حـــــوارات


   

 

 

حوار مع الشاعر والمترجم العراقي جواد وادي

 

 

الهدف الثقافي  :  حاوره – محمد نجيم

 الإثنين 06 أكتوبر 2008 00:27 GMT

 



أصدر الشاعر والمترجم العراقي جواد وادي العديد من الدواوين الشعرية التي لقيت ترحيب النقاد وعشاق الشعر في مختلف البلاد العربية والمهجر، و ترجم لعدد من كبار الشعراء العراقيين أبرزهم عدنان الصايغ الذي ترجم له إلى الانجليزية ديوانه المعروف "تأبط منفى"، كما ترجم أحد أهم مؤلفات الكاتبة البريطانية والعالمية بار بارا كارتلاند حيث ترجم لها كتاب" رسائل حب عاطفية لمشاهير العالم" .، ونقل إلى العربية الكثير من المسرحيات العالمية.التى عرضت في مسارح وعربية عالمية معروفة .
جواد وادي شاعر عراقي ترك بلده منذ ثلاثة عقود هربا من بطش الديكتاتور صدام حسين واستقر في المغرب الذي أحب أهله وأحبوه.
يعمل الشاعر جواد وادي أستاذا لمادة اللغة الانجليزية وآدابها وعلى يده تربت أجيال وأجيال،من مدينة فيها كتاب وشعراء منهم ومنهم من ترك بصمة واضحة في المشهد الإبداعي المغربي.
التقينا الشاعر والمترجم جواد وادي وخصنا مشكورا بهذا الحوار.




كيف كانت البدايات؟

*- لعلني لا أغالي إذا ما قلت بأنها كانت بدايات مغايرة لما هو مألوف لدى العديد من المبدعين الآخرين حين كنت وأنا ما زلت غضا أنام على الشعر وأصحو عليه ولا أعرف لحد اللحظة سببا لذلك العشق الصوفي لطفل سكنه الشعر حد الامتلاء وهو لا يعرف معنى ما يقرأ، قد يكون السبب وهذا هو الأرجح تلك الملازمة الغريبة لوالدي حين كان يصطحبني وبإلحاح مني يصل التوسل أحيانا حد البكاء، إلى المآتم الحسينية وكنت أصيخ السمع للقارئ وهو يتلوا الأشعار التي تؤبّن الإمام الحسين وآل بيته وهو يواجه الموت المحقق ولكن بإرادة وشكيمة وتحد غريب أذهل حتى قتلته، وكان صوت القارئ (الملا) الشجي الذي كان يصاحبه نشيجه يحرك الشجن بسامعيه، فينوح الرجال لنواحه، لعل تلك الصور التي ما زالت شاخصة في ذهني تكون سبب عشقي للشعر وتحديدا البكائي منه، فكان النشيج ينتابني دائما كلما سمعت تلك المناحات الحزينة والموجعة، ثم أن والدتي كانت تنصب العزاء لذات المناسبة في العشرة الأوائل من محرم، لتحضر تلك المناقب كل نساء الحي وأنا مع ثلة من الصغار كنا نختبئ تحت عباءات أمهاتنا وهن في نواح شديد، فنمت في نفسي وأنا ابن السنوات الأربع رغبة الإنصات لتلك المنادب وصوت (الملاية) وهي تقرأ بصوت بكائي مكلوم، وعلى لسان زينب أخت الحسين، ألمها وقروحها وهي تقف على أشلاء أخيها والآخرين من الصحب وهم مقطوعي الرؤوس.
كل تلك اللحظات التي عشتها بحرقة وأنا لا أفقه معانيها قد ولّدت عندي ذلك الشغف بالشعر حتى إنني وبعد حين كنت أقرأ الأشعار في المدرسة بصوت جهوري وبإلقاء يذهل المعلمين ومنذئذ وأنا لا أعيش إلا بالشعر الذي بات محرابي ومؤولي في حلي وترحالي وبه أتنفس وله أعيش.

متى بدأت بوهج الكتابة؟

*- لم يكن بمواصفات الوهج الفعلي بقدر ما كانت الخربشات الأولى، ومما حفزنا نحن جيل السبعينات على فعل الكتابة، طبيعة الواقع الفكري والثقافي السائد آنذاك في العراق، حيث كانت المؤسسات التعليمية مراجل ثقافية وتربوية دائمة الغليان تدفع بكل من له ملكة في شتى أجناس الإبداع إلى المتابعة والجدية وتدفع بتلك الندية بين التلاميذ وبفعل تحريض الأساتذة لهم على التوجه إلى ملاحقة ما يكتب وحفظ الأشعار والمنافسة المستعرة بين الفعاليات التربوية، وهنا يعود الفضل الأكبر لتلك الأجواء بمكوناتها وحيثياتها وكان الوضع السياسي في العراق آنذاك له خصوصية قد يتفرد فيها دونا عن بقية البلدان العربية بسبب ذلك الاحتراب المحتدم حينا والأخف مواجهة أحيانا أخرى، فكان القسم الدراسي بوتقة لطرح الأفكار والتعبير عن انتماءات التلاميذ، وكنا رغم يفاعتنا نطرح أفكارا كبرى هي السائدة آنذاك خصوصا اؤلئك المتبنين للفكر الاشتراكي العلمي ببساطة فهمنا له، لكننا كنا حينها نشعر بنقيصة كبيرة إن واجهنا عجزا بتبرير قناعاتنا وان كان تكويننا ليس بالكافي، فكنا نسعى إلى القراءة وبنهم كبير حتى تجاوزنا أعمارنا من حيث تناولنا لموضوعات الساعة وطريقة تصدينا لها وكنا وفي أيام العطل الصيفية، لا نبرح بيوتنا وأحيانا نحلق رؤوسنا لنجبر أنفسنا على البقاء في مساكننا من اجل انجاز قراءة اكبر عدد من الكتب ولا زلنا ونحن قد تجاوزنا العقد الخامس من أعمارنا ندين لتلك الفترة الذهبية من التكوين الذاتي ناهيك عن التكوين الحزبي الذي أشعل الشرارة الأولى لتشبعنا بالفكر النير والطليعي الذي أفادنا كثيرا وصقل مواهبنا فتوجهنا إلى صنوف الإبداع المختلفة فظهر الشاعر والتشكيلي والمسرحي والقاص والروائي والموسيقي وغيرهم. حينها بدأت المسيرة على خطى حثيثة.

بدأت الكتابة في أوائل السبعينات ولكنك لم تكن ضمن أسماء ذلك الجيل. ما السبب في ذلك؟

*- هذا صحيح. فأنا قد بدأت وبنصوص صالحة للنشر في العام 1970 وكانت أولى مشاركاتي في مسابقة شعرية نظمتها ثانوية قتيبة في مدينة الثورة وقد ساهم فيها شعراء منهم من ترك بصماته في المشهد الشعري العراقي اذكر منهم الشاعر خزعل الماجدي، وقد فازت قصيدتي بالجائزة الثانية حيث كانت الجائزة الأولى من نصيب الشاعر جميل حسين وجاء ثالثا كل من الشاعرين خزعل الماجدي ومزعل الشمسي، ولا زلت أتذكر ذلك اليوم البهي ونشوة الفوز التي ما خفتت وبردت جذوة الكتابة أو تكاد، بعدها انخرطت في العمل الحزبي وبسبب طبيعتي المتكاسلة أصلا في الكتابة وخوفا من لحظات المرارة في معاناة الوهج ومرارته التي كانت ترهقني جدا كنت اطرد فكرة القصيدة التي كانت تداهمني في لحظات مختلفة، فضاعت نصوصي ولم امسك بتلابيب فكرة كتابة نص جديد ولكنني ولكون كتابة النص بات عندي أمرا كيانيا، كنت اكتب بين الفينة والأخرى ولكنني لم احرره أو اعتني به أو أنقحه فكان النص عرضة للتلف أو الضياع ولم اعر اهتماما لهذا الأمر حيث ندمت كثيرا على تلك الخسارة.
نأتي إلى الجانب الأهم في هذه المسألة هو النشر حيث كانت وزارة الثقافة آنذاك تستحوذ على منابر النشر أو تكاد، وكنا نحن لا نحبذ النشر في هكذا منابر نعدها أبواقا للسلطة وقد نكون على خطأ. فباستثناء نص أو نصين ابتعدت تماما عن النشر، وأبعدت الفكرة عني سيما بعد أن طغت العلاقات الزبونية والحزبية الضيقة والتزلف وما سواها من سلوكات كنت أتقزز منها فاجتمعت كل هذه الأسباب إضافة إلى السبب الرئيسي وهو تفرغي الكامل للعمل الحزبي حيث كنت نادر الحضور حتى إلى الكلية وأكلف الأصدقاء بنقل المحاضرات مما حداني أن ابقي خلف الكواليس ولم يعرفني احد من مجايليي. لكن العلاقات الشخصية مع بعضهم ممن يلتقون معي في ذات القناعات الفكرية بقيت أواصرها حتى اللحظة رغم تفرقنا في الشتات والمنافي القصية.

والآن وقد تكثف نشاطك الشعري، كيف تجد الفرق بين الحالتين والزمنين؟

*- لم أصل بعد إلى الكثافة في الكتابة الشعرية، رغم إنني ارتحت نسبيا من هم كبير وعذاب ضمير رافقني طيلة سنوات الغربة التي قاربت الثلاثة عقود، لكنني أود أن أذكر هنا أمرا هاما ذلك أنني عاودت الكتابة حين مقامي في الجزائر عام 1977 وهي سنة خروجي من العراق، هاربا من القمع البعثي عندما بدأت بوادره تلوح في الأفق فنصحت أصدقائي بالتفكير جديا بالخروج لان البعث بدأ يلتف على القوى السياسية بعد أن صلب عوده وتمكن من الإمساك بالسلطة بيد من حديد وبدأ منتسبوه المتخلفون يتحركون في كل مرافق الحياة العراقية وتفاصيل الفرد العراقي وسيما الشيوعيين منهم، فأحسست بلفحة السوط قادمة، لكن أصدقائي لم يعيروا للأمر اهتماما ووقع ما وقع والبقية يعرفها القاصي والداني، حيث وجدت متنفسا للكتابة في الجزائر البهية وصادفت ثلة من المبدعين الشعراء منهم الشاعر الجزائري مسعود حديبي والشاعر محمود حمدي والشاعر أزراج عمر والشاعر العراقي المغدور محمد طالب البوسطجي الذي اغتالته زمر الإرهاب الظلامي البغيض، ثم بدأت النشر في المجاهد الجزائرية ونظم لي إتحاد الأدباء في الجزائر- فرع قسنطينة- أمسية شعرية. وهنا ينبغي الإشارة بان جل النصوص قد كانت من خزين ذاكرتي التي كتبتها في السبعينات وكانت معينا لي تذكرت ما استطعت واشتغلت على البعض وكأنني كنت أؤسس للقصيدة في ذات البناء الشعري السبعيني، فخرجت نصوص وظفتها كلها لاحقا في ديواني الأول ( تراتيل بابلية) الذي صدر في المغرب، وكانت الانطلاقة من جديد ولكنها لم تكن بتلك الكثافة والقناعة التي أريد.

يغلب على نصوصك في تراتيل بابلية نفس قصيدة التفعيلة الم تتحرر بعد من هذا المنحى بعد ان اتجه الشعراء السبعيينون الى كتابة القصيدة الحديثة؟

*- وهل أن قصيدة التفعيلة ليست بالحداثية؟ إنها هي التي أسست لهذا النمط الجديد في الكتابة الشعرية التي أسموها بقصيدة النثر،ودعنا نتفق على هذا التوصيف تلافيا للالتباس، إنما ما تجدونه من نصوص تفعيلة في ديواني تراتيل بابلية هي وكما أسلفت المواجد الشعرية التي بقيت حبيسة الروح الكسيرة وأخرجتها من رصيف ذاكرتي وشكلت معظم قصائد الديوان، ولعلي اذكر لك سببا آخر وهو أنني كنت في تحد مع الذات على أن اصدر ديوان له شروط الكتابة السبعينية وهو نوع من الإصرار على أنني لا زلت انتمي لذلك الجيل واعتز بريادته التي يعترف بها الجميع، ثم وهذا هو المهم، لإشباع الفضول الشعري الذي طالما حلمت بان يكون انتماء ديواني الأول وبقوة الى تلك المرحلة التي يثني عليها الجميع ويعتبرونها اللبنات الأساسية التي أنجبت شعراء الأجيال اللاحقة بعد أن اغترفوا من معين تلك التجربة الغنية والرائدة.
واعني الشعراء المتميزين لا الطارئين وكل من هب ودب.

*- بين ديوانك الأول تراتيل بابلية وديوانك الثاني رهبة المدارك بون شاسع من حيث طريقة الكتابة وتوظيف المفردة والخيال الشعري كيف تفسر ذلك؟

*- أنت محق تماما في هذه المقارنة الذكية حيث أنني وكما أسلفت ظللت عالقا بين النص الحداثي والنص التفعيلي الذي كان يشكل وجدانا حقيقيا لتلك المرحلة السبعينية التي من الصعب التخلص من تأثيراتها ومكوناتها ومرجعياتها، فلولاها لما حدثت تلك الطفرة النوعية في كتابة النص الشعري الحداثي لأنها كانت تشكل العتبة الأساس والبوابة التي تمنحك جواز السفر للكتابة الحقيقية والإشراق الدائم للخلق الشعري الناضج، ثم أن هنالك سببا آخر وهو الوفاء للذات الحالمة التي عاشت أحلى تفاصيل علاقاتها مع الهم الشعري وبالتالي يجد المرء الخسارة الكبرى في أن يخرج خاوي الوفاض بعد أن عايش تلك المرحلة مع ذلك النمط في الكتابة الشعرية وحايث جنون الكتابة ولكنه خرج من البلاد مبعثرا نفسيا يسكنه قلقل دائم وخوف من الآتي، تاركا جميل كتاباته عرضة للضياع فكانت مهمة صعبة أن تجمع ما تبعثر في ذاكرتك وتخرج بحصيلة هي بمثابة الوفاء لذلك الانتماء الفائق المحبة لتلك المرحلة التي عرفت بشعر التفعيلة وما زالت طبعا رغم أن جل المبدعين أداروا بظهورهم على هذا النمط من الكتابة السلسة وذات الإيقاع الموحي. أما الديوان الثاني فخرج مغايرا تماما للأول، كوني دخلت مغامرة النمط السائد ولكن بمغايرة واضحة كوني زاوجت بين الشعر والسرد بأسلوب نثري مركز مما أتاح لي أن اخرج بتوليفة جديدة أجد القليل من الشعراء قد ولجوا دهاليزها، إذ ليس من اليسير أن تزاوج بين نص نثري بدلالات مغرقة في الرمزية وموظفا مفاهيم فلسفية بحكايات قد تكون من خيال الشاعر أو من ذروة القلق الذي تسببه مرارة التوجع من غربة ويتم وحسرة ووطن يتآكل يوما بعد آخر وأحبة تذهب حياتهم سدى وذكريات تظل قابعة في زوايا مظلمة من حياتك وآنت عاجز أن تمنحها نبضك وان تضخ فيها دما جديدا وأنت تعرف بان ذلك ضربا من الخيال لان كل شئ بات خرابا في خراب فاستوجب عليك أن تتعامل مع هكذا مكابدات برؤيا تتغاير شكلا ومضمونا مع تجارب سابقة، وكما هو شائع لكل المبدعين بان النص هو ابن لحظته مندوفا بدم وتربة ونشيج الشاعر الذي يتحول الى رديف للمكان والزمان، وهكذا جاءت التجربتان مختلفتين وستكون التجربة الثالثة أكثر تغايرا وهنا تكمن قدرة الشاعر في التنوع والابتعاد عن نمط واحد لئلا ينتج نصوصا مكرورة، تولد ميتة أصلا.


العراق مر بمحن كثيرة وانتم ومن جايلكم من مبدعين من عانى مراراتها،ألم تتبلور عندكم فكرة تسجيل هذه الأحداث في عمل روائي يوثق لتلك المراحل المهمة شأن العديد من الروائيين العراقيين؟


*- كأنك قد التقطت هما حقيقيا ما لبثت أعانيه طيلة عقود، حيث عزمت على القيام بهذه المغامرة وشرعت فعلا في وضع جذاذات للبدء في العمل وأنهيت فصلين منها ولكنني توقفت فجأة عن المواصلة، ولا اعرف سببا لذلك، غير أني لا زلت مصرا في إتمام هذا الجهد الذي اعتبره انتماءا صادقا لتلك المرحلة وينبغي أن انهيه لأنه يؤرخ لمرحلة هامة جدا من تأريخ العراق منذ بداية الخمسينات عايشتها بكل تفاصيلها وأظن أن العديد من الأعمال التي تناولها مبدعون عراقيون لم يميطوا اللثام عن محطات، أزمع في الكتابة عنها وستكون تجربة ثرية حقا وهنا أود أن أشيد برواية المبدع فيصل عبد الحسن (عراقيون أجناب) والتي لا تبتعد كثيرا عن مشروعي بخلاف بعض المحطات التي ستكون حتما جديدة من حيث تسليط الضوء عليها وكشف ملابساتها.


تمتد إقامتك في المغرب لأكثر من ثلاثة عقود ما عساك أن تقول لنا بخصوص الإبداع المغربي وخصوصا الشعري منه؟


*- الجواب عن سؤالك هذا مهمة صعبة ولست أنا من يقيّم تجربة الإبداع المغربي لأنه اكبر من أن أتناوله في هذه العجالة، ويحضرني هنا كلام شاعرنا الكبير سعدي يوسف حين تنبأ في أواسط السبعينات بأن ريادة الإبداع العربي برمته ستنتقل من المشرق العربي الى المغرب العربي، وكانت نبوءة فاطنة وغاية في الدقة والصواب حيث عشنا ومنذ ذلك الوقت نهضة إبداعية هائلة، وهنا أنا أتكلم ومن خلال علاقتي بمبدعي المغرب لتماسي المباشر مع جلهم ومتابعتي لكل الأجناس الإبداعية التي يتسيدها الشاعر والروائي والناقد والمفكر، فأجدني أمام طاقات مذهلة وكبيرة والدليل على ذلك الجوائز الهامة والكبيرة التي يحصدها المبدعون المغاربة جنبا الى جنب مع مبدعي المشرق العربي وبندية كبيرة، وهنا ينبغي أن أؤكد على أهمية الخطاب النقدي الذي يكاد ينفرد به النقاد المغاربة دون سواهم من البلاد العربية الأخرى والدليل ظهور أسماء كبيرة في المشروع النقدي المتميز في المغرب.


نتحول الى الترجمة كونك تشتغل عليها وترجمت دواوين وكتب ومسرحيات من والى اللغة الانجليزية لمبدعين عرب وأجانب، أين تجد نفسك فيها مقارنة بالشعر؟


*- يعود اهتمامي بالترجمة كوني حاصل على الإجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها، ومنذ مراحل الدراسة الجامعية استهوتني كثيرا وبالخصوص الشعر الانجليزي الذي كان مادتي المفضلة، ومن هنا بدأت محاولاتي في الترجمة التي تدرجت في البحث والقراءة ثم اختيار النصوص التي وجدتها تستحق جهد الاشتغال عليها، ورغم أنني لم أجد من يدعمني للسير بعيدا في هذا المشروع، ألا أنني وجدت ضالتي في ترجمة بعض النصوص الشعرية والنثرية والرسائل وكنت وما زلت شديد التهيب لنقل العمل الى اللغة العربية أو بالعكس لأنها مسؤولية جسيمة وليس من السهولة أن تنقل نصوصا من لغة الى أخرى إن لم تكن على دراية واسعة باللغتين واحتكامك على مرجعيات ثقافية تؤهلك لهذه المهمة، ثم الحرص الشديد على الاحتفاظ بروح النص الأصلي والاقتراب جدا إلى قارئ ومهتم باللغة التي تنقل إليها العمل. وهناك من يستسهل هذه المسألة وبالتالي ينتج ترجمة ركيكة ومفككة ولا معنى لها. إن الترجمة الآن هي وسيلة التواصل الأساسية بين ثقافات الأمم والحضارات وكلما تلاحقت هذه الثقافات وكثر مريدوها نكون قد خطونا أكثر باتجاه تكريس المحبة والسلام والتقارب بين كل مكونات الشعوب المختلفة في كوكبنا وانجازاتها الفكرية، خصوصا ونحن نعيش هذه النقلة النوعية في ثورة المعلوميات والتكنولوجيا التي تزحف بثبات وبسرعة فائقة، وللترجمة هنا دور إنساني وعلمي ومعرفي ينبغي أن توليه الحكومات ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات البحث العلمي والأكاديمي ما يستحق من الرعاية، ومن هنا ادعوا الى تأسيس جمعيات للترجمة تأخذ على عاتقها مهمة ترجمة الكتب وبلغات مختلفة ونشرها والاعتناء بالمشتغلين في هذا ألمضماركما هو معمول به في بلدان العالم المتحضر، وعندنا نحن العرب نقص هائل في هذا التوجه حيث نجد أن معظم المترجمين يقومون بمبادرات فردية لترجمة أعمال تلامس ثقافتنا العربية دون عون أو دعم، ومن جهة أخرى نلاحظ حدوث نهوض بدأ يظهر جليا في بعض الدول العربية ومنها الخليجية ولكنها تبقى قليلة ولا تفي بالغرض مقارنة بالدول المتحضرة، ولعل المستقبل كفيل بان يحل هذا الإشكال بعد أن تعي دولنا أن الترجمة باتت من الأساسيات في تقدم وازدهار ثقافات الأمم والشعوب المختلفة. ما يمكنني قوله أنني ترجمت دواوين بعض الأصدقاء من الشعراء كديوان عدنان الصائغ ووديع العبيدي وباسم فرات من العراق، وإسماعيل زويريق من المغرب، والعديد من النصوص الشعرية، ثم مسرحية لكاثرين فيلوكس ورسائل حب لمشاهير العالم لبر بارا كارتلاند، وإذا ما وجدت الرعاية والتكفل من طرف دور النشر، لتفرغت لهذه المهمة التي اعتبرها مقدسة، ولكن العلاقات الشخصية والزبونيات السائدة تشكل العائق الكبير، وأنا لست ممن يطرق الأبواب لفك العزلة وهكذا هو حالي ولله في خلقه شؤون.


كيف ترى مستقبل الثقافة العراقية وسط هذه الفوضى التي تضرب كل مفاصل المجتمع العراقي وللأسف الشديد؟


*- هذه الفوضى التي تقصدها لم تكن وليدة اليوم إنما كانت أيام النظام المنهار حين تم تسليع الثقافة وتجييرها لصالح النظام وخلق مؤسسات ثقافية لا لسان تملك غير لسان التمجيد والتعظيم لرأس السلطة وتمركزت كلها في سلة النظام الأوحد والرئيس الأوحد والحزب الأوحد، ومن يخرج عن هذه القاعدة يتهم بالمروق والموت هو السبيل الأيسر والقدر المحتوم لكل من يتطاول أو يخرج عن هذه الخطوط الحمراء، فاضطر خيرة المبدعين العراقيين وهم معروفون لكل مهتم بالشأن الثقافي العراقي الى الهروب من جحيم الطغيان، وانتشروا في أصقاع الدنيا والشتات، للنفاذ بجلودهم من سياط الجلادين، فتأسس نمط جديد في الكتاية الإبداعية في المشهد العراقي وهو ما أطلق عليه بأدب المنفى أو أدب الخارج، وهو ذات خصوصية ينبغي ايلائها اهتماما وتركيزا ودراسة أكثر عمقا وإنصافا، ناهيك عن الملايين الذين تركوا العراق بسبب السلطة القمعية المخيفة وبعد انهيار النظام الفاشي ودخول جيوش الاحتلال، انتقلت الثقافة العراقية الى محنة جديدة ومعاناة قاتلة وظل المبدع العراقي بين كماشة الاحتلال وإهدار الدم المجاني، ورغم أن نهوضا كبيرا وقع للمؤسسات الثقافية وتخلصت هذه المؤسسات من قمع الصوت الواحد وتعددت الاتجاهات واستبشر المثقف العراقي بنسيم الحرية والانعتاق من أشرس نظام قمعي جائر، برزت قوى جديدة هي مجموعة من المليشيات المجرمة وعصابات الموت اليومي وفلول الصداميين الفاشست وجهلة القاعدة التكفيريين فاختلط الحابل بالنابل بعد أن انهارت الدولة العراقية برمتها، بجيشها وأمنها ومؤسساتها ودوائرها وكان الفراغ الرهيب الذي سببه قادة الاحتلال، فعاث المجرمون فسادا وقتلا وتدميرا بكل أبجديات الحياة العراقية، وكان نصيب المثقف العراقي من هذه الفوضى الحظ الأوفر، ومع ذلك ظل المثقف العراقي العصي على الهزيمة متشبثا بوطنه وعشقه لترابه وتعلقه بتراثه وتأريخه الضارب في الأصالة والعمق الإنساني الأبهى، فواجه هذه الموجات العاتية من مافيات الذبح والخطف والاغتصاب والقتل الجبان وراح ضحية هذه الأعمال الخسيسة العشرات من المبدعين والمثقفين والاكاديمين والمفكرين والإعلاميين وغيرهم.
هكذا هو قدر المثقف العراقي وهكذا بات مصير الثقافة في العراق التي ما عرفت هدأة أو سكينة أو ركونا إلى السلام حتى وان لفترات قصيرة، لكن المذهل حقا أن المثقف العراقي والمبدع العراقي ظل دائم العطاء بل والتفوق وهو في أحلك حالات اليأس والدمار. فما السر إذن؟ وهل لاعتى الأحداث ان تكسر شوكة المبدع العراقي في أن يخرج أعمالا من لهيب المحرقة اليومية؟ الجواب وببساطة أن لا خوف أبدا على الثقافة في العراق، ولا شك في أن المبدع العراقي دائما يخرج من رماد الحروب والانكسارات أكثر عطاء واصلب عودا، وهذا هو سر عظمة العراق ورسوخه في الضمير الإنساني الحي، فمهما بلغت النكبات قسوة وإيلاما سيظل المبدع العراقي وهجا لا ينطفئ لهيبه، وسترون أن العراق سيشهد نهضة فكرية وعلمية وثقافية ستذهل الجميع، وأولهم اؤلئك الذين يراهنون على موت الإبداع العراقي الذي سيبقى فكرا أزليا كأزلية الخلق والحياة.

علمنا بألم شديد ما تعرض له شارع المتنبي، هل لك أن تسلط الضوء عن هذا الشارع الذي نجهل الكثير عنه؟


*- إن كارثة شارع المتنبي لم تكن هي الوحيدة التي طالتها أيادي العبث الأبله والنزوع الأهوج لمجاميع الخراب الفاسدة والغبية، إن المستهدف في هذه الأفعال الخسيسة هي الثقافة العراقية والموروث الحضاري العراقي برمته، لان اشد ما يرعب هذه المجاميع المجرمة هو الإنسان العراقي وبنية العراق التي تشكل الرافد الأساسي للإبداع العراقي والعقل العراقي المنتج. وهذا ديدن البعث وأزلامه وكل من دخل تحت عباءته الآن، فقتل المئات من خيرة عقول العراق ومفكريه. فاستهداف المثقف العراقي وتخريب المؤسسات التعليمية وذبح حتى أطفال المدارس الابتدائية وغيرها من الأعمال الهمجية المرعبة، كلها أدلة لا تقبل الشك بان هذه الزمر الجاهلة تريد أن تفرّغ العراق من نور المعرفة ووهج الإبداع، وما فعلتهم الشنعاء بحرق شارع المتنبي إلا دليل لما ذهبنا إليه، هذا الشارع الذي يشكل بكل تفاصيله شريان المعرفة وخيمة المثقف العراقي، منه يتزود بأحدث ما يصل من إصدارات وبه اعرق المكتبات التي تضم عيون الكتب العربية ومصادرها حيث يرتاده المثقف والباحث والدارس ومن يريد أن يعرف آخر ما وصل من مطبوعات عربية، وهو قبل هذا وذاك ملتقى المثقفين حين تجمعهم مقاهي الشارع الأدبية العريقة، كمقهى الشابندر مثلا، إضافة إلى ما يحفل به من مطاعم ومحلات بيع القرطاسية، انه بحق سوق الوراقين كما كان يسمى في العصر العباسي. إذن كيف يتجرأ من له ذرة ضمير، أن يتطاول على هذه المعلمة العزيزة على كل عراقي، إن لم يكن على قدر هائل من الخسة والبلادة والحقد الأعمى، ولا ينبغي أن يظن من قام بهذه الفعلة انه أوقف هذا المد الخير، بل إن العراقيين كفيلون بإعادة الشارع بأبهى صورة وأكثر إشراقا وحركة وعطاء.


ما جديدك؟


*- لدي الكثير مما أنجزت ولكنها كلها أعمال مخطوطة منها الديوان الثالث ( نشيد الفواخت) ثم مسرحية جلجامش ومسرحية مترجمة عن الانجليزية لكاثرين فيلوكس وأنهيت للتو الديوان الرابع كذلك. أنا اشتغل الآن على عمل روائي أسلفت في ذكره ومنكب على ترجمة نصوص الأحبة الشعراء، عراقيون وعرب ثم المقالات اليومية التي تتناول الهم العراقي ومعاناة المواطن العراقي وما يواجهه من محن وويلات. فقط ما أود التأكيد عليه هو مشكلة النشر الذي يشكل هما حقيقيا لان من المحزن أن تجد كتبك تنتظر من يدعمها لترى النور، وأنا لا أحبذ أن اطلب من أي كان القيام بهذه المهمة، وهذا بحد ذاته يعد من المثبطات الحقيقية لعمل المبدع ومواصلته في العطاء الدائم لعدم تمكنه من تصفية الحساب مع هذه الجثث المركونة في زوايا حجرته ولا يعرف سبيلا للخلاص منها.
عن مجلة اليمامة

 


 

التعليقات


  الاسـم
  الموضوع
  العنوان

 

 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الهدف الثقافي

Copyright © 2005 [tahayaty@yahoo.com]. All rights reserved
Revised: 10/05/08 / Tel :313-615-0053