| |
الأن تبدأ جولتي مع الكاتب والناقد مؤلف كتاب " ثياب
الأمبراطور" السيد فوزي كريم .
الروح - الأحساس بالخطيئة - الحنين الى الموت
___________
ليس في نيتي ابتداء أن أناقش الأستاذ فوزي كريم في ما
كتبه حول أدونيس أو فاضل العزاوي , ذلكم شأنه الخاص .
لكني سأتناول موضوعات أخرى منها مثلا 1- تقسيمه لشعراء
العرب الى مجموعتين: مجموعة أسماها شعراء " التجربة
الروحية" و " الحيرات المربكة " واضعا الشاعر الجاهلي
امرأ القيس على رأس قائمة هذه المجموعة من الشعراء
يأتي بعده بشار بن برد وأبو نؤاس وابن الرومي والمعري
منتهيا بالسياب ثم محمود البريكان . ومجموعة ثانية
أطلق عليها مجموعة أو مدرسة شعراء النص والصناعة
الشعرية وشعراء لعبة الشكل واللفظ , أو شعراء فصل النص
عن التجربة من أمثال النابغة وزهير والفرزدق وأبي تمام
والبحتري والمتنبيء ثم نزار قباني و ... أدونيس !!
لقد أغفل الباحث كلية ولأسباب مجهولة ذكر شعراء
معروفين آخرين أمثال الشاعر اللبناني المرحوم خليل
حاوي والشاعر العراقي المرحوم بلند حيدري ولكل منهما
هويته الشعرية المتميزة وعالمه الفني الخاص كما أحسب ,
ولم يجد لهما مكانا مناسبا على ما يبدو في جدوله (
الدوري ) لتصنيف الشعراء .
من خلال متابعتي الدقيقة لكتاب ( ثياب الأمبراطور)
توضح لي أن الأستاذ فوزي كريم يولي الداخل أو (
التجربة الروحية ) في قول الشعر الأهمية القصوى ,
ويعتبره العامل الأكثر حسما في صياغة أو بناء عالم
القصيدة الشعرية , وميزان التمييز بين الشعر الحقيقي
وشعر الصناعة اللفظية , أو شعر الأغراض الموضوعة سلفا
. يتبادر أحيانا الى ذهني سؤال ساذج أتهيب كثيرا وأخشى
أن أطرحه على الكاتب : ماذا تقصد سيدي بالتجربة
الروحية وما هي ماهية الروح وأين مكانها ؟؟
في رأس أم في قلب أم في جسد الكائن البشري ؟؟ قد يكون
الرد من قبيل (( قل الروح من أمر ربي ... )) وذلكم غير
كاف بالطبع . بدل ذلك سأضطر أن أسأل الأخ فوزي : وهل
من انسان بلا روح ؟؟ أقصد هل كان الشاعرالأعمى الجسور
بشار بن برد وأبو نؤاس والمعري بروح بينا كان أبو تمام
والبحتري وألمتنبيء بدون روح سواء أكانت روحا بشرية أم
شعرية ؟؟ ما الذي جعل البعض بروح والبعض الآخر بدون
روح ؟؟ أفلا يمكن أن يكون الشاعر بنصف أو حتى بربع روح
؟؟ أعني أن يكتب شعرا مختلطا نصفه أو حتى بعضه روحي
الطبيعة والنصف الآخر أو البعض الآخر من الشعر المصنوع
أو اللفظي أو الشكلي أو الشكلاني أو النفعي أو الغرضي
أو ... أو ... الخ . من يجرؤ أو من يقدرعلى فصل الروح
عن الجسد أو الداخل عن الخارج أو الباطن عن الظاهر ,
من ؟؟
لا داخل بدون خارج ولا خارج بدون داخل . والظاهر هو
الوجه الآخر للباطن والعكس بالعكس . تلك بدهيات
تعلمناها من الطبيعة قبل أن نكتشفها في النفس البشرية
.
ليس واردا ولا معقولا ولا مقبولا أن يكون شعر المتنبيء
مثلا خاليا من الروح . كما لا يمكن أن يكون كل ما قال
السياب من شعر هو شعر روحي أو روحاني . والا فسأضطر أن
أقترح علينا كلينا أن نقرأ هذين الشاعرين مرة أخرى
بشيء من الأناة والتؤدة وبالكثير من الأنصاف .
ما يراه الأستاذ من شعر السياب روحيا قد يراه غيره
شكليا ومصنوعا . وما يجده مصنوعا ونفعيا ولفظيا في
أشعار أبي الطيب المتنبيء ربما يجده سواه على خلاف ذلك
. أعني أن مقياس فوزي انما هو في نهاية الأمر مقياس
ذاتي بحت , تتحكم فيه عوامل متباينة منها درجة القرب (
الروحي ) من شاعر بعينه لكثرة ما يقضي المرء من أوقات
مع شعر هذا الشاعر, ومنها العطف أو التعاطف مع شاعر ما
جراء ما يعاني من علل نفسانية أو أوجاع جسدية كما هو
الحال مع السياب ( كان المرحوم يعاني من سل العظام )
أو أبي القاسم الشابي ( كان مصابا بالسل ) أو الشاعر
الأمريكي أدكار آلان بو ( كان مصابا بداء السكري ) .
لقد كان ابن الرومي هو الآخر عليلا أغلب الظن بداء
السكري , فقد كان يعاني أبدا من شدة الجوع وكان نهما
أكولا , كما كان يعاني من العطش الى الماء بشكل غير
طبيعي, ثم كانت فيه أعراض هلوسة وأضطرابات عصبية جعلته
موضوعا للتندر والسخرية مما ضاعف من مصيبة الشاعر
المسكين .
ولما كان الأحساس بالخطيئة والحنين الى الموت هما من
أركان شعر التجارب الروحية حسب نظرية الأستاذ فوزي ,
فلقد كتب قصيدتين لشاعرين مسكونين بهاجس الموت احداها
لأدكار ألان بو المسماة ( المدينة التي في البحر )
والثانية لبدر شاكر السياب المسماة (المعبد الغريق ) .
لم يعقد الباحث مقارنات مسهبة أو شافية بين هاتين
القصيدتين غير أنه اكتفى بالقول (( ... دعنا نقرأ هذه
القصيدة التي كتبها أدكار ألان بو تحت عنوان " المدينة
التي في البحر " , فستجعلنا نستعيد شيئا من ملامح
قصيدة كتبها السياب تحت عنوان " المعبد الغريق " )) /
( ثياب الأمبراطور , الصفحات 223 - 225 ) .
ي انما هو في نهاية الأمر مقياس ذاتي بحت , تتحكم فيه
عوامل متباينة منها درجة القرب ( الروحي ) من شاعر
بعينه لكثرة ما يقضي المرء من أوقات مع شعر هذا الشاعر,
ومنها العطف أو التعاطف مع شاعر ما جراء ما يعاني من
علل نفسانية أو أوجاع جسدية كما هو الحال مع السياب (
كان المرحوم يعاني من سل العظام ) أو أبي القاسم
الشابي ( كان مصابا بالسل ) أو الشاعر الأمريكي أدكار
آلان بو ( كان مصابا بداء السكري ) . لقد كان ابن
الرومي هو الآخر عليلا أغلب الظن بداء السكري , فقد
كان يعاني أبدا من شدة الجوع وكان نهما أكولا , كما
كان يعاني من العطش الى الماء بشكل غير طبيعي, ثم كانت
فيه أعراض هلوسة وأضطرابات عصبية جعلته موضوعا للتندر
والسخرية مما ضاعف من مصيبة الشاعر المسكين .
ولما كان الأحساس بالخطيئة والحنين الى الموت هما من
أركان شعر التجارب الروحية حسب نظرية الأستاذ فوزي ,
فلقد كتب قصيدتين لشاعرين مسكونين بهاجس الموت احداها
لأدكار ألان بو المسماة ( المدينة التي في البحر )
والثانية لبدر شاكر السياب المسماة (المعبد الغريق ) .
لم يعقد الباحث مقارنات مسهبة أو شافية بين هاتين
القصيدتين غير أنه اكتفى بالقول (( ... دعنا نقرأ هذه
القصيدة التي كتبها أدكار ألان بو تحت عنوان " المدينة
التي في البحر " , فستجعلنا نستعيد شيئا من ملامح
قصيدة كتبها السياب تحت عنوان " المعبد الغريق " )) /
( ثياب الأمبراطور , الصفحات 223 - 225 ) .
وفي نفس السياق من المقارنات ذكر السيد فوزي مقاطع من
أشعار الموت لأدونيس ثم ذكر بعدها قصيدة ( في الليل )
للسياب ( ثياب الأمبراطور, الصفحات 241 - 244 ) . لقد
توقف الباحث هنا لكيما يحلل بأناة الكيفية التي يتعامل
الشعراء بها مع الموت . وخلاصة رأيه أن (( أدونيس لم
يحدق في " الموت " كفعل حقيقي ولم يمنحنا بالتالي ثمرة
تأمله )) . ثم يعرج على السياب قائلا (( قصيدة " في
الليل " للسياب تكشف عن " فعل " الموت دون وسيط . ألقى
الشاعر قشور كلمة الموت ومشتقاتها وراءه وواجه الفعل .
لم يستعن بمحسنات لفظية ولا بقوى عضلية اضافية لأن
التجربة الروحية أكثر من ناضجة . وهي أكثر من قادرة,
بالتالي على توفير كل الوسائل والتقنيات )) / الصفحات
246-247.
ثم ...
ليس بالضرورة أن يكون الشاعر الأعمى شاعرا مفلقا ,
ولكن لدينا استثنائين شهيرين : احدهما عربي أصيل
والآخر مولد : المعري , المستعين بغيره, الخجول رهين
المحبسين وآسر طه حسين , ثم بشار بن برد السليط اللسان
واللاهث وراء الخمرة والنسوان وموضوع سخط وسخرية طه
حسين . بصيران مبدعان , فهل ترى للعمى دور في نبوغ
هذين الشاعرين ؟؟ هل بلعب العمى دور المكثف والساتر
والعازل للعالم الداخلي للأنسان عن عالمه الخارجي
ونكون قد أضفنا عاملا آخر يقوي من حجة الأستاذ فوزي في
مواقفه من تأثيرالروح على الشعراء وعلى عوالم الشعر
فتكتسب جداول تقسيم شعرائه مصداقية اضافية ؟؟ لقد سبق
وأن قلت أن ليس كل أعمى يرشحه عماه أن يكون شاعرا
مطبوعا مبرزا ومبدعا, ونعرف الكثيرين منهم ممن لم
يحققوا الا اليسير من النجاح .
لقد حاول , كما هو معلوم , المتصوفة عامة وشعراء
الصوفية أن يعزلوا باطنهم عن ظاهرهم وسجن الروح داخل
الجسد كيما تقهر هذا الجسد المادي المتمرد الفاني
برياضة القوة الخارقة والغامضة المصادر . وبذا -
يقولون - يستطيعون كشف الحجاب وبلوغ الخالق ثم
الأندماج به , بالنور الشعشعاني ثم (( اننا روحان حلا
بدنا )) كما يقول الحلاج .
لم يروج الأستاذ فوزي كريم للمبدأ الصوفي , بل وحتى لم
يشر له في كتابه الضخم. كما أنه لم يربط بين شعراء
الشعر الروحي وشعر شعراء المتصوفة أبدا , لا من قريب
ولا من بعيد . وانه لأمر يثير لا شك شيئا من الدهشة .
لكأنما قد قال لنا بكل صراحة ووضوح أن روح السياب
والمعري وأبي نؤاس هي غير روح الحلاج أو السهروردي أو
الجنيد أو ابن شبل البغدادي أو النفري ومحي الدين ابن
عربي . وعلينا آنئذ أن نتقبل وأن ننسجم مع هذا التنوع
والتعدد في طبائع أرواح الشعراء . لم لا , أوليست
التعددية اليوم هي مقياس التحضر والحرية والديمقراطية
في عالم السياسة ؟؟ ومن من الشعراء قديما وحديثا من لم
يمارس السياسة بهذا الشكل أو ذاك ؟؟
أردت الكلام مطولا في مواضيع أخرى كثيرة لكني وجدت أن
الأستاذ كامل شياع
( 4 ) قد سبقني الى ذلك فكفاني ( شر القتال ) .
2- فوزي والقصيمي والمتنبيء
لم أطلع بعد على كتاب عبد الله القصيمي ( العرب ظاهرة
صوتية ) , لكن يتهيأ لي أن للرجل تأثيرا غير قليل على
الأستاذ فوزي كريم فيما يتعلق بالشاعر أبي الطيب
المتنبيء . لقد استعار من كلامه وساقه بلغته هو . كما
ضمن كلاما آخر للقصيمي كما هو ما بين أقواس ( ثياب
الأمبراطور / الصفحات 117 - 120 ). ففيما يخص قصيدة
المتنبيء " من الجآذر في زي الأعاريب " ينقل فوزي رأي
القصيمي في الشاعر المتنبيء وينقل تفسيره وفهمه
الخاطيء لفحوى بعض أبيات القصيدة. لقد خرج فوزي في هذا
الأمر من وقار الباحث الموضوعي في تحامله على أبي
الطيب , وجار عليه بشكل تعسفي اذ أخرجه من اطار سياقه
التأريخي وأحكام أعراف وظروف زمانه . لقد وضع فوزي
نفسه بدون تحفظ فوق أمواج مد القصيمي الغاضب والهادر
والحاقد على المتنبيء ( الصفحات 117 - 120 ) . سأنقل
حرفيا ما استعار الأخ فوزي من فم القصيمي الذي يعرض
لبداوة المتنبيء فيجدها في الرؤية والتفكير والطموح ,
وينشد قصيدته " من الجآذر في زي الأعاريب " , فيجده ((
يستقبح كل أعمال الحضارة والتمدين , يرفض الأغتسال
ووجود الحمام وأن يكون الجسم نظيفا وصقيلا وطريا بضا
منعما , بل يريد أن توضع عليه وتعيش فيه كل أدران
البداوة وعبوسها وقحطها وجفافها ... انه لا يدري أنه
لا جمال بلا حياة جميلة ونظيفة وصحيحة وسعيدة ومشحونة
بكل أسباب التجميل والتطرية والصقل والتهذيب والصحة
...)) . انتهى اقتباس فوزي للبعض من آراء القصيمي
السخيفة والمفرطة في الأنشاء السطحي والجهل المطبق
سواء بشعر المتنبيء أو بشخصه .
قال المتنبيء هذه القصيدة المسماة " الملك الأستاذ "
في مصر عام 346 للهجرة مادحا كافورا الأخشيدي وأنشده
اياها ( في سلخ شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلاث مائة )
حسب ما ورد في الديوان . وكعادته في أغلب قصائده استهل
هذه القصيدة بالنسيب متغزلا بجمال وسعة عيون أعرابيات
البدو الشبيهة بعيون أولاد البقرة الوحشية , فضلا عن
شرف مكانة هؤلاء الأعرابيات بدلالة ما يرتدين من ملابس
وما قد اخترن من ألوان جذابة تدل على شرف الأنتساب .
لنستمع الى ما قد قال المتنبيء في مطلع هذه القصيدة :
من الجآذر في زي الأعاريب حمر الحلى والمطايا
والجلابيب
سوائر ربما سارت هوادجها منيعة بين مطعون ومضروب
وربما وخدت أيدي المطي بها على نجيع من الفرسان مصبوب
هؤلاء النسوة من جآذر بدو العرب عسيرة المنال . ومن
يتجاسر على الدنو من ركابها يخر قتيلا أو جريحا بحيث
لا تمشي جمالها الا على دماء الفرسان .
هذه مقدمة ناجحة أراد بها الشاعر أن يبالغ في شجاعته
واقدامه ممهدا لزيارة غاية في الخطورة لهؤلاء النسوة
ليلا على وجه الخصوص :
كم زورة لك في الأعراب خافية أدهى وقد رقدوا من زورة
الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري
بي
ثم
ما أوجه الحضرالمستحسنات به كأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبغ
الحواجيب
ولا برزن من الحمام ماثلة أوراكهن صقيلات العراقيب
الى آخر القصيدة في مدح كافور الأخشيدي .
من يدرس هذه الأبيات الشعرية جيدا سيدرك أمورا لا أبلغ
منها ولا أحلى . لقد قابل المتنبيء ما بين عالم
البداوة عموما وبعض مظاهر المدن الحضرية في فسطاط مصر
. ففي الأبيات الثلاثة الأولى يضع الشاعر أمامنا جمال
عيون ألأبقار الوحشية في بوادي العرب . والجمال
والهوادج والألوان والجلابيب الطويلة التي تستر مفاتن
المرأة , ثم الطعن والضرب دفاعا أو صونا لشرف هؤلاء
النسوة البدويات . وفي الأبيات الأربعة الأخيرة يضع
الشاعر أمامنا صورا مغايرة لظروف وأجواء عالم البداوة
فيخطط لوحة لما يرى في عالم مدن ونساء مدن مصر يومذاك
, فيكون البون الشاسع : فتيات البدو يتكلمن اللغة
الفصى الصافية دونما هجنة أو لكنة أو تشويه . جمال
هؤلاء الفتيات جمال طبيعي فلا يجدن فيهن حاجة الى
استعمال دهون أو مساحيق الوجه وربما صبغ الشفاه وتزجيج
وتلوين الحواجب . ثم أراد المتنبيء أن يعقد مقارنة بين
تحفظ نساء البدو وتبرج نساء الحضر فأشار الى الحمامات
العمومية التي ترتادها نسوة بعض المدن المصرية
فيغادرنها بعد الأستحمام غير متحفظات وربما بدون
جلابيب تستر مفاتن جسم المرأة ( ماثلة أوراكهن ) , أو
بجلابيب قصيرة حتى أنها لا تغطي بعض أجزاء ساق المرأة
( صقيلات العراقيب ) . ففي البداوة تحفظ على المرأة
وصون لما فيها من جمال طبيعي . لكن في حواضر المدن
تبرج وابراز للمفاتن والمحرمات في مجتمع عربي - اسلامي
بين قرآنه حدود ما ولمن تستطيع المرأة أن تبدي وما
تخفي من أعضاء جسدها كما قد نعلم . يتراءى لي أن
المتنبيء قد قال هذا الكلام وفي رأسه الأية التالية :
(( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين
يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين
وكان الله غفورا رحيما / سورة الأحزاب , الأية 59 )) .
أجل , كان المتنبيء بدويا عفيفا محافظا لم يزن ولم
يعاقر الخمرة وما تزوج الا امرأة واحدة فقط . فما
العيب في ذلك ؟؟ لقد ذكر عفافه صراحة في بعض أشعاره.
الطريف أنه كان قد انتبه قبل كل شيء - وهو الكوفي
العراقي المولد والأصل - الى أعجاز ( أوراك ) نساء مصر
الكبيرة التي لا تسترها ملاءة أو جلابية فضفاضة . كان
في رأسه نساء بادية السماوة حيث نشأ وتربى وترعرع , ثم
بادية الشام , ثم صحبته الطويلة لسيف الدولة الحمداني
الأمير الأديب الشجاع والمحافظ. لم يكن في حلب على ما
يبدو ولا في باقي مدن الشام كحمص وانطاكية واللاذقية
وطبرية والرملة حيث مكث ومدح حمامات عمومية للنساء .
ولماذا الحمامات العمومية ان كان الماء متوفرا في
البيوت ؟؟
لقد تسرعت عزيزي فوزي اذ استعرت رأي القصيمي بأن
المتنبيء (( يرفض الأغتسال ووجود الحمام ... )) , وانه
لبأس الرأي وبأس التفسير . ما كان المتنبيء كذلك لكنه
كان ضد التبرج وضد استحمام المرأة المسلمة في حمام
عمومي . وكان يريد المبالغة في ابراز الفوارق بين حياة
البداوة وبعض أنماط حياة المدن المتحضرة وكان هو بلا
شك ميالا وبدون تحفظ لحياة البادية .
والا كيف يمكن أن يكون ضد النظافة والأستحمام رجل تعبق
أشعاره بشذى مختلف أنواع الطيب والعطور ومشتقاتها
وبشكل ما أحسب أن قد سبقه اليه أحد من شعراء
العربية (5) .
ثم لا أستبعد أن الشاعر قد كان - في معرض مدحه لكافور
, وكعادته - ينتقد بعض مظاهر الحياة المصرية زمن
أخشيدها وحاكمها كافور الذي كان يتعاطى شرب الخمور .
وقد صرح المتنبيء بذلك حين هجاه مقارنا اياه بسيف
الدولة في أحد ابيات واحدة من روائع قصائده اذ قال :
ما الذي عنده تدار المنايا كالذي عنده تدار الشمول
ثم لا ننسى ما قاله في رجال مصر يومذاك :
أغاية الدين أن تحفو شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها
الأمم
كان رجال مصر اذن يحفون شواربهم كما تحف النساء
الحواجب !! بل وأكثر من ذلك , فلقد رصد المتنبيء ظاهرة
أخرى كانت على ما يبدو شائعة في أرض الكنانة ألا وهي
استعمال الشعر المستعار, الشعر المكذوب ( الباروكات )
فقد قال في نفس هذه القصيدة :
ومن هوى الصدق في قولي وعادته رغبت عن شعر في الرأس
مكذوب
3- فوزي والفتنة القرمطية
- المتنبيء يمدح قائدا كرديا -
ولا بد دون الشهد من ابر النحل ...
عاب فوزي كريم على المتنبيء أنه مدح شخصا غير عربي
فقال (( وقدم قائد غير عربي الى الكوفة ليقاتل ثوارا
عربا فقال المتنبيء يمدح هذا القائد غير العربي مسفها
العرب وساخرا منهم ومن رعيهم للأبل والأغنام ومن
تأميلهم ومحاولتهم في أن تكون لهم دولة عربية ... )) /
( ثياب الأمبراطور الصفحة 120 ) .
ذكر فوزي بيتين من هذه القصيدة الشهيرة ثم انتقل الى
البيت الثالث الذي قد استفزه أيما استفزاز وجعله ينقم
على المتنبيء كما نقم عليه قبله عبد الله القصيمي.
أما البيت اياه فهو :
أرادت كلاب أن تفوز بدولة لمن تركت رعي الشويهات
والأبل
في موقفه من هذه القصيدة هدم فوزي كل ما قد بناه من
جهد رائع ونفس طويل ذكي ومتابعات دؤوبة في كتابه الضخم
. لقد انتزع بشكل انتقائي وتعسفي بضعة أبيات من قصيدة
أصبح البعض من أبياتها مضربا على مر العصور للمثل .
تتكون هذه القصيدة من أربعين بيتا أخذ الغزل البديع
منها الأبيات العشرة الأولى حيث قال في مطلعها ثم في
بعض منها :
كدعواك كل يدعي صحة العقل ومن ذا الذي يدري بما فيه من
جهل
تقولين ما في الناس مثلك عاشق جدي مثل من أحببته تجدي
مثلي
...
تريدين لقيان المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من ابر
النحل
ثم يمضي الشاعر مادحا القائد العسكري ( غير العربي )
دلير بن لشكروز حتى يصل الى البيت الذي استشاط له فوزي
غضبا :
أرادت كلاب أن تفوز بدولة لمن تركت رعي الشويهات
والأبل ؟؟
فمن هي كلاب ومن هو هذا القائد العسكري غير العربي وما
علاقته بالكوفة ؟؟
قال المتنبيء في مقدمة هذه القصيدة " دون الشهد ابر
النحل " ما يلي :
(( يمدح أبا الفوارس دلير بن لشكروز وكان قد أتى
الكوفة لقتال الخارجي الذي نجم بها من بني كلاب ,
وأنصرف الخارجي قبل وصول دلير اليها )) .
حدث ذلك عام 353 للهجرة , وكان المتنبيء وقتها قد وضع
نفسه في حالة تشبه حالة التقاعد في عصرنا بعد أن جرب
حظه في بلاد الشام ثم في مصر وآب بعد ذلك الى وطنه
العراق راغبا في الأقامة في مركز الخلافة في بغداد .
لم يستطع البقاء في بغداد بعد أن طلب المهلبي , وزير
معز الدولة البويهي , من أديب يعرف بالحاتمي أن يتصل
بالمتنبيء وأن يستفزه كيما يغادر العراق . قال الحاتمي
نصا (( سامني هتك حريمه وتعزيق أديمه ووكلني بتتبع
عواره وتصفح أشعاره واحواجه الى مفارقة العراق )) (6)
. ترك الشاعر بغداد وأستقر في مسقط رأسه الكوفة . لقد
رسم طه حسين صورة ناطقة لما حدث في الكوفة يومذاك .
كما حدد بدقة موقف المتنبيء من تلكم الأحداث الصاخبة .
قال طه حسين (7) :
(( فهذه دعوة القرامطة تعود الى الظهور في الكوفة )) .
ثم قال (( واذا هو
- المتنبيء - من أغنياء الكوفة وأوساط الناس بها
يقاومون دعوة القرامطة , واذا هو يبدأ هذه المقاومة
بلسانه فيهجو داعية بدويا من دعاتهم , ضبة بن يزيد
الكلابي, بقصيدته البائية المشهورة التي أولها :
ما أنصف القوم ضبة وأمه الطرطبة
وهنا تتم خيانة المتنبيء للقرامطة, فهو لا يكتفي بما
قدم من المقاومة باللسان , ولكنه ينهض ومعه غلمانه
فيقاوم بالسيف والرمح )) . انتهى كلام طه حسين .
أستاذ فوزي : كنت ناقما على المتنبيء لأنه ذكر بعض قيم
البداوة في قصيدته
( لمن الجآذر في زي الأعاريب ) لكنك الآن ناقم عليه
لأنه لمز وغمز بعض متطلبات الحياة البدوية في معرض ذمه
لفتنة قامت بها عشائر بدوية ضد مركز الخلافة العربية
الأسلامية في بغداد , فماذا عدا مما بدا؟؟
ثم قد أراك موزعا بين أمرين متناقضين أحدهما يميل بك
بشدة نحو ( القومانية ) في موقفك من قائد اسلامي غير
عربي يخدم دولة مركزها بغداد , ثم انحيازك المطلق
لحركة تروم الأنسلاخ عن جسد ومركز دولة الخلافة
العربية الأسلامية : أي أنك ( قوماني ) متطرف من جهة و
( انفصالي ) متحمس من الجهة الأخرى .
ما كانت هذه الفتنة صراعا بين القومية العربية وأخرى
غير عربية . ثم ان القائد العسكري غير العربي الذي
أشار فوزي اليه ما كان الا الكردي المسلم دلير بن
لشكروز , أحد قادة مركز الخلافة في بغداد . مدحه
المتنبيء لا لأنه غير عربي, لكن لأنه يمثل هيبة الدولة
التي يخدمها , ولأنه جاء الكوفة ليخمد فتنة بدوية -
عشائرية لو نجحت لأسهمت في المزيد من تمزيق جسد الدولة
الذي كان أصلا ممزقا منخوبا . ثم , أما كان صلاح الدين
الأيوبي بطلا اسلاميا غير عربي (كردي الأصل ) ؟؟ أما
كان طارق بن زياد غير عربي ( بربري الأصل ) ؟؟
هل أراني بحاجة الى تذكير الأخ فوزي بأن أحد شعرائه
المفضلين كان قد قال شعرا يمدح فيه بلاد فارس ويفضلها
على العراق ؟؟ في تقديمه لقصيدته التي اسماها ( من
يطلب الدر في لجة ) قال أبو العلاء المعري ( 8 ) بالنص
(( قالها في صباه يمدح فارس ويفضلها على العراق )) :
لتذكر قضاعة أيامها وتزه بأملاكها حمير
فعامل كسرى على قرية من الطف سيدها المنذر
الى آخر القصيدة .
لا سبيل اذن للمقارنة بين هذه الفتنة وما اندلع في
القرن العشرين من ثورات وانتفاضات في العهدين الملكي
والجمهوري في العراق , سواء في كردستان أو في وسط
وجنوب العراق . كانت هذه كما يعلم الجميع ثورات ضد
الأنجليز ( ثورة العشرين ) لتحرير العراق من مستعمر
أجنبي , أو ضد حكومات وطنية كما حصل أواسط ثلاثينيات
القرن العشرين لا من أجل الأنسلاخ بدويلات مستقلة
وانما من أجل الأراضي أو رفض دفع الضرائب أو مقاومة
التجنيد الأجباري ( خدمة العلم ) . ولقد قام بقمعها
تنفيذا لأوامر الحكومة قادة عسكريون معروفون مثل بكر
صدقي ( وهو الآخر كردي القومية ) ثم عبد الكريم قاسم
وغيرهم الكثير. كذلك الأمر في كردستان العراق سواء في
العهد الملكي أو في العهود الجمهورية التي قامت بعد
ثورة الرابع عشر من تموز 1958 حتى يومنا هذا . لم يطلب
حتى اليوم كرد العراق الأنفصال عن وطنهم العراق .
الفروق جد شاسعة بين ما ذكرت من ثورات وانتفاضات ,
وفتنة بدوية ربما كانت تنزع للأستقلال بدويلة صغيرة
مركزها الكوفة . أيريدنا فوزي أن ندافع عن مثل دويلة
كهذه تفتقر أساسا الى أبسط مقومات الدولة , لمجرد
كونها كانت ( قرمطية ثورية ) حسب مفاهيم وقواميس عصرنا
الراهن ؟؟ هل يحسبها الأستاذ فوزي ثورة اجتماعية تنزع
نحو العدالة والأشتراكية مثلا ؟؟ الدفاع عن ثورة زنج
البصرة وكومونة باريس وثورة العشرين وانتفاضة أهوار
الجنوب شيء , والأنتصار لفتنة عصبية بدوية شيء آخر ...
لا سبيل للمقارنة اطلاقا .
لم لم يعترض الأستاذ فوزي على القمع الدموي وهتك
الحريم وسبي حرائر بعض قبائل العرب التي انتفضت في
بلاد الشام ضد سيف الدولة الحمداني فقاتلها دفاعا عن
سلطانه في حلب أو نيابة عن مركز الخلافة في بغداد .
لقد خلد الشاعر المتنبيء هذه الوقائع والمعارك
والعصيانات بشعره وخاض بعضها كتفا لكتف مع سيف الدولة
. أذكر منها على سبيل المثال القصيدة المسماة( وليس
بأول ذي همة) التي يعلق المتنبيء عليها بالقول ((
يمدحه - يقصد سيف الدولة - ويذكر استنقاذه أبا وائل
تغلب بن داود بن حمدان العدوي من أسر الخارجي سنة سبع
وثلاثين وثلاث مائة هجرية )) ( 9 ) . مطلع القصيدة
غزلي كعادة المتنبيء في أغلب قصائده :
الام طماعية العاذل ولا رأي في الحب للعاقل
يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
واني لأعشق من أجلكم نحولي وكل امريء ناحل
حتى يصف قائد التمرد على سيف الدولة بالقول المفعم
بالسخرية والشماتة :
وجيش امام على ناقة صحيح الأمامة في الباطل
واني لأعجب من آمل قتالا بكم على بازل
يشمر للج عن ساقه ويغمره الموج في الساحل
الى آخر القصيدة .
لقد تعرض طه حسين لحروب سيف الدولة الداخلية ( 10 )
التي خاضها ضد بعض القبائل العربية من خلال قصائد خمس
للمتنبيء . فلنرجع اليها بين حين وآخر لنقف على طبيعة
شراسة ودموية أعمال القمع والقهر التي كان يكابدها كل
من يعارض أو ينتقد أو أن يقف في وجه الحاكم منتفضا من
أجل حق أو سيادة جغرافية محدودة .
المصادر
1- فوزي كريم ( ثياب الأمبراطور ) . دار المدى للثقافة
والنشر. دمشق / 2002 . الصفحة 59 .
2- غالية خوجة / سلسلة دراسات نقدية حول ( كتاب )
أدونيس / جريدة الزمان الصادرة في لندن . العدد 1151
في 4 مارس 2002 .
3- المصدر الأول / الصفحة 57 .
4- كامل شياع ( فوزي كريم في " ثياب الأمبراطور " ) /
مجلة المدى الصادرة في دمشق , العدد الثالث ,2001 ,
الصفحات 72 - 76 .
5- عدنان الظاهر ( الطيب في أشعار أبي الطيب المتنبيء
) / مجلة المدى الصادرة في دمشق , العدد الأول , 2002
, الصفحات 38 - 42 .
6- محي الدين صبحي ( من كتاب الوساطة بين المتنبيء
وخصومه ) / منشورات وزارة الثقافة والأرشاد القومي -
دمشق 1978 / الصفحة 19 .
7- طه حسين ( من تأريخ الأدب العربي ) الجزء الثالث /
دار العلم للملايين , بيروت , الطبعة الثالثة , فبرابر
1980 . الصفحات 334 - 335 .
8- ديوان سقط الزند لأبي العلاء المعري / دار بيروت
للطباعة والنشر, 1980 .
الصفحات 153 - 154 .
9- ديوان المتنبيء / دار بيروت للطباعة والنشر , 1980
. الصفحات
269 - 273 .
10- المصدر السابع / الصفحات 205 - 212 .
*****
|
|