الكتابة عن البصرة مثل الكتابة عن بهلوان يسير بروية
على حافة سكين ، يشطر الذاكرة الى نصفين ، الاول
يتغلغل في تشققات الارض المعينية المملوحة بالبلورات
الثلجية الباثرة على حوافها الحادة التي تلم نفسها الى
الداخل ، والنصف الاخر ينساب بين ثنايا المدينة التي
لاتنام ابدا، وان غفت للحظة في (قيلولة) الزمن
المستقطع من ذاكرة المدن فأنها لاتغادر بدلتها الكاكية
التي البسها اياها الموقع الجغرافي بين مدن تعاني
الثمالة والتنبلة والترهل الثقافي والحضاري...
مدينة تغسل وجهها بخيوط الشمس الذهبية ، قريبة من وجه
الله وذاته ، الملائكة التي تهبط من السماء تضع قدمها
الاولى على ارضها ، تقطف اوراقا لامرئية من شجرة ادم
حيث ابتدأ الانسان روايته الاولى وخطيئته ، وتعلم من
اشد الطيور شؤما كيف يوارى سوءاته .... تعلم الحكمة
الازلية ، فما اقسى ان يتعلم الانسان من الغراب ،
المعلم الاول في هذه المدينة وصاحب الفلسفة المثالية
الذي علم البشرية كيف تواري سوءاتها ، رغم انه طائر
بريء لادخل له بالماورائيات والميتافيزيقيات
والميثولوجيات التي انشأها الانسان على مر العصور
...!!
في البصرة ابتدأت الحكمة الاولى ، يوم استعار آدم من
الشجرة الازلية ورقا ودون تاريخ اول هبوط سماوي على
ارض " بصيرة " تفتح عينيها للسماء ووجهها بوجه الله
...
كانت البصرة اقرب الى الله ، وعرش الله اقرب الى
البصرة ..
عيون العالم كلها مفتوحة عليها ... الكحل ينساب من
عينيها مثل حقول البترول التي تفيض لااراديا كأي فتاة
خجلى من نقط حمراء داكنة تلطخ ملابسها في دورة الحياة
الاولى ...
هي هكذا .. المدينة الخجلى ...
تأتأة الحروف في شفتيها مثل أي طفل يتمرن على اخراج
الحروف من طرف اللسان فيتلعثم بها ، مدينة تثور على
الكلمات ، تبقر رحمها معاول الغزاة ، ويرجمها الملاعين
بالمنجنيقات والراجمات ولاتصرخ او تتفوه بكلمة " آه "
تتأوه حزنا لاألما ، تبكي ابناءها لاعلى نفسها ، تضمد
جراح الجند الذين اكلت الحرب نصف اعمارهم ولاتضمد
جراحها .
المدينة التي تنام واقفة ، ولم تغف يوما على وسادة
الامراء رغم انها تمتلك مواصفات اميرة الامراء .
تنام البصرة على وسادة الكلمات وترنيمات الشعراء ...
مدينة ليست ككل المدن ... تشرق الشمس عليها قبل ان
تبدأ رحلتها الى باقي المدن ، تبدأ رحلتها من حيث بدأ
آدم تاريخ البشرية ....
البصرة ... تاريخ المدن وذاكرتها اللامرئية ، قهقهة
الزمن على تفاهات الدنيا ولهوها ، اول مدينة وجدت على
وجه الارض وتناسل منها البشر واستنسخت منها المدن ،
كانت البصرة بداية الاستنساخ البشري والجيني والثقافي
والميثولوجي والفلسفي ...