النادي الثقافي


   

 

 

ازمة الثقافة والمثقف

 

الهدف الثقافي - نعمة ياسين عكظ

الاثنين :  31 / 12 / 2007

ذكر الكثير من التعاريف للمثقف لكني هنا اضع تعريفا اخر قد يبتعد او يقترب من التعاريف السابقة ولكني ارى انه يعبر التعبير الاقرب لماهية المثقف . فهو الانسان صاحب الحس المرهف الذي يتأثر بهموم ومعاناة بني جلدته ويتفاعل معها ايجابيا ويستشعر بالاخطار المحدقة بهم قبل غيره ويضع الحلول والبدائل المناسبة لها من اجل تغيير واقعهم المعاشي والمعرفي الى الافضل. ... ويستعمل المثقف اداته التي يجيدها سواء كانت قصيدة شعرية او مقالة او قصة او رواية او لوحة فنية او مسرحية او غيرها من الادوات في سبيل توصيل فكرته.

ولو عدنا الى عقود الخمسيينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي كان لهؤلاء المثقفين دورا متميزا وفعالا وقياديا في كل النشاطات الجماهيرية التي تقام انذاك لمصلحة الفئات الكادحة والمعدمة في سبيل تطبيق الحرية والعدالة الاجتماعية والاستقلال وكانت الجماهير تستمع وتطلب توجيهاتهم بمختلف ميادين الحياة الاجتماعية , فكانت لهم منزلتهم الرفيعة داخل المجتمع وكان الجميع ينظر لهم وكأنهم اناس اتوا من خارج الكرة الارضية او من كوكب اخر , فمحظوظ من يلتقي بواحد منهم او يتكلم معه او يلتقط واياه صورة تذكارية . وترى طلاب الجامعات والثانويات وحتى من يجيد القراءة فقط متابعا لنتاجاتهم ويحرص على اقتناءها , فلا يكاد ان يعرض منتوج جديد في المكتبات الا وينفد خلال فترة قصيرة. والشاب يفتخر امام زملائه بمعرفته بالادب والثقافة ,ويحس بالنقص في شخصيته اذا لم يكن يعرف عن المثقفين في بلاده او في العالم وكانت النقاشات تدور بين الشباب حول المدارس الادبية والفنية في العالم كالواقعية والرمزية والانطباعية والتكعيبية والتعبيرية وغيرها من اشكال الاداب والفنون ويجب على كل شاب معرفتها فالجهل بها يعد نقصا مهما في حياته وكان ينظر للكثير من الاسماء اللامعة في الشعروالرواية والرسم والنحت والمسرح وغيرها من الفنون والاداب الاخرى وكأنهم قديسون او من الهة الروم والرومان . اما الان فاني ارى ان هذه الصورة عن دور االمثقف قد تغيرت تغيرا جذريا في العقود التي تلت ذلك فقد تكونت هوة كبيرة بين المثقف والجمهور قلصت كثيرا من دور المثقف بالتأثير على الجماهير فما هي الاسباب ياترى ؟. لعل هناك عدة اسباب ادت الى ذلك على المثقفين دراستها بدقة ووضع الحلول لها ليعاد لهم دورهم الريادي في بناء مجتمع تسوده المحبة والالفة والتعاون وبالتالي الرفاه والاستقرار ..

منذ بداية الثمانينات ومع بداية الحرب التي اعلنها الطاغية مع ايران والتي تزامت مع تنفيذ خطة محكمة ومدروسة وتدريجية بعزل الشباب عن الثقافة . وبدأت حملة لمحاربة المثقفين والكتاب على اختلاف توجهاتهم فمن تمت تصفيته اواستطاع الفرار بجلده من قبل السلطات البعثية انذاك , وبذلك فقد بدأ دور المثقفين بالانحسار ... اضافة الى ظهور مجموعات من المتطرفين دينيا اخذوا نفس الدور الذي اتبعه البعثيون بمحاربة المثقفين وقد استفحل دور هؤلاء بعد سقوط الصنم واحتلال العراق مستغلين الانفلات الامني الذي حدث اثر ذلك ففي تلك الفترة كان حتى الاهل يمنعون اولادهم من قراءة كتبا خارج المناهج لدراسية . ومن هنا فقد ولدت اجيال من الشباب بعيدة كل البعد عن كل ما يكتب او يقال. وأصبح الشاب تائها لا يرى ويسمع غير منبر واحد هو منبر الافكار الشوفينية والشمولية . وهذا سمح بدوره او اتاح المجال الى من يريد افشاء الجهل اكثر فأكثر في المجتمع بنشر افكار ظلامية مغلفة بغلاف رقيق من الدين ان تتغلغل في تفكير هؤلاء الشباب وهو بذلك يقدم لهم السم مدسوسا بالعسل دون ان يشعروا بذلك كنتيجة حتمية لقلة المعرفة . مما زاد من جهلهم وتخلفهم . فقد اصبحت التعاويذ والسحر والخرز ... وغيرها تحتل مساحة واسعة من تفكيرهم وشيئا مهما في حياتهم واصبحت اسماءا لاناس طفيليين وهامشيين اقحموا انفسهم ببعض علوم المعرفة الانسانية بمقام الاولياء والاوصياء بينما اصبح ذكر اسماء مثل همنكواي وتولستوي وبريشت ورامبو وغوركي وسارتر وبيكاسو والكثيرغيرههم في العالم تثير السخرية عند هؤلاء الشباب ناهيك عن مثقفي وادباء بلادهم . وصارت الاخبار الغيبية تتناقل فيما بينهم , يساعدهم في ذلك اعلام الدولة انذاك ... فمن الصعوبة بمكان اقناع الكثيرين منهم بعدم صحة خبر نقلته قناة الشباب التلفزيونية التي يديرها عدي ان اسم الله (سبحانه) مكتوب على ظهر عجل ... وغيرها من الاخبار حيث لا مكان هنا للتطرق لها . ومن الامور التي لا جدال فيها ان تعميم الجهل يصب اساسا في مصلحة فئات معينة من اجل تمرير الكثير من الامور دون عناء . والملاحظ ان في هذه الفترة وهي الثمانينات وما بعدها سقوط الكثير من الحكومات التقدمية والوطنية في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وظهور حكومات استبدادية بدل عنها. ثم بداية الضعف في الدول الاشتراكية وسقوطها المفاجيء بعد ذلك مما اثر تأثيرا سلبيا على تفكير الشباب في اغلب الدول النامية فقد احس الكثير بالخذلان واليأس وكأن سقوط هذه الانظمة هو نهاية للافكار الاشتراكية والتقدمية دون ان يحاولوا معرفة او دراسة الاسباب التي ادت الى ذلك وان ذلك لا يعني نهاية الافكار الانسانية . وهذا يعود الى ضعف التأثير الثقافي لدى هؤلاء الشباب . وقد اصبح الكثير منهم ميالين الى التطرف بل ومحاربة الثقافة العالمية والمثقفين وكأنهم السبب الذي ادى الى تخلف هذه الدول. . من هنا يتضح ان المتلقي للمنتج الثقافي اصبح ضعيفا او شبه معدوم بل ان اكثر المتلقين هم من المثقفين الذين تقل حاجاتهم الى التوجيه الثقافي وبهذا اصبح المثقف كمن يغني لنفسه في صحراء فلا يسمع صوته الا هو . مما ادى الى اصابة البعض منهم باليأس وهجر الكتابة وانزوى بعيدا ووصل الحد الى ان يتنازل البعض منهم عن طروحاته السابقة ويتبرأ منها بسبب التهديدات بالقتل , وبذلك تركت الساحة الى المتطفلين على الثقافة وهؤلاء اما ان يكونوا لايمتلكون الخبرة الكافية وبذلك ينعدم تأثيرهم او يكون لهم التأثير السلبي على المجتمع . او هم من الذين يقدمون السم ممزوجا بالحلوى لفتح شهية الشباب دون التفكير بما هووراء هذه الحلاوة . وهنا وفي ظل هذه الضروف وانتشار الافكار الظلامية والمحاربة الشرسة التي انتشرت بشكل فضيع ومريب وبتبريرات مختلفة ومن جهات عديدة وبحجج كثيرة يبرز السؤال ... هل يكف المثقف عن ابداء ارائه وطروحاته وينزوي بعيدا ليأمن على حياته كما فعلها البعض منهم ؟... أم يستمربتأدية رسالته الاجتماعية والانسانية من اجل ان تنير الطريق الصحيح للبشرية مهما كانت التضحيات ؟. من هنا انا ادعو كافة المثقفين الى تحمل مسؤلياتهم بكل جرأة وعدم الركون الى السكوت فالتغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها فمثلما كانت حملة التجهيل على خطوات مدروسة فان اعادة الامور الى نصابها تحتاج الى الصبر والتأني والمطاولة . وعدد المتلقين سيزداد بمتوالية هندسية فاليوم واحد وغدا اثنان وبعد الغد اربعة ثم ثمانية وهكذا لنعيد للمجتمع حياته ولنطورها في كل ميادين الفن والادب. .


 

التعليقات

 
  الاسـم
  الموضوع
  العنوان

 
 

 

الصفحة الرئيسية

 

ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونىاطبع هذا المقالعلــق على هذا الموضوع


 
 
 
 
 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 02/22/08 / Tel :313-615-0053