|
خـبز وخـمر
للشاعر
الألماني هولدرلين ( 1770 – 1843 )
ترجمة : د . بهجت عباس

إلى
هاينزه
1
يخلد ما يحيط بالمدينة إلى السكون ؛ الزقاق
المُـَضاء يمسي هادئاً،
العرباتُ ، مُـزدانةً بمشاعلَ ، تخشخش مُـغادِرةً .
مُـتخَـمين من مَسـرّات النهار يذهب الناس إلى بيوتهم
للراحة ،
وبسرور عظيم في البيت يحسِبُ رأسٌ مُـفكِّـر الربحَ
والخسارة ؛
تهدأ السوق الناشطة وتنتصب فارغة ً من أعناب وأزهار
ومصنوعات اليد.
ولكنَّ العزف على الأوتار يبعث نغماً من الحدائق من بعيد ؛
فلربّـما أن ثمّـة عاشقاً يعزف هناك ، أو رجلا ًأعزلَ
(وحيداً )
مفكّـراً في أصدقائه البعيدين وعهد الصِّبا ؛ والينابيع
تتفجّـر
بلا انقطاع وتخـرّ ُ باردة مُنـعشةً على مَـغرسٍ عَـطِـر.
في هواء الغسق ترنّ الأجراس القارعة بهدوء ،
منتبهـاًً إلى عدّ السّاعات ينادي حارسٌ بانتهاء الوقت .
وتهبّ الآن أيضاً نسمة وتحركُ أعلى الغابة الصغيرة.
أنظر! القمرُ ، صورة ظلّ أرضنا ، يبزُغُ خِفيةً الآن أيضاً
؛
والليل الفتـّان ، يأتي مليئاً بنجوم ، لا يهتمّ بنا إلاّ
قليلاً .
يومض الليل المدهشُ هناك، الغريبُ بين البشر ،
على مرتفعات الجبال حزيناً وبهيـّاً من أسفل إلى أعلى .
2
رائعةٌ هِـبَـةُ الليلـةِ العظيمة ولا أحدَ
يعرف ما هي وأيّـانَ يحدث منها.
لذا تُحـرّك الدنيـا وأنفُسَ البشر الآملـةَ،
لا فَطِـنَ يفهم مـا هيّـأتْ ، حيث
هذا ما يريده الرّبُّ الأعلى ، الذي يُحبّكَ كثيراً ، ولذا
لا يزال النّهـارُ الصّـاحي أفضلَ منـها لديكَ.
ولكنْ بين آونة وأخرى تُحبُّ العينُ الصّـافيةُ الظِّـلَّ
وتجرِّب النّـومَ ، ليس اضطراراً ، بل لتحاولَ نيلَ
السّرور.
أو كمـا يُحـدّق أيضاً رجلٌ وفيّ ٌفي الليل بشغفٍ ،
نعم ، تستحقّ أنْ نكرّس أكاليلَ لها وأغانيَ ،
لأنّـها مقدّسة للضّال في طريقه والميت ،
ولكنّها تظلّ بروح أكثرَ تحرّراً إلى الأبد.
ولكنَّ لنا عليها حقّاً أيضاً ، ذلك في اللحظة المتذبذبة ،
أن تكون في العَـتَـمة شيئاً يُمكن تحمّـلـُه ،
يمـنحنـا السّلوانَ والسّكـرَ المُقـدّسَ ،
يمنحـنـا الكلمة المتـدفِّـقةَ ، السّاهرة كالعشّاق ،
وكأساً مُـترعةً أكثرَ وحياةً أكثرَ إقـداماً ،
ذاكـرة مقدّسة أيضاً ، تبقينـا منتبهين عند الليل .
3
عبثاً نُخفي القلب في الصدر ، لا نزال ،
من غير طائل ، أساتذةً وناشئينَ ، نحبس الجرأةَ .
فمَنْ ذا يقدر أنْ يكونَ عثرةً في سبيلنا ويمنعَـنا مِن
الفرحة ؟
النارُ الإلهيّـةُ تدفعنـا أيضاً ليلَ نهـارَ
لنغـادرَ . تعـالَ إذاً ! لنرى الفضاء الواسعَ ،
حيث نبحث عمّـا يخصّـنا ، ولو أنّه بعيد عنّـا .
شيء واحد ثابت ؛ قد يكون في الظهيرة أو يمضي
حتّى منتصفَ الليلِ ، دومـاً يوجـد مقياسٌ ،
مشاع للكلِّ ، ولو أنَّ خاصّـتَـه تُوزّع على الكلِّ ،
هناك يذهب كلّ واحد ويجيء ، إلى حيث ما يستطيع .
هكذا ! ويُحبّ الجنونُ المبتهجُ سخـريةَ المُستهزئ به
عندما يقبض فَجأةً على المغنّين في الليلة المُـقدّسة ؛
هكذا يأتي عند البرزخ ! هناك ، حيث يهدر البحر الممتدّ
عند البرناس* والثلج يتلألأ حول صخور دلـفيّـة** ،
هناك في بلاد أوليمبيا*** ، هناك على قمم سايثرون**** ،
هناك تحت أشجار الصّنوبر ، بين الكروم ، حيث ثيـبه *****
أسفلَ ، وأزمينوس يهدر في بلاد الكادموس******،
من هناك ذهابـاً وإيابـاً يشيرالإلـه القـادم .
____________________________
* البرناس Parnaß في الألمانية أو
Parnassus في الإنكليزية هو جبل من حجر الكلس يقع في أواسط
اليونان وحسب الميثولوجيا اليونانية كان هذا الجبل مقدساً
عند أبولو .
** دلفي Delphi مدينة يونانية حديثة تقع عند جبل بارناسوس.
*** مدينة يونانية قديمة كانت تُجرى فيها الألعاب
الأولمبية.
**** سايثَرون Citheronأو كايثرون Kaitheron جبل في وسط
اليونان يبلغ طوله 16 كيلومتر.
***** ثيـبه Thebe مدينة مقدسة في الميثولوجيا الإغريقية ،
كما وإنَّ زوجة زيوس
وكذلك ابنته من زوجته أيودامه Iodame ، كلتيْـهما ، تدعى
ثيبه.
****** كادموس Cadmos أو Cadmus في الميثولوجيا الإغريقية
كان ابن ملك
صور الفينيقي ، وتعني أيضاً اسم جبل في اليونان.
4
يا أرضَ اليونان السَّعيدة ! يا بيت الربّانيين أجمعين ،
أصحيحٌ ما سمعنـاه مرّةً في أيّـام شبابنـا ؟
صالة الاحتفـال ! أرضيّـتُها بحرٌ ، وموائدُها الجبال !
أحقـاً بُنِـيَتْ لغرض فريد قبل زمن سحيق !
ولكنْ أين العروش ُ ؟ المحـاريبُ ، الجِّـرارُ ،
حيث مُلـئَتْ بالرحيق لِمُـتعـةِ الآلهـة ، الأغاني ؟
أينَ ، أينَ إذاً تُنـيرُ الحِـكَـمُ المؤثِّـرةُ من بعيد
؟
دلفي* تنام ، فأين يرنّ القدر العظيم ؟
أين المبادرة السّريعة ؟ والسّعد الممتلئ المنتشر ، أين
يتكسّر ،
راعداً ساقطاً من السّماء الصّاحية على العيون ؟
الأب أثير ! صرخ أحدهم فانطلق من لسان إلى لسان
ألفَ مرة ، لا أحدَ يقدر أن يتحملّ عبءَ الحياة وحده ؛
يُوزّعُ ، يُفرِحُ مِثـلُ هذا العطاءِ وعندما يُقايَضُ ،
مع الغرباء ،
يصير ابتهاجاً ، تنمو الكلمة قوّة عندما تكون نائمة
أبي ! ابتهاجٌ ! الرمزُ القديم ، موروثاً من الآباء ، يرنّ
،
إلى أيّـةِ مسافةٍ يصلُ ، مصيباً هدفَـه ، خلاّقـاً .
وكذا يدخل الربّانيون ، يهزّون الأسسَ العميقة ، لذا
من الظّلِّ من تحتُ يأتي إلى البشر نهارُهم .
========================================
* مدينة يونانية تقع في الجنوب الغربي من جبل بارناسوس .
وفي الميثولجيا
كانت موقع تعبّد أبولو .
5
من غير أنْ يُشعَـرَ بهم يأتون أولاً ، والأطفالُ وحدَهم
يَسعَـوْنَ نحوَهم بطموح ، يأتي السّعدُ مُضيئاً جدّاً ،
باهراً جدّاً ،
ولذا يتخوّف الإنسان ، ونادراً أنْ يعرفَ نصفُ إلـهٍ
مَن همْ هؤلاء بأسمائهم ، الذين توصّلوا إليه بالعطايا .
ولكنَّ جرأتَهم عظيمة ، فرحتُهم ملأتْ القلبَ منه ،
ونادراً أنْ يعرفَ ماذا يفعل بهذا العطاء ،
يصنع ، يبدّد ، ويكاد ما كان غيرَ مقدَّس لديه يُصبح
مقدّساً ،
ما لمس بيده المباركة حماقةً وحناناً .
هذا ما يستطيع أنْ يتحمّله الربّـانيّون ؛ ولكنْ في
الحقيقة
يأتون بأنفسهم ، ويصبح الناس معتادين على المسرّة
وعلى النّهـار وتتجلّى لهم الرؤية ، وجوههم
التي منْ زمن قديم ، سُمِّيتْ كلّها مرّة وإلى الأبد ،
عميقٌ هو الصدرُ الصّامتُ الذي مُـلِـئَ بالاكتفاء الحُـرّ
،
وأوّلاً ولوحده يُلـبّي كلَّ رغبـةٍ؛
وكذا الإنسان ؛ عندما يكون الخيرُ هناك ،
وإلـهٌ له يمنحه العطـايا ، فلنْ يُـدركَ شيئاً ولنْ يرى .
يجبُ أنْ يتعوّدَ عليه أولاً ؛ وأنْ يسمّيَ أحبَّ شيء
لديْـه ،
الآنَ ، الآن لأجْـل ذلك يجب أنْ تتولدَ كلماتٌ ، مثلُ
أزهـارٍ .
6
والآن يفكّـر بجـدّ أن يُبجِّـل الآلهةَ المُبارِكةَ ،
حقاً وبعَـهْـدٍ يجب أنْ يُعلنَ الجميـعُ ثنـاءَهم .
يجب ألاّ يرى النّورَ أيُّ شيء لا يُعجِبُ العِِلّـيّـينَ
،
محاولةُ عملٍ باطل وكسول ليستْ مقبولة ًللأثير .
لذا لِـتـكونَ مُحترَمـةً أمامَ الربّانيّـين ،
تنتصب الشعوبُ في طبقات رائعة
متنافسةً وتُُشيِّد المعـابدَ والمدنَ الجميلةَ
بعـزمٍ ونُـبـلٍ عالياً فوق السّواحل –
ولكنْ أيـنهم ؟ أين أزهرتْ هذه المدن المعروفة ، تيجانُ
المهرجان ؟
ثيبـه ذبلت وأثينا ؛ ألا يجلجل السلاح بعد هذا
في اوليمبيـا ، لا العربةُ الذهبيّـة للعبة الكفاح ،
ولا أكاليلَ تُزيِّن سفنَ كورينث* أبداً ؟
لماذا تصمت أيضاً المسارح المقدسة القديمة الآنَ ؟
لماذا لا يبتهج الرقصُ المقدَّس ُ؟
لماذا لا يَبصِمُ الربُّ ، كالعادة ،على جبهة الإنسان بعد
هذا
يدمغ الختمَ على من صُعِقَ بالبَـرق ؟
أو ربّما يأتي بنفسه أيضاً ويفترض شكلَ الإنسان
ويُكمله ، ويُـنهي الاحتفالَ السّماويَّ مواسيـاً .
____________________________________
* Korinth أو Corinth مدينة في اليونان وفي
كورينث القديمة يوجد معبد أبولو.
7
ولكن يا صديقي! نأتي جِـدَّ متأخرين. حقّـاً إنَّ الآلهة
تحـيا،
ولكنْ فوق الرأس عالياً في عالم آخر.
تعمل هناك إلى ما لا نهايةَ لتحافظَ على بقائنا ،
ويظهر أنّـها لا تبالي إلا قليلاً ، فيما لو عِشـنا .
لأنَّ وعاءً رقـيقاً لا يستطيع أنْ يحتـويَها دائماً ،
إلاّ عند أزمـنةٍ فقط يتحمّل فيـها الإنسانُ العبءَ
الإلهيَّ .
وبعد هذا فالحياة هي حلم منها حولهم . ولكنَّ الجّـنونَ
يُسعِفُ، مثلَ سُـباتٍ ويجعلنا الشَّـقاءُ والليلُ أقوياءَ
،
إلى أنْ يترعرعَ أبطالٌ من المهد الحديد ،
تكون لهم قلوبٌ قوية ، كما كان مألوفاً من قبلُ ، تضاهي
قلوبَ الآلهة .
ومن ثمَّ يأتون راعدين. ولكنْ في غضون ذلك أفكّر غالباً
أنْ أنامَ أفضلَ من أنْ أكونَ بلا رفـاق ،
منتظراً دومـاً ، ماذا أعمل خلالَ ذلك ، وما عسى أنْ أقولَ
،
لا أدري ، وما فائدة الشعراء في زمن عَجـيف؟
ولكـنْ ، كما تقـولُ ، إنَّهم مثلُ كهّـانِ إلـه الخمر
المقدّسـين،
الذين تجَوّلوا في ليلة مقدّسة من مكانٍ إلى آخرَ.
8
وذلك ، منذ بعض زمن مضى ، يتراءى لنا طويلاً ،
صعدوا إلى أعلى كلُّهم ، أولئك مَنْ جعلوا الحياةَ سعيدةً
،
عندما أدار الأبُ وجهه عن البشر ،
أخذ الحزن بحقِّ يخيّم على الأرض ،
عندما ظهر أخيراً شبحٌ (روح) هادئ ، مواسياً
روحانيّـاً ، أعلن نهاية اليوم واختفى ،
ثمّ كعلامة أنَّها كانتْ موجودةً مرَّةً هنا وستعود ،
تركتْ جوقة المرتّلين السّماوية خلفَها بعضَ الهدايا ،
فرحنا كبشرٍ بهذا العطاء كما هي عادتنـا ،
و بالفرحة مع الأرواح يصبح الأعظمُ جدَّ عظيمٍ
بين البشر ولا يزال ، لا تزال تَعـوزُ الأقوياءَ المسرّاتُ
القصوى ، ولكنّ بعضَ الشكر يحيا صامتاً.
الخبز فاكهة الأرض ، ومن النور مُبارك ،
ومن الإله الرّاعد تأتي نشوةُ النبيذ .
لذا بهذا نتـذكّر الربّانيّـيـن ، الذين
كانوا هنا والذين سيعودون مرّة أخرى في الوقت الصحيح ،
لذلك يغنّي الشعراءُ لإله النبيذ بجدّ أيضاً ،
وليس باطلاً أبداً أنْ ينطلقَ نغَمُ ثناءِ القُدماء .
9
نعم! يقولون بحق ، إنّه يوفّق بين النّهار والليل ،
يُسَيِّـرُ نجـومَ السَّماء عالياً وسافلاً إلى الأبد ،
جذلٌ دوماً كأوراق شجرة الصّنوبر دائمة الاخضرار ،
التي يُحبّـها ، والإكليلُ ، الذي اختاره ، من اللبلاب ،
لأنّـه يدوم و يجلب أثرَ الآلهة الهاربيـن
إلى الجاحديـن إلى أسفلَ تحت الظّلام.
وما تنبّـأتْ أغاني القدماء لأطفال الإلـه ،
انظرْ! نحن هـو، نحـنُ ؛ إنّـه فاكـهة هيسبيريـا*
مدهشٌ وبدقّـة تحقّـق تماماً كما للبشر.
فليعتقـدْ به مَـنْ اختبـرَه ! ولكنْ كثـيرٌ يحدث ،
لا شيءَ ينجح ، لأنّـنا ظِلالٌ ، لا قلـوبَ لنـا ، إلى أنْ
يجعلـَنا أبونـا الأثـيرُ معروفين ويخصَّـنا كلَّـنا .
ولكنْ في غضون ذلك ، يأتي ابن الذات الأعلى ،
السّـوريّ ، كحامل قنديل إلى أسفلَ بين الظِّلال .
وما يرى الحكماءُ السّعداء ؛ تشعّ بسمة في الروح السّجينة
،
وعينُـها لا تزال تذوب من الضّياء .
ينام الجبّـارُ بين أذرع الأرض ويحلم بلطفٍ أكثـرَ ،
حتّى ذلك الحاسد ُ، سَـربَـرَسْ ** ذاتُـه ، يشربُ وينـامُ
.
______________________________________
* هيسبيريا Hesperia في الإنكليزية،
Hesperien في الألمانية: هي واحدة من هيسبيرايدس
Hesperidesفي الميثولوجيا الإغريقية وتعني حوريات الغابات
أو الماء اللائي تـرعيْـن الحديقة المباركة في أقصى الغرب
من الدنيا. وهناك مدن أمريكية سُمِّـيتْ بها .
** سَـربَـرَسْ Cerberus هو كلب هادس Hades إله العالم
السفلي ، وهو بثلاثة رؤوس ، يحرس الباب التي تؤدّي إلى
هادس ليتأكد من أنَّ أرواح الموتى تدخل ولا تخرج ، كما
يمنع أيَّ حيٍّ أنْ يأتي إلى هادس.
rumia36@rogers.com
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|