وطني يحتلني.. اجمل احتلال

 

 جمال المظفر / العراق / * الثلاثاء// 16 / 1 / 2007

قبل سنين فكرت في الرحيل خارج اسوار الوطن، بعت كل مالدي، البوتيك الذي كنت املكه واثاثي ومكتبتي التي كانت تضم اكثر من الف ومئة كتاب ومجلد في مختلف صنوف الادب والفلسفة والعلوم وبسعر لايوازي سعر بضعة كتب في عصرنا هذا.. من اجل ان اسافر وابحث عن فرصة للعمل. واعطيت نفسي فرصة للتفكير. فأنا بطبعي اعيد حساباتي يوميا عندما اخلو مع نفسي بشأن اي تصرف غير مقبول مع صديق او اي شخص آخر.. ولكن الفرصة التي منحتها لنفسي بعد ان بعتُ كل مالدي واكملت جواز سفري كانت اكبر من كل الفرص.. هل ارحل .. ام ابقى.. ام اذهب الى اهل الكرامات والعرافات ليقرأوا لي خط حياتي ومستقبلي ومشروع سفري.
ايام بلياليها لم اذق طعم النوم .. اتقلب في فراشي.. القلق يساورني.. صراع مرير مع نفسي.. الارق يقتلني من شدة التفكير.. لم تفد معي حبوب الفاليوم .. صور واسئلة شتى تدور في مخيلتي..
هل هناك مدينة في الدنيا مثل بغداد،او نهر يخترق صدر حبيبته مثل دجلة؟
هل هناك نساء في الدنيا مثل نساء بلادي ومثل انوثتهن..؟
الصلاة اما ضريح الحسين تساوي الف صلاة فكيف افرط في هذا الكرم الرباني؟
التمر البرحي اصبح في فمي اطيب الف مرة من الشيكولاته والماكنتوش ومن المارس والكيت كات والباونتي. ويعطيني طاقة قصوى لاتضاهيها اقراص الفياجرا الفاجرة..
ماء البصرة المج اصبح في فمي الذ واعذب من كؤوس الكونياك والويسكي والفودكا.. وان رغوة البيبسي كولا افضل الف مرة من رغوة الشمبانيا..
النوم على الرصيف في وطني.. افضل الف مرة من النوم في فنادق الهيلتون والهوليداي والنوفوتيل ذات الخمس نجوم.. وان الشجار مع مفارز امانة بغداد الذين يطاردوننا لاننا نبيع حاجياتنا وكتبنا على الرصيف بسبب الحصار يشعرني بالحرية اكثر من ان يسلبني اي معتوه خارج بلدي هذه الحرية .. حرية ان اتكلم وان اطالب بحقي كمواطن من الدرجة الاولى ان ابيع كتبي وسلع بيتي من اجل لقمة عيش كريمة..
خبز العباس اصبح عندي الذ من ساندويشات الهامبرغروالهوت دوك ومن علب الصوصج واللانشون البقري..
تذكرت احلى قصائدي التي كتبتها في الحرب وانا اجلس تحت تمثال السياب والقذائف تتناثر من حولي وانا اكتب:
هل ينطق تمثال-السياب-الصلصال
هل ينطق جسد الشيخ امير الفقراء
لايام معدودة.. ومع نفسي.. عشت غربة قاتلة لا اقدر ان اصف وقعها..
اصبح كل شئ في وطني له وقع خاص في نفسي وفي مشاعري..
كيف سأبعد عن زيارة قبر امي التي فقدتها وانا في الثالثة من عمري او قبر اختي التي رحلت وهي في الثلاثين من عمرها الوردي والتي تصغرني بعام واحد وعيون اطفالها الثلاثة من حولي.. ام ابعد عن قبور اصدقائي الشهداء الذين مازالت ذكرياتهم محفورة في رأسي..
هل يمكن ان افطر يوما من دون جبن الضفائر البصري المشهور الذي لاتضاهيه علب الكرافت او الكيري او اي جبن آخر..
اتذكر كيف يطلب مني اصدقائي في الخارج ان ابعث اليهم التمر البرحي وجبن الضفائر والتمر المعسل وكل شئ يذكرهم بالبصرة وبغداد وكربلاء...
هل ابعث اليكم يااصدقائي قطعة مرمر من ضريح سيدنا الحسين او من ضريح قمر بني هاشم لتكتمل صلاتكم هناك.. ام ابعث لكم قارورة عطر من فوح العنبر الذي تعده امهاتنا عندما (يبزلن) عنبر المشخاب..
هل تبعث الاشواق في قنينة يااصدقائي.. هل يبعث الوطن في قاروة عطر..
هل يغلف الوطن كالهدايا ويبعث بالبريد..
هل تذكرون يا أصدقائي نصيحة السياب الذي لم تلهبه جميلات أوربا ولامدنها بأن الشمس اجمل في بلادي والظلام.. حتى الظلام هناك اجمل فهو يحتضن العراق..

 

*********
 

من مجموعة ( تنهدات )

 
 

الصفحة الرئيسيه