كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني . ستون عاما مضت وانقضت
، مرت ثقالا كالجبال ، نهاراتها بلا شموس ، ليلاتها بلا أقمار
، فصولها بلا ربيع ، ركابها رحلة في متاهات المجهول . لكننا لم
نترجل هنيهة عن صهوة العشق الذي حملناه لك في صميم جوارحنا .
سماؤك ، روابيك ، وديانك ، مروجك ، شطآنك ، أمواج بحرك ،
أطيارك ، أزاهيرك شاهدة أننا كنا لك عشاقا لم يشق غبار النسيان
ساحات عشقنا المقدس لك . أسكناك حنايا القلوب ، ومرايا العيون
. ما هنّا يوما في مسارات فدائك ، وحاشا أن نهون .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني . أيها الكبير ، ولا
أكبر منك إلا رب الخلائق والأكوان . بك أنت وحدك نحن جديرون
بالحياة ونستحقها . لك أنت وحدك نقدم فروض التضحية والفداء .
في طريقنا إليك لم تنكسر لنا قامة ، ولم تنحن هامة . ركبنا ما
زال يغذ الخطى ميمما شطر أحضانك . يتحدى المتاهات في ليالي
منافي الشتات . أنت العنوان ، يوم لا عنوان إلاك . بك نحن
موعودون ، وإن طال زمان الإرتحال إليك . أنت قدرنا . بذكرك بعد
الله نستفتح ، نصابح نهاراتنا ، نماسي ليالينا . باسمك نعانق
الشمس في مهد ميلادها ، وباسمك نلوّح لها وهي في هودج الإرتحال
.
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني . عصي أنت على الإنشطار
. عنيد لا يشق لك في وحدة المصير غبار . ونحن أقسمنا لن يصبح
الدم في عروقنا ماء . هذا الدم لا ينبغي له إلا أن يكون محرما
على عشاقك ويوم يحللونه ، لا يحل إلا في مذبح تحريرك وحريتك .
كل قطرة دم نهبها لك نفحة حياة ، تعانق ثراك ، فتخرج من رحمه
براعم الأمل ، تورق ، تخضوضر ، تزهر ، تثمر وعدا بالحرية .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. رحلتنا إليك بدأت بك
ولا تنتهي إلا بك . أنت حادي الركب إلى يوم لا تغيب عنه الحرية
، إلى شمس تضيء فضاءاتنا أملا بغد واعد لأجيال ورثت حبك عن
أجيال وأجيال من عشاق الإنتماء إلى حماك . ومهما طال المشوار
إليك ستظل القافلة تسير وتسير تتحدى العتمة والغربان ، تتحدى
هذا الليل الباسط ذراعيه على آفاقنا ، تطارده بمشاعل التحرر
والخلاص حتى ينجلي إلى الأبد .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. أيها الواعد الموعود
. ما زلت ملهما لأبنائك الميامين المنزرعين بين ذراعيك كصخور
جبالك الشماء . واعدا باللقاء الأخير على ثراك الطهور . موعودا
بأسراب طيورك ، تعود من منافي الشتات والإغتراب إلى عشك الدافئ
الحنون . موعودا بأسراب شامخة الجبين خلف القضبان ، شاءت فلا
بد لقيدها أن ينكسر يوم تشرق شموس نهارات الحرية . موعودا
بأجيال أسراب ما زالت في رحم الغيب ، سـتولد في أحضانك كما
ينبت الربيع ويخضوضر بعد ليل خريف وشتاء طويل .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. وأنت تصحو هذا
الصباح ترفرف فوق روابيك أجنحة الذين مهروك أرواحهم فداء وعد
الحرية والرجوع إلى أحضانك . إنهم فتية آمنوا بربهم ، وآمنوا
بك . كانوا رماحا تهوي على صدور الغربان ، ويوم قبلوا ثراك
قبلة الوداع ، حلقوا إلى العلياء ، إلى مدارات الذكرى الأبدية
. غدت أسماؤهم مشاعل تضيء فضاءاتك نورا وخلودا .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطن الأسرى .. تمردوا على
قيود عبودية الزمن الملطخة كفاه بالسواد والطغيان . أسراك أيها
الوطن الأسير وهبوك شبابهم مهرا لعرس حريتك . تحدوا المستحيل
ركبوا الاهوال ، شقوا غبار الموت والدمار . وها هم الآن خلف
القضبان يطرزون لك من عنادهم وشاح كبر ، ينظمون لك من إصرارهم
مسبحة حرية ، يرسمون لغدك من سنا محياهم شمسا لا تغيب ، شمسا
لنهارات وعد لا يخيب .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. لا تحزن إذا لم تعد
هذا الصباح الأطيار الضاربة في المنفى إلى أحضانك . لا تحزن
إذا لم تتنسم رائحة الحرية عندما تفتح عينيك هذا الصباح .
الحرية ما زالت تشق غبار الشتات لتلقي برحلها بين يديك . لا
تحزن ، لا تحزن إذا لم يحمل هذا الصباح لك العيد . عيدك ما زال
على أجنحة وعد العشاق . غدا ستصحو على مغناتهم تعطر المدى .
تعيد لك العيد . تتوج به هامتك البهية . تزرعه على محياك
ابتسامة لا تمحو إشراقتها الليالي الليلاء .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. ها نحن نقف بين يديك
هذا الصباح كما في كل صباح . نمد أيدينا إلى السماء . وبكل
إيمان وخشوع نصلي لله في عليائه ، سائلين إياه جل جلاله أن
يطلق سراحك من بين براثن الإغتصاب . أن تعود لنا كما كنت على
مدى الأيام . أن يمن علينا بنعمة الرجوع إلى أحضانك . أن تكتحل
عيوننا ببهاء طلعتك الأبية ، وشموخ جبينك الوضاء . أن تكبر
أجيال أطفالنا بك ، وتكبر بهم . يومها تصبح كل أيامنا وليالينا
أعيادا وأعراسا . فأنت أنت وحدك العرس والعيد والحب والوطن .