|

تصدير أزمة العقل العربي للمغتربين
خلال
السنوات الماضية بدأ تنامي هجرة العرب إلى العديد من دول
العالم، بما فيها تلك البلدان التي لم تكن تستقبل مهاجرين
مثل روسيا ودول أوروبا الشرقية يشغل حيزا أساسيا فى اهتمام
الباحثين والجهات الرسمية، ليس فقط لأنه يعكس سلسلة أزمات
تعيشها مجتمعات العربية، بما فيها الأزمات الاقتصادية التي
دفعت الشباب للبحث عن لقمة العيش خارج الوطن، ومرورا
بالأزمات الاجتماعية والفكرية والسياسية. لقد شكلت تلك
الأزمات دافعا قويا للعديد من المهجرين للبحث عن مجتمعات
يستطيعون التعبير فيها عن ذاتهم. وأصبحت الهجرة والاندماج
في مجتمعات الاغتراب تعبيرا عن ظاهرة تحلل قومي.
إلا أن الاغتراب أثار مشاكل من نوع أخر، لعل أهمها أزمة
الهوية والانتماء، ما دفع لقيام أغلبية المغتربين في
العديد من بلدان العالم لتأسيس اطر اجتماعية للتعبير عن
ذاتهم من خلالها، ومحاولة لحماية هويتهم وانتماءهم في بلد
الاغتراب.
وتميز هذا الواقع في عدد من الدول الأوروبية بتوفر
الإمكانات لبلورة اطر اجتماعية فاعلة. وكان من المتوقع أن
تشهد روسيا تأسيس منظمات المهجر العربية تتميز بنفس
المستوى من النضج الذي تتمتع به منظمات المهجر العربية في
الغرب باعتبار أن أغلبية المقيمين العرب في روسيا من
الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية، وكانوا في الماضي جزءا
من التجمعات السياسة العربية، ما يعنى أن مستوى وعيهم
يؤهلهم لأدراك أهمية اطر العمل الاجتماعي للمغتربين.
إلا أن الواقع جاء بعكس التوقعات، حيث فشلت التجمعات
العربية في روسيا في إيجاد اطر اجتماعية فاعلة ومؤثرة،
وتراوحت هذه الأطر بين أشكال نخبوية، أو مؤسسات حكومية
تقدم خدمات للمغتربين، أو وجهات للتنظيمات الدينية
المتشددة.
ومنذ بداية التسعينيات حرصت الدول التي لديها جاليات كبيرة
في روسيا على تأطير هذه الجاليات، وبدلا من أن تنشأ هذه
الجاليات استنادا لجهود المقيمين وإحساسهم بوجود احتياج
موضوعي لأطر تجمعهم وتتعامل مع مشاكلهم وهمومهم في بلد
المهجر، جاءت هذه الجاليات لتقدم خدمات حكومية بهدف
استقطاب المقيمين، ووضعهم في خانة حكومية،ما أدى بالضرورة
إلى أن تستورد هذه الجاليات الصراعات والأزمات ومنهجيات
العمل من الوطن الأصلي، وتخلق كومونة تعيش بقوانين البلد
الأصلي في المهجر.
أما المنظمات الاجتماعية والثقافية فقد أخذت طابعا نخبويا،
وتركز اهتمامها على القضايا الثقافية والفكرية، ما أدى
لانهيار هذه المنظمات بسبب تفاقم حدة الصراعات في المجتمع
الروسي من جهة، واحتدام الصراع بين مختلف مجموعات المثقفين
العاملين في هذه المنظمات ونزاعاتهم من جهة أخرى.وعانت
الأطر التي سعى البعض لتأسيسها من الصراعات السياسية
والحزبية العربية، متجاهلة مصالح المقيمين العرب لتغرق في
نفس الخلافات التي تمزق الواقع العربي.
وقد تسبب اختلاط أساليب العمل السياسي التقليدية لدى
العديد من هؤلاء المقيمين مع مفاهيم العمل العام الجماعي،
وبحث البعض عن سبل لتحقيق مصالح شخصية لا صلة لها بمصالح
التواجد العربي، إضافة للعقلية الشللية والحلقية التي
سيطرت عليهم، إلى اختلاق صراعات شخصية أحيانا، ووهمية
غالبا، تسببت في إحباط أغلبية المحاولات لبلورة أطار
اجتماعي يعبر عن جموع المقيمين العرب في روسيا.
وقد لعب ظهور المجموعات الإسلامية العربية في روسيا دورا
مؤثرا لا يمكن تجاهل أهميته، ولا يمكن التعامل مع دور
القوى الدينية على أنه ظاهرة جديدة، وإنما يعود هذا الدور
إلى بداية التسعينيات، إلا انه لم يكن مؤثرا في أوساط
المقيمين العرب، حيث اقتصرت أنشطة التيارات الإسلامية على
بناء الجوامع، وهو لم يكن منفصلا بشكل كامل عن أنشطة
الجماعات الإسلامية في الوطن الأم.
وأختلف الوضع بشكل كبير بعد فوز حماس في انتخابات البرلمان
الفلسطيني، وتصدى حزب الله للهجمة الإسرائيلية في صيف عام
2006، حيث بدأت عملية استقطاب واسعة في أوساط المقيمين
العرب، عبرت عن أزمة في وعى المثقف العربي، ليس لأنه انحاز
لهذه القوى الطائفية، فقد مارس هذا المثقف حقه في
الاختيار، إلا أن الانحياز لهذه القوى يعود إلى دورها في
تصدى لبعض المهام الوطنية ما حقق لها جماهيرية في الوطن
الأم وبلدان الاغتراب. وتمثلت أزمة العقل العربي في أن هذا
المثقف العربي الذي كان علمانيا ومن أنصار المجتمع المدني-
تحت وطأة مساعيه لإيجاد وعاء وطني- وأصبح من أنصار قوى
دينية طائفية.
واستثمرت هذه القوى أزمة المثقف واستخدمته في صراعاتها
السياسية والطائفية. وتمثلت الأزمة في أن انجرار هذا
المثقف كان لحساب صراعات في الوطن الأم على حساب مصالح
التواجد العربي في المهجر، وعلى حساب مصلحة هذا التجمع
العربي في التعبير عن ذاته في مجتمع المهجر بشكل جماعي
وحضاري.
وإذا كانت القوى الإسلامية تنفق بلا حساب على عملها في
روسيا، وتقدم عروضا مالية مغرية لجميع النشطاء مقابل
انضمامهم لأنشطتها، فأن هذا يعكس أيضا أزمة لدى هذا القوى،
تتمثل في عدم قدرتها على بناء كادر عقائدي في هذه المواقع
أو ربما بشكل عام.
في ظل هذا الوضع السيئ، مازال تأسيس إطار عمل عام اجتماعي
طوعي يواجه معوقات،لعدة أسباب:
مازالت وعي المغترب العربي في روسيا غير متبلور نحو تعامله
مع واقع هجرته، ويعتقد انه سيعود.
مساعي الأطراف المستفيدة لتصدير الصراع السياسي العربي إلى
المهجر، أو مساعي أطراف أخرى للهيمنة على هذه الأشكال
لتحقيق مصالح شخصية.
سيطرة الأشكال التي تحولت إلى مؤسسات حكومية خدمية على
ساحة العمل العام.
إحباط سياسي لدى أغلبية المثقفين.
ويعتبر المقيمون العرب في روسيا اليوم الجيل الأول
للمهجرين العرب الذي يحمل أزمات المجتمع العربي وصراعاته
ونزاعاته، ويصعب عليهم تجاهلها، وهو ما يجعل اطر العمل
الاجتماعي في بلد الاغتراب مهددة بأزمات الوطن الأم.
ويتعين على هؤلاء المقيمين أن يدركوا أن الجيل الثاني قد
بدأ يتواجد بشكل مؤثر، بل وأصبح في سن المشاركة والفعل،
ولابد من الأخذ بعين الاعتبار مصالحه ومشاكله. ولا يصح أن
نورث أبناءنا أزمات غريبة عن مشاكل المهجر، ولا يمكن
إغراقهم في قضايا تبعدهم عن أزمات الاغتراب المتمثلة في
الانتماء للوطن، والتواصل مع أقرانهم والتعبير عن قوميتهم
بشكل حضاري مؤثر في بلد الاغتراب.
صحفي مصري
وكالة انباء
نوفوستي
|