النادي الثقافي


   

 

 

بلجيكا .. ملكية فيدرالية من الطراز الرفيع

 

الهدف الثقافي  : عباس البدري

الثلاثاء 29 يناير 2008 12:16 GMT

 

 

حقول البنجر الشاسعة  والطواحين الكهرو-هوائية!

انطلقت السيارة من العاصمة الفرنسية باريس على طريق غابة في التنظيم والاتقان المروري ضمن شبكة طرق دولية تربط دول اوربا بعضها بالبعض، وكأنها معجزة تختصر الزمان والمسافات في آن واحد ...، وانها حقاً لمعجزة!

كانت اشعة الشمس الباريسية تلقي ظلالاً من المزاج الرائق والاريحية اللذيذة على موعد السفر البري ، فيما تتهادى " القدود النحيلة المكشوفة من تحت القمصان الضيقة والقصيرة التي بالكاد كانت تغطي الفسح

 

تسكنها شعوب مهنتها الحب..بلا حدود!

كانت مفارقة فكهة ومريرة في الوقت نفسه بصحبة..احمد بامرني ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني وحكومة اقليم كردستان في " بلجيكا" الان سفير العراق في السويد، ونحن في سيارته الخاصة منطلقين من " باريس" الى العاصمة البلجيكية " بروكسل" عندما طرحت عليه سؤالا:-" أين الحدود الدولية "؟!.

فاجابني وهو يبتسم :-" عن أي حدود تتحدث؟، وهل بقيت هناك حدود؟!.

وقرأت في ابتسامته شيئا آخر يقول لي : أية حدود تعني ..أيها المتخلف؟!.

 

ة الطرية بينها وبين السراويل المخنوقة" للفتيات والنسوة من كل صنف ولون ، وكأنهن فراشات بشرية انطلقت وهي تطير ،من الغابات والبساتين باتجاه نور الشمس!

وبالرغم من رياح تشرين لذيذة البرودة ، والتي ترتجف لها عادة اجساد الشرقيين ، فأنها، وعلى ما يبدو، كانت مبعث إغراء لا يقاوم لتلك " الفراشات الانثوية" للتريض واستعراض الجمال السافر بكل اصنافه وتفاصيله الحلوة!

وتذكرت ما قاله صديق يسكن في باريس : لو جئت في الصيف ..لماذا لم تأت في الصيف؟!.

فسألته بدوري متعجباً : ولماذا في الصيف؟!.

فقال:-" الجمال الباريسي لا تمكن رؤيته ، ولربما ان يلمسه المرء إلا في الصيف!.

وشعرت بشيء من الاسف على الصيف الذي مضى ، وعلى كل صيف يمضي في باريس ، والذين في مقتبل " المراهقة الثانية" البعيدين عن باريس، وبالذات عن لياليها الفاتنة الغموض ، ونهاراتها الصريحة مثل إعلان الحب!

في الثالث من آب " أغسطس" عام 1914 ، صدرت صحيفة " الفيغارو" الفرنسية الذائعة الصيت ، وعلى صدر صفحتها الاولى هذه الصرخة الرهيبة: " الحرب...الحرب!".

كان ذلك إيذاناً ببدء اليوم الاول من الف واربعمائة يوم دموي صبغ خارطة اوربا بأسرها بالموت والجراح ..والالام!

ولكن الجميل أن الامور تغيرت بحذافيرها في أيامنا هذه...ففي كل يوم يستفيق الفرنسيون وغير الفرنسيين على همسة ناعمة تتراقص في الوجوه وتتناغم فوق الشفاه: الحب...الحب!

وأعادني هذان المشهدان الى متغيرات الحياة في بلادي : أرض واحدة لا يدخل او يسافر المواطن بين (شطريها) إلا بتصاريح سفر رسمية وأشباح تنذر بالحرب والشر في أية لحظة!

فما أجملها من لحظة تاريخية- وطنية عندما يقول المرء لصاحبه في سيارة تطوف العراق بطوله وعرضه "عن أية حدود تتحدث ايها المتخلف؟!"، أو أن يحدث في بلدان الشرق الاوسط كلها!.

على جانبي الطريق الدولي بين باريس وبروكسل والذي يستغرق قطعه بالسيارة حوالي الثلاث ساعات ، كان منظر الاشجار المحتفظة بخضرتها في هذا الموسم ، شيئا بديعا يدل على بهجة الحياة الطبيعية في الريف.

مساحات شاسعة على مد البصر من حقول "البنجر السكري" الذي يشتهر بوفرته وجودته هذا الجزء من الريف البلجيكي الجميل.

كانت عشرات من "الشاحنات الضخمة واقفة لحمل محصول " البنجر السكري" فيما كانت اعداد مماثلة تنطلق نحو المصنع الضخم لصناعة السكر.

ولفت انتباهي ما حسبتها "اكشاك تلفونات" منصوبة على طول جانبي الطريق الدولي ، فقال احمد بامرني، انه في حال تعرض السيارة او الشاحنة او حتى الدراجة البخارية للعطب ، فأن بوسع السائق ان يدير رقم الهاتف الى ورشة للتصليح، فتأتيه النجدة في وقت قصير، ويقوم فريق التصليح المتخصص بـ" اعادة الحياة" الى وسيلة النقل المعطوبة.

ومن المشاهد اللافتة : مئات الطواحين الكهرو-هوائية في مزارع وقرى الريف البلجيكي ، وهي تزود سكانها بالطاقة الكهربائية التي لا تنقطع عن المنازل والمزارع ابدا !

عبرنا مدينة "واترلو" التي تقع جنوبي العاصمة "بروكسل" ومن بعيد كانت تتراءى تلة خضراء ينتصب فوقها نحت رخامي لاسد ضخم الهيكل على منصة من الرخام ايضا ، وقد شمخ برأسه فيما وضع قدمه الامامية اليمنى على كرة من الحجر الاملس،( لم اتبين شكلها الحقيقي عن قرب ، ولكنني خمنت بأنها مجسم للكرة الارضية .)

وعزز هذا التخمين لدي ما اعرفه من معلومات عن " واترلو" وهو اسم الموقعة الحربية التي انتصر فيها الانكليز وحلفاؤهم من " البروسيين" على الامبراطور الفرنسي" نابليون بونابرت"فيما تشتهر  المدينة ، أي "واترلو"بصناعة السيارات.

وهناك مداخل عديدة للولوج الى العاصمة"بروكسل" وقد دخلناها بالسيارة عبر طريق اشبه بممر وسط غابة كثيفة الاشجار ، شاعرية الظلال ، وكان هناك شبان وشابات في عناق واحتضان عاطفي صريح ، وكأنهم يقدمون للزائر صوراً حقيقية وحية لواقع الحياة في بلادهم ، وهو كذلك فعلا، مع كلمات صامتة تقول: هذه بلادنا، وهكذا نحن نحتفي ونحتفل كل يوم بالحب، فماذا تفعلون انتم في بلادكم؟!.

وتذكرت، مع شيء من ابتسامة خبيثة، لكنها غير مؤذية ، كيف ان هناك عشاقاً في بلادي لا يجرؤون على النزهة معا في الشارع مخافه عيون الوشاة وتعليقات المتطفلين!

كل شيء مناسب للمحاضنة العاطفية والعناق ..، فتعالوا نتعانق!، وهذا هو الانطباع الاول الذي تكون لدي منذ اللحظة الاولى على هبوط الطائرة في مطار

" فينا" العاصمة النمساوية وفي اليوم التالي في مطار " شارل ديغول" في باريس والايام التالية ، ومن ثم في " بروكسل".

اليوم،  السماء الغائمة بعض الشيء تغري الشعراء للخضوع لارادة " القصيدة" والاستسلام لسطوتها الماحقة ،(وإن كان صديقي محمد توفيق رحيم) له رأي آخر ، ولكنه طريف، حيث فاجأني ذات يوم بالقول :-" كتابة الشعر صناعة، اليس كذلك؟!".

كانت شقة احمد بامرني وفيها المكتب الرسمي  للاتحاد الوطني الكردستاني تقع بالقرب من ميدان" منتغمري" الذي تحف به نافورات ملونة المياه من خلال مصابيح كهربائية ، فيبدو منظرها رائعاً في الليل ، و"منتغمري" قائد عسكري بريطاني ألحق الهزيمة بالجيش الالماني بقيادة" رومل- ثعلب الصحراء" في معركة العلمين عام 1942 ، ونزل بعد ذلك بجيشه في سواحل" النورماندي" بفرنسا، وسحق على طريقه الجيش الالماني حتى " البلطيق" عام 1945.

ينتصب تمثال القائد البريطاني بقامته النحيلة وقد وضع يديه متصالبيتن خلف ظهره، وكأنه يتفرج على مشهد جميل، ويحكي عنه انه كان يقف قريبا من ميادين معاركه بهذا الشكل تماماً ، وعندما كانت قنابل المدفعية تنفجر من حوله، كان لا بتحرك من مكانه ابداً !

اصطحبني" احمد بامرني" في جولة ممتعة في " بروكسل" فنزلنا الى " المترو" وهو قياساً الى مترو" باريس" شديد التواضع، وبعد عدة محطات توجهنا الى" الساحة الكبرى" وهو موقع تأريخي وسياحي يزدحم بالزائرين من كل بقاع العالم .

البنايات الشامخة التي تحيط بالساحة مثال نادر على الفنون المعمارية للمرحلة" القوطية" و"الباروك
 حيث نحتت في اجزاء عمودية من واجهاتها تماثيل دقيقة الصنع ، وكأنها عدة مئات من " مستعمرات النمل" فتكاد المنحوت لروعتها وابداع الفنانين الذين نحتوها ، ان تنبض بالحياة ، فتتحرك من اماكنها ـ وحتى تنطق وتتحدث ايضاً !

هناك يقع المبنى الفخم الذي كان في السابق "قصراً للملك" فتحول الان الى"فندق المجلس البلدي".

وقد اقيمت هنا مراسيم زواج الامير" فيليب" ولي العهد ، وتليت الكلمات الخاصة بالمناسبة بثلاث لغات: الفرنسية ،الهولندية، الالمانية!

علما ان كل الذين يتكلمون الالمانية في " بلجيكا" لا يتجاوز عددهم 60 الفا(ستون الفاً) ، ولكن عندهم " برلمان وحكومة محلية" ، فالملكية" البلجيكية دولة فيدرالية ، واللافتات تكتب والمكاتبات تجري باللغات الثلاث عندما يتعلق الامر بالمنطقة التي يسكنها الالمان.

 كان برنامج الجولة يتضمن زيارة اشهر تمثال في بلجيكا ، بل واوربا كلها ، وهو تمثال الطفل الذي يتبول!.

دهشت كذلك الحشد الكبير من الزوار السائحين الذين كانوا يتأملون التمثال بانبهار ، فيما كانت النسوة والفتيات يكتمن" ضحكات" لطيفة لا تخلو من المعاني!

كان " احمد بامرني" قبل وصولنا الى موقع التمثال ، قد خلط بين شارعين متشابهين ولكي لا نضيعه تماما، اقترح سؤال شرطيين كانا يقفان في نوبة دورية ، فتطوعا بكل لطف ودماثة لايصالنا اليه ، فقلت ممازحا: في بعض بلدان الشرق الاوسط عندما تسأل شرطياً عن موقع او مكان، حتى ولو كان تمثالاً من الرخام ، فهم يعتقلونك ، وربما اعدموك !

في بلجيكا تدور قصص وحكايات كثيرة ومختلفة عن هذا التمثال الذي اسمه الاصلي Little Fellow  ويعني " الطفل- الرجل" ومنها ان اعداء بلجيكا حاصروا العاصمة" بروكسل" في حقبةاختراع البارود، ولكي ينجحوا في اقتحامها، نثروا كمية من " البارود" حول مدخل العاصمة تمهيدا لاشعاله ، ولكن" الطفل- الرجل" وفي غفلة منهم ، بادر الى " التبول" فوق البارود، مما أدى الى أن يتبلل البارود ويفقد طاقته النارية القابلة للاشتعال ، وبذلك خابت خطة الاعداء ، وتحول الطفل- الرجل الى بطل قومي!

لا ادري لماذا تتعلق الجميلات القادمات من اليابان بوجه خاص بمشاهدة التمثال والتقاط الصور بالقرب منه؟

ولكن هذه  الحقيقة الغامضة يؤكدها الدليل السياحي المصور والملون للعاصمة بروكسل.

التمثال من صنع النحات "جيمي دوكيسنوا" عام 1619 ، وقد نحته بطلب من المجلس البلدي للعاصمة ووضع بالقرب من نبع الماء المسمى " جوليان كينسبور" مما زاد عليه جمالية مدهشة ، ولكنه تعرض للسرقة عدة مرات ، دون ان يصيبه اللصوص بأي سوء او ضرر وكانوا في كل مرة يعيدونه الى مكانه؟

صنعت للتمثال ازياء من معظم بلدان العالم، كل بلد يقدم له الزي الخاص به وطبعت ملايين الصور والبطاقات البريدية للطفل الذي يبول !

زرنا الكنائس والحديقة الملكية وسرنا بمحاذاة" القصر الملكي" نفسه ودخلنا المبنى الكبير للبرلمان الاوربي الذي يتألف من عشرات الاجنحة والصالات .

تحفة فنية نادرة المثيل ، وموقع سياسي لممثلي خمس عشرة دولة اوربية.

في القسم الخاص بأصدار البطاقات التي تخول الزائر دخول مبنى البرلمان وحضور نشاطاته، حصل" بامرني" على تصريح بحيازة بطاقة تحمل اسمي وصورتي تخولني دخول البرلمان لمدة اسبوع واحد.

قامت فتاة بلجيكية من اصل مغربي بالتقاط صورتي بالكومبيوتر ، وعندما قرأت اسمي في جواز سفري ، ابتسمت ابتسامة مشرقة وحادثتني بالعربية ، فتاة جميلة ، دمثة، تتدفق ملامحها بأضواء " كازا بلانكا" والطراوة المغربية المحببة !

وفي احدى قاعات البرلمان الاوربي حضرنا ندوة لمؤسسة " كونراد اديناور" السياسي الالماني الراحل، خصصت للسيد " مسعود يلماز" وجرت خلالها نقاشات مستفيضة حول" العقدة السياسية" بصدد انضمام تركيا الى الاتحاد الاوربي  كان السيد يلماز يتحاور بلغة المانية طليقة ، كذلك الانكليزية.

 

اقدم مهنة في التاريخ ونساء يقضمن التفاحة اوتوماتيكيا

 

"بحياتي افدي تلك اللحظات الرائعة من الابدية" ..،بهذه الكلمات الناعمة تصف اغنية فرنسية عذوبة الحب البشري.

ولكنني صدمت بقوة عندما شاهدت وعن قرب، أغرب معاملات الحب!

ففي منعطف يتفرع من أحد شوارع " الحي المغربي" وهو حي مشهور غالبية سكانه من  العرب والافارقة، شاهدت العديد من ( الفاترينات- الواجهات الزجاجية) على طول الشارع ، وقد جلست فيها نساء من كل صنف ولون ..، شقراوات وسوداوات وخلاسيات ، ونساء من كمبوديا وفيتنام ..، فهذه منهمكة في التحادث بالموبايل وأخرى تضع ساقاً فوق ساق في وضع مثير، وفتاة يانعة في بواكير الصبا تعرض مفاتنها الطرية، وإمرأة في منتصف العمر تبحث عن " صيد " عابر ربما يكون رجلاً دميماً أو في أرذل العمر لتمنحه شيئا من دفء سنوات الشباب الزائل!

ولكنني في كل تلك الصور والمشاهد رأيت شيئا واحداً : نساء يقضمن تفاحة الحب الاوتوماتيكية التي لا طعم لها أبدا.

في اليوم التالي ، رأيت شاحنات ضخمة ورافعات غريبة الاشكال، فعلمت أنهم منهمكون في نقل محتويات بناية بأكملها بطريقة آلية سريعة جداً ، وغير مرهقة! وعلق "أحمد بامرني" قائلاً: -" لم تعد هناك حاجة بعد الان للحمالين الفيليين!!

وهي اشارة للحكاية الطريفة التي يرددها " مام جلال" رئيس جمهورية العراق تحببا وممازحة للكرد الفيليين كلما التقى بهم، ومضمونها ، ان الكاتب والاديب الراحل " محمد توفيق ووردي" أصدر كراساً عن طوائف الاكراد ، وفي وقته كان " مام جلال" يعمل في صحيفة " خبات- النضال" لسان حال الحزب الديمقراطي الكردستاني ، بعد ثورة تموز عام 1958 وكان معه في الصحيفة السيد حبيب محمد كريم .

وبعث "مام جلال" بنسخة من الكراس اليه ليستعرضه في صفحات الجريدة.

ومرت الايام دون ان يقوم السيد كريم بذلك ، فسأله " مام جلال" عن سبب التأخير ، فقال كريم بشيء من الغضب": ماذا نستعرض من هذا الكراس يا مام جلال ، ومؤلفه يقول عن الكرد الفيليين:  "وفيهم اقوى حماميل العالم!!".

 

 

التعليقات

 
  الاسـم
  الموضوع
  العنوان

 
 

 

الصفحة الرئيسية

 

ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونىاطبع هذا المقالعلــق على هذا الموضوع


 
 
 
 
 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 02/22/08 / Tel :313-615-0053