم في كندا منذ عام
1982 . إعتذر من أنه لا يعرفه . قال المتنبي : أتسمح لي أن أكلمه
مستخدماً جهاز تلفونك المحمول ( الموبايل ) ؟ قال تفضّل . إنسحب الشاعر
قليلاً مبتعداً عنّا وهو في غاية الإنتشاء مردداً كلمات المجاملة
المعهودة والسؤال عن الصحة والأحوال يبتسم حيناً ويضحك عالياً حيناً
آخر . تركناه على سجيته ليمارس حريته في الحديث مع صديق آخر له جمع
العلم والشعر والترجمة والأدب معاً . حدّثه عن آخر كتابين صدرا له منذ
فترة قريبة يضمان ترجمات شيّقة ناجحة لأشعار مشاهير الشعراء الألمان من
أمثال غوته وهاينة وريلكة وهولدرلين وآخرين غيرهم . سمعناه يردد كلمة (
أورفيوس ) مراراً طالباً المزيد من المعلومات عنه وعمّا قاله الشاعر [
ريلكة ] فيه وفي أسطورته . طالت المكالمة التلفونية بين الرجلين ولكن
تساءل المتنبي قبيل نهايتها أفي إمكان صديقه دكتور بهجت عباس المجئ إلى
( هاملتون ) لتقديمه للصديق القيسي ثم للحوار وتبادل الأحاديث وذكريات
العمر ؟ أنكر المتنبي جواب بهجت إذ أخبره أن المسافة بين ( تورنتو ) و
( هاملتون ) إنما هي مسافة كبيرة . إلتفتَ نحوي وهو يرد على بهجت قائلاً
: أخبرني هذا الرجل ونحن في
( ميونيخ ) أن المسافة بين مدينتك ومدينة القيسي هي كالمسافة بين النجف
والكوفة . كان المتنبي في هذه اللحظة بادي الإمتعاض ينظر إليَّ شزراً
وفي عينيه الكثير من العتب والشتيمة غير المعلنة صراحةً . أقفل التلفون
معتذراً من صاحبه أنه أطال الحديث . لا لقاء مع الدكتور بهجت عباس على
الأرض الكندية إذاً .... ما أقسى الحياة وما أقسى قانون المسافات .
لا تبتئس يا صاحبي ... هناك إمكانية لتعويض هذا الفشل . قلت للمتنبي
فسارع للسؤال : كيف ؟ ماذا تقصد ؟ سنزور الصديق النجفي سعيد الوائلي ،
زميلك في معسكرات ( رفحاء ) السعودية بعد إنتفاضة شعبان 1991 ... صاحب
موقع { الهدف الثقافي } الذي قام بنشر أشعار أبي نبيل القيسي قبل فترة
قصيرة . قال وأنعمْ به وأنعمْ به ... نِعمَ الفكرة . ثم أردف قائلاً :
ما دام الرجل نجفياً ووائلي النسب والأصل العائلي فإني أجزم أنه شاعر .
إنه لكذلك يا أبا الطيب ، كما حدستَ وأكثر . قال ماذا تعني و " أكثر "
؟ إنه موسيقي وممثل وصحافي وناقد ومترجم للشعر من العربية إلى
الإنجليزية وبالعكس . إنه رجل متعدد المواهب والإمكانات . لم يطقْ
المتنبي صبراً فأخذ يلح ويُلحفُ بالسؤال متى سنحقق هذه الزيارة . قلت
له إنَّ الأمر متوقف على قرار مضيّفنا أبي نبيل ، متى يسمح لنا بمغادرة
( هاملتون ) . عاد إلى إلحاحه متسائلاً : وهل مكان إقامة الوائلي بعيد
عن مكان إقامة القيسي كما هو الحال مع دكتور بهجت صاحب ( ريلكة ) ؟ قلت
نعم ولا . تضاحك المتنبي ضحكة المغبون رافضاً جوابي . وضّحتُ له قصدي .
يقيم الوائلي في القارة الأمريكية في مدينة ليست بعيدة عن الحدود
الكندية . إنه في مدينة (( مشيغين )) التابعة إلى ولاية (( ديترويت ))
... مدينة مصانع السيارات الشهيرة . إنفرجت أسارير الشاعر كأنه بلغ
منيته على الفور . قال هل سنبلّغه بزيارتنا له وبموعدها تلفونياً ؟ قلتُ
كلاّ ، بل سنجعلها زيارة مفاجئة . أعرف رقم تلفون بيته وعنوان هذا
البيت . إني كما قد تعلم أعشق المفاجآت النظيفة . إعترض الشاعر على
موضوع المفاجآت . قال قد تسبب هذه المفاجأة لصديقنا في أمريكا بعض
المضايقات وبعض النتائج غير المحسوبة أو غير المتوقعة . قد يكون مسافراً
إلى مكانٍ أو بلد آخر ، أو أن يكون مريضاً أو أن بيته لا يتسع لضيفين
ثقيلين من أمثالنا ... أضاف مازحاً . سوف لا نمكث مع الوائلي إلاّ
لبضعة ساعات ... فالرجل مشغول ومنصرف كليّةً لموقع " الهدف الثقافي "
... ليس لديه الكثير من الوقت يقضيّه مع الأصدقاء . نزوره للسلام
والإطمئنان على صحته وأحوال أطفاله وعائلته . ثم لتثير معه بعض ذكريات
معسكر ( رفحاء الرهيب ) . ثم لتستمع إلى بعض أشعاره وما ترجم في الآونة
الأخيرة . كلام معقول ... أوافق على مثل هذه الزيارة ..... علّق
المتنبي بإختصار شديد .
منتصف نهار اليوم الثالث ودّعنا الصديق القيسي فإنهمرت دموع المتنبي
وبكى وإنتحب كأنه ما بكى يوماً في حياته . ثم طفق يردد شعر معروف
الرصافي :
وإني جبانٌ في فراق أحبّتي
وإنْ كنتُ في غير الفراقِ شجاعا
هل من لقاء آخر يجمعني بالقيسي والمتنبي قبل الرحيل إلى العالم الآخر ؟
لا أدري . في كندا ؟ في ألمانيا ؟ في العراق ؟ على سطح كوكب المريخ
( مارس ) ؟؟!! .
مَن يدري ؟؟!! .
|