|
الغـــــائب
قصة
قصيرة

حاولت بكل جهدها
واستعملت شتى الاسالب وكل دهاء النساء ومكرهن من اجل ان
تثنيه عن عزمه بمرافقة والده بالسفر الى احد البلدان
البعيدة ، حيث اعتاد على ذلك للمتاجرة بكل شيء كالمواد
الغذائية والملابس والتوابل والتحفيات وكل ما يشعر بانه
سيحقق له ربحا معقولا علما ان شعوره لا يخطأ الا ما ندر
بحكم خبرته الطويلة في هذا المجال . وان اصرار زوجها على
مرافقة والده ما هي الا اعجابه به وبالطريقة التي يدير بها
تجارته محاولا الاستفادة من هذه الخبرات وتعلمها اكثر ما
يمكن ... أنها راضية كل الرضا بما يدخل لهم من خلال عمله
في المحل الذي اشتراه مؤخرا في السوق والذي استطاع من خلال
ما يوفره من مورد ان يشتري هذا البيت ليوفر سكنا مريحا
للعائلة المكونة من ثلاثة اولاد اضافة الى زوجته والذين
اصبحوا الان شبابا على ابواب الدخول الى الدراسة الجامعية
بالرغم من صغر مساحته .إن ما يدفعها الى محاولة منعه من
السفر شعور الخوف من المجهول الذي يدخل قلوب المحبين
ويوسوس فيها عن كل انواع واشكال المساوئ التي يمكن ان تحدث
له في تلك البلاد الغريبة . على العكس من تفكيره حيث انه
يتطلع الى كسب اكبر قدر ممكن من المال مستغلا طاقته
الشبابية ليامن بذلك من عاديات الزمن او كبر السن وعجزه عن
العمل ....
حين ازف يوم السفرجمع الاولاد واعلمهم ان امهم هي التي
ستتولى رعاية الاسرة و قرص اذن كل واحد منهم محذرا من عدم
سماع اوامر الام ... الصغير من الاولاد (اخر العنقود) كما
كانت تدلعه امه اثناء حديثها عنه مفتخرة بما يتمتع به من
ذكاء امام جيرانها او صديقاتها وكم هو جيد ومتميز في
الدراسة بالاضافة الى اطلاعه على الثقافة الخارجية من ادب
وفن وفلسفة وغيرها وكان غالبا ما يدخر من يومياته البسيطة
في سبيل شراء كتاب اعجبه وكان غالبا ما يعتمد على طلب
الكتب من المعارف والاصدقاء ولكونه يعتني بالكتب التي
يستعيرها بحيث يعيدها الى صاحبها باحسن حال مما كانت عليه
فكانوا لا يردون له طلبا ابدا .... في حين كان اخواه من
الشباب اللامبالي وانهم اتكاليون وكذلك فأن مستواهم
الدراسي ضعيف في الوقت الذي كانت امهم تعمل كل ما في وسعها
في سبيل ان يتموا دراستهم لعلهم يرفعوا بعضا من الحمل عن
كاهلها .
مرت اشهر على الانتظار الممل والصبر القاتل حيث الوقت يسير
بطيئا والشمس والقمر يسران متهاديين ويسير الوقت معهما
بطيئا وتمتد ساعاته وتستطيل نهاراته ولياليه الى امتدادات
ثقيلة ومرة على كاهل امرأة لم تتعود فراق زوجها ولا ليوم
واحد .... لذلك فأن القلق والحيرة اخذت تنخر في تفكيرها
وتحفر اخاديد في روحها الطيبة والحريصة على العلاقات
الاسرية ....
وبعد هذا الترقب والمعاناة الشديدة فلقد وصل الجد هذا
اليوم وحيدا ... وفيما انشغل الاولاد بالهدايا التي اتى
بها جدهم على انها مرسلة من الوالد كان الخوف يلف الام
بغمامة سوداء فقد انشغلت هي بالنظر الى عيون الرجل وتقاسيم
وجهه وحركات يدييه وارتباك كلامه وهي تحاول ان تقرا كل
حركة من حركاته حيث حاول جاهدا ان يكون تصرفه طبيعيا ....
انها متيقنة ان احساس ألمحب لا يكذب وهي الان تشعر ان
مصيبة ما قد حصلت، لذلك دعته لغسل وجهه عن تراب السفر وما
هي الا حجة لتساله بعيدا عن سماع الاولاد.....
- لماذا لم يات معك؟
ارتبك في جلسته وتهدج صوته وبحت نبراته واخذ يدير وجهه
يمنة ويسرة متحاشيا نظراتها المتسائلة والملحة في الغور
داخل نظره ....
- سيكمل بعض الاعمال ويصفي اموره المالية التي تحتاج بعض
الوقت وبعد ذلك يأتي.
وباحساس قلب محب وشعور ام متلهفة وامرأة يملأ صدرها الحنان
ومن خلال التغيرات التي احستها في تصرفات وحركات وصوت الجد
تأكد لها ان شيئا فضيعا قد حدث .، وكأنها لم تسمع ماقاله
عن سبب تأخر....
- هل ما.....ت... ام سببا ...اخر ؟
عندما لاحظ اصرارها لم يستطع مقاومة عواطفه فاجهش بالبكاء
... طبع قبلة على رأسها وقال لها بصوت مبحوح ومتقطع.....
- وصي ...ته...أأأأن...تع....تني بالاولاد وتكوني
شششجاعة....
لم يكن الامر باليسيط او الهين على امرأة مثلها حيث لم
تعرف العمل ولم يكن لها موردا خاصا لكنها جعلت كل تفكيرها
وهمها ان تنفذ وصيته وتحافظ على كيان العائلة ومستقبل
الاولاد حيث ان امام الكبير منهم سنينا قليلة ليتخرج
ويتحمل المسؤولية بدلا عنها .... فعلي ان أتحمل هذه
السنوات القليلة وان اعمل كل ما أمكنني من اجل ان يواصلوا
دراستهم ....والخطوة الاولى هي ان يبقى هذا الخبر سرا
عليهم حيث انها تدرك جيدا ما للاب من دور في بناء وتماسك
العائلة من اجل الحفاظ على العلاقات الطيبة فيما بينهم وان
خبرا مثل هذا له التأثير الكبير على مستواهم الدراسي ....
لكن اخفاء سرا بهذا الحجم وعن اعز الناس الذين تعيش معهم
بالاضافة الى لك فان عليها ان تقوم بدورين في ان واحد ،
دور الاب والام وقد حرصت على ان تؤديهما على اجمل وجه وهذا
لم يكن بالامر الهين او البسيط مما اثر كثيرا على صحتها
ونفسيتها فقد استمر جسدها بالضمور شيئا فشيئا وكأن هناك من
يلتهم لحم جسدها واصبحت صفراء اللون تستقر عيناها في حفرة
عميقة وتملأ وجهها الاخاديد لا تعتني بنفسها حتى تمشيط
شعرها او تبديل ملابسها قد يكون كل اسبوع او عشرة ايام ...
ومن اجل ادامة وجود الاب في تفكير الاولاد كانت تستغل
المناسبات لتشتري الملابس والهدايا وتدعي ان الاب هو من
ارسلها لهم ...لكن وبحكم فطنة الولد الاصغر وذكائه فقد
لاحظ كل هذه التغيرات على والدته وطرح على نفسه الكثير من
الأسئلة حول غياب والده ، فلم يقتنع ان ابيهم لايستطيع
الحظور او انه من يرسل هذه الملابس او الهدايا وصعب عليه
حال والدته كثيرا مما جعله(كامه) دائم التفكير والصمت الا
انه كان يداري ذلك بالقراءة والتي كثيرا ما كان يؤنبه
عليها اخوته ويصفوها بالسخافات .... لكن قلب الام لا يخطأ
حيال الاحساس بكل ما يحيط الاولاد وقد لاحظت هذا التغير
منذ بدايته ليزيد من همومها هما اخر ، لكنها في هذه الحالة
سوف لا تسكت ....
- يمه شبيك وليدي ؟
- لاشيء.
افرحه هذا السؤال كثيرا فان والدته احست بقلقه وعليه ان
يستغل هذا السؤال ليكون فاتحة للحديث والتفاهم مع امه ،
وعليه ان يخطط جيدا لاستدراجها واقناعها بالقبول على
مشاركته لهمومها خصوصا وانه يعرفها جيدا ويعرف طبيعتها
وصدقها وصفاء روحها فقرر ان يضيف قليلا من التمثيل على ما
يعانيه فعلا عندما قدمت له الغداء في اليوم التالي:
- لا اشتهي الاكل نهائيا !
- يمة ليش شبيك ؟
- لقد قررت ان اغادر البيت واتركه لكم .
- يمة شتكول؟!!قالتها وكأن خنجرا قد اصاب كبدها .
- لان امي التي ليس لي غيرها في هذا العالم لاتحبني.!
- يمه شلون ما احبك وانت (بزر الكعدة)واشلون عرفت ما احبك؟
- قبل ايام اشتريت لي ملابس تختلف عن ملابس اخوتي ...
وكانت فعلا قد اتت بملايس قبل ايام مدعية انها مرسلة من
ابيهم ولكنه لم يصدق حيث تسائل كيف عرف ابي مقاييس ملابسنا
وخاصة ان اخي الاوسط قد طال بمعدل غير طبيعي وبالتالي تعمد
اثارتها لتقع في المصيدة وفعلا قالت:
- والله يمه ! لم اجد بمقياس جسمك من تلك النوعية ثم ان
هذه.....في هذه اللحضة احست انها دخلت المصيدة ... فأجهشت
بالبكاء المر وبالتالي اعترفت له عن حقيقة وفاة والده
ولماذا اخفت الخبر عنهم.
مسح دموعها وقبل يديها واخبرها انه كان على يقين بما حصل
ولكنه يجهل كيفية حصولها على الاموال وكيف استطاعت ان
تعيلنا طيلة هذه الفترة .... فطلب منها ان تحكي له عن كل
التفاصيل.
الان اصبح لزاما عليه رفع بعض الحمل عن كاهل امه فلقد فرح
لانها شاركته همومها وفي الوقت نفسه عليه الان ان يفكر
جيدا ليجد مخرجا من المشاكل التي حكتها له امه فقد باعت
المحل حيث غطى معيشتهم بعض الوقت ..ثم رهنت البيت الذي
يسكنوه للصرف على اخوته في الجامعة على امل انهم سينهون
دراستهم ويدفعوا الرهن الا انهم خذلوها ولم يكملوا دراستهم
. وبعد فترة قليلة يستحق دفع الرهن....
درس الموضوع من كل زواياه ووضع الحلول اللازمة الا انه في
كل الاحوال بحاجة الى مؤازرة اخوته...دعاهم الى التفاهم
... وعند حضورهم وضع الكتاب الذي كان بيده على الطاولة
رفعه الاخ الاكبر وهو يتمتم اما زلت بهذه السخافات ؟
وعندما وضعه قبالة عينيه :
- من يكون غودو هذا؟
- انه ابوكم !
لم ينتبهوا الى جوابه لانهم لا يعرفون مغزاه او مقصده ....
وبدأ يشرح لهم الحالة التي هم فيها وان عليهم دفع الرهن في
وقته والا سيكون الشارع مصيرهم وقد وضع عدة حلول وما عليهم
الا مساعدته واسناده... الا انهم لم يقتنعوا بها واستقبلوا
الموضوع بكل برود قال الاكبر:
- سيأتي ابونا ويتكلف الامر فعلام نتعب انفسنا بالتفكير؟
- ان ابوك لا يأتي !! . ثم قال الوسط:
- سنبعث نستعجله بالمجيء لحل هذه المشكلة :
وبعد ان يأس من ثنيهم عن تفكيرهم ضاق ذرعا بهم وصرخ باعلى
صوته :
ان ابيكم لا يأتي ...واذا لم تتصرفوا ستطردوا من البيت
وتناموا في الشارع .... فكروا بامكم فكروا بانفسكم ولا
تعتمدوا على ابيكم ... انه قد مات ...انه مات...
نعمة ياسين عكظ
النجف 10/10/2007
ny_alfatlawy@yahoo.com
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|