الولادةالاولى
نصوص
مقالات
حوارات
راي ومقال
مسرح
مواقع واعلام
صـور
** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم اينما كنتم **
لوحات خط
لوحات زيتيه
ضحايا الارهاب
المكتبه
اتصل بنا
د . عدنان الظاهر / المانيا
*الخميس 27/ 7 / 2006
ذكرى وتأريخ / موسكو
aldhahir35@yahoo.de
نصوص اخرى
* ذكرى وتأريخ / الفصل الخامس / ليبيا آب 1978-1984
* وداعاً نينَوى رواية للدكتور زهدي الداوودي
* سرير الرمل
* ريباخا – الرافعي/ مجموعة قصصية لأنيس الرافعي
* مقتطعات الرنين
* عشرون و تموز
*فاتحة مرشيد... دُلفين الأعماق السحيقة
*هاملت أديب كمال الدين
* القاروره
* المتنبي في الكوفة
* الشعراء والأديان الأُخرى
* المتنبي واكراد الحله
دخلنا شهر حزيران عام 1966 فجاءتني من الأهل رسالة يقترحون فيها أن نلتقي في لبنان وسوريا فوافقت على الفور، وكم كنتُ مشوقاً أن أسمع مثل هذا الإقتراح. سيّما وقد وعدت الوالدة في لحظة فراقنا في بيروت صيف العام المنصرم أن نلتقي ( إذا بقينا طيبين ). سارعتُ على عجل لأحجز لي مكاناً في الباخرة السوفياتية التي سوف تقلّني من ميناء ( أوديسا ) على البحر الأسود إلى بيروت، كما فعلت العام الماضي. قدّمت الطلب الأصولي إلى السيدة ( زويا بتروفنا ) للسماح لي بمغادرة أراضي الإتحاد السوفياتي والعودة إليه، أي طلب تأشيرة خروج وعودة، كما كانت تقتضي التعليمات المتبعة. كما قدّمتُ لها طلباً خطياً آخرَ أرجو فيه حجز مكان لي للإصطياف لمدة أسبوعين على البحر الأسود سويةً مع تذكرة السفر إلى هناك بالطائرة. إبتعتُ بعض الهدايا البسيطة المصنوعة من الكهرب أو الخشب المزخرف وما شابه ذلك. كنتُ أوائل شهر تموز جاهزاً للسفر تماماً. وصلت الباخرة ميناء بيروت أوائل الأسبوع الثاني من هذا الشهر فكانت والدتي في إنتظاري على رصيف الميناء وكانت معها شقيقتي ( نجاة ) وإبنة شقيقتي الأخرى ( سميرة ) وإبن العم ( حمزة داوود السلمان ). هذا هو العيد الأكبر. جاء الأهل وجاء العراق بأكمله معهم شماله ووسطه وجنوبه ورافداه ونخيله. جاءت معهم وفيهم طفولتي ومدارج فتوّتي وصباي. جاءت معهم المدرسة الشرقية الإبتدائية للبنين ومتوسطة الحلة ثم ثانوية الحلة للبنين.لم أصدّق ما أرى. أين الوالد وأين بقية أشقّائي ؟ لم تسمح لهم الظروف السائدة يومذاك على مغادرة العراق. أعيادٌ وأعياد، سواء في بيروت أو في سوريا. في دمشق يكون المكان المفضّل للوالدة هو مرقد السيدة زينب. أما في بيروت فأنسب مكان لإبن العم السيد حمزة هو ساحات سباق الخيول.كان الرجل ( ريسسجي ) من الطراز الأول. خسر هناك معظم ما حمل من نقود فأضطر إلى العودة إلى العراق قبل باقي الأهل. زرنا ونحن في دمشق الجامع الأموي ومصيف ( الزَبَداني ) و ( دُمّر ) و ( الهامة ) وتناولنا الشاي في بعض مقاهي جبل قاسيون المطلّة على دمشق. كما إغتسلت بماء مجرى نهر بردى حيث كان الماء فيه شحيحاً. في دمشق أكلت أكلة ( الشاورما ) فكدت أن أموت من حالة تسمم حاد أنهك جسدي إسهالاً وتقيوءاً. تواطأ صاحب الفندق مع جاره صاحب المطعم فتظاهر إنه طلب سيارة إسعاف لإتقاذ حياتي. كان يدير أرقام تلفونه لكننا ما كنا ندري مع من يتكلم ولا بأي موضوع كان يتكلم. طال الإنتظار فطلبت من شقيقتي أن تشتري لي وعلى وجه السرعة كمية كبيرة من الليمون الحامض واللبن الحامض الثخين وأن تجهز لي شاياً ثقيلاً بدون سكّر. قدّمت لي كؤوس عصير الليمون وصحون اللبن وأقداح الشاي فتحسنت حالتي وتوقف القيء والإسهال تدريجياً. هل يحدث مثل هذا في مدينة أوربية مثلاً ؟ لماذا يحدث في دمشق ومع مواطنين من الجار الشقيق العراق ؟ كيف سكت كالشيطان الأخرس صاحب الفندق وهو يرى الموت مني قاب قوسين أو أدنى ؟ ظهرت بعد ذلك مباشرةً آثار حمى قوية جداً نتيجةً لإرتفاع درجة حرارة الجسم وقوّة الفايروس الذي أصاب الجهاز الهضمي. إنتشرت بثور كبيرة حول الفم وتحت أنفي وبقيت لمدة طويلة تسبب لي حرجاً وآلاماً مبرّحةً. أقسمتُ أن لا أرى دمشقَ ثانيةً. سلوى في بيروت عرّفتني شقيقتي على فتاة عراقية جاءت للإصطياف مع شقيقتها وزوج شقيقتها وأحد أطفالهم.كنتُ محظوظاً بهذه المعرفة غير المتوقعة. فلقد كانت ( سلوى ) بمثابة أهلي بعد أن غادروا بيروت عائدين إلى العراق. كنّا نقضي معظم أوقاتنا معاً في بيروت نهاراً وفي مصيف ( بحمدون ) الدُرزي أو في مصيف ( عالَيْ ) الماروني مساءً. نتسوق من هنا ومن هناك ونتمشى في الشوارع وكان الإنسجام عالياً بيننا. كنت أرى شقيقتي في وجهها وكانت تراني لها أخاً وتجد فيَّ حصناً ودرعاً واقياً خاصةً بعد أن زرت بقية أفراد عائلتها في فندق إقامتهم في ( بحمدون ). أطمأنّت العائلة لي وسمحوا لها أن ترافقني نهاراً وفي الأماسي. في بيروت كانت تبحث عن محل لبيع الكتب معروف ولم تبين السبب. وجدناه أو إهتدينا إليه فوجدنا فيه شاباً أسمر البشرة. حيّته فأجاب ببرود.لم ينهض لمصافحتها ولم يسألها عن سبب وجودها في بيروت ولا مع من جاءت. عرّفته عليَّ فكان قليل الإكتراث. قالت لحظة أنْ تركنا المكتبة إنه إبن خالتها. ترك العراق للعمل في الكويت. ما سر بروده وعدم إكتراثه ببنت خالته التي فارقها لعدّة سنوات ؟ ما كان سبب إصرارها أن تراه وكيف عرفت المكان الذي يتردد إليه حين يأتي بيروت قادماً من الكويت ؟ لماذا ترك العراق وهل كان الدافع سياسياً وقد وقعت في العراق أحداث وأحداث مثيرة وتقلّبات سياسية لا حصرَ لها ؟ جائز، ولكنْ ما شأني وكل هذه الأمور المعقّدة التي لا تمسني لا من قريب ولا من بعيد ؟ حين إبتعدنا قليلاً عن مبنى المكتبة لاحظت آثار إمتعاض شديد بادية على وجهها فأصبح أكثر توردّاً تحت شمس بيروت الساطعة. كما إتقدت عيناها بمزيج من الحقد والكآبة خالٍ من أي أثر للدموع. جففت حرارة الغضب ولهيب الإنفعال دموع عينيها. حين عبرنا الشارع قرّبت ذراعها شبه العاري من ذراعي، ثم غدا هذا الأمر عادياً تكرره كلما أُضطررنا إلى عبور شارع أو الإنتقال من محل إلى آخر للفرجة أو التسوّق. بل كانت أحياناً تضع كفّها في كفي أو أن تقودني من ذراعي وقت عبورنا الشوارع أو إختراق الزحام أو دخول مقهى أو مطعم. لا تمثّل لي هذه الظاهرة أي أمر ذي شأن ولكن، قد يكون لها مغزى بالنسبة لسلوى، الفتاة التي جاءت من بغداد.كانت في الثلاثين من العمر تمتهن التعليم في إحدى مدارس بغداد للبنات. نشأت في عائلة ميسورة الحال ومتحررة بعض الشيء. في إحدى زياراتي لها في ( بحمدون ) إقترحت أن نقوم بجولة تمشي وبصحبتنا إبن أختها الصبي ( مُنقذ ).لم تفارق يد هذا الطفل يدي. كان مأخوذاً بي وما كنت أعرف السبب. إزداد تعلقه بي بعد أن غنيتُ له أغنية روسية كنتُ أحفظها وأستطيع أداءها بشكل جيد. وكان يطلب المزيد من الغناء بالروسية. سحرتني براءة هذا الطفل وسرعة تعلّقه بي فسألتُ خالته عن السبب. قالت لا عَجَب. ( مُنقِذ ) هو وحيد أبويه. يريد له أخاً أو صديقاً يتبسط معه ويُسلّيه. يقضي والده معظم وقته في مكتبه للمحاماة. يأتي بيته ليلاً مُتعّباً فلا يجد متَسعاً من الوقت كي يلاعب طفله البالغ من العمر ثمانية أعوام. جلسنا ثلاثتنا في أحد مقاهي ( بحمدون ) وأكلنا الفطائر المحشوّة بالجوز وتناولنا الشاي. تركنا المقهى رغم توسّلات ( منقذ ) أن نظل في المقهى لفترة أطول. رافقتهما حتى مدخل الفندق وإفترقنا على أن نلتقي في بيروت صباح اليوم التالي. جاءت صباح اليوم التالي إلى فندق إقامتي في الوقت المحدد نشيطةً كما هي دوماً وجميلة رشيقة تتوهج منها الثقة العالية بالنفس دون غرور الحمقاوات وأنصاف المتعلمات. ما كانت ثقيلة عليَّ وما كانت رخيصةً سواء في سلوكها أو في تفكيرها أو في ردود أفعالها.كان أثر تربيتها البيتية وبناؤها العائلي المحكم أكثر من واضحين على هذه المرأة الشابة. أرادت أن تُبعِد عني الظنون المتوقعة بشأن علاقتنا فقالت لي ( أنا أكبرُ منك ). أكبرتُ فيها هذا النَفَس الإنساني العالي والترفع عما قد يسيء إلى سمعتها وسمعة عائلتها. وضعت بذلك جداراً بيننا عازلاً من الكونكريت المُسلّح كنتُ أنا بالأحرى بأمس الحاجة إليه. هل هي نسخة ثانية من ( عايدة ) الأرمنية ؟ كلاّ. تلك كانت تروم زواجاً ثم بقاءً في حمى وطنها أرمينيا. مرّت كل هذه الأفكار في رأسي بإلحاح شديد. فقبل عام كنت هنا في بيروت ضيفاً على عائلة لبنانية أرمنية. ثم ساقت الصدف العمياء فتاة من أرمينيا السوفياتية لتكون جارتي في القسم الداخلي. هل أسميه ( عام الأرمن ؟ ). شاب أرمني منشق يروم مغادرة وطنه القومي أرمينيا والإتحاد السوفياتي. وفتاة أرمنية تريد مني أن أبقى معها أُشاركها وطنها الأم أرمينيا. ما كنتُ مسيحياً ولا أرمنياً ولا مواطناً سوفياتياً. ما الذي يجمع النساء ؟ ما هو الشيء المشترك بينهنَّ ؟ كانت ( سلوى ) ساحرة وخبيرة في شأن النفس البشرية. كانت دوماً قادرة على قراءة ما في يجول وما يدور في رأسي من خواطر وأفكار ومشاريع وتحفظّات مستورة أقفل عليها بأختام الأسرار الباطنية العميقة الغور. سألتني إذ كنّا نتمشى في شوارع منطقة الحمراء : هل أكملتَ شراء هدايا صديقاتك الروسيات ؟ فوجئت حقّاً بهذا السؤال وتساءلتُ فيما إذا كانت صاحبتي تغار عليَّ من سواها من نساء العالمين ! فيمَ الغيرة وقد عزلتنا هي عن بعضنا بجدار عالٍ من الخرسانة المسلّحة ؟ ماذا تعني ( أنا أكبرُ منك ) ؟ كنت فعلاً قد أكملت شراء بعض الهدايا لصديقتي الجديدة ( زويا ) الطالبة في كلية علوم الحياة ( البايولوجي ) في جامعة موسكو. لم أشأ أنْ أُحدّثها عن هذه الصديقة ولا أحسبها كانت بحاجة إلىسماع أخبارها. كما إني لم أقصصْ عليها قصة الأرمنية ( عايدة ) ولا حكايتي مع الأرمني ( جورج ) وزيارتي لشقيقته في ( برج حمّود ) في مثل هذا الوقت من العام الماضي. كانت تدور مثل كوكب سيّار حول فلكها الخاص. ما كانت تهتم بشؤون الآخرين ولا تدنو منها أبداً. عالمها عالم غريب فريد. بعد أنْ أنهينا تجوالنا في منطقة ( الحمراء ) وأسواقها العامرة ومحلات الحلوى والمرطبات الشهيرة بجودتها قالت ( سلوى ) إنها قد أعدّت لي مفاجأة سارّة. خيراً إنشاء الله ؟ قالت سنكون مساء اليوم ضيوفاً لدى سفير الكويت السابق في بغداد وعائلته. سنزورهم في بيتهم الواقع في إحدى ضواحي مصيف ( عاليْ ) على رؤوس الجبال. تعالَ الساعة السادسة إلى ( بحمدون ) وسنذهب معاً لزيارة هذه العائلة. رجعتُ إلى دخيلة نفسي أبحث في أدراج مخزون الذكريات الدفينة متسائلاً هل ستكون هذه الزيارة ناجحة وُفق مقاييس تربيتي ومعايير نهجي السياسي السابق وما قد تعلّمتُ حديثاً خلال إقامتي ودراستي لأربعة أعوام في موسكو ؟ لم أقابل في حياتي حتى ذاك اليوم ( أوائل شهر آب 1966 ) إلاّ الوزير العراقي المفوّض في فيينا ثم السفير العراقي في موسكو وكانت لقاءات قصيرة عابرة وغير مُبرمجة وليست ( دبلوماسية ) الطابع. لديَّ تحفظ فطري ممن يحملون سمات وحصانات دبلوماسية أحسبها تمنحهم أو تجعلهم يشعرون بالإمتياز والتفوّق على ما عداهم من البشر. [ لي قصص طريفة وبعضها ذو أهمية خاصة مع سفراء آخرين سأسرد تفاصيلها كلاًّ في زمنه ومكانه ]. ترددتُ في قبول مقترح ( سلوى ). ترددت طويلاً ثم غلبني الوازع الإنساني. تعاني ( سلوى ) من الوحدة وهي في الثلاثين من عمرها. تأخر زواجها. يئستْ من إبن خالتها الذي كان بارداً وغير مؤدبٍ في لقائها. لا أملَ لها في طائرٍ من طينتي يحلّق عالياً في سماوات بعيدة بجناحٍ واحدٍ حيناً وبأكثر من جناح أحيانا. جاءت بيروت لا هرباً من جو العراق الصيفي اللاهب فقط، إنما لكي تمارس نوعاً بريئاً من الحرية. ثم، إذا لم أرافقها إلى بيت السفير فأين وكيف سأقضي المساء الطويل وحيداً ؟ لقد أعتدتُ رفقتها وأن نكون معاً على كل شبر من أرض بيروت ومصيف ( بحمدون ). إذن لا مناصَ من الإذعان لطلبها. قلت لها حَسَناً، سأكون أمام فندقكم في تمام السادسة مساءً. حلقتُ ذقني وأخذت حماماً ساخناً وأرتديتُ أفضل ما كان معي من ملابس ثم ركبتُ السيارة التي إنطلقت تصعد الجبل إلى ( بحمدون ). وجدتها تنتظرني في مدخل الفندق جميلةً جذّابةً تشتعل حيويةً وأُنوثةً. وكان وجهها ـ كما كانت دوماً ـ دون مساحيق ودهون وعيونها خالية من الظلال والألوان. طبيعية جداً وليس في الكون ما هو أجمل من الطبيعة. ركبنا السيارة إلى مركز مصيف ( عاليْ )، ترجّلنا سالكين طرقاً ضيّقةً في أعلى جبل لبنان تفوح منها روائح التفاح والكمثرى والعنجاص والكروم.كان منظر بيروت والبحر وما فيه من زوارق ويخوت رائعاً يطير بالخيال إلى أبعد الحدود. وصلنا داراً صغيرةً جميلة وكان السفير وزوجه في إنتظارنا. بعد الترحيب والمجاملات المألوفة أحضر السفير ( ي. ي.ح ) زجاجة ويسكي والكثير من مكعّبات الثلج. سكب في كل كأس من كؤوس البللور الأربعة التي أحضرتها خادم هندية كميةً قليلةً من هذا المشروب الكحولي، ثم أكمل الكؤوس بقطع الثلج. قلتُ له مازحاً : فليكن كأسي طافحاً بالويسكي… أنا قادم من موسكو الثلوج والفودكا. لدينا منها كما تعلم الكثير. فهم الرجل مغزى وجدية مزاحي فأضاف على مضضٍ إلى كأسي شيئاً من الويسكي. قلت أخاطب نفسي ( إني على حق في تحفظاتي من السفراء ومن هم على شاكلتهم. يقيسون تصرفاتهم بالمسطرة ويزنون كلماتهم بميزان الذهب الأبيض. ألا تباً لهم ). ما كان الرجل ليبخل عليَّ بالويسكي إلاّ لكي يضمن سلامة اللقاء وخلوه مما قد يعكر الجو العائلي الخاص. فمع السكر يأتي الجنوح وربما بعض الجنون. ثم ما أراد لسلوى أن تسكر وهي في أعلى قمم جبال بيروت بصحبة رجل ساقته الأقدارُ العمياء إليها فتعرّفت عليه. كان السفير ودوداً بسيطاً ضحوكاً محباً للنكتة والمزاح الرفيع المستوى.كذلك كانت قرينته. تحادثوا طويلاً عن ذكريات عمله الدبلوماسي في بغداد وعن الزيارات المتبادلة بينه وبين عائلة ( سلوى ). ثم عرّجوا على حديث سفرات الزوارق النهرية التي كانوا يقومون بها في نهر دجلة جيئةً وذَهاباً ما بين الأعظمية وجزيرة ( أم الخنازير ) ولاسيّما الليلية منها تحت أنوار قمر بغداد. طالت الجلسة وكان السيد السفير يضع في كؤوسنا بين الحين والحين بضعة قطيرات من الويسكي، لكنه كان كريماً حدَّ الإسراف في كيل مكعبّات الثلج. كان يُنقّط المشروب تنقيطاً. شعرتُ ببرودة الجو مضاعَفةً، لا من كثرة الثلج حسبُ، إنما إزداد الأمر سوءاً أن أصحاب الدار في أعالي جبال بيروت لم يقدموا لنا أي نوع من الطعام.لم يقدّموا لنا حتى قطعة فاكهة واحدة رغم أن دارهم محاطة ببساتين أطايب أنواع الفاكهة. ألم أقل لك يا رجل لا تُخالِطْ سفيراً ولا تقبل معرفة المحسوبين على السلك الدبلوماسي ؟ هل هو سلك واحد أم أكثر من سلك، أسلاك دبلوماسية ؟ نعم،كانوا مختلفين. ثلاثتهم مختلفون. الدبلوماسيون الثلاثة الذين قابلت حتى ذلك اليوم … كانوا مختلفين غاية الإختلاف. لذا فإنهم يمثلون أسلاكاً دبلوماسية منوّعةً شتّى وليس سلكاً واحداً. همستُ في أذن ( سلوى ) أنْ قد طال مجلسنا وأصبح الجو بارداً خالياً من أي رونق أو طعم. ثم إني جائع. شكرنا أهل الدار وإنصرفنا فكان الليل أكثر من رائع وبهيّ. أخذنا الطريق ثانيةً نزولاً إلى ( عاليْ ) وسط الأشجار المحمّلة بما لذ وطاب من فاكهة جنان اللهِ على أرض بعض جباله. وكان البحر تحتنا وبيروت المدينة تتوهج بالأنوار فتزيد الليل سحراً وفتنةً. منظر لا مثيل له في الوجود. كنا نتوقف وننحرف قليلاً عن الدرب الضيق حين تمر بنا سيارة عابرة.كنتُ أتمنى لو أستطيع البقاء هناك إلى الأبد. وأن أُدفَن في تلكم البساتين بين أشجار التفاح والخوخ والكمثرى. وصلنا مركز ( عاليْ ) مشياً على الأقدام ومنها ركبنا السيارة نازلين إلى ( بحمدون ). رافقتها حتى مدخل فندقها وإفترقنا على أن نلتقي صباح اليوم التالي اللقاء الأخير. فغداً هو يوم مغادرتي بيروت إلى الإتحاد السوفياتي. جاءت الساعة العاشرة صباح يوم سفري فتحادثنا قليلاً ثم تصافحنا دونما إنفعالات أو مشاعر أسف أو حزن أو ما شابه ذلك. لم تطلب عنواني في موسكو ولم أطلب عنوان بريدها في بغداد.كان كلانا واثقاً من عدم جدوى ذلك.لم نتفق على لقاء آخر سواء في بيروت أو غير بيروت. أخذت حقائبي وإتجهتُ نحو ميناء بيروت حيث تقف الباخرة السوفياتية على أهبة الإستعداد لتمخر عُباب مياه البحرين الأبيض والأسود عائدة إلى ميناء ( أوديسا ) في شبه جزيرة القرم على أراضي ( أوكرانيا ). في الساعة الواحدة بعد الظهر غادرت الباخرة رصيف ميناء بيروت على أنغام فرقتها الموسيقية.لم يكن هناك في وداعي من أحد بعد أن قضّيت في بيروت أسبوعين مع أهلي وأسبوعاً مع ( سلوى ) التي كانت لي بالفعل سلوىً وسلوةً بعد مغادرة الأهل. لا مناديل ترفرف في الفضاء ولا دموع المحبين. لحظة قاسية، قاسية جدّاً. قبل ثلاثة أسابيع فقط كانت هنا على رصيف الميناء والدتي وشقيقتي وإبنة شقيقتي وإبن العم.كانوا هنا واقفين في إنتظاري غير مصدّقين وصولي. ولما رأوني أهبط سلالم الباخرة أُصيبوا جميعاً بالذهول. كأنما إستيقظوا من حلم أو كانوا في سُبات عميق. أما اليوم، يوم مغادرة بيروت، فكانت في وداعي فتاة نبيلة رائعة لا تمتُّ لي بأية صلة رَحِمٍ أو قرابة. رأيت فيها وهي تصافحني مودّعةً ملامح وجه شقيقتي ( نجاة ). كم تمنيتُ أن تكون شقيقتي وأمي في وداعي. متى سأراهم ثانيةً ؟ أخبرتهم إني سأنهي أبحاثي خلال عام واحد. لكن ليس من المؤكد رجوعي إلى العراق. سأحاول إيجاد عمل لي في بلدان أخرى كالجزائر أو ليبيا أو ربما الهجرة إلى كندا. لوحة الوداع مؤثّرة وحزينة على الدوام. وكما قال الشاعر معروف عبد الغني الرُصافي (( وإني جبانٌ في فراقِ أحبّتي // وإنْ كنتُ في غير الفراقِ شجاعا )). أحسنتَ أيها الرصافي، أحسنت. تأتيني الدموع عادةً بعد الوداع والمفارقة. عندذاك تشرع الجروح بنضح المكبوت عميقاً فيها نزيفاً جارفاً. آخر كلام سمعته من شقيقتي وأنا أودعها في دمشق ووالدتي وإبنة شقيقتي (( دير بالك من البحر )) !! فلقد كنت أخبرتهم إني سأقضّي بعد سفرتي هذه مباشرةً أسبوعين للسباحة والإستجمام على سواحل البحر الأسود. (( دير بالك من البحر ))… ظلّت هذه الجملة القصيرة ترّج وترتج في رأسي مثل مطرقة الحداد. ما الذي جعل أختي تحذرني من البحر ؟ أي هاجس كان في رأسها حين نطقت بتلك الجملة القصيرة ؟ أهي نبؤة أم خوف مبنيٌّ على أسسس من تجارب مع الماء سابقة ؟ معها حق. سقطت أختي الصغرى ( عَدَوية ) في بئر حديقتنا عام 1939 فماتت غَرقاً. ماتت ولم تتجاوز عامها الأول إلاّ بشهرين فقط. البحر الأسود ثانيةً / النصف الثاني من آب 1966 إيفا ( Eva ) المجرية في اليوم التالي لوصولي موسكو ركبتُ الطائرة لأقضّي أسبوعين على البحر الأسود في المصيف أو المعسكّر المُخصص لطلبة جامعة موسكو الأجانب. أعود ثانيةً لهواياتي المفضلّة سباحة وتجديفاً طويلاً في عرض البحر. ثم فاكهة القوقاس وسلاسل جبال القوقاس التي وجدتها بعد زيارة مصايف بيروت وقمم جبالها العالية لا تضاهي جبال لبنان ولا فاكهة لبنان. فجبال القوقاس مظلمة ليلاً، كذلك كان البحر شديد الظُلمة. ولا غرابة في هذا الأمر، فبيروت عاصمة وميناء دولي ومطار دولي وهي مدينة كبيرة هائلة الإمتدادات الجغرافية. فجبال لبنان شيء وجبال القوقاس شيء آخر. لا تصح المقارنات. كنتُ أسبح وحيداً ذات يوم، وكانت الشمس ساطعةً قويةً. إقتربت مني فتاة قالت إنها ( إيفا )، طالبة تدرس الرياضيات في جامعة موسكو، وإنها جاءت من هنغاريا. أهلاً وسهلاً. ماذا تقترحين يا ( إيفا ) ؟ قالت تعالَ نتبارى سباحةً في عمق البحر. مفاجأة غريبة ! فتاة هنغارية جميلة الوجه، لم تتجاوز العشرين من عمرها تعرض عليَّ التحدّي سباحةً. من يرفض مثل هذا التحدي ؟ لمَ تهوى هذه الصبية الهنغارية العوم في عرض البحار وليس في بلدها إلاّ البحيرات وأكبرها بحيرة ( بالاتون ) الواسعة والضحلة المياه ؟ لا أدري. قلت لها هيّا، إبدأي مشوارك أنتِ وسأكون التالي. كنتُ واثقاً من أني سألحق بها ثم سأخلّفها ورائي وسأربح الرهان. كانت جولاتنا تتابع سِجالاً، تسبقني مرةً وتتخلف عني مرّات. كنت سعيداً بهذه النتائج.كانت سبّاحة قويةً ماهرة تجيد أسلوب الفراشة ( بترفلاي ) في سباحتها فكانت تشق ماء البحر شقّاً بذراعيها وكتفيها القويتين وبفورة شبابها وعشقها لماء البحر. من جهتي ما كنتُ أعرف إلاّ ما تعلّمتُ في الصِغر من السباحة في نهر الفرات على الصدر وبالذراعين فوق سطح الماء، طريقة الزحف ( كرول )… كما يسميها السبّاحون. أغرى البحر كلينا. وأغرى النصر المتقّلب كلينا فأمعنّا في فج مياه البحر عميقاً حتى قد غاب عن ناظرينا ما كان على الساحل من بشر وموجودات. لم نعدْ نرى الساحل. كنت أراها مرةًّ أمامي تسبح برشاقة وسرعة الدلفين. وحين ينالها التعب تتوقف لتستريح قليلاً قبل أن تعاود ملاحقتي ثم إجتيازي والنصر يرسم على ملامح وجهها الجميل شتى علامات البهجة والمسرّة. تغلّبتْ على رجل أكبر منها سنّاً وأعلى قامةً جاء من الشرق يقبل تحديها. تناوبنا الكر والفر عشرات المرات فاقدين الإحساس بالزمن أو بما يمكن أن يحصل لنا من مفاجآت مثيرة قد تحمل لنا أو لأي واحد منا شيئاً من الخطر. البحر يُغري والسباحة في مائه الدافيء شديدة الإغراء. فكثافة ماء البحر العالية بسبب كثرة ما فيه من أملاح تجعل جسد السابح خفيفاً يطفو بيسرٍ فوق سطحه. ثمَّ إنَّ التحدي أو قبول التحدي أمران مغريان. وثمّةَ حواء بيني وبين البحر. ( إيفا ) تعني بلغات تلك البلدان ( حواء ). أغرت أُمنا حواء أبانا آدم فأسقطته من عالي جنات الخُلد، فإلى أين سأسقط مع هذه ( الحواء ) سوى إلى قاع البحر الأسود ؟ إغراء… الشجرة المحرّمة إغراء. في أمرِ تحريمها حضٌّ وإغراء على إتيانها. وفي البحر تحدٍ لي وإغراء كبير لحواء الهنغارية. مكتوب على ( آدم ) أن يقع في حبائل إغراءات ( حواء ). ولا فرقَ بين حواء وحوّاء. كلتاهما من ضلع آدم. في اللحظة التي حانت مني فيها إلتفاتة قصيرة نحو الساحل كيما أرى أين نحن من عالم الأحياء المنبثين هناك أحسست بتشنّجٍ قوي أصاب ساقي اليسرى من أعلى الفخذ حتى أصابع القدم التي إنكمشتْ وإلتوت بشكل حاد سبب لي ألماً لا يُطاق. توقّفت عن السباحة. إقترحت الرجوع إلى الساحل. تفاقمت الحالة سريعاً. أُصِبت بشلل تام.لم أعدْ قادراً على مواصلة السباحة والساحل عني جدَّ بعيد. كانت قوة خرافية في جبروتها تشدّني من ساقي إلى إعماق البحر. أدركت صاحبتي خطورة حالتي وصعوبة ما أنا فيه من عجزٍ وإلتباس فعرضتْ أن تسحبني إلى الساحل بأحد كتفيها. شكرتها وقد إستسلمتُ للموت غَرَقاً في ماء بحركما غرقت أختي ( عدوية ) في ماء بئر. شكرتها ورجوتها أنْ تتركني لأقداري وأن تعود إلى الساحل وحيدةً. قلت لها أُتركيني… فسأغرق لا محالة.لم يبرح عينيَّ في تلكم اللحظات الحرجة وأنا بين الموت والحياة مشهد وداع أهلي في دمشق وما قالته أختي محذرّةً من البحر ( دير بالك من البحر ). هل ما أنا فيه الآن هو واقع وترجمة لنص نبوءتها إذ حذرَتني من السباحة في البحر الأسود ؟ هل كانت تتوقع ما سيحدث لي بعد لقائنا وإفتراقنا في بيروت ودمشق ؟ كانت أمي في العادة من يعرض أمامي مثل هذه المحاذير لا أختي. ما سبب هذا الإنقلاب ؟ لا أدري. كل ما أدريه إني وجهاً لوجه مع الموت غرقاً. حين قلت ل ( إيفا ) أتركيني فسأغرق لا محالة، إتقدت عيناها الساحرتان بشعلة غريبة لم أستطع تفسيرها وأنا معلّق بين الموت والحياة. ثم قالت بتصميم أكثر غرابةً من إتقاد النار في عينيها : هيا، تعلّق بكتفي، إمّا أنْ نصل الساحل أحياءً معاً أو أن نغرقْ في البحرمعاً. لم أجد في عيوني ماءً كافياً للدموع. شقيقة تحذرني من الغرق في ماء البحر، وفتاة غريبة تعرّفت عليها قبل ساعتين تحاول إنقاذي من موت محقق أو أن تموت معي ولا تتركني أصارع الموت غرقاً. كانت تشعر بالمسؤولية عما حدث لي إذ كانت هي صاحبة فكرة المباراة الطويلة في عرض البحر. ما كانت تتوقع ما سيحصل لي ولا أنا كنتُ أتوقع ذلك. لم يحدث لي شيء شبيه بهذا فيما مضى من حياتي أبداً. إنقلبت ( حواء ) الإغراء والسقوط إلى ( حواء ) الإنقاذ. حواء الأم والأخت والصديق والرفيق في بيروت، وحوّاء الآسية والمنقذة في عرض البحر الأسود مقابل جبال القوقاس. رفضتُ فكرة ( إيفا )، وإلاّ فلماذا تموت معي هذه الفتاة الشجاعة الرائعة التي جاءت من بلدها هنغاريا أو المجر للدراسة في موسكو ؟ أهلها ووطنها ينتظرون منها أن تُنهي دراستها وأن تعود إليهم معززةً مُكرّمةً لتشغلَ وظيفتها ومكانها الطبيعي في مجتمعها وبلدها. في خضم تلك اللحظات الحرجة وأنا أصارع الموت شاهدت قارباً بعيداً عنا فطلبت من ( إيفا ) أنْ تصرخَ بأعلى صوتها طالبةً النجدة. أخذت تصرخ وتصرخ أعلى فأعلى ولا من سامع أو مُجيب. كررت المحاولات واضعةً كفيها حول طرفي فمها كيما تتجمع ذبذبات الموجات الصوتية فيشتد الصوت لعل البعيد ينتبه أو يسمع بعضاً من صُراخها. إنتبه أخيراً من كان في القارب إلى إشارات يديها التي كانت تلّوح بهما في الفضاء قبل أن يسمعوا صراخها. أسرع من كان في القارب إلينا ضاربين المجاديف بماء البحر بكل ما في طاقتهم من قوة. دنا القارب منا فزال شبح الموت غرقاً عني. رأيت فيه شابين من السودان فأسرعا بسحبي إلى جوف القارب وقاما بتدليك عضلات ساقي المتصلّبة كقطعة فولاذ. أخذاني إلى الساحل بينما أصرّت ( إيفا ) على البقاء لوحدها في البحر على أنْ تواصل السباحة نحو الساحل لاحقاً. كانت شجاعة وواثقة من نفسها ومن قدرات جسدها الفتي المتناسق الجميل.كما كانت وفيةً للبحر وعاشقة حدَّ الوله لمائه وللسباحة الطويلة فيه. كانت تمارس السباحة الطويلة حتى في الليل. حيناً مع بعض زملائها من الطلبة المجريين وأكثر الأحيان مع غيرهم من الطلبة الأجانب. بعد هذه الحادثة الأليمة توقفتُ عن السباحة الطويلة وحيداً. إتبعت أسلوباً آخر.كنت أستأجر قارباً وحين أنزل منه للسباحة أظل أدور حوله وفي فلكه ليس بعيداً عنه. لا سباحة طويلة دون قارب وطوق نجاة. العودة لموسكو / عام دراسي جديد 1966 ـ 1967 زويا غادرت البحر الأسود والقوقاس دون أنْ أنسى المحنة التي تعرّضتُ لها هناك. لكنَّ الزمن وأبحاثي في المختبر ومشاكل الدكتورة ( أفدونينا ) والصديقة الجديدة ( زويا شلايفا ) كفيلة بمساعدتي على نسيانها. الزمن جرّاح خطير الشأن وخبير يعرف كيف يعالج الجروح ويعرف أي عقار يصلح لهذه العلّة النفسية أو تلك. إستأنفتُ أبحاثي المختبرية مع الأول من شهر أيلول 1966 بهمّة ونشاط وحيوية منقطعة النظير، فلقد خزّنتُ الكثير من حرارة وطاقة شموس بيروت والبحر الأسود.كما كانت ( زويا ) في إنتظار عودتي من بيروت والبحر بعد أن أمضت عطلتها الصيفية مع والدتها وأخيها في إحدى قرى جمهورية ( أوكرانيا ). فَرِحت صديقتي الجديدة بهداياها وخاصة الحذاء وبعض الملابس الجيدة. قالت سأترك هذه الهدايا ( الثمينة ) معك في حجرتك لأنَّ التقليد السائد بين طالبات الأقسام الداخلية أن يشتركن بكل ما في حوزتهن من ملابس وأحذية. لا شيء خاص على الأطلاق. ( زويا ) فتاة روسية في الثانية والعشرين من عمرها. تدرس علوم الحياة في كلية ( البايولوجي ) التابعة لجامعة موسكو. تعيش عادةً مع أمها وأخيها ( ساشا ) في جمهورية أوكرانيا السوفياتية. لم يبق لها في الحياة إلاّ أمها وأخوها الذي كان يومذاك جندياً في الجيش الأحمر.كان أبوها مهندس بناء وضعه ( ستالين ) في السجن عشرة أعوام بتهمة التخريب والتآمر على سلامة وأمن الدولة. مات بمرض السل بعد مغادرته السجن مباشرةً. كانت للعائلة مزرعة صغيرة وبيت ريفي ( داجا ) وكانت والدة ( زويا ) تستغل المزرعة الصغيرة في زراعة الورود والخضروات المنوّعة لتبيعها صيفاً وقوفاً على قارعة الطرق. ثم كانت تؤجر حجرتي ولديها شتاءً كي تساعد إبنتها وتدخر بعض النقود لولدها جندي الجيش الأحمر. جرّاء هذا النشاط الإقتصادي ( غير العادي ) كانت الأم تتعرض لمضايقات لا حصرَ لها من قبل السلطات المختصّة في مدينتها أو قريتها. ما كانت ( زويا ) تشكو من وضع عائلتها المادي أو الإقتصادي المتواضع رغم أنَّ مخصصاتها الجامعية لم تكن لتتجاوز الثلاثين روبلاً في الشهر.كان هذا حال جميع من في مرحلتها الدراسية من طلبة الإتحاد السوفياتي. ما كانت تتضايق من تواضع ما لديها من ملابس وأحذية. وما كانت بحاجة لإستعمال أصباغ ودهون الوجه والأجفان،كباقي زميلاتها الروسيات. وفي هذا لا شكَّ توفير للكثير من النقود التي لا وجودَ لها أصلاً. كانت في دراستها تحرز أعلى الدرجات حتى إنها حين أكملت السنة الثالثة في الكلية أصبحت تتقاضى 48 روبلاً في الشهر بدل الثلاثين.كان سرورها بذلك عظيماً. بالإضافة إلى ذلك كانت تستلم في بداية كل شهر ثلاثين روبلاً من والدتها. بدأت حياتي في موسكو تأخذ شكلاً جديداً من الإستقرار ولوناً جديداً من الوان الحياة. أجهزة الأبحاث تعمل بشكل طبيعي وكما يُتَوقع منها. الأهل في العراق بخير. الصديقة الجديدة تستطيع دخول القسم الداخلي لتزورني وتبقى نهايات الأسبوع معي في حجرتي متى شاءت وكيفما شاءت، ذاك لأنها كانت تحمل هوية طلبة جامعة موسكو.كانت فتاة شقراء جميلة طويلة القامة، ذكية وقنوعة وغير معقدّة. تأتيني محمّلةً بما تستطيع حمله ـ وما يتحمله مدخولها الشهري المتواضع ـ من طعام وشراب وحلوى وتذاكر المسرح أو السينما. كانت تقوم بغسيل بعض ملابسي وطبخ بعض طعامي وخاصة السمك الذي كانت تختاره لي حسب ذوقها وخبرتها بعالم الأسماك. كنا نقضي أماسي السبت معاً إما في أحد المسارح أو مع بعض الأصدقاء. ما كانت تتناول أياً من المشروبات الكحولية. كان ذلك محرَّماً عليها لأسباب صحية. أما نهارات الآحد فكانت كلها أعياداً أو كالأعياد. تجوال في المدينة أو في الغابات المحيطة أو زيارات للمتنزهات العامة أو السباحة والتجديف في الأنهر والبحيرات والقنوات. وجدتْ البنتُ أخيراً سعادتها مع رجل مثلي. وما كنتُ من جهتي أطلب أكثر منها.كلانا كان قانعاً بالآخر. كانت ، كذلك، مع النظام القائم قلباً وقالباً رغم أنَّ رأس هذا النظام كان قد تسبب في قتل أبيها فأصبحت يتيمة الأب وهي لمّا تزلْ طفلة صغيرة. كانت تدافع بحماس عن الساسة الكبار وتفتختر بأنها مواطنة الدولة السوفياتية. كانت تعترض حين أهزأ بالطريقة التي يتكلم بها الزعيم ( ليونيد بريجينيف ). وكان معروفاً عنه قلّة ساعات دوامه في ( الكرملين ).كان يقضي جُلَّ أوقاته في الصيد ولعب القمار وهوس سرعة سياقة السيارات الفارهة حيث كان عاشقاً لإقتناء جياد السيارات. في زمنه كثرت الشائعات حول سوء سلوك إبنته وتدخلها في شؤون الكرملين وإختيار ضباط الحراسة والمرافقة وتقلبها بين العشاق. زاد الأمر سوءاً حين شرعت بالإستحواذ على بعض مقتنيات متحف الكرملين الثمينة من مخلّفات القياصرة الروس. الغريب إنها، وهي عضوة منظمة الشبيبة الشيوعية ( الكمسومول )،لم تلاحقها السلطات المختصة ولم يطلب أحد منها أن تترك رفقتي أو أن تتجسس عليَّ. فشأنها إذن ليس كشأن الصديق الأرمني ( جورج أشقر ). الحمد لله. وماذا عن الأرمنية ( عايدة ) ؟ ظلت عايدة على دأبها السابق تأتي وتظل في جامعة موسكو لثلاثة أشهر ثم تغيب ثلاثةً وهكذا. كنا نلتقي في أروقة الجامعة أو في أسواقها أو في بعض أنحاء المدينة ووسائل مواصلاتها من حافلات وقطارات الأنفاق ( المترو ). وكانت تراني أحياناً ومعي ( زويا ). ما كانت تكترث لذلك ولا تعترض بعد أن غدوتُ بالنسبة إليها أمراً مفروغاً وميؤساً منه. لكن، وحين كانت تراني وحيداً كانت تطلب مني أن أزورها في حجرتها في القسم الداخلي لنتجاذب أطراف الحديث ونحتسي كأساً من الكونياك النادر ونأكل ما حملت معها من أطايب ( يرفان ). كنت أحياناً أستجيب وأحياناً أعتذر. أعتذر لا تعففاً أو وفاءً لصديقتي ( زويا ) حسبُ، إنما لأمنحها المزيد من الفُرص لعلها أن تهتدي إلى من يناسبها من الرجال. ما جدوى أن تظلَّ مُعلّقةً برجل لا أملَ فيه ولا من رجاء ؟ مسألة إنسانية صرفة. الصديق ( و. غ. ق.) لا يتركني الزمان هاديء البال إلاّ لفترات قصيرة ثم يستأنف نشاطه المشاكس. لاحقتني بعض ذيول إنقلاب شباط 1963 حتى موسكو وأنا في أسعد حالاتي. وصلتني في يوم خريفي شديد البرودة وبُعيد يوم الإحتفال بثورة أكتوبر البلشفية ( الذي يصادف السابع من تشرين الثاني من كل عام ) رسالة من بلغراد عاصمة يوغسلافيا بخط صديق عزيز وزميل سابق في التعليم ومن نشطاء التيار الديموقراطي في صفوف المعلمين في مدينتنا ( الحِلّة ). شرح لي في رسالته تلك إنه متورط في ( بلغراد ) حيث لا يستطيع العمل ولم ينجح في الحصول على زمالة دراسية لأنه ما كان معروفاً لدى قيادة جمعية الطلبة العراقيين في يوغوسلافيا ولا بالنسبة لأعضاء التنظيم الحزبي. طلب مساعدتي في البحث عن إمكانية منحه زمالة للدراسة في جامعة الصداقة بين الشعوب ( جامعة بياتريس لومومبا ). عرضت مشكلة الصديق على من يهمهم الأمر في الوسط الطلابي العراقي مع رسالة توصية وتزكية لسلوك وماضي هذا الإنسان مؤكداً ثقتي به ومعرفتي التامة بواقع نشاطه السياسي والنقابي في مدينة الحلة. تمت الموافقة على قبوله طالباً في جامعة الصداقة فأبرقتُ له طالباً منه الحضور الفوري للإلتحاق بزمالته. جاء الرجل بعد ثلاثة أيام فقط فحلَّ ضيفاً عليَّ قبل أن ينتقل إلى القسم الداخلي التابع لجامعة الصداقة. قصَّ صديقي عليَّ تفاصيل قصته خلال الأيام القليلة التي أمضاها معي يشاركني حجرتي في القسم الداخلي : قال إنه إختفى بعد إنقلاب شباط 1963 قرابة الستة أشهر في بيت عمّه الذي كان متعاوناً مع النظام الإنقلابي الجديد. ثم إستطاع أن يترك مدينة الحلة في أحد أيام شهر آب متخفياً في زي أحد فلاحي أرياف منطقة الفرات الأوسط. غادر مدينته في إحدى الحافلات العمومية الكبيرة المتجهة إلى مدينة ( النجف ). ترك النجف وإتجه إلى المملكة العربية السعودية على ظهر إحدى شاحنات تجار البضائع المهربة كمساعد سائق وحمّال في عين الوقت. وجد له في مدينة سعودية صغيرة عملاً في أحد المقاهي يسقي الروّاد الماء والشاي ويهيء جَمَرات النار لرؤوس النارجيلات ويقوم بتنظيف المقهى وكنس أرضيتها بعد أن يخلو من مرتاديه. ثم يخلد للنوم على أحد تخوت المقهى الخشبية. جمع من عمله هذا بعض النقود ليستقل شاحنةً في طريقها إلى الكويت. ساعده في الكويت بعض العراقيين العاملين هناك فوجدوا له عملاً مؤقتاً وسكناً مجانياً معهم في دورهم. بقي في الكويت قرابة الثلاثة أعوام يعمل في شتى المجالات متحملاً الحر الشديد صيفاً وقسوة ظروف العمل حتى جمع مبلغاً جيداً من المال فقرر أن يقوم بمغامرة أخرى. مغامرة دولية. الكويت رمال متحركة وليست دار أمان. ولكن كيف القيام بمثل هذه المغامرة وإنه غادر العراق بجِلْده تهريباً ووصل الكويت تهريباً لا يحمل معه أية وثيقة أو دفتر نفوس فضلاً عن جواز سفر.لم يفكّر في الأمر طويلاً. المغامرة الكبرى تتطلب مغامرة تسبقها صغرى. سرق جواز سفر أحد العراقيين ممن شاركهم سكنهم وطار في اليوم التالي إلى ( بلغراد ) التي كان دخولها مفتوحاً أمام العراقيين بدون تأشيرة دخول ( فيزا ). لم تعترف به تنظيمات العراقيين في بلغراد لأنها كانت تجهل تأريخه السياسي وما كان ( مُرحّلاً ) ترحيلاً أصولياً حسب الأعراف الحزبية يومذاك. بل وكانت قصته الخيالية موضع شكوك وطعون وشائعات. وجد الرجل نفسه في وضع لا يُحسد عليه. ثم بدأت نقوده بالنضوب تدريجاً. وحين ضاقت به السبل أعطى إسمي للمتنفذين في هذه التنظيمات الطلابية والحزبية طالباً منهم السؤال عن عنواني في موسكو من خلال القنوات الحزبية والطلابية. أتاه عنواني فكتب لي طالباً إنقاذه من وضعه الحرج. هذه بعض ذيول إنقلاب الثامن من شباط 1963 الذي كاد أن ينفذ حكم الإعدام في أخي ولاحقني وأنا ما زلت أواصل دراستي في موسكو ففصلني من وظيفة لا علاقةَ لي بها ونشر أمر الفصل في الجرائد اليومية التي كانت تصدر في بغداد. هل أواصل سرد قصة الصديق ( و. غ. ق. ) ؟ إنها قصة طريفة تستحق السرد لأنها توضّح محنة الإنسان حين يستبد الحاكم أو الحزب الواحد بالسلطة السياسية فينتشر الظلم والطغيان وتختفي سيادة القانون وتحل محلها سيادة قانون الغاب. إنها قصة كل العراقيين الذين أجبرتهم الأوضاع السياسية المنحرفة وغير الشرعية على قبول التشرد وزج النفس في مغامرات ليست محسوبة وغير واضحة النتائج كيما تبقى رؤوسهم عالية وشرفهم السياسي نقياً لا شائبة فيه. شرف الإنسان وصفاء طبيعة معدنه يرفضان الطغيان والجور والتعسف في إستخدام السلطة. أكمل دراسته في جامعة الصداقة، عاد إلى وطنه العراق عام 1972 وعمل موظفاً في إحدى الدوائر الحكومية. ما كان راتبه الشهري يكفي متطلبات معيشته في بغداد والإنفاق على والدته في الحلة. كان من الصعب عليه حتى شراء زوج من الأحذية. جاءني مرّةً زائراً وكنت يومها أسكن بيتاً واقعاً في شارع المغرب ببغداد مجاوراً لمستشفى الدكتور ( وليد الخيّال ). رأيته مرتدياً البدلة التي تركتها له عندما غادرتُ موسكو إلى أمريكا. قال كيف تراني ؟ قلت له رائع، ما زالت البدلة بحالة جيدة جيداً. قال لا تتسرعْ ، أنظر إلى أسفل. نظرت إلى قدميه فوجدتهما في حذاء خَلِقٍ بالٍ. أعطيته دينارين لييبتاع بهما حذاءً جديداً وقلت له : أكمل قيافتك، لا يصح أن يكون نصفك الأعلى مقبولاً ونصفك الأسفل بائساً. ضحكنا عالياً كما كنا نضحك في موسكو. حصلَّ بعد حين على زمالة حزبية أخرى للدراسة الأعلى في جامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو. إنقطعت أخباره عنّي حتى جاءتني منه في عام 1982 رسالة كتبها لي من موسكو حين كنتُ أعمل أستاذاً في جامعة الفاتح في العاصمة الليبية طرابلس. طلب مني في رسالته مساعدته في إيجاد عمل مناسبٍ له في الجماهيرية العربية الليبية. كان يروم عملاً تدريسياً في الجامعات وما كان ذلك ممكناً. الجامعات الليبية لا تعترف بشهادات جامعة الصداقة بين الشعوب. وصلتني منه عام 1983 رسالة ثانية أرسلها من الجزائر العاصمة يجدد فيها طلبه السابق ويشكو من إنه لم يستطع إيجاد عمل مناسب في الجزائر الشقيق. إستطعت بمساعدة بعض الأصدقاء أن أحصل له على عرض للتدريس في إحدى المدارس الثانوية في مدينة طرابلس وبراتب جيد. تردد ثم رفض العرض مستنكفاً مهنة التدريس في الثانويات، لأنه كان يحمل شهادة الدكتوراه في الإقتصاد. الشهادة التي لم تكنْ تعترف بها الجهات الليبية المختصّة. إختفت إخباره عني وقد تركت وعائلتي في صيف 1984 الجماهيرية الليبية ولا أعرف أين هو الآن وما هو مصيره ؟ أخبرني في إحدى رسائله إنه متزوج من سيدة روسية وله منها طفل. وعليه يغلب على ظنّي إنه ما زال وعائلته في موسكو، لأنَّ إسمه لم يرد ضمن أسماء العراقيين الذين تركوا روسيا بعد خراب المنظومة الإشتراكية والزلزال المروّع الذي ضرب الإتحاد السوفياتي طالبين اللجوء إلى البلدان الأوربية كالسويد والدنمارك وهولندا وبريطانيا وألمانيا وسواها. كان هذا الصديق عاَلماً متميزاً متنوع الجوانب والجهات. كان أميناً وشجاعاً ومخلصاً لحزبه ومبادئه التي تحملَّ جرّاءها ما تحمّل وعانى ما عانى ولم يتنازل كما فعل الكثيرون ولم يتغير ولم يخُنْ. لقد أجبرت الضرورة هذا الرجل المقدام أن يسرقَ جواز سفرٍ مزوّر من أحد الذين ساعدوه أيام المحنة ومنحوه سَكَناً مجانياً. حين لمته على ذلك في حينه قال : هذه ليست مشكلة. سيشتري صاحب هذا الجواز الذي سرقتُ جوازاً آخر مزوّراً وما أكثر عمليات تزوير الجوازات وتأشيرات الدخول في دويلة الكويت. أي جواز سفر يحمل اليوم هذا الصديق المكافح والصابر ونحن في عام 2005 ؟ مرّت الأيام والشهور رتيبةً أواصل أبحاثي المختبرية في حقل كيمياء التحولاّت النووية ستة أيام في الأسبوع. أزور مكتبة كلية الكيمياء مرةً أو مرتين في الأسبوع لمتابعة أحدث ما يُنشر من أبحاث في حقل تخصصي في المجلات العلمية الدورية الروسية منها والبريطانية والأمريكية. وكان يزور مختبرات أبحاثنا بين الحين والحين نخبة من أشهر علماء الكيمياء النووية لتقديم محاضرات شيّقة يعرضون فيها آخر إنجازاتهم في هذا الحقل. كان البروفسور الأمريكي فرانك رولاند Frank S. Rowland من جامعة كالفورنيا الأمريكية فرع إرفاين Irvine )) واحداً من أبرز هؤلاء العلماء وأقربهم إلى حقل تخصصي.لذلك كنتُ أتابع ما ينشر في الدوريات الأمريكية أولا بأول. وكنتُ أراسله وأسأله بعض الأسئلة العلمية حول مقالاته وأبحاثه ومالم أستطع فهمه من بعض محتويات هذه المقالات. كان الرجل يرد بدون إبطاء ويزودني بكل ما كنت أحتاجه من تفاصيل دقيقة. كنتُ مندهشاً من حرارة تجاوبه معي ومع ما كنت أطلب منه. لكن هذا الإندهاش أو الإستغراب زال حين عرفت بعد أن ألتحقت بمجموعة أبحاثه عام 1968 إنه على علاقة وثقى بالوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا. وإنه كان أحد خبرائها ومستشاريها الدائمين. وإنه كان يتفرغ بين الفينة والفينة لإنجاز بعض مشروعات هذه الوكالة في فيينا نفسها ككتابة تقارير عن وضع هذا الفرع من الكيمياء وإلقاء سلسلة من المحاضرات تطبعها الوكالة فيما بعد وتقوم بتوزيعها على مختلف الجهات. إنه إذن قريب جداً مني دون علمي. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية هي الجهة التي كانت تقف ورائي وهي التي منحتني فُرصة الدراسة والبحث في جامعة موسكو. وعليه فربما كان هذا الأستاذ على علم بأسماء الطلبة الدارسين على حساب هذه الوكالة. ثم إنَّ الولايات المتحدة الأمريكية عضو مؤسس لهذه الوكالة وعضو فعّال في كافة أنشطتها ومن أكبر المساهمين في تمويل موازناتها المالية السنوية. بالإضافة إلى ذلك،كان أستاذي الروسي المشرف البروفسور ( نيسميانوف ) يشجعّني على القيام بمثل هذه الإتصالات وعلى المزيد من متابعة ما يُنشر من أبحاث تخصه وتخصني في المجلات العلمية البريطانية والأمريكية. كنت أقرأ هذه المجلات ثم أعرض له ما قرأت وأناقشه فيما جاء فيها.كان يشكرني على ذلك لأنه لم يكنْ يُجيد اللغة الإنجليزية وليس لديه الوقت الكافي لمتابعة هذه المجلات بسبب مشاغل رئاسة القسم الإدارية الكثيرة. من جهتي ما كنتُ حَذِراً وما كنتُ خائفاً وأنا أسير في هذا النهج الخطر وربما غير المسبوق ( الإتصال ومراسلة علماء أمريكان ). كنتُ أحسب نفسي مُحصَّناً لأنني طالب أجنبي أولاً، ولأن وكالة دولية تقف ورائي في كافة أموري ثانياً. قبل هذا وذاك ما كنتُ أملك أسراراً خطيرة لا مدنية ولا عسكرية يمكن أن تتسرب عن طريقي إلى الغرب. ثمَّ،كانت زمالتي ومشروع دراستي منذ البداية واضحة المعالم والأهداف : الإستخدامات السلمية للطاقة الذرية ( الذرة من أجل السلام ). كان مشروع أبحاثي مندرجاً ضمن هذه المقاصد والأهداف فعلام الخوف أو الحذر ؟ ولكنْ، ومع ذلك، مهلاً … كنتُ أشعر إني مُراقب. تأكد لي ذلك إني أُضطررتُ أحد أيام شهر آذار ( مارس ) 1967 أنْ أزور حجرتي في القسم الداخلي بشكل مفاجيء خلال ساعات الدوام فماذا وجدتُ ؟ صُعِقت !! وجدتُ حجرتي مفتوحة وفي داخلها رجلان قد رفعا صفّاً كاملاً من المكعبات الخشبية التي تغطي أرضية الحجرة. شاهدت تحت مكان هذا الصف من المكعبات قناة دقيقة بعمق قدّرته بعشرة سنتيمترات مُدَّ فيها سلك دقيق شبيه بأسلاك خطوط الطاقة الكهربائية. إنتبهت أن الرجلين كانا قد ثبّتا نهاية هذا السلك بالفتحة المخصصة لإتصال جهاز الراديو بالتيار الكهربائي. الفتحة مدفونة في الجدار كما هي العادة. إدارة الأقسام الداخلية هي التي تزودنا بأجهزة الراديو هذه. لم أسأل الرجلين عمّا يفعلان ولماذا دخلا حجرتي الخاصة دون علمي أو إذن مني. كان الأمر برمته جليّاً وواضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار: التجسس بالتنصت الصوتي. تسجيل كل نأمة صوت ينقلها الهواء في حجرتي التي لا أستطيع إستبدالها أو الخروج منها إلى غيرها إلاّ بموافقات خاصة لا تحصل إلاّ للمحظوظين من الطلبة. في الفترة ذاتها زارني مساء أحد الأيام أحد الباحثين العلميين في مختبراتنا ( إسمه فلوديا، فلاديمير بيكر).كانت زيارة مفاجئة حسب كل المقاييس. ما كنا أصدقاء أولا. كان يعيش مع زوجه في المدينة وليس في الأقسام الداخلية. كان حزبياً نشطاً وكان يزعم أنَّ له أصولاً ألمانية ( جدته ألمانية ). لم يجلس. لم يشرب شيئاً. كان في عجلة من أمره مع شيء من حالة عدم الإستقرار النفسي. كان وجهه واضح التجهم. مدَّ ذراعه اليمنى كمن يستجدي شيئاً قائلاً : هاتِ الفيلم !! سألته عن أي فيلم يتكلم ؟ قال لقد إلتقطتَ صوراً في أحد مختبرات قسمنا وإني أريد هذه الصور. تذكّرت إني أخذت يوماً بعض الصور لي في مختبري مع أجهزة البحث التي كانت تحت تصرفي. ثم إلتقطتُ صورتين لطالبة أبحاث روسية ( فالنتينا ) حسب طلبها هي واقفةً في وسط مختبر أبحاثها. دون أن أعترض أو أحتجَّ أعطيته الفيلم كاملاً. أصبحت الأمور بعد هذه الزيارة واضحةً جليةً لا لَبَس فيها. ما سبب هذه الملاحقة والتجسس وليس في مختبراتنا أبحاث تمت للجيش أو الحروب أو الأسلحة النووية بصلة ؟ كل ما يُجرى من أبحاث كان يُناقش عَلَناً أمام الباحثين في القسم كافة قبل إرساله للنشر في مجلات الإختصاص العلنية والمعروفة على نطاق عالمي. فضلاً عن ذلك، كانت المختبرات مفتوحة للعلماء الضيوف القادمين من الغرب أو من بعض الأقطار الأشتراكية مثل بولندا وجيكوسلوفاكيا. سأضيف فصلاً آخر لمسلسل الملاحقات والتنصت والتجسس غير المبرر وغير المشروع. فصل فيه من الوقاحة ما لا يُصدق. مع الصديق المذيع صادق الجلاّد كان الصديق الوفي صادق الجلاّد مذيعاً في القسم العربي لإذاعة موسكو. كنتُ دائم الزيارات له في شقته التي ما كانت بعيدة عن مباني الجامعة. كنا نُقضّي بعض ساعات المساء في أحاديث تخص الشعر وباقي الشؤون الأدبية. كان الرجل أديباً يحفظ الشعر ويهوى روايته. قرأ لي بصوته في إذاعة موسكو ذات يوم قصيدة نسبها حسب طلبي إلى طالب أعطاه إسم ( ظاهر كريم الجزائري ). تكلّمت في القصيدة عن موسكو وقلت في بعض أبياتها : موسكو وإنْ شطَّ المزارُ مدينةٌ تسمو على الأقطارِ والأمصارِ ساحاتكِ الحمرُ احترقتُ بجوّها قبلاً ، وهنَّ اليومَ هنَّ جواري كماكانت شقته ملتقى الكثير من الطلبة العرب. يزورونه متى شاءوا دون مواعيد مسبَقة. يشاركونه ما تيسر من طعام في شقته ويشاهدون معه برامج التلفزيون ويقرأون الصحف والمجلاّت الكثيرة التي كانت دوماً متوفرة لديه بحكم عمله مذيعاً. كان الرجل كريم الخُلْق واليد.كما كانت شقته ملتقى ومحطة للكثير من رجال السياسة العرب وغير العرب. زرته مرة فوجدت لديه أحد قادة حزب ( تودة ) الإيراني المعارض لحكم الشاه السابق. وجدتُ هذا الرجل الضيف كنزاً أدبياً ودائرة معارف سياسية وتأريخية وذا شخصية لامعة يتكلم الإنجليزية والعربية بطلاقة. قرأت له قصيدة قصيرة ترجمتها من الإنجليزية إلى العربية ففوجئتُ أنَّ الرجل يعرف صاحب النص الأصل الشاعر الإنجليزي ( لورد بايرون ) معرفة جيدة. لم أسألْ صديقي صادق عن سبب زيارة هذا القائد الشيوعي لموسكو، فلقد إعتدتُ رؤيةَ أو مقابلة الكثير من مثل هذه الشخصيات لاسيما العربية منها التي كانت تأتي موسكو من العراق والأردن وسوريا والجزائر ولبنان ومصر والسودان مدعوّةً للمشاركة في المناسبات الهامة وحضور المؤتمرات التأريخية.كما رأيت القائد الكوبي ( فيدل كاسترو ) خطيباً في جامعة موسكو. ثم الجنرال ( ديغول ) و الرئيس الجزائري ( أحمد بن بلّة ) الذي أعجب الجميع بإصراره على تقبيل الفتيات الجميلات اللواتي قدّمنَّ له باقات الزهور فصفّق له الطلبة العرب الحاضرون طويلاً. ورأيت الرئيس ( جمال عبد الناصر ) في سيارة مكشوفة في أحد شوارع موسكو التي كانت مكتّظةً بصفوف المستقبلين قادماً من مصر للعلاج. كان الرجل ببدلة زرقاء حالَ لونها ومنديل أبيض اللون في جيب سترته الأيسر الصغير. أعود للحديث عن الصديق الجلاّد وضيفه الإيراني. أخذنا الصديق صادق بسيارته المسكوفيج إلى أحد مطاعم موسكو الفخمة. في الطريق إلى المطعم إنتبهتُ إلى سيارة ( فولغا ) بيضاء اللون كأنما كانت في إثرنا تتابع خط سيرنا. بسبب طبيعة حركة المرور وتقاطع بعض الشوارع مع بعضها إقتربت السيارة البيضاء كثيراً من سيارتنا فرأيت من كان فيها بكل وضوح : معاون عميدكلية الكيمياء لشؤون الطلبة يجلس بجانبه في المقعد الأمامي أحد الباحثين العلميين في مختبراتنا. قلتُ في نفسي ها قد ( تمّت السبحة)، وربما سيكون الآتي أعظم، وليكن الله في عوني. هذه بعض نتائج وإفرازات الحرب الباردة بين الشرق والغرب. وكنتُ أو كدتُ أن أكون واحداً من ضحاياها الأبرياء. معاون عميد يساهم في عمليات تجسس على طالب أجنبي إستضافته بلاده للدراسة وإجراء أبحاث عادية لا تحمل أي خطر لأي أحدٍ في الكون. بواسطة الصديق صادق تعرّفتُ على السيد ( عبد الستار الدوري ) الذي كان يومها ملحقاً ثقافياً في سفارة العراق في موسكو، وهوأحد قادة إنقلاب الثامن من شباط 1963 ( أنظرْ كتاب أوكار الهزيمة لهاني الفكيكي الصادر عام 1997 عن دار رياض الريس / بيروت ولندن، الطبعة الثانية ). ما كنتُ أعرف من هو الدوري ولا درجته أو موقعه في سلّم أو هرم التنظيم البعثي الحزبي ولا مهماته الوظيفية التي تقلّدها بعد الإنقلاب.كيف تم هذا التعارف وأين ؟ أخبرني صديقي صادق أنَّ الدوري يروم التعرف عليَّ وإنه دعانا إلى بيته لتناول عشاء عراقي نادر الوقوع.لم أجد فيما بين يديَّ من الأسباب ما يجعلني أرفض الدعوة فوافقت. زرناه في بيته حسب الموعد الذي حدده مع صادق ففوجئت بالعشاء النادر فعلاً : باجة عراقية. كان الدوري قد تزوج حديثاً فكانت قرينته هناك تشاركتنا طعام العشاء ولعلها هي التي قامت بإعداد هذه الأكلة الشهيّة النادرة. وجدتُ الرجلَ ذا أخلاق عالية وشهامة عراقية شعبية أصيلة فإنسجمت سريعاً معه وإرتحتُ لبساطته وحبه للأدب إذكان هو نفسه خريج كلية الآداب في بغداد في خمسينيات القرن الماضي.لم نلتقِ بعد ذلك إلاّ مساء أحد أيام شهر أيلول 1971 في شارع السعدون في بغداد.كنت إذّاك أتمشى مع زوجتي وطفلنا الأول ( أمثل ) الذي كان ما زال في عامه الأول.كان يصر على أنْ يمشي أمامنا وحيداً لكنه حين يتعب يزحف على ركبتيه ويديه ويعترض بالصراخ حين أحاول حمله على صدري. كان الدوري وقتها سفير العراق في كوبا وكان لقاءً عابراً سريعاً . ما دام الشيء بالشيء يُذكر، وما دام الحديث قد جرى عن المذيع الصديق صادق الجلاّد وإذاعة موسكو، فلا أجد مُناصاً من ضرورة التطرق لحادثة تتعلق بخراب نفوس بعض الطلبة العراقيين المحسوبين على التنظيمين الحزبي والطلابي أو على أحدهما. دأب شاب روسي من العاملين في القسم العربي في إذاعة موسكو على زيارة الطلبة الأجانب في أقسامهم الداخلية والقيام بتسجيل رسائل صوتية تُذاع فيما بعد على الهواء ويسمعها الأهل مسرورين بأنباء أولادهم. عرف هذا الشاب إني أكتب الشعر ( وكنتُ أقرأه في بعض المناسبات الطلابية والإجتماعية ) فعرض أن يقوم بتسجيل بعض أشعاري في الأستوديو المخصص للتسجيل في إذاعة موسكو نفسها. ضرب لي موعداً للتسجيل فكنتُ هناك حسب الموعد المضروب. أدخلني غرفة التسجيل وأعد الأجهزة المطلوبة وشرعت أقرأ أشعاري. أخذ شريط التسجيل قائلاً سأعود بعد قليل. ما أن ترك الحجرة حتى دخل واحدٌ من الشرطة العراقيين الحزبيين. سلّم عليَّ وغادر المكان على عجل. تنبأت بوقوع شرٍ فقلت يا ساتر يا رب !! غادر الشرطي فعاد الشاب الروسي دون مقدمات وبعصب بارد ووجه كأنه منحوت من صخر فقال : سوف لن يُذاع شريط أشعارك !! ثم إستأنف القول : نعلم أنَّ في بعض أوساط الطلبة الأجانب في موسكو نشاطاً موالياً للصين ومعادياً للإتحاد السوفييتي وخطه السياسي ونهجه العقائدي. كرر القول إنَّ أشعاري سوف لن تُذاع. ما كانت أشعاري سياسية أصلاً. كان فيها عواطف وحنين للأهل والوطن. ثم إني ما كنتُ صيني الهوى ولا كنتُ معادياً للإتحاد السوفييتي لا سياسةً ولا عقيدةً. ثم كنتُ أساساً خارج التنظيم. فأي خطر يمكن أن يحمل إنسان مثلي إلى البلد الذي كنتُ أواصل دراستي وأبحاثي فيه ؟ وما علاقتي بالنزاع بين موسكو وبكين وإني ما كنتُ سوى طالب أجنبي ؟ الشغب. الدس. ضعف النفوس. التعويض عن الفشل والإخفاق. جاء هذا الشرطي إلى موسكو لدراسة الموسيقى. فشل في دراسته فتحول للصحافة التي يسمونها مطية أو دابّة الفاشلين والخائبين. كان النزاع بين بكين وموسكو وقتها على أشدّه. إنقسم نتيجة ذلك العالم الشيوعي إلى خط موالٍ لموسكو وآخر موالٍ لبكين. ثم ظهر فجأة على المسرح خط جانبي متواضع يقع ما بين هذين الخطين، هو ظاهرة الثائر ( أرنستو جيفارا ) الذي ترك الوزراة والمجد في كوبا وقاد إنتفاضة للفلاحين في جبال ( بوليفيا ) في قارة أمريكا اللاتينية ثم نجحت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الوصول إلى مخابئه وأماكن تحركاته وإستطاعت قتله. كانت موسكو شديدة الإستياء من هذا الرجل الثائر وكان المواطنون الروس يعتبرونه مغامراً غجرياً متهوراً وطائشاً.كتبتُ بعد مقتل ( جيفارا ) مباشرةً قصيدة رثاء طلبها مني الطالب العراقي المسؤول عن إعداد نشرة الرابطة الجدارية وعلّقها مع بقية مواد النشرة في الموقع المخصص لرابطة الطلبة العراقيين.كنت ماشياً مرةً في أحد أبهاء الجامعة الفسيحة فإلتقاني صدفة شرطي عراقي آخركان يدرس القانون ( قانونجي ). قال لي بهدوء يشبه الإستفزاز المبطن : لا أدري في أية جريدة قرأتُ رثاءك لجيفارا ؟ قلت له لم أنشرها في أية جريدة تُذكر، إنما طلبها مني الزميل ( عبد الخالق عباس ) الذي قام بإعداد النشرة الجدارية. ظل هذا الشرطي على عناده يلف ويدور ويصر على إنه كان قد قرأها في إحدى الصحف. لقد أضاف هذا الشرطي العريق إلى التهمة السابقة بالولاء للصين تهمةً أخرى جديدة عليَّ، ألا وهي الولاء للنهج ( الجيفاري ). كنتُ مع ذلك أعتبر نفسي محظوظاً، نعم محظوظاً، ذاك إنَّ الشرطة العراقية في موسكو لم تتهمني بالولاء لمركزين منشقين آخرين هما بوخارست شاوشيسكو وبلغراد تيتو. الشرطي القانونجي إياه تعاون مع أجهزة الأمن البعثية عام 1979 في بغداد فتنازل عن شرفه السياسي كاشفاً عمّا كان يحمل من أسرار حزبية ومسؤوليات تنظيمية ثم تمادى في جبنه ونذالته فوضع شرفه العائلي تحت حذائه إذ قاد هذه العناصر الأمنية والمخابراتية إلى المكان السري الذي كانت قرينته مختبئةً فيه. تعرّى هو نفسه أمام من كان يعتبرهم في عداد الأعداء أولاً، ومن ثمَّ كشف لهم عورته العائلية. حين كنتُ أعاتب أو ألوم البعض المعقول وغير المتطرف من هذه العناصر المتورطة في سلك الشرطة كان جوابهم يأتيني فخماً وذا رنين وطنين عاليين. كانوا يقولون إنهم إنما ينفذون مهمات تقتضيها أُممية الشيوعي والولاء لحزب الطبقة العاملة وجميع الكادحين في العالم. حين نفد صبري ووجدتُ نفسي بكل برائتي ونقاء معدني وصفاء نواياي مُحاصراً قررت أن أبادرَ للقيام بهجوم معاكس وأن أضع النقاط على الحروف وأن أقوم بتعرية هذه العناصر الفاسدة جهاراً نهاراً وأمام الملأ. قلت سأنفذ ما عزمتُ عليه بكل جرأة وليكن من بعد ذلك الطُوفان، والغريق لا يخشىالبلل. بعقلية شبه عسكرية أتتني بالعدوى من أشقائي الضباط في الجيش العراقي حددتُ مكان وزمان وأرض المجابهة المكشوفة مع الفساد والعناصر الفاسدة. كان أفضلَ مكانٍ وزمان للقيام بهذا الهجوم هو مناسبة إنعقاد أحد المؤتمرات السنوية لرابطة الطلبة العراقيين في الإتحاد السوفياتي.كانت تلتئم هذه المؤتمرات عادةً في بعض قاعات جامعة موسكو الفسيحة حيث كان حضور الطلبة عالياً وكثيفاً. إنعقد المؤتمر وتوالت الكلمات المصبوغة جيداً وتوالى التصفيق ولم يُشرْ أيٌّ من هؤلاء المتكلمين إلى مواضع الفساد والإنحراف والتلاعبات بميزانية الرابطة. أعددت قائمةً إرتجالية مُختَصرة تتضمن رؤوس أهم النقاط التي كنت أود التطرق إليها بحيث تصيب من رموز الفساد ومن يقف وراءهم مقتلاً. طلبت الكلام فقمت بتعداد مواضع الإنحراف والتسلط وإحتكار حضور المؤتمرات الطلابية التي تُعقد في العواصم الأوربية الأخرى وحصرها في فئة معينة من مسؤولي التنظيمين الحزبي والطلابي. طلبت الكشف عن أسماء هؤلاء المترفين من ذوي الإمتيازات وعن المبالغ التي تم تحويلها لهم من الروبل السوفياتي إلى العملات الصعبة الأخرى. طلبت كشفاً مفصّلاً عما قاموا به هناك من نشاطات وجدواها للرابطة ولأعضاء الرابطة. ثم ناقشت مسألة الشعار الذي طرحوه أمام الطلبة العراقيين ولم يلتزم به أحدٌ منهم. كان الشعار يقول (( التفوق العلمي والرجوع إلى الوطن )). كانوا يدفعون بهذا الشعار غيرهم ( من أولاد الخايبات ) للرجوع إلى العراق في حين كانوا هم يتوسلون بكافة الوسائل والسبل ويقبّلون أحذية بعض المسؤولين السوفيات للبقاء حيث هم في موسكو خاصةً وبقية المدن السوفياتية على وجه العموم. طلبتُ من الحضور أن يقفوا إحتراماً ورمزَ وفاء لذكرى وشجاعة زملائنا الذين إستجابوا لهذه الخدعة فعادوا إلى الوطن المقبرة فتلقتهم السجون والمعتقلات والتعذيب حتى على أرض مطار بغداد.كما تم إغتيال الدكتور ( عبد الرزاق مُسلم ) الذي عاد ضمن من عادوا فقتلوه قريباً من مباني جامعة البصرة حيث عمل أستاذاً للفلسفة فيها. حين وجدت الفُرصة سانحةً والجو العام ساخناً ومعبأً ومشحوناً بالغضب ضد من كنتُ أعنيهم في نقدي، ومنسجماً مع ما كنتُ أقول غاية الإنسجام… عرّجتُ على ظاهرة مسؤولة الطلبة الأجانب في الجامعة الرفيقة ( زويا بتروفنا ) فتساءلت بأي مسوّغ خلقى أو قانوني تحرمني هذه المسؤولة من نصف حقي في الإصطياف لفترة أسبوعين شأن بقية الطلبة على شواطيء البحر الأسود، في حين كانت هي نفسها ترسل بعض المحظوظين من سماسرتها وزبانيتها والمشاغبين والشرطة وحاملي الهدايا إلى أفضل المصايف والمصحات المخصصة لجنرالات الجيش الأحمر وكبار رجال الدولة ليقضوا فترات خيالية على البحر الأسود تصل حتى إلى شهرين من الزمن ؟؟!! كان الحضور يطالبني بالمزيد من تعداد ما أدرجت من نقاط. كنتُ حين أتوقف قليلاً لإلتقاط أنفاسي عند النقطة السادسة مثلاً كانوا يستحثونني بالقول : أكمل، واصل حديثك رجاء… النقطة السابعة. كان الطلبة يخشون إذا ما مارسوا النقد أن يُطردوا من مقاعدهم الدراسية. ومعلوم أنَّ من يُطرد من معهده أو من جامعته لا مكانَ آخرَ له في عموم الإتحاد السوفياتي. ثم لا مجال للعمل ومواصلة الدراسة شأن الأمر في بقية أنحاء العالم. هكذا كان الوضع بالنسبة للطلبة الأجانب. لم تغفر الفئة الضالة والمنحرفة لي، ولم تغفر لي الرفيقة ( زويا بتروفنا ) ولكن شكراً للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كانت تقف ورائي وتدفع مخصصاتي الشهرية وتساندني في كل أمر وتحل سريعاً مشكلاتي مع بعض الجهات المختصة. دعتني هذه الرفيقة وزميلي الآخر السامرائي في مطلع شهر آذار عام 1966 وأخبرتني بإقتضاب شديد إنها قررت قطع مخصصاتنا الشهرية لأنَّ أمد الدراسة والبحث البالغ ثلاث سنوات للحصول على شهادة الكانديدات قد إنتهى. قالت هذا ما يتمتع به الطلبة السوفيات ولا فرق بينكم وبينهم. ما جدوى أن أقولَ لها كنتم قد ضيّعتم علينا ستة أشهركاملة أبقيتمونا فيها دون دراسة أو بحث ( آذار ـ أيلول 1963 ).ثم مرّرتمونا بفترة تحضيرية كلّفتنا عاماً كاملاً ( أيلول ـ 1963 ـ أيلول 1964 )، الأمر الذي لم يحدث قط لأي طالب آخر جاء الإتحاد السوفياتي للدراسة. ثم إنَّ العقد الذي وقّعنا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعطانا حق البقاء للدراسة والبحث في جامعة موسكو لفترة ستة أعوام وليس ثلاثة. أوقفتْ الرفيقة ( زويا بتروفنا ) بالفعل دفع المخصصات فكيف السبيل وما عسانا أن نصنع ولا من مجال أمامنا للعمل وكسب النقود ؟ سارعتُ فأرسلتُ رسالةً عاجلة للوكالة الدولية في فيينا شارحاً لهم المصيبة التي أوقعتنا ( زويا بتروفنا ) فيها. كتبوا لي فوراً رسالة يحثون فيها هيئة الطاقة الذرية السوفياتية للإسراع بحل الموضوع ومواصلة دفع المخصصات. أخذت الرسالة وطلبت مقابلة مسؤولاً بعينه حسب التعليمات هو المستر ( كوندراتييف ). جاءني رجل وقال إنَّ ( كوندراتييف ) غير موجود. شرحت له المشكلة وعرضت عليه جواب فيينا. نقّل بصره طويلاً بين الرسالة وبين وجهي ثم قال محتجّاً : إننا لم نستلم نسخة من هذه الرسالة. قلت له إذا كنتَ في شك من صحتها إستنسخها وإتصلوا عاجلاً بالوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا مستوضحين أمرها ومصداقيتها. تركنا لحوالي نصف ساعة حيث كنا جلوساً في إحدى زوايا قاعة كبيرة تقع خارج مكاتب الهيئة ثم عاد بملامح وجهٍ مختلفة. كان باسماً بشوشاً ثم قال إذهبا إلى الجامعة وواصلا أبحاثكما، غداً تستلمون مخصصاتكم كسابق العهد بها. هل إتصلوا بالوكالة الدولية فعلاً فجاء الجواب أم أنَّ جهات سوفياتية عليا هي التي إتخذت القرار الصائب في الوقت المناسب ؟ لا أحدَ يدري . زرت مبنى هيئة الطاقة الذرية السوفياتية عدة مرات لكنهم لم يسمحوا لي بمقابلة أو رؤية السيد ( كوندراتييف )، الشخص الذي حددته الوكالة الدولية لنا مرجعاً لإتصالاتنا وحل مشاكلنا. كان هذا بعض الثمن الذي دفعته جرّاء نقد السيدة ( زويا بتروفنا ) وتعرية زبانيتها وجلاوزتها والآكلين الدود من عفن مستنقعها. الإتجاه نحو الأدب لن تزدني هذه المشاكل سواءً مع السلطان نفسه أو مع بعض جلاوزته من شرطة الطلبة العراقيين إلاّ إصراراً على مواصلة أبحاثي ونشر أكثر ما يُمكن منها في مجلاّت الإختصاص. لا من بحر ورائي أخوضه مغامراً للخلاص من حصار وضغط العدو الذي أمامي، إذ كنتُ في الحقيقة بين عدوين أواجههما من كلتا الجهتين : أجهزة شرطة عراقية في موسكو وأجهزة شرطة عراقية في العراق. شرطة عراقية في موسكو تدّعي إنها جُنِدتْ للشيوعية ومن أجل خدمة أهداف الشيوعية والقضاء على الإستعمار الغربي والرأسمالية العالمية. وشرطة أخرى في بغداد عُبئتْ أساساً لقتال ومحاربة الشيوعية والقضاء على أفكارها المستوردة الهدّامة. شرطة موسكو تتهمني بالمروق والخروج على العصبة ( أو العصابة… لا فرق ! ) ومخاطبة بعض علماء الغرب الإستعماري الإمبريالي عدو الشعوب. حتى زيارة مدن مثل فيينا وبيروت كانت تثير فيهم شهوة الشك والإرتياب…شهوة الكواسج للدم. وشرطة بغداد وأجهزتها الأمنية تتهمني بالإلحاد والمروق على الدين الحنيف وإعتناق أفكار مستوردة هدّامة وبأني من زمرة ( إتحاد الشعب ) الضيّقة وعميلٌ لموسكو. لقد عبّر الشاعر أبو الطيب المتنبي فأحسن التعبير عن حالي هذه مرّةً حين خاطب سيف الدولة الحمداني قائلاً : وسوى الرومِ خلفَ ظهركَ رومٌ فعلى أيِّ جانبيكَ تميلُ ؟؟ إضطرني هذا الوضع البالغ الشذوذ أن أُدمِن السؤال : تُرى من أنا ؟؟ نعم، قد أدمنتُ هذا السؤال في صحوي وفي منامي وجرّني هذا الوضع إلى عالم الفلسفة والتفلسف فإقتنعتُ بمقولةً مؤداها (( الإفراط في الكشف يؤدي إلى الإسراف في سوء الظن )). الضوء الساطع يعمي الأبصار. شفافية الزجاج العالية ونقاؤه المطلق يمرخلالها البصر دون أن يصطدم بشيء مرئي. لا ترى فيه العين شيئاً. من شأن هذا كله أن يخلق حالة شك وريبة. يشكك الناس عادةً في حالة النقاء والوضوح المطلقين ويحسبون براءة المرء غطاءً لإخفاء النوايا والأهداف. كنتُ في حياتي دوماً واضحَ المقاصد والنوايا والأهداف. وكنتُ صريحاً وبريئاً إلى أقصى حدود التصوّر. أقوم ما أقوم به بخط مستقيم دونما إلتواء أو عَوَج ودونما خشية من سوء عاقبة أو خوف من أمر غامض قد يأتي فيما بعد. كنت أتصرّف أبداً كالمتهوّر في جرأتي وجراءتي وإندفاعي إلى الأمام. وكنت أحياناً أرى نفسي مثل بطل قتال طواحين الهواء ( دون كيخوت ). لكنَّ شدة وضوحي وبساطتي الفطرية وبراءتي فكراً وعملاً ومسلكاً لم تجعلني أقترب من طبيعة ( الأمير مشكين ) بطل رواية ( الأبله ) للروائي الروسي ( دوستيفسكي ). قوّة البراءة في الوضوح وقوة الوضوح في البراءة. أطلتُ على القاريء الكريم حديث الفلسفة والتفلسف، ثم كنتُ بدأت هذه الفقرة بعنوان لا علاقة له بالكيمياء (( الإتجاه نحو الأدب )). أجل. إكتشفت مع مرور زماني أني حين تدلهم من حولي الخطوب وتتراكم سود الغيوم في سمائي أجنح نحو الأدب شعراً ورواية، قراءةً وكتابةً. أجد في هذه الحقول مُتَنَفساً ومبزلاً لتصريف الشجن والهم والحزن. حين تتجمع الغيوم في السماء وتقترب من بعضها تتصادم فينفجر البرق تتبعه الرعود ثم ينزل المطر. تتكرر هذه اللوحة أحياناً ولكن على صعيد البشر. لا ينزل مطر من عيون البشر ولكن تتساقط الدموع بدلَ المطر. الدموع صنو أو بديل ماء المطر.كلاهما ماء، ماء في ماء إلى ماء. كما الهواء هواء في هواء إلى هواء. كنتُ أُمارس قراءة الأدب وكتابة ونشر بعض النقد والشعر وزيارة المسارح وفي رأسي هاجس قوي لا يبرح خيالي : تُرى، إلى أي بلد أو مكان في الدنيا سأتوجه بعد أ أكمل أبحاثي وأنال شهادة الدكتوراه أو الكانديدات في الكيمياء ؟ قُتلَ بعض من عاد إلى الوطن فأصبح الوطنُ الكفنَ والمقبرة. كما دخل البعضُ الآخر السجون والمعتقلات. أخي الأكبر ضابط كبير في الجيش العراقي وقريب جداً من مراكز إتخاذ القرارات في بغداد أرسل لي ينصحني بعدم التفكير بالعودة إلى الوطن ـ الكفن ـ المقبرة. إذن فلأهرب من هذا الجحيم المزدوج بالإنصراف الكلي إلى كل من الأبحاث والأدب. أبحث في النهار وأتدرّبُ في المختبر وأكتب في الأمسيات والليالي الطويلة وفي عطل نهايات الأسبوع ( السبت والأحد ). أصبحت متصوفاً أو كالمتصوف في كلا الميدانين. إلتحام توحدي. إستغراق. كشوفات. شطحات. ثم صراع مرير خفي ما بين اللغة الروسية التي أجدتها إجادة شبه مطلقة واللغة العربية التي ضعفت وكدتُ أن أنسى قواعدها ونحوها وصرفها وفقهها. أنا بأمس الحاجة لتلك وسيلةً للدراسة والبحث والقتال من أجل البقاء. وهذه وسيلةً لتصريف الشجون والآلام والنأي بالنفس عن الهموم. أعدت قراءة أشعار ( بوشكين ) و ( ليرمنتوف ) و ( يسينين ) و ( ماياكوفسكي ) باللغة الروسية. و ( بايرون ) و ( توماس إليوت ) باللغة الإنجليزية. وكان الصديق ( جليل كمال الدين ) سخياً معي في إعارتي ما أشاء من كتب مكتبته العامرة بالكتب.كان يضنُّ بها على سواي، لأنَّ من يستعير كتاباً من صديق لا يعود به إليه ثانيةً أبداً. يقول له قد ضاع مني، أو لا أدري من إستعاره مني ولم يعدْ به إليَّ. كانت تلك مشكلة جديّة عانى منها ـ وما زال يعاني منها ـ الكثير من جامعي الكتب. يحضرني في هذا السياق قول أحد الكتاب الأمريكيين (( من أعار صديقاً كتاباً فهو أحمق. ومن أعاد كتاباً مُستعاراً إلى صاحبه فإنه أكثر حماقةً )). نشرتُ بعض المقالات والأشعار والترجمات في جريدة الثورة السورية. كما نشرت لي مجلة الآداب اللبنانية ترجمة شعرية لإحدى قصائد الشاعر الروسي ( يفتوشنكو ) بعنوان ( نعم و لا ). ونشرت لي صحيفة عراقية في ملحقها الأدبي قصيدة قصيرة عن فلسطين بإسم ( يافا ). إعتبرتُ هذه النشاطات المتواضعة بحد ذاتها نجاحاً أدبياً لي وعلامة على صواب النهج الذي إنتهجت في عالم الأدب. كنتُ كما ذكرتُ آنفاً أواصل أبحاثي المختبرية الجادة نهاراً وأقرأ وأكتب الشعر والأدب في الأماسي والليالي الطويلة وخلال عُطل نهايات الأسبوع ( السبت والأحد ). إنقسمت فعاليات حياتي وأيامي إلى نصفين أحدهما يجري خلال النهار الأبيض والنصف الآخر ينشط خلال عتمة ظلام الليل. النصف الأبيض للقتال من أجل النصر على العدو الخارجي وتثبيت الوجود وقهر النفس الأمّارة بالسوء بحثاً وتنقيباً وصراعاً مريراً مع مكائن وأجهزة الحديد والنحاس التي تئز وتتوهج لمعاناً ووميضاً وتدور وتحسب الأرقام، فضلاً عن مخاطر الإشعاعات المختلفة وأخطرها أشعة جاما Gamma. هذا هو عالم المادة المتحولة التي لا تفنى ولا تزول. أما النصف الآخر فهو منتجع ومشفى للتداوي والعلاج ثم النقاهة ومحطة إستراحة. هنا عالم الروح التي تتبدل وتتحول لكنها في نهاية المطاف تزول لأنها ليست أبدية. كانت غرفة مختبري في كلية الكيمياء وغرفة سكني في القسم الداخلي تمثلان قطبي صراع خفي وكنتُ أنا الإنسان المخلوق من سيليكون الرمال الشفّاف ساحة هذا الصراع غير المتكافيء بين جبروت مادة الكون الأعظم الذي يتحول وقد ينصهر لكنْ لا ينكسر، وعالم روح الفرد الهش والضعيف الذي لا ينصهر لكنْ ينكسر بسرعة ويسر.كنتُ، مع ذلك، سعيداً لكني كنتُ غافلاً عمّا يحوكه الزمان من حولي وما يدبره من مشكلات ومصائب. الرؤية في النهار شيء والرؤية الليلية شيء آخر. عدسات النهار ليست كعدسات البصر ليلاً. الرؤية في الظلام تتطلب عدسات مزودة بأجهزة الأشعة تحت الحمراء، وذلكم أمر لم تزوّد الطبيعةُ أعيننا به. نعم، كان القدر يتخذ مساراً مغايراً كيما تنقلب سعادتي القصيرة فيه إلى تعاسة ونكبة جديدة. حرب الأيام الستة / حزيران 1967 مع إرتفاع صوت قرع طبول الحرب وتلبّد أجواء الشرق الأوسط بالغيوم السود زار موسكو في شهر مايس 1967 وفدٌ سوري رفيع المستوى يتكون من كل من رئيس الجمهورية الدكتور عدنان الأتاسي ورئيس الوزراء الدكتور يوسف زعيّن ووزير الخارجية الدكتور إبراهيم ماخوس. دعت رابطة الطلبة السوريين الطلبة العرب إلى لقاء مع القيادة السورية تم الإعداد له في مبنى السفارة السورية في موسكو. ذهبتُ مع من ذهب من الطلبة وجرى اللقاء على حدائق السفارة. أُعجِبت بهذه النخبة من الساسة الشباب على رأس السلطة السياسية في دمشق. كانوا جميعاً أطباء. تكلم الأتاسي أولاً بحماس عاصف عن إستعداد سوريا للقتال وقال بالحرف الواحد (( إنَّ خلف كل بندقية يقف مواطن عربي سوري للدفاع عن تراب العرب )). تبعه رئيس الوزراء يوسف زعين ثم إبراهيم ماخوس. لفتت نظري قدرة هؤلاء الرجال على التعبير السليم بلغة عربية فصيحة فضلاً عن سماحة الوجوه ولاسيّما ماخوس وزعيّن. بعد ذلك بأيام قلائل ( آواخر مايس ـ آوائل حزيران ) إلتقى الطلبة العرب بمحافظ مدينة الإسكندرية ( أو القاهرة ) في دار السفارة المصرية. كنتُ بالإتفاق مع رابطة الطلبة المصريين قد أعددتُ قصيدة بعنوان ( ناصر ) قلتُ فيها مأخوذاً بهذه الأجواء الحماسية وتفاقم الوضع والتهديدات المتبادلة : ناصرْ… قلّمْ فأجنحةُ الكواسرْ سمُّ الأفاعي إنْ تُبادرْ وتقدّمَ الصفَ الطويلَ فمن سواكَ تُرى يُغامرْ ؟ ألقيتها أمام المحافظ والسفير المصري الدكتور مراد غالب وباقي جموع الطلبة. أعطيتها بعد أن فرغت من قراءتها إلى المحافظ الضيف مع رجائي منه أن يُسلّمها بيده إلى الرئيس جمال عبد الناصر. وجدتها فُرصة نادرة مناسبة فقلت له : لقد أخطأتم في مصر إذ وقفتم مع المتآمرين في العراق ضد عبد الكريم قاسم وضد ثورة الرابع عشر من تموز 1958. هزَّ الضيفُ رأسه موافقاً. لكثرة الدعوات أحسستُ إذ إقتربتُ منه أنَّ الرجل كان نصف مخمور !! لذا لا أدري هل بلّغ الرسالة والرجاء فأوصل الشعر إلى صاحبه جمال عبد الناصر أم نسي الموضوع بعد أن غادر موسكو جملةً وتفصيلاً ؟؟ لم تمضِ إلاّ ايام قلائل حتى إندلعت الحرب يوم الخامس من حزيران ( يونيه ) عام 1967 فتركنا الأبحاث والمختبرات والدراسة بين لاطم ونادبٍ وباكٍ نتتبع الأخبار التمتضاربة حتى فوجئنا أننا كنا نواجه كارثة كبرى حلّت بنا في غضون ستة أيامٍ لا غير.كارثة لا توازيها في الحجم والنتائج والتبعيات إلاّ كارثة هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. كتبت صحف موسكو في حينه أنَّ عبد الناصر إرتكب خطأً جسيماً حين أغلق الممر المائي الدولي في مضايق ( تيران ). ثم سمعنا أنَّ الرئيس الأمريكي ( جونسون ) قد إتصل خلال خط التلفون الأحمر في اليوم الرابع من حزيران برئيس الوزراء السوفياتي يومذاك ( أليكسي كوسيجين ) ينذره أنَّ ألولايات المتحدة الأمريكية ستحارب كتفاً لكتف مع إسرائيل إذا شنت مصر الحرب عليها بإعتبار أنَّ أمريكا ملتزمة بالدفاع عن إستقلال إسرائيل وسيادتها على أراضيها. ثم، قالت الشائعات، إنَّ ( كوسيجين ) أقنع ( عبد الناصر ) أنْ لا ضرورةَ للحرب وإنَّ إسرائيل لن تكون وحيدةً في ميادين الحرب إذا ما إندلعت. ونصحه بتخفيف حدة التوتر واللجوء إلى المفاوضات بدل قرع طبول الحرب. قالت الشائعات : إنَّ الرئيس ناصر إقتنع بوجهات نظر السيد ( كوسيجين ) فإطمأنَّ وأمر برفع أو تخفيف حالة الإنذار والتأهب القصوى في صفوف القوات المسلّحة المصرية. لعب الطابور الخامس أو السادس في مصر الفصل الثاني من المؤامرة فأشاع أجواء الإنفراج وزوال خطر الحرب. ثم توالت الفصول الواحد يكمل الآخر إذ أتت مساء الرابع من حزيران 1967 ( قبل إندلاع الحرب بساعات ) إلى نادي ضباط القوة الجوية المصرية شاحنةٌ كبيرة محملّة بصناديق الويسكي لا أحد يعرف مصدرها أو من الذي قام بإرسالها. كان الجو النفسي العام لضباط سلاح الطيران في ذلك الحين في النادي مُهيأً للفرح بمقدم هذه الصناديق فخطر الحرب زال وجاء مكانه زمن الإنفراج والإسترخاء والإحتفال بأجواء السلام المزعوم. ثم حصل ما حصل في الساعات الأولى من فجر اليوم الخامس من حزيران 1967 من تدمير للمطارات والطائرات والقواعد الجوية المصرية في طول البلاد وعرضها من الإسكندرية حتى إسوان وصعيد مصر بأجمعه. ثم إحتلّت القوات المسلحة الإسرائيلية كل سيناء وهضبة الجولان والقدس والضفة الغربية في غضون ستة أيام لا أكثر. كانت هذه هي النكبة الثالثة الكبرى التي حلّت بالعرب بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد عام 1250 الميلادي ثم سقوط غرناطة عام 1492 في بلاد الأندلس. ناقشنا نحن الطلبة العرب الدارسين في موسكو أسباب وملابسات الكارثة مع مختلف قطاعات المواطنين السوفيات ونسبة أو مقدار مسؤولية الحكومة السوفياتية عمّا حلَّ بأصدقائها العرب من مصيبة هائلة. أكّد بعضهم خبر حديث الخط الأحمر بين الكرملين والبيت الأبيض لكنهم قالوا إنَّ ( كوسيجين ) لم يقلْ لعبد الناصر نمْ على رَغَدٍ ولم يقلْ له إنَّ إحتمال نشوب الحرب قد زال. كان على عبد الناصر أن يبقّي قواته في حالة الإستنفار القصوى. كما قال آخرون صراحةً إنَّ الإتحاد السوفياتي لا يستطيع أن يخوض حرباً ضد أمريكا في الشرق الأوسط المطوّق بالقواعد الأمريكية وحلف الناتو. ثم إنَّ مصراً ليست عضواً في حلف وارسو. كانت نقاشاتنا شديدة الحدة مع فئة قليلة أخرى من هؤلاء المواطنين الذين دأبوا على سؤالنا بصَلَف وعنجهية (( ولماذا نقاتل من أجل أصدقاء غير مأموني الجانب، متذبذبين ما بين الشرق والغرب ونعرّض أنفسنا ودولتنا للخطر ؟؟ حكوماتكم تعتبرنا أعداء لها وتطاردكم وتقتل بعضكم لأنكم تدرسون هنا مع أولادنا في معاهدنا وجامعاتنا. حكوماتكم تتعاون في السر مع الغرب وتتواطأ ضدنا. أنتم العرب رمال متحركة تأريخاً وجغرافيةً لذا يستحيل الإعتماد عليكم وإقامة علاقات راسخة معكم. لا يبني المرء قلاعاً على رمل هش غير ثابت ودائم الحركة والتغيّر )). في منطق هذا النفر الكثير من الحق. كانت بعض الحكومات العربية يومذاك مع موسكو في العَلَن، في حين كان هواها مع واشنطن في السر. ثم إنهم لم ينسوا جحود مصر وباقي العرب بإنكارهم الدورَ الحاسمَ الذي لعبه إنذار موسكو الشهير بضرب عواصم بلدان العدوان الثلاثي التي غزت مصر في شهر أكتوبر عام 1956 بالصواريخ، ومفعوله الآني في إيقاف الحرب والعدوان. لقد تزعّم هذا التيار الناكر للجميل ـ من بين آخرين ـ السيد محمد حسنين هيكل إذ أسرف في المبالغة بالإستهانة بمفعول ذاك الإنذار لدرجة إنكار مفعوله وأعطى الفضل في توقف الحملة الغازية إلى حكمة وحزم حكومة الرئيس الأمريكي يومذاك ( آيزنهاور ). ثم أسفَّ في جحوده وقلبه لحقائق الأمور فإدّعى أنَّ الإنذار الذي وجهه رئيس الوزراء السوفياتي ( نيكيتا خروشوف ) بضرب عواصم دول العدوان إنما وصل هذه العواصم متأخراً بسبب عامل الفرق بين التوقيت الزمني للعواصم ولاسيما الفرق بين موسكو وواشنطن !! ما علاقة واشنطن بهذا الإنذار ؟ كان الإنذار موجهاً لباريس ولندن وتل أبيب. ما كانت أمريكا مشتركة أصلاً في هذا العدوان. كنت أتابع ما يكتب هيكل من مقالات في جريدة الأهرام حيث كانت تصل موسكو بإنتظام.كنت حينها أشعر بمرارة لا توصف. أصبح واضحاً إننا بمثل هذه المواقف التي تتعارض مع الأعراف والأصول السياسية والدبلوماسية وتفتقر إلى أوليات الإحساس بالمسؤوليات الخلقية في التعاطي مع الأحداث سوف نخسر المزيد وما هو أكثر من المزيد. نخسر أهم عناصر حياتنا ووجودنا على سطح الكرة الأرضية. سنخسر مصداقيتنا بين الشعوب وسيأتينا يومٌ نرى فيه أنفسنا في مؤخرة قائمة تسلسل الحضارة والمدنية. وستضيع هويتنا وأكثر خصائصنا أصالةً وأهميةً. من كان يقف وراء السيد ( هيكل ) في كتاباته اللئيمة والمسمومة تلك ؟؟؟؟؟ هل كان يعبّر فيها عن وجهات نظره الخاصة أم إنه كان يكتب ما تملّيه عليه القيادة السياسية العليا في القاهرة يومذاك ؟؟؟؟؟ يقال إنَّ السيد محمد حسنين هيكل ما كان أكثر من قلمٍ مرنٍ طوع إرادة وإشارة جمال عبد الناصر وأسلوبٍ جيد مثير في الكتابات السياسية. أتذكر مرّةً كنت أسهر مع بعض الطلبة الروس في غرفتي فناقشنا كالعادة الكثير من الشؤون السياسية كان أحدها موضوع الإنذار السوفياتي بقصف لندن وباريس بالصواريخ. قال أحد هؤلاء الطلبة بكل هدوء وتفهم عميق للسياسة الدولية إننا غالبية المواطنين السوفيات ما كنا موافقين على صيغة هذا الإنذار، بل وكنا قد عارضناه لكنَّ خروشوف ركب رأسه فإندفع منجرفاً مع عواطفه التي كانت مع عبد الناصر. ثم أضاف : ماذا لو رفضت باريس ولندن هذا الإنذار ومضتا في خطتهما لإحتلال قناة السويس وضفتيها بالكامل ؟ هل كنا سنضرب وندمر أجمل عواصم الدنيا من أجل يسلمَ عبد الناصر وتسلم القاهرة ؟ ومن أجل أن يحقق ناصر أحلامه الخيالية بزعامة العالم العربي وتوحيد أمته العربية ؟؟ ماذا كنا سنكسب من هذا التفرد بالزعامة ومن وحدة هذه الأمة العربية ؟ ثم هل كانت لندن وباريس ستستسلمان للضربة دون رد مناسب ؟ نعم، كنا متفوقين عليهما بسلاح الصواريخ ولكن لديهما أسلحة نووية متطورة وسلاح طيران قادر على حمل القنابل النووية وإيصالها إلى قلب موسكو. ثمَّ، أضاف، كانت تقديراتنا أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية سوف لن تسكت آنذاك وسوف لن تبقى على الحياد لتتفرج على كارثة سقوط لندن وباريس تحت أقدام موسكو وما يترتب على مثل هذا السقوط من فراغ دولي هائل ستتمدد فيه موسكو لتوسّع من رقاع نفوذها وهيمنتها على أكثر أجزاء أوربا الغربية أهميةً. ثم إنَّ كلاًّ من فرنسا وبريطانيا كانتا عضوين في حلف الناتو. كانت أمريكا ستخوض الحرب معهما ضدنا كما فعلت في الحرب العالمية الثانية إذ خرجت من عزلتها القاريّة ورمت بكل ثقلها إلى جانب الحلفاء لكي تشارك في الغنيمة أولاً ثم لكي تمنع الإتحاد السوفياتي من الإنفراد بالنصر المبين على ألمانيا النازية وتقف أمامه جداراً متيناً منيعاً للحيلولة دون تنفيذ قرار وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلّحة للزحف حتى سواحل المحيط الأطلسي بعد كسر رقبة الجنرال فرانكو والإنتقام منه جرّاء إنقلابه الفاشي الذي أطاح بحكومة ديموقراطية مُنتَخبة وأغرق إسبانيا بالدم عام 1939 ثانيا.، ولقد تم لأمريكا ما أرادت. إحتلّت ( أو حررت ) أوربا الغربية وإحتلّت ( حررت ) أغلب أراضي ألمانيا ثم القسم الأكبر من مساحة برلين العاصمة. كنتُ مقتنعاً غاية الإقتناع بهذا المنطق وهذه الحجج. هم لا شكَّ يعرفون الأمور أفضل منا بكثير. بعد وقف إطلاق النار بين العرب وإسرائيل طلبت مني إحدى الباحثات العلميات بدرجة ( باحث أقدم ) من العاملات في مختبراتنا أن أُلقي محاضرةً أُبين فيها تأريخ وأبعاد وطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي. ثم قامت هي نفسها بترتيب موعد المحاضرة ومكانها وألصقت في لوحة الإعلانات بياناً بذلك. كان والد زوج هذه العالمة واحداً من كبار رجال الحزب والدولة إسمه ( فيرسوف ). وكانت علاقاتها سيئة بل ومتوترة دائماً مع الباحثة العلمية الأدنى مرتبة منها والتي كان المفروض أن تساعدني في حل بعض ما يتعسّر عليَّ فيما يخص الأجهزة والنواحي التكنيكية المعقدة ( يلينا أفدونينا ). الأولى قوية بوضع والد زوجها السياسي والثانية بواقع أبيها العلمي الرفيع ( مراسل أكاديمية العلوم السوفياتية ). وافقتُ وكنت أعلم أنَّ هذا الأمر سيُغيض بعض العناصر العاملة في القسم والمختبرات من المتعاطفين مع إسرائيل وبعض الحاقدين لسبب أو لآخر على العرب. كانت ( أفدونينا ) نفسها شديدة التعاطف مع إسرائيل ولا تخفي ذلك.كان في القسم عدد كبير من اليهود تتفاوت مهماتهم العلمية أو الوظيفية بين أستاذ مساعد ( دوتسنت Dozent ) وباحث أقدم ( Senior Research Associate ) وباحث أصغر ( Junior Research Associate ) وطالب دكتوراه ومعظم مساعدي ومساعدات المختبرات ( Laborant ). ألإستثناء الوحيد واللافت للنظر هم عمال ورشات الميكانيك والكهرباء والزجاج فكلهم روس ولا من يهودي بينهم. ثم خفراء مدخل مبنى قسم ومختبرات الكيمياء النووية ( وهم عادةً من بين فقراء وفقيرات الروس والجنود السابقين وبعض معوقي الحرب ) والمرأة المسكينة المكلّفة بتنظيف الممرات والمرافق الصحية ( المراحيض ). هذه السيدة هي التي نصحتني في باديء أمري مع الأبحاث في هذه المختبرات أن ( أعتني ) بالباحثة ( أفدونينا ) وأن أداريها وأدللها لكيما تجعل منّي في نهاية المطاف عالماً كبيراً. إمرأة بسيطة لكنها ذكية وبعيدة النظر وتفهم جيداً خصائص وطبائع بنات جنسها من النساء الروسيات. لم أستطع ـ نظراً لطبيعتي الخاصة ومزاجي في إختيار وتحديد علاقاتي مع الناس ـ أن ألتزم بنصيحة هذه المرأة الحكيمة التي طالما شكت لي من سوء معاملة زوجها المدمن على السكر لها ومن أنَّ حرمانها من التعليم العالي جعلها تتقبل هذا النوع الواطيء من العمل وهذا الصنف الواطيء من الأزواج لأنَّ الرجال ـ كما قالت ـ يتزوجون المال والشهادات لا الأخلاق ولا الجمال. وكانت هي نفسها جميلة جداً. أجد أحياناً متعةً عميقة، بل وقد أقع في غيبوبة صوفية حين أتكلم وأصغي لأحاديث ومشاكل بسطاء الناس. يفتحون قلوبهم دون حذر أو تعقيد. يجعلونني واحداً منهم وفيهم، وتلكم موهبة فطرية تتمتع بها الغالبية الكبرى من هذه الفئات المسحوقة من المجتمعات البشرية. يثقون بي لكأنما يعرفون قنواتي ووسائل إتصالاتي الخفية التي تشدّني إليهم وأطوال موجات بث وإلتقاط أحاسيسي وأحاسيسهم. يعرفون بأني أحبهم وبأني معهم وكان ذلك يكفيني. جمعتُ ما تيسر لي من مراجع بالعربية والروسية حول تأريخ فلسطين القديم وشعوبها قبل نزوح إبراهيم من أور الكلدانيين إليها ثم أضفتُ إليها ما كان قد تجمّع لديَّ من صحف ومجلات عالجت إلتباسات الحرب وتفصيلاتها ونتائجها المأساوية على العرب بالدرجة الأولى وعلى أصدقائهم بالدرجة الثانية. قدّمتُ في الوقت المحدد محاضرتي في إحدى قاعات مبنى الكيمياء النووية التي غُصّت بجمع كبير من الحضور كان أغلبهم من العاملين في مختبراتنا والطلبة والباحثين والباحثات والأساتذة بالإضافة إلى بعض الطلبة العراقيين والعرب من بين أصدقائي الذين دعوتهم للحضور لشدِّ أزري والمشاركة في النقاشات والردود. فرغت من محاضرتي فإنقسم الحضور كما كنتُ أتوقع إلى فئتين، فئة مع العرب يتزعمها الشيوعيون وخاصةً عمّال الورشات. وفئة أخرى ضد العرب يتصدرها اليهود وبعض أنصارهم وكانوا عَلَناً مع إسرائيل وأمريكا. قالت كل فئة رأيها بكل صراحة وكانت النقاشات هادئة جداً. خرجتُ بعد المحاضرة بقناعة مفادها أنَّ الإتحاد السوفياتي ( العظيم ) في طريقه إلى التفكك وإنَّ حال العرب مُرشّحٌ للمزيد من الكوارث.كانت نكسة حرب أيام حزيران الستة هي الإنتكاسة الثانية للإتحاد السوفياتي في علاقاته مع العالم العربي بعد سقوط نظام عبد الكريم قاسم في إنقلاب الثامن من شباط 1963. بعد حرب حزيران مباشرة رصدنا تشكّل عصابات صغيرة من بعض العناصر الصهيونية في موسكو وغيرها من المدن. أخذت هذه العصابات تنشط عَلَناً فتستفز وتعتدي على الطلبة العرب. كما نشطت بعض الفتيات اليهوديات في إغواء وإستدراج الطلبة والضباط العرب وخاصةً ضباط الطيران. في يوم شتائي قارس البرودة وُجد طالبُ عراقي ميتاً عارياً متجمداً في بعض ضواحي موسكو. بل بلغ الإستهتار بعناصر هذه العصابات أن أخذت تمارس نشاطها الإجرامي حتى داخل حَرَم وأقسام جامعة موسكو الداخلية. دخل إثنان منهم ذات مساء حجرة الطالب السوري ( وليد البزري ) فأوسعاه ضرباً وكسرا ذراعه اليمنى. حين رفع الأمر لشرطة الجامعة لم تتخذ الشرطةُ أي إجراء بحجة إنها لا تتدخل في أمور ومشاكل الطلبة !! تعرّضت أنا نفسي لمحاولة إختطاف. كيف ؟ كانت تزور قسمنا الداخلي فتاة يهودية جميلة طويلة القوام بيضاء الوجه خضراء العينين سوداء الشعر تُدعى ( أولغا ). لم تكن تأتي لوحدها بل كانت تأتي الداخلي بمعية زوجة الطالب السوري ( محمد أبو بكر، أبو سلمى ). كان أبو سلمى يدرس هو الآخر الكيمياء في جامعة موسكو وكانت حجراتنا في الداخلي متجاورتان. كما كانت علاقتنا جدَّ طيبة بفضل سمو أخلاق أبي سلمى الكردي السوري. إتصلت بي ( أولغا ) مرّةً إتصالاً تلفونياً مقترحةً أن نلتقي مساء في شقة إحدى صديقاتها. تركت قبل أن أغادر حجرتي ورقةً كتبت فيها كل ما أعرف عن هذه الفتاة من معلومات. تركت فيها رقم هاتف بيتها وعنوان شقة صديقتها وإسم صديقتها الأخرى أم سلمى ثم حددت زمن الموعد وساعة مغادرتي غرفتي وتأريخ ذلك اليوم. وصلت شقة صاحبتها حسب الموعد المتفق عليه. وجدت ( أولغا ) هناك وكانت صديقتها مضطجعة في سرير النوم الوحيد في حجرة إستقبال واسعة شديدة النظافة. فضلاً عن سرير النوم هذا ما كان في تلك الغرفة الواسعة إلاّ كرسيين من الخشب. ما أن إتخذت مجلسي حتى إقترحت صاحبتي أن تجلب لنا زجاجة فودكا. أعطيتها ثمن زجاجتين بدل الواحدة وتساءلت أليس لديكم هنا بعض البطاطا لنأكلها مع الفودكا ؟ قالت ( أولغا ) كلاّ، لكن صديقتها المنطرحة في سريرها إحتجت بسخرية شديدة الوضوح قائلةً : يا ربي ! هل يُعقلُ أن يكون بيتي خالياً من البطاطة ؟؟ سؤال ذكي وخبيث يحتمل أكثر من تفسير. أتت ( أولغا ) بزجاجتين من الفودكا فإعتدلت صاحبتها وأسندت ظهرها على مقدمة سريرها وراحت تعب كؤوس الفودكا عبّاً لا هوادة فيه. كأنما كانت تتمنى زيارتي تلك منذ قرون. لم أشرب من الفودكا إلاّ القليل تحسباً للطواريء التي كنتُ أتوقعها وكنت قد حملت معي في أحد جيوبي سكيناً مخفياً. قبل أن يفرغ ما في زجاجة الفودكا الثانية من مشروب دخل الشقة شاب يهودي الملامح والسمات. هاجم ( أولغا ) على الفور صارخاً إنها زوجتي… لماذا هي هنا وماذا تفعل معك ؟ كانت مجرد مسرحية إذ ما أن دنا منها محاولاً أن يصفعها بقبضته حتى تهاوت على الأرض في حركة بهلوانية مدروسة جيداً. أعددت نفسي للمعركة إذ خلعت سترتي ومددت يدي في أحد جيوب سروالي حيث أخفيت السكين. إرتعب الشاب فغادر الشقة مضطرباً لا يعرف طريقه فإصطدم ببابها بقوة وأسرع مهرولاً لا يلوي على شيء. تهيأت لمغادرة المكان فلم تتركني ( أولغا ) أن أغادر وحيداً مدعيةً إنها التي دعتني وبإنني ( ضيفها ) لذا لا يجوز أن تتركني وحدي في تلك الساعة من الليل. خرجنا إلى الشارع معاً تطوِّق خصري بأحد ذراعيها وكان هدفي الوصول إلى محطة سيارات التاكسي التي لم تكن بعيدة عن مكان شقة صديقتها. توقفت سيارة خاصة بالقرب منا حتى كادت أن تمس ملابسي فقال رجل كان يجلس بجانب سائق السيارة ( تفضّل )… هذه سيارة تاكسي. رفضتُ العرضَ ففوجئت بصاحبتي تفتح الباب الخلفي بمهارة الخبير المُدرّب وتدفعني بكل قوتها في محاولة لإدخالي في جوف السيارة فلطمتها على وجهها بمرفق ذراعي وبكل ما في جسدي من قوة. صرختُ عالياً ( شرطة… شرطة … ) فهربت السيارة الخاصة ـ الفخ الملغوم مسرعةً تشق ظلام تلك الليلة الحالكة السواد والتي كانت في بعض تفاصيلها شبيهة بأفلام جيمس بنود أو شرلوك هولمز. بصقتُ في وجه ( أولغا ) الجميل وقلت لها ( أيتها العاهرة… لا كلام لك بعد اليوم معي. لا تلفونات ولا تحيات ولا مجاملات. وإذا ما رأيتك ثانيةً مع أم سلمى في قسمنا الداخلي فلسوف أفضحك أمام الجميع وفي مقدمتهم الإنسان النبيل أبو سلمى ).لم أرها بعد ذلك أبداً. هل كان أبو سلمى على علم بدين ومعدن هذه الفتاة ؟ وما سبب علاقاتها المتينة مع قرينته أم سلمى ؟ رولاند في موسكو وصلتني آواخر شهر تموز 1967 رسالة من البروفسور الأمريكي فرانك رولاند F.S.Rowland يقول فيها إنه سيحضر مؤتمراً علمياً ينعقد أوائل شهر آب في مدينة ( لنينغراد ). وإنه سوف يتوقف ليومين في موسكو. تساءل في رسالته فيما إذا كان ممكناً أن نلتقي وهل لديَّ الإستعداد الكافي لمثل هذا اللقاء ؟ شعرت بالطيع بحرج شديد. كيف ألتقي بروفسوراً أمريكياً وقد قاطع العربُ أمريكا بعد حرب الأيام الستة ؟؟ ماذا سيقول الروس العاملون والباحثون معي في المختبرات وموظفو الإدارة في الجامعة ؟؟ وماذا سيقول أصدقائي العراقيون والعرب عني ؟؟ بقيت طوال ما يقرب من أسبوعين دائم التفكير في هذه المعضلة التي نزلت عليَّ من السماء دون سابق إنذار. في اليوم الذي حدده لوصوله مطار موسكو الدولي كنتُ هناك وكانت معي صورة له وجدتها ( يلينا أفدونينا ) في إحدى الصحف الأمريكية فطلبت من مسؤول مختبرات التصوير في القسم أن يعيد إستنساخها عدة مراتٍ. أعطتني واحدةً منها. قلت فيما سبق إن رولاند كان معروفاً لدى جميع الباحثين في مجال كيمياء التحولات النووية. وكان هو وبروفسور أمريكي آخر يدعى ( ريتشارد وولفغانغ ) في منافسات حامية الوطيس مع العلماء الروس وخاصة البروفسور ( نيسميانوف ) رئيس قسمنا والمشرف المسؤول عن أبحاثي.كان (نيسميانوف) هو نفسه من شجعني منذ البداية على تتبع أبحاث هذين العالمين الأمريكيين ودراسة ما ينشران من مقالات علمية في مجلات الإختصاص الأمريكية وسواها من مجلات عالمية. كان ( وولفغانغ ) قد زار مختبراتنا وقدم محاضرة رائعة حول آخر أبحاثه. بخلاف رولاند، كان أكثر جهده منصباً على الأبحاث النظرية وخاصة فيما يتعلق بتفاعلات ذرة الفلور الساخنة بدلَ ذرة التريتيوم الساخنة. قُبيلَ وصول الطائرة قادمةً من باريس إتصلت بموظف إستعلامات المطار طالباً منه أن يوجه لقائد الطائرة رسالة بجهاز الراديو تخص أحد المسافرين ( ذكرت له إسمه ) وأن يخبره إني ( ذكرت له إسمي ) في إنتظاره في المكان المخصص لإستقبال زائري موسكو. حطّت الطائرة على أرض المطار وما كنتُ مصدّقاً أن الرجل سيصل فعلاً وسأراه فعلاً وكان تصويره في يدي لكي يساعدني في التعرف عليه. بعد وقت قصير جاء رولاند إلى المكان الذي حددتُ فعرفته على الفور. قلت له من أنا. ولكي يطمئن إلى صدق قولي وحقيقة هويتي عرضت صورته عليه. عرفني لأنه يعرف إسمي من خلال الرسائل القليلة التي تبادلناها وناقشنا فيها بعض المواضيع العلمية التي لها علاقة بأبحاثي.ثم أضفتُ عنصراً آخرَ : عرضت عليه الرسالة التي أرسلها لي أواسط شهر تموز. فوجيء ! كأنه لم يكتبها ويرسم عليها توقيعه. كما كان على الزاوية اليسرى من غلافها إسمه الكامل فوق ختم جامعة كالفورنيا في ( إرفاين ). ثم فوجيء أكثر إذ رأى صورته معي فسألني كيف حصلت عليها ؟ مصيبة، أي والله مصيبة ! إنهم هناك على الجانب الآخر من الكرة الأرضية يحسبون ألف حساب لكل أمر من أمور الدنيا. يظنون أنهم مراقبون وأنهم تحت مجهر أجهزة المخابرات السوفياتية تترصد حركاتهم وسكناتهم. قصصت عليه قصة صورته ومن التي وجدتها في صحيفة أمريكية ثم طلبتْ إستنساخها مراراً وكانت لي حصتي بين حصص الآخرين من الصورة. إطمأنَّ الرجل. عرضت عليه أن أستأجر سيارة تاكسي لتقلنا إلى الفندق الذي حجز له غرفةً فيه حجزاً مُسبَقاً. قال إنه يعتقد أنَّ آخرين لا بدَّ وأن يكونوا في إستقباله، وإنهم سيصطحبونه إلى الفندق المخصص لإقامته القصيرة في موسكو. بالفعل، حضرت فتاتان سألته كبراهما ( كانت تتكلم الإنجليزية ) عن إسمه ثم قالت له إنهما مكلفتان بمرافقته إلى الفندق. إقترح الرجل إذ كنا جميعاً في إنتظار مجيء سيارة التاكسي أن أكون معهم. سألتُ الفتاةَ الأكبر أيمكن أن أكونَ الرابع في سفرة العودة إلى موسكو ؟ تبدلت سحنة وجهها فبان عليها شيء من الإمتعاض لكنها لم تجب. قلت لها أنا سأدفع أجور واحدة من هذه السيارات الواقفة بالقرب منا . قالت لا حاجة بنا إلى هذه السيارات. تحت تصرفنا سيارتنا الخاصة. جاءت سيارة تاكسي فولغا بيضاء اللون يبدو عليها وعلى سائقها أنْ قد تم إختيارهما بعناية ووفق مواصفات خاصة. فتحت باب السيارة وركبتُ في المقعد الخلفي وفتح البروفسور باب السيارة من الجهة المقابلة وإتخذ مكانه بجانبي. ركبت كبرى الفتاتين في المقعد الأمامي إلى جانب السائق في حين ركبت الصبية الصغيرة معنا في المقعد الخلفي، حشرت نفسها حشراً. تحركّت السيارة فكانت الصبية، جارة السرور، تتابع حركاتنا وكل كلمة ننطق بها. شرطة أمن نسائية. واحدة مُدرَّبة والأخرى ما زالت تحت التدريب. كان الجو مكهرَباً وكان رولاند شديد الحذر، يزن كلماته بميزان الذهب وكان يعرف كيف يتهرب من إعطاء أجوبة مباشرة. ما أن وصلت السيارة ساحة وتمثال الشاعر( بوشكين ) على شارع ( مكسيم غوركي ) في وسط موسكو حتى توقفت السيارة وغادرتها الفتاتان. ثم وصلنا الفندق الذي لم يكنْ بعيداً عن هذه الساحة فدفعتُ أنا أجور التاكسي. أخذ رولاند مفتاح غرفته المحجوزة سلفاً وطلب مني أن أنتظره في الطابق الأرضي. عاد الرجل بعد حوالي نصف ساعة مرتدياً سروالاً وقميصاً صيفياً فقط فلقد كان الجو ذلك اليوم مشمساً دافئاً. إقترح أن نقومَ بجولةٍ على الأقدام للتعرف على مركز مدينة موسكو ومشاهدة أهم معالمها السياحية والأثرية القريبة أو المحيطة بهذا المركز. إلتقطت له بكاميرتي بعض الصور في الساحة الحمراء وأمام ساعة الكرملين. سألته أيحب أن يرى ضريح ( لينين ) ؟ قال نعم.كان طابور الإنتظار للدخول إلى ضريح ( لينين ) كالعادة طويلاً جداً. أخذت رولاند معي إلى الضابط المشرف على تنظيم صفوف زائري الضريح وأخبرته أنَّ هذا الرجل الطويل القامة بإفراط هو عالم أمريكي جاء ليشارك في قراءة واحد من أبحاثه أمام مؤتمر عالمي سينعقد بعد يومين في مدينة ( لينينغراد ). قال تفضلاّ، وأدخلنا مع أول الداخلين. مررنا بجثمان ( لينين ) المحنط جيداً مضطجِعاً بكامل ملابسه وكان وجهه منيراً مُشرقاً يشع منه نور خفي. لا عجبَ فلقد كان المرحوم يخضع لعمليات فحص طبي وتجميل متقن وإعادة تحنيط مرّةً وربما مرتين في كل عام. كان ينام في صندوق زجاجي خاص مفرَّغ من الهواء ومعزول عن محيطه الخارجي عزلاً تاماً. الهواء عادةً مُعبّأ بشتى أنواع البكتريا، والبكتريا هي العدو اللدود لجسد الميت، لأنه غذاؤها المفضّل وبيئتها المثلى للتكاثر! كنت كلما زرت ضريح ( لينين ) تذكّرت بيت شعر للشاعر ديك الجن الحِمصي يقول فيه (( عهدي به ميْتاً كأحسن نائمِ )). غادرنا الضريح وكان صاحبي صامتاً يتحاشى الكلام أو التعليق. تمشيناً في شارع ( غوركي ) فقال إنه يشعر بالعطش. ما كانت حينذاك في موسكو وبقية مدن الإتحاد السوفياتي محلات لبيع المأكولات الخفيفة والمشروبات المعبأة في قناني الزجاج أو علب الصفيح. وما كان الناس يعرفون الكوكا كولا وأخاها أو أختها البيبسي كولا ولا بقية المشروبات الغازية المنتشرة في الغرب. أخذ صاحبي يلّح مكرراً إنه عطشان. شعرت بالحرج من طلبه أولاً ثم من إلحاحه الطفولي ثانياً. طلبتُ منه أن يصبر قليلاً فأمامنا محل لبيع مشروب بارد سيعجبه دون أدنى شك. دخلنا المحل وإنتظمنا في صف المنتظرين وقوفاً إذ ما كان في المحل كراسٍ للجلوس، ثم إنه مجرد دكان صغير. ما طال إنتظارنا فطلبت كأسين من السيدة التي كانت تجهز المشروب وتبيعه للزبائن طازجاً. شرب رولاند كأسه الكبير سريعاً. أمسكه بيده يتلمظُّ ويمسح شفتيه بلسانه. عرفت إنه يريد كأساً آخرَ. طلبتُ له كأساً ثانياً فأخذ يتجرعه على مهل ويعامله كما يعامل صبٌّ مغرم حبيبة هواه. يأخذ جرعة صغيرة ثم يتوقف متأملاً الباقي في الكأس. سألته أوَيريد ثالثاً قال كلاّ، إكتفيت. سألته هل أعجبك المشروب ؟ قال جداً جداً. ثم سألني عن إسمه ومكوِّناته ومم يصنعونه وكيف يصنعونه . قلتُ إنه مزيج مبرّد من الحليب الطازج والكريمة والسكّر ومسحوق الشكولاته أو الكاكاو، ويسمّونه ( إكسير ). بعد التمشي في شارع ( غوركي ) عرضتُ عليه أن نستريح قليلاً في أحد مقاهي هذا الشارع الكثيرة. وافق دون تردد وكان فيه شوق بل جوع شديد لمعرفة كافة مناحي ودقائق الحياة في هذا البلد المترامي الأطراف والمتعدد القوميات والأجناس والأعراق. أردت الإبتعاد عن ضوضاء الشارع وزبائن الطابق الأرضي فصعدت وصاحبي إلى الطابق العلوي وكان خالياً تماماً من الزبائن. سألته أيشرب كأساً من البيرة أو النبيذ أو الفودكا ؟ قال إنه لا يتعاطى المشروبات الكحولية. طلب ماءً معدنياً و ( آيس كريم ). سحب ورقةً من أوراق التجفيف العادية الموضوعة عادةً على موائد المقاهي والمطاعم وأخذ يرسم عليها ويشرح لي واحداً من مشاريع أبحاثه الجديدة. كانت فكرة المشروع طريفة حقّاً وجديدة عليَّ تماماً إذ لم يُنشر عنها بعدُ أي مقال. كنا نتناقش وكنتُ أطرح عليه السؤال تلو السؤال مأخوذاً بعلمه وسعة إطلاعه وكثرة ما قرأت له من أبحاث طريفة منشورة بشكل خاص في المجلة الدورية الأمريكية الواسعة الإنتشار والمعروفة بإسم ( مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية Journal of The American Chemical Society ) . وجدته بسيطاً في أسلوب طرحه للمسائل المعقدّة وذا قدرة متميزة على شرح وتبسيط الشائك منها. كما حصل لدي إنطباع قوي بأن ما نقوم به من أبحاث في جامعة موسكو أكثر تعقيداً وربما أكثر أهميةً وطرافةً. قبل أن ننهي المناقشات وما طلبنا من مشروب ومأكول جاءت الفتاة الفاتنة التي تخدم في المقهى وبصحبتها شاب وشابة وأجلستهما معنا على مائدتنا. كان حول المائدة أربعة كراسٍ. وكانت كافة موائد الطابق العلوي الأخرىكما سبق وأن قلتُ خلواً من الزبائن تماماً. فما تفسير أن تأتينا الفتاة التي تخدمنا بإثنين من الزبائن ليشاركاننا مائدتنا دون بقية الموائد الخالية ؟لم أجده سؤالاً مُحيّراً، فالمغزى والهدف واضحان كل الوضوح : مراقبة ما كان يجري من أحاديث ومناقشات علمية بيني وبين ضيف الإتحاد السوفياتي البروفسور الأمريكي فرانك رولاند. تضايقت كثيراً لكني لم أشأ أن أحتجَّ إذ لا جدوى من الإحتجاج. قلت لضيفي هيا نغادر المقهى فلقد أزعجني حضور هذين الشابين. قلتها صريحةً وواضحةً وكنت أعني ما أقول لكي يسمعني الضيفان الثقيلان ويفهما أنهما ثقيلان ومتطفلان ولا من معنى لحضورهما وتطفلهما المخجل. كانا، أو أحدهما، وبكل تأكيد يفهمان اللغة الإنجليزية، وإلاّ لما بعث بهما إلينا من بعث. تركنا مائدتنا فتعمدت أن أترك الورقة البيضاء التي كان الضيف يرسم عليها ويشرح ويوضّح وقلت للشاب : تفضّل… ثقّفْ نفسك بالكيمياء. ثم قلتُ له : كما تلاحظ … ليس فيها أسرار ولا معلومات خطيرة عن الإتحاد السوفياتي. إنما كنتُ وضيفكم العالم الأمريكي نناقش أموراً كيميائية عادية هي موضع إهتمامنا نحن الإثنين وإنها من صلب إختصاصاتنا. قمت بذلك لأنه وصاحبته كانا وبدون أدنى شعور بالحياء يتابعان ما كان يكتب رولاند على الورقة الصغيرة وكأنما كانا يسجلان كل كلمة نتفوه بها. كان فضولهما المزعج واضحاً وكانا مكشوفين لي ولصاحبي الذي لم يعلّق ولم يأبه لما جرى لكأنما كان يتوقع حدوثه في موسكو. غادرنا المقهى ـ وكان يوم سبت ـ فقرر الضيف الرجوع إلى فندقه لينام مبكراً على أن نلتقي صباح الغد إذ أراد أن يرى جامعة موسكو وأقسامها الداخلية وكيف يعيش طلابها. أتيتُ فندقه كما إتفقنا في الساعة العاشرة من صباح الأحد فوجدته جالساً في بهو الإستقبال الأمامي منتظراً قدومي. ركبنا الحافلة ( الباص ) المتجهة صوب جامعة موسكو والتي تنطلق في رحلتها من مركز المدينة وتشق طريقها خلال ( نهج لينين Lenins Prospect ) وبالروسية ( Prospect Lenina ) المفرط في عرضه وعدد ما فيه من شوارع متوازية أو متعاكسة الإتجاهات، فضلاً عن الممرات الكثيرة المخصصة للمُشاة من المارّة المزدحمة الأشجار والكثيرة المصاطب المُعدّة لراحة المواطنين والتمتع بحيوية هذا النهج وفرادته.كما إنه الشريان الرئيس الذي يربط موسكو بمطارها الدولي المسمى ( شيريميتوفا ). وصلنا مباني جامعة موسكو الهائلة التي يُقال إنَّ أسرى الحرب العالمية الثانية من جنود الألمان هم من قام ببنائها كأعمال سخرةٍ وعقابٍ لهم على تهورهم وغبائهم وتورطهم في إقتحام وتدنيس أراضي الإتحاد السوفياتي العظيم، وطن لينين ونبراس ماركس وإنجلز. أخذت صاحبي لغرفتي التي تحمل الرقم 833 والواقعة في الطابق الثامن من الجناح المخصص لطلبة كلية الكيمياء شارحاً له نظام وأسلوب الحياة في القسم الداخلي وما على كل طابق من مرافق ومطابخ وأجهزة تلفونات عمومية فكان يصغي إليَّ بإنتباه عميق. سألني عن الأجر الذي أدفعه عن غرفتي في الشهر. أُصيب بالذهول حين قلت له : خمسة روبلات في الشهر فقط، يدخل الكهرباء والتدفئة والماء الساخن ضمن هذه الروبلات القليلة. هز رأسه عَجَباً وتعجباً ثم سألني عن مبلغ مخصصاتي الشهرية، قلت له 150 روبلاً في الشهر. سرّح بصره خلال شباك غرفتي المشرفة على متنزهات الجامعة الفسيحة ونهر وهضبات لينين ثم إمتدادات مدينة موسكو التي لا تُحد ثم قال : كأنك تسكن مجاناً. قلت أجلْ، ندفع إيجاراً رمزياً يُصرف كراتب شهري لعاملات التنظيف ومواد التنظيف وغاز المطابخ التي تعمل ليلاً ونهاراً وعلى بعض أعمال الصيانة ولا سيما إدامة مصاعد المبنى وإستبدال المصابيح المحروقة. أصبح الشاي الثقيل جاهزأ فتناول منه كأساً كبيراً مع بعض قطع البسكويت فأعجبه الشاي حتى طالب بالمزيد. بعد الشاي عرضت عليه المشمش البلغاري الممتاز ففتح عينيه واسعتين متعجباً ثم سأل من أين يأتيكم المشمش وهل في موسكو فواكه ولحوم ؟ قلت نعم، تجد كل شيء في موسكو. تأتيها الفواكه صيفاً من القوقاس وتأتيها مستوردةً من بلغاريا. ويأتيها البرتقال والموز شتاءً من المغرب. ويأتيها العنب من بعض أقطار أمريكا اللاتينية.لم يصدّق كلامي.كان مرتاباً في ما كنت أقول.كان إرتيابه واضحاً مجسّداً في عينيه البنيتين ووجهه الضارب للسمرة. سألته من أين أتتك سمرة وجهك وبشرتك فأجاب على الفور : إنها شمس كالفورنيا ! بعد الشاي المفرط في ثقله وسواد لونه ( شاي سيلاني درجة أولى ) وحديث المشمش وفاكهة موسكو أعرب عن رغبته في أن يرى قسم كيمياء التحولات النووية حيث مختبري وأجهزتي وأبحاثي. ما كان هذا القسم بعيداً عنّا وعن مبنى الجامعة الرئيس.تمشينا نحوه بين صفين من أشجار الصيف اليانعة بموازاة كلية البايولوجي حيث تدرس صاحبتي ( زويا ). كان القسم مُغلَقاً بالطبع لأنَّ اليومَ كان يوم أحد. ألقى الضيف نظرةً عجلى على مبنى القسم الذي يتكون من ثلاثة طوابق ولم يُعلّق. سألته هل قسمك أو مختبرات أبحاثك في جامعة كالفورنيا بهذا الحجم ؟ أُحرِج الرجل. هزَّ رأسه بالنفي ثم قال إنَّ نظام البحث والتعليم في جامعته مختلفان عما يراه في جامعة موسكو. قال ليس في جامعتهم قسم خاص لأبحاث كيمياء التحولاّت النووية. وإنهم لا يدرسون هذه المادة بإعتبارها أحد متطلبات دراسة علم الكيمياء. إستغربت كلامه فسألته ألا تقوم أنت بتدريس هذه المادة ؟ قال كلاّ. إنما يقوم بتدريس مادة الكيمياء العامة لطلبة السنة الأولى فقط، وإن مختبره يمثل جزءاً واحداً من مختبرات قسم الكيمياء. ليس في جامعته كلية للكيمياء كما هو الحال في جامعة موسكو.كان هو رئيس قسم الكيمياء. فروق لا شكَّ كبيرة بين نظامي التعليم والبحث. تركنا المكان قاصدين موقف الحافلة المتجهة نحو مركز المدينة ( أظن أنَّ الحافلة تحمل رقم خط السير 47 الخاص بالحركة بين الجامعة ومركز المدينة ) ففوجئنا برجل وإمرأة ينصبان أمامنا كاميرا سينمائية في وسط شارع المُشاة الذي كنّا فيه !! بالأمس رجل وإمرأة يتجسسان علينا في مقهى عامة. اليوم رجل وإمرأة وكاميرا تلتقط لنا صوراً سينمائية فأين المفر ؟!؟! (( إذا أصابت أحدَكم مصيبةٌ قولوا لا حول ولا قوّة إلاّ بالله / من الأقوال المأثورة )). لم ينزعج صاحبي ولم يُبدِ أي إمتعاضٍ أو تذمر أو شكوى، بل حتى لم يشأ التعليق. كأنه كان يتوقع هذا وربما ما هو أكبر أو أسوأ منه. ربما علّمته حكومته وأعلمته قبل مجيئه بإحتمالات ما قد يقع من قبيل هذه الأفعال. كان بارد العصب وما كان خائفاً، ولِمَ الخوف طالما إنه لم يأتِ فعلاً مُنكَراً أو شائناً أو محظوراً ؟! لم يضبطه أحدٌ يتجسس على مناطق عسكرية أو قواعد إطلاق الصواريخ وسفن الفضاء. ونحن في الحافلة في الطريق إلى مركز مدينة موسكو سألت رولاند أيحب أن يرى ( البلشوي تياتر ) ذائع الصيت وذا الشهرة العالمية ؟ تفتّحت أسارير وجهه الواسع وومضتْ عيناه بأشعة فرح طفولي أبهجني وأشعرني بطيبة معدن هذا الرجل وعفوية التعبير عن أحاسيسه وأدق خصائصه النفسية.كان هذا يُغنيني عن توقع جوابٍ منطوقٍ يقول نعم. لم يقل الرجل نعم، لكن أخذ يهز رأسه الضخم العريض الجبهة والخفيف الشعر هزّاتٍ متتالية تحمل معنى الموافقة على الفكرة. وصلنا مركز المدينة فإفترقنا على أن نلتقي الساعة السادسة عصراً. إتجهت على الفور إلى مركز بيع تذاكر الدخول إلى مسرح ( البلشوي تياتر ) فنجحتُ في الحصول على بطاقتين في الصفوف الأمامية حيث كانت تُعرض أوبرا ( دون جوان ) للموسيقار الألماني العظيم ( موتسارت ). إسم الأوبرا الشائع في كل من ألمانيا وإيطاليا هو ( دون جيوفاني ). القصة في الأصل قصة نبيل أو ثري أو إقطاعي إسباني يحب النساء وملاحقتهن وخداعهن. أخذها وكتب عنها أو نسج حولها أو طوّرها عدد من أدباء وكتّاب أوربا مثل المسرحي الفرنسي الشهير ( مولير ) ثم الشاعر الإنجليزي ( جورج غوردون لورد بايرون ) الذي صاغها شعراً مطوّلاً يستوي في كتاب كامل. شاع هذا الكتاب في أوائل القرن التاسع عشر في إنجلترا وسرت شهرته بين الشباب سريان النار في الهشيم. دخلنا مسرح ( البلشوي تياتر ) أي المسرح الكبير، فلم يصدق رولاند عينيه ولم يكن ليصّدق نفسه إنه في ( البلشوي تياتر ). سألني عن ثمن التذاكر. ولما أجبته قال إنَّ تذاكر الدخول إلى المسارح في أمريكا غالية الثمن. ثم أردف قائلاً إنَّ سبب رخص التذاكر في موسكو راجع إلى أنَّ الحكومة تُدعّم المسارح طالما إنها تابعة للدولة. إستمتعنا بأوبرا ( دون جوان أو دون جيوفاني ) وحين غادرنا المسرح رأيته يدس تذكرة دخوله في أحد جيوبه، ربما للذكرى . كان المساء ما زال وضّاءً شأن بقية ليالي الصيف في موسكو. في طريقنا إلى فندقه إذ سيغادر موسكو صباح غد الإثنين إلى مدينة ( لينينغراد ) سألته أيمكن أن أواصل أبحاثي في مختبراته في أمريكا بعد أن أنهي أبحاثي ودراستي في جامعة موسكو ؟ فكّر قليلاً ثم قال لكنكم تعتبروننا أعداءً لكم بعد حرب الأيام الستة. وقطعت حكوماتكم العلاقات الدبلوماسية مع الحكومة الأمريكية. قلت له إنسَ الموضوع إذن، وسنواصل نقاشاتنا العلمية حول ما قد يستجد من أمور عن طريق الرسائل. وافق على الفكرة.كان برنامج أبحاثي في مراحله الأخيرة، ولقد تمَّ إعداد بحثين للنشر في إحدى مجلات الإختصاص. مدَّ لي يده مصافحاً وشاكراً حسن إستقبالي وكرم ضيافتي إذ كنتُ أنا وحدي من تحمّل النفقات. قلت في سري إنَّ الرجل بخيل، بل وشحيح. صدق حدسي وظني في بخل وشحة هذا الرجل بعد أن إلتحقت بمختبرات أبحاثه في جامعة كالفورنيا ( إرفاين ). إعتادت سكرتيرة القسم السيدة ( بولمان ) أن تجمع دولاراً واحداً في رأس كل شهر من كافة منتسبي القسم من طلبة الدراسات العليا ( الماجستير والدكتوراه ) والباحثين من أمثالي والأساتذة كافة، مقابل ما كنا نتناول من قهوة وحليب مركّز وسكّر دون حدود أو حساب. كان سخّان القهوة وباقي ملحقاتها في أحد أركان غرفتها الواسعة. وكانت تضع في بداية كل شهر ورقة بجانب سخّان القهوة. نكتب أسماءنا ونضع الدولار في صندوق كارتون صغير ثم نتناول القهوة.كانت القائمة تكتمل عادة بإستثناء إسم واحد : إسم الدكتور رولاند، رئيس القسم. كانت هذه السيدة اليوغسلافية الأصل خفيفة الظل وقادرة على السخرية بشكل طبيعي.كانت في أول مناسبة لإجتماع منتسبي القسم تُشهّر برئيس القسم قائلةً : أنظروا … هذا هو رئيس قسمكم… الوحيد بينكم الذي لم يدفع ما عليه من إستحقاقات. ويرد رولاند مرِحاً لا أُبالياً : أنتم تدفعون ورئيس القسم يشرب قهوته مجاناً. لا أدفع وسوف لن أدفع. أنا بخيل. أنا أحب النقود.كان هذا رده المعتاد. هل كان حقاً بخيلاً أم إنه يفعل ذلك من باب النكتة والهزل ولتغيير الأجواء ؟ قصتي مع البخل والبخلاء قصة طويلة. قد تكون أطول من حكاية ( فريد الأطرش ) مع غرامه، إذ لديه أغنية يقول فيها ( حكاية غرامي حكاية طويلة ).كل من إلتقيتُ سواء في موسكو أو أمريكا أو بريطانيا أو ألمانيا أو في ليبيا من شخصيات تحمل عناوين وظائف ومراكز رفيعة في حكوماتهم، كل هؤلاء رأيتهم على قدر كبير من الشحة والبخل. فيهم رؤساء أحزاب وقادة نقاباتٍ وعمداء كليات ورؤساء جامعات وموظفون دبلوماسيون ووزراء وسفراء سابقون.كانوا جميعاً دون إستثناء ينظرون إلى يدي متى تمتد إلى جيبي لأسدد حساب ما أكلوا وما شربوا. أنا الطالب أدفع أثمان ما يأكل ويشرب بعض المحسوبين على عليّة القوم من ذوي المناصب المرموقة. هل يحمل السائح مشاعرَ خاصة حين يغادر بلده وتطأ قدماه أراضيَ بلدانٍ أخرى ؟ هل هي شحة متأصلة في نفوسهم أم إستغفال وإستغلال براءة الكريم النفس والعفيف اليد ؟ للمرة الثالثة والأخيرة قضيت النصف الأخير من شهر آب 1967 على البحر الأسود سباحةً وتجديفاً وتمشياتٍ طويلة وتعارفات طارئة سريعة مختلف ألوانها ثم ( زواج مصيف ) كما كانوا يسمونه في الإتحاد السوفياتي السابق، أي عشرة عميقة ولكن دون زواج. ينتهي هذا النوع من زواج المصائف بإنتهاء عطلة الصيف ويقول الواحد لصاحبته : شكراً جزيلاً، مع السلامة. هل هو نوع من زواج المتعة ؟ العام الدراسي الأخير / 1967 ـ 1968 إستأنفتُ العمل على أبحاثي بهمة عالية لإنجاز ما تبقى من أمورٍ يتوجب علي الإنتهاء منها كيما أعكف على جمع المصادر وكتابة رسالة الدكتوراه باللغة الروسية. لم أستطع إنجاز جزء هام من البحث لعدم توفر الجهاز المطلوب. غير أنَّ نتائج بحثين كانا في طريقهما للنشر كافيان لكتابة رسالة البحث وإعدادها للمناقشة. في شهر أيلول إستحق جواز سفري تمديداً لفترة عامين آخرين. ما كانت بي رغبة لزيارة السفارة العراقية التي كانت علاقتها مع أغلبية الطلبة العراقيين سيئة دائماً. على أية حال، كان عليَّ أنْ أُمدد جواز سفري وأن أواجه القنصل العراقي بأية طريقة وأن أتحمل ما أتحمل من نتائج. سأنهي دراستي وأغادر موسكو بعد بضعة شهور، إما إلى العراق حسب رغبة وإلحاح جناح مدينة الحلة من أهلي. وإما إلى أي بلد آخر حيث أستطيع العمل في التدريس الجامعي أو في حقل الأبحاث، حسب رغبة وتوصية الجناح الثاني من الأهل في بغداد.لم يحبذْ هذا الجزء من الأهل رجوعي إلى الوطن. كان جناح بغداد المكوّن من أشقائي الضباط في الجيش مع العقل وبُعد النظر. وكان جناح الحلة مع العاطفة والشفقة والحنان ولا غرابة، ففيه الأم والأب والشقيق والشقيقة. ثم الحلة، وليست بغداد، مدينتي ومدرستي وأول وظيفة في حياتي مدرساً على التعليم الثانوي قبل إلتحاقي بزمالة موسكو. هنا إذن الكفّة الأرجح وكان هذا هدفي وقراري ولكنْ… ضربات الزمان تظل تلاحقني شئتُ ذلك أم أبيت. زرت أوائل شهر أيلول من عام 1967 السفارة العراقي في موسكو فإستقبلني القنصل السيد ( تغلب القصّاب ) بترحيب حار وأعد بنفسه لي كوب قهوة فما كنت أصدّق ما أرى. القنصل يستقبل ويرحّب ويقوم بواجب الضيافة لطالب عراقي لا يعرفه ولم يسمع بإسمه قبلاً. شيء لا يُصدّق. جدد القنصل جواز سفري لعامين آخرين فرجوته وقد رأيته على هذا القدر من كرم الأخلاق أن يُضيف إليه كلاً من كوبا والولايات المتحدة الأمريكية. سألني لماذا ؟ قلت له سأُنهي دراستي في أقل من عام، بعد ذلك ربما أقرر المشاركة في بعض المؤتمرات العلمية في حقل إختصاصي . إقتنع الرجل وأضاف الولايات المتحدة إلى قائمة البلدان المسموح لي بزيارتها. لكنه وقبل أن يضيف كوبا نصحني أن أنسى هذا الموضوع. قال إنك إما أن تزور أمريكا أو كوبا لا البلدين معاً. قال إذا ما رأى الأمريكان إسم كوبا على جوازك فسوف لن يسمحوا لك بدخول أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. شكرته وتأهبت لمغادرة مكتبه فقام الرجل يصافحني مودِّعاً. تركت مبنى السفارة العراقية أتلفت يمنةً ويسرةً غير مصدّق هذا الذي حصل. نعم، غير مصدّق ما حصل، لأن تجربتي مع ملحق ثقافي سابق كانت تجربة مرّة. أرسلت بغداد عام 1964 واحداً من الطلبة البعثيين الذين كانوا يدرسون في معاهد موسكو وتركوها بعد إنقلاب الثامن من شباط 1963… أرسلته ملحقاً ثقافياً. كان ( مهدي الشيخ علي ) فظاً متعجرفاً وغير مؤدب مع الطلبة الذين هم من أمثالي، من غير البعثيين أو المتعاطفين والمتعاونين مع حكومة بغداد. شتان ما بين هذين الرجلين وشتان ما بين بعثي وبعثي. المهم، لم ألتقِ الإنسان الرائع ( تغلب القصّاب ) إلاّ صدفةً خلال إحدى ندوات مؤتمر عالمي حول البتروكيماويات إنعقد في بغداد عام 1976. كنتُ أحضر وقائع المؤتمر مع السيد ( مدحت الخضيري، أبو بجلي، مدير عام شركة عصير برتقال " نادر " ) ممثلين للهيئة الإدارية لنقابة الكيميائيين العراقيين.كنتُ عضواً فيها وكان الأخ مدحت الخضيري سكرتيرها. ويحضرها تغلب القصاب ممثلاً لوزارة الإقتصاد. قلت له : لا أنسى فضلك، إذ لولاك لما إستطعت أن أرى أمريكا. في نهاية الندوة طلب مني أن أوصله بسيارتي إلى بيته. أعود لقسم الكيمياء الشعاعية Department of Radiochemistry ، وهو قسم كبير فيه مختبرات كيمياء التحولات النووية ( إختصاصي ) وأجنحة ومختبرات لفروع أخرى منوعة مثل فصل العناصر المشعة بواسطة المركبات المعقدة ثم علوم الأطياف الكتلية Mass Spectrometry وفرع آخر تحت إسم Moesbauer Effect ( تأثير مسباور، وهذا هو إسم العالم الذي أسس هذا الفرع ). ثم هناك جناح خاص لدراسة عنصر الكاربون 14. كما كانت في هذا القسم مختبرات وغرف غير مسموح لي بدخولها وما كنت أعرف أصلاً ماذا يجري فيها من أنشطة. عالم معقد وغريب التركيب. كنتُ أرى أناساً يدخلون ويخرجون ولا يتكلمون مع أحد. لا يسلّمون على أحد ولا يعترضهم أحد، متجهمي الوجوه حاملين حقائب يدوية متواضعة وأحياناً متهرئة. من هم هؤلاء وما طبيعة أعمالهم في هذا القسم المعقّد الغريب ؟ لا أدري. وما كانت بي أصلاً رغبة لأن أدري. لا شأنَ لي بأسرار الناس. كانت لهم مكاتب خاصة على ما يبدو في الطابق العلوي الثاني، الطابق المقفل أمام الطلبة الأجانب. إلى متى نبقى أجانبَ وغرباء ؟؟؟؟؟؟ مدى العمر !!!!!!!!!!. 31/12/1967 . حفل قدوم عام ميلادي جديد كما جرت العادة، أعدَّ منتسبو ومنتسبات قسم الكيمياء الشعاعية العُدّة للإحتفال بنهاية عام وإستقبال عام ميلادي جديد. نشطت اللجنة المكلّفة بتنظيم الحفل فجمعت التبرعات من الراغبين بالمشاركة وأعدت المشروبات الخفيفة وإسطوانات البيرة الهائلة الحجم وبعض المأكولات الخفيفة. مع كلمات الإبتهاج بقدوم عام جديد إرتفعت الأنخاب تتصافق وترن مع بعضها في أيدي المحتفلين. وصدحت الموسيقى فقام الجميع للرقص وتبادل التهاني. أخذت الرؤوس مع مر الزمن تتثاقل تحت وطأة تاثير الكحول القوي السرّي. تناول البيرة أمر عَلَني، أما تناول ما هو أقوى من البيرة فكان أمراً سرياً. الكحول المطلق المخبأ في الطابق تحت الأرضي في بعض ورشات العمل. سحبتني ( آلةْ، أي ألفتينا ) بعزم من ذراعي وجرّتني جراً إلى وسط الراقصين. إلتصقت بي مُغمَضة العينين خداً وجسداً وكانت شديدة السكر. أحرجتني. ما كانت تستطيع السيطرة على حركات قدميها إلاّ بصعوبة. كانت تردد في أذني كلمة ( أُحبك ). قلت لها إنْ كنتِ تحبينني فعلاً خذيني إلى شقتك لنحتفل بالعام الجديد سويةً وكما نهوى. قالت وهي مغمضة العينين ( ليس اليوم، في مناسبة أخرى قادمة ). قلتُ لها معنى هذا إنك تكذبين إذ تقولين أحبك. قالت بلى، أحبك، أُحبك. ما كنت في واقع الحال بحاجة لإمرأة أخرى. كانت صديقتي ( زويا ) في غرفتي تنتظر عودتي من هذا الحفل. ما كنتُ أصطحبها معي لمثل هذه المناسبات العامة. أخبرني أحد قدامى العاملين في قسم الكيمياء الشعاعية أنَّ السيدة ( ألفتينا ) تعاني من مشكلة مستعصية ومن شعور قوي بالذنب. إنتحر زوجها الأرمني إثناء ساعات العمل في مختبرات القسم. مات على الفور مسموماً بعد أن تناول جرعةً كبيرةً من سم كيميائي قاتل. فعل الأرمني المسكين ذلك ربما لأن ( ألفتينا ) كانت تسيء معاملته في بيتهم. وربما إنها لم تكن تحبه. لا أحد يدري. إنتحر أمام الجميع وتحت أنظار جميع منتسبي قسم الكيمياء الشعاعية مُعرباً عن رفضه لعلاقة زوجية غير متكافئة في البيت، لكنها متكافئة من حيث نوع وطبيعة ما يؤديان من عمل وخلال ساعات العمل.كانا يعملان بدرجة ( فني مختبر ) ويقبضان راتبين شهريين متساويين كما كانا متقاربين في عمريهما. تكافؤ في الخدمة العلنية العامة ( في المختبر ) ولا تكافؤ في المشاعر الإنسانية الخاصة ( في البيت ). معادلة مختلّة في عالم ومبنى ضخم لا يتعامل إلاّ مع المعادلات المحسوبة بدقة العلماء والأرقام والخطوط البيانية. إختلال ميزان التعادل بين المختبر والبيت. بين مصدر ما يكسب المرء بكده وتعبه الجسدي وسيلةً وضماناً لمواصلة الحياة، ومكان راحته وتجديد حيويته والتعبير عن مشاعره وعواطفه الخاصة وإعادة دورة الحياة بإنجاب الأطفال. جسد يذوي بالعمل في المختبر وروح مثلوم في البيت. إزدواجية وثنائية محكومة بالقسمة الضيزى. المختبر ـ البيت // الجسد ـ الروح. هل كان الرجل على حق إذ رفض هذه الإزدواجية المشين