| |
آريـــد وطـــنا !!

ها هو الصيف قد اتي بفانوسه السحري وبدأت معه
قوافل المسافرين بالاستعداد لموسم الانطلاق
والتحرر من روتين يقبض عل رقابنا طوال شهور العام
فى عمل مضني وحرارة تطبق على الارواح , وها هى
الوجوه تطفح بالبهجة واشعر بها فى كل لحظة من
لحظات الاستعداد فتمتلئ بالحياة وكأنما يشاركون فى
تلوينها فلا يعود يؤرقهم ماض مستهدف ولا يخيفهم
مستقبل ابيح دمه , كل من االتقيه متحمس للعودة الى
وطنه واهله , واصدقاء طفولة لا تحتمل الم الفراق ,
وشوراع مدن تبثهم الحنين بالحنين..
وانظر الى تلك الوجوه واتحسس الحماسة والفرحة التى
تغرقها وهى منطلقة بنفوس عامرة بالاشتياق,
لينتابني وجع السؤال عن ماهية هذا الشعور والذى لم
اتذوقه ابد؟؟!!
فأنا اسافر كما يسافر الناس , وربما اكثر من غيري
, وربما اذهب الى اماكن وديار يحلم بها كثيرون ,
ولكني ومنذ ولادتي فى اعماقي اتمنى لو ان لي وطنا
آوي اليه بعد طول اغتراب , اتوق الى ترابه , اتنشق
عبير سماواته وبحاره , اقطف نجماته وازين بها جبين
نفسي المكسورة , ينتظر عودتي واحن انا للعودة اليه
حاملة فى جعبتي حكايات وحكايات عن غربتي ..
كم يحزنني بأن اكون واحدة من تلك المراكب التائهة
فى عرض بحور الحياة , والتى تتساوى كل البحار
بالنسبة اليها .. واحدة من هذا الشعب المسجون ضمن
معادلات لا يجوز له ان يتحرك الا ضمنها , لنبدو
للعيان وكأننا نسينا وتعودنا واينما " نرسي نمسي "
دون اى شعور بألم .. فتمضى بنا الحياة لتترك فوق
وجوهنا بصمات حزينة وهموم سنين تركت اعباء تجاعيد
فى نفوسنا لا تلغيها اى مكانة اجتماعية وصلنا
اليها , وغالبا ما نبحث عن فرح مفقود ..
اريد وطنا ياسادة
انني باحثة عن وطن .. فهل هناك من يهبني حتى
الاحساس به ؟؟
اريده بكل عطش السنين.. اريد ان اشم رائحة الماضي
فيه عندما امر علي مدرستي القديمة أو بيتي القديم
أو حتى منزل جدي الذي رحل, اريد طفولتي الضالة بين
وجوه الاطفال فى كل حين , اريد شجرة كنت اتمنى ان
تكون وطني الصغير حين اسند رأسي على جذعها واغفو
تحت اوراقها باطمئنان ..
لا اريد مكانا يرتد الى ذاكرتي احيانا ومن ثم
يختفى ..
إنما اريد صورة متكاملة عن الوطن الغائب برائحه
ترابه وظلمته وضوضاؤه وضيائه, بليله وصباحه وشمسه
وقمره بروائح الياسمين وببنفسجه الحزين , اريده
بكل صفاته المميزة التى تعشش فى ذاكرتي . اريد
قيمة لاحاسيسي المعبقة به , اريد ان اتغرب واعود
اليه .. اريد ان احكى عنه الحكايات فى غربتي اريد
ان تذكر اهلي واقاربي .. اريد ان تحفر فى ذاكرتي
الوانه وانهاره وبحاره وازقته وشوارعه ومعالمه
المبهجة القديمة والحديثة ..
اريد ان احكي له حكايات غربتي عندما اعود اليه.
اريد عاصمة لوطني افتخر بمعالمها وانجازاتها
وبحضارتها المنبعثة من اعماق التاريخ والمشرئبة
على المستقبل لتكون قرينة للخصب وتدفق الغيث وسرا
للحياة ..
اريد وطنا بانسامه ورباه ووديانه ..
واخيرا اريد ان اكون مثل اى مقيم لا يضيره ان يكون
مقيما لانه عائد الى وطنه ليكون فيه مواطنا ..
فالوطن يعيش فى قلوب البشر يقتاتون من نبضاته
ويحيون على دماءه ليهبهم الامن والامان ..
هذا هو الشعور بالوطن الذى اريد .. فهل من مجيب ؟؟
ان شعوري كفلسطينية مختلف جدا.. موجع حتى النخاع ,
حيث تعرض وطني وكما يعلم الجميع لعملية ازالة عن
الخريطة العالمية , وشعبنا مازال يتعرض لضغوط ليس
لها مثيل فى تاريخ الشعوب لقتل الوطن داخل قلبه
وانتزاعه حتى من افكاره.. وتدور ايامنا ما بين
مهاجر بلا عودة ومقيم فى مكان ما بلا امل فى رجعة
لنصبح خليطا بلا اى انسجام , نتسابق لنسيان الماضي
التهمة ورجم المستقبل البعيد ..
وكل هذا يزيد من احتراقنا وتعميق الاسي فى نفوسنا
حتى اصبحنا مثل غابات كانت عامرة بالخير والحياة
ثم اكلتها النيران بفعل فاعل او بعوامل الطبيعة ..
فهل تلومها العصافير اذا لاذت بها ولم تجد لها
اوراقا او غصونا لتختبئ تحت طياتها؟
وهل يلومها طالب رزق اذا ما قصدها فوجدها تنعى
نفسها بسوادها ؟؟
وعلى الرغم من كل هذا الاسى لا انكر انني قد جربت
فرحة العودة لهذا البلد بالذات " مصر" اتذوق شيئا
من فرح بانني عائدة لصدر كان ومازال ملاذي , كان
لي فيه ايام عمر طويل , اعود اليها لأجد اصدقاء
واهل وبيت واشياء كثيرة فى انتظاري لأستأنف الحياة
طاوية صدري على وخزات غربة احاول ان اتناساها
لتستمر الحياة ..
منذ زمن وانا اتجول فى شوارعها وطرقاتها بحجة
التسوق والحقيقة انها رغبة لا شعورية ان اودعها
وداع اى احبة تفترق وتعود , لاحلم فيها فى غربتى
االقصيرة الاختيارية فقد كانت لى العوض فى غربتي
التى فرضت علي ..
تحية من اعماق قلبي المتعب الخائف من تصاريف
الايام اكثر من اى كائن فى هذه الحياة لهذا
الميناء الذى اعود اليه كلما ضجرت من التجوال
واقيم فيه باى صفة لانني احبه ..
|
|
| |
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|
|
|