|
للكاتب
الأمريكي: توبياز وولف
ترجمة : د. علي
القاسمي
______
يعدّ توبياز وولف من أشهر كتاب القصة القصيرة ومروجيها المعاصرين
باللغة الإنجليزية، إن لم يكن أشهرهم .وتضعه قصصه القصيرة في مصاف كبار
القصاصين الأمريكيين من أمثال أرنست همنغواي وسكوت فيتزجيرالد وجاك
لندن ومارك توين. ولد توبياز وولف في ولاية ألباما جنوبي الولايات
المتحدة عام 1945، وترعرع في ولاية واشنطن شمالي البلاد، وتلقى تعليمه
العالي في جامعتي أكسفورد وستانفورد. وتضم كتبه مجموعتين قصصيتين:
(صيادون في الجليد) و ( العودة إلى العالم)، ورواية قصيرة بعنوان (لصّ
الثكنات). أما سيرته الذاتية المثيرة (حياة هذا الولد) فقد تحولت إلى
شريط سينمائي شارك في بطولته روبرت دي نيرو وألين باركن وليوناردو دي
كابريو. ويعيش توبياز وولف حاليا مع زوجته كاثرين وابنيه في ولاية
نيويورك حيث يدرّس الأدب الإنجليزي في جامعة سيراكوز. والقصة التي
نترجمها هنا تمثل نموذجا من أسلوبه وتقنياته في كتابة القصة القصيرة.
أستيقظُ خائفا. زوجتي جالسة على طرف فراشي وهي تهزني، وتقول: "إنهم
يفعلونها مرة ثانية."
أتّجه إلى الشباك. جميع مصابيحهم مضاءة، في كلا الطابقين العلوي
والسفلي، كما لو كان لديهم نقود فائضة لإحراقها. الزوج يصرخ، والزوجة
ترد مولولة، والكلب ينبح. ثم وهلة صمت قصيرة، ثم يبكي الطفل المسكين.
وتقول زوجتي: " الأفضل ألا تقف هناك، فقد يرونك."
وأقول: " سأهاتف الشرطة." وأنا أعلم أنها لن تدعني أفعل ذلك.
وتقول: " لا تفعل." فهي تخاف أن يدسّوا السمّ لقطتنا إذا شكوناهم.
الرجل في الدار المجاورة ما يزال يصرخ، ولكنني لا أستطيع أن أتبين ما
يقول بسبب نباح الكلب وبكاء الطفل. والمرأة تضحك دون أن تعني ذلك :
"ها! ها! ها!" وفجأة تطلق صرخة حادة. ثم يخلد كل شيء إلى الهدوء.
وتقول زوجتي : "إنه يضربها. أشعر بالضبط كما لو كان يضربني."
وينخرط الطفل في الدار المجاورة في نحيب طويل، ويستأنف الكلب نباحه.
ويخرج الرجل من الدار إلى موقف السيارة صافقا الباب خلفه.
وتقول زوجتي: "احذر!". وتعود إلى فراشها وتسحب الغطاء عليها حتى
رقبتها.
ويهمهم الرجل لنفسه. ويحاول فتح أزرار سرواله الأمامية. وأخيرا يتمكن
من فتحا ويمشي إلى سياج دارنا، وهو سياج خشبي أبيض اللون ومزخرف أكثر
من أي شيء آخر ولكنه لا يمكن أن يصد أحدا فقد أقمته بنفسي، وغرست
شجيرات زهر العسل والبوغنفيليا على امتداده.
وتقول زوجتي : " ما الذي يفعله؟"
وأقول لها : " أش!"
يتكئ على السياج بيد واحدة، وباليد الثانية يتبول على الزهور. ويمشي
على طول السياج وهو يفعل ذلك، دون أن تفوته زهرة من الزهور. وعندما
ينتهي يقفل أزرار سرواله، ويعود إلى منزله مارا بموقف السيارة. ويوشك
على الانزلاق والسقوط على المر المغطى بالحصى ولكنه يمسك نفسه ويطلق
اللعنات ويدخل داره، صافقا الباب مرة أخرى.
وعندما أتلفت حولي أجد زوجتي منحنية نحوي وهو تنظر إليّ. وترفع
حاجبيها، وتقول: " أرجو ألا يكون فعلها ثانية؟"
وأهزّ رأسي بالإيجاب.
ـ " بسبب وجوده ووجود الكلب يصبح نمو أي نبات في حديقتنا إحدى
العجائب."
وأفضّل أن أتحدث عن شيء آخر. فالتفكير بمصير الزهور يصيبني بالإحباط.
وفي الدار المجاورة تأخذ المرأة في الصراخ. فأقول : "استمعي لهذا!"
وتقول زوجتي : "كنت أشعر بالأسف من أجلها. ولكن لم أعد كذلك، ليس بعد
ما حدث في الشهر الماضي."
وأقول: "وأنا أيضا" في حين أحاول أن أتذكر ما الذي حدث في الشهر الماضي
وجعل زوجتي لا تشعر بالأسف من أجل المرأة التي تقطن الدار المجاورة.
فأنا لا أشعر بالأسف من أجلها الآن، ولكني لم أشعر بذلك مطلقا من قبل.
فهي تصرخ دائما بالطفل. معذرة إذا كنت لا أتألم من أجل تصرف أحد مع طفل
بتلك الطريقة. فهي تصرخ بأشياء مثل: " ظننت أنني قلت لك أن تبقى في
فراشك" والطفل المسكين لما يتعلم الكلام بعد.
أما مظهرها فأحسب أنه يمكنك القول بأنها جميلة. ولكنه جمال لا يدوم.
فليس لها هيكل عظمي جيد. وتبدو طرية كما لو أنها لا تأكل من الطعام سوى
فطائر الحلوى والحليب. بشرتها بيضاء والطفل يشبهها، فليس من المتوقع أن
يشبه أباه الأسمر والكث الشعر. حتى عندما يرتدي قميصه يمكنك أن تدرك أن
ظهره وكتفيه مغطاة بشعر كث طويل مثل شعر كلب من نوع الأرديل.
والآن أخذوا كلهم في الصراخ دفعة واحدة، إضافة إلى أنهم أطلقوا جهاز
التسجيل وفيه أغنية فرقة غنائية من تلك الفرق. وأقول:" إنني أشعر
بالأسف من أجل الطفل."
وتضع زوجتي يديها على أذنيها وتقول: " لا أستطيع أن أحتمل دقيقة من
ذلك!" وترفع يديها عن أذنيها " ربما هنالك شيء في التلفزيون." وتنهض
قائلة: "انظر من هناك في برنامج جوني كارسون."
وأفتح التلفزيون. وكان مكان التلفزيون في المكتبة عادة ولكنني نقلته
إلى غرفة النوم قبل بضع سنوات عندما مرضت زوجتي. وكنت أعتني بها بنفسي
وأعدّ الوجبات وكل شيء. واستطعت أن أتعلم تغيير ملاءات وزوجتي في
الفراش. وكنت أنوي دائما أن أعيد التلفزيون إلى المكتبة بعد أن شفيتْ،
ولكني لم أفعل ذلك لحد الآن. وهكذا فهو منصوب حاليا بين سريرينا على
طاولة صغيرة صنعتها بنفسي. وفي التلفزيون نرى مقدم البرنامج جوني
كارسون يقول شيئا ما للممثل سامي ديفيز، في حين أن أد مكماهون يضحك وهو
منحن. إنه دائما طلق المحيا. وإذا كنت ستقوم برحلة فإن أسوء شيء تفعله
هو اصطحابك مكماهون.
وتريد زوجتي أن تعرف ما هنالك من برامج تلفزيونية في المحطات الأخرى.
فأقرأ: " فيلم الدورادو"، وهو حكاية مغامرات متسارعة لمجموعة من
المواطنين وهم يبحثون عن مدينة أسطورية من الذهب. وثمة نجمتان ونصف
النجمة بجانب اسم الفيلم (دلالة على أنه جيد).
وتسأل زوجتي : "مواطنو أية دولة؟"
ـ "لا يذكر ذلك."
وأخيرا نشاهد الفيلم. يأتي رجل أعمى إلى بلدة صغيرة ويقول إنه كان في
مدينة الدورادو، وإنه سيقود فرقة استكشافية إليها مقابل حصة من
الغنائم. ليس بمقدوره أن يرى، ولكنه سيخبرهم بمعالم الطريق عندما
يمتطون الجياد ذاهبين إليها. يهزأ الناس به في البداية، ولكن في نهاية
الأمر يجتمع جميع وجهاء المواطنين ويقررون أن يجربوا حظهم. وحالما
ينطلقون يهاجمهم الهنود الحمر من قبيلة الأباش، فيريد بعضهم الرجوع،
ولكنهم في كل مرة يتأهبون للعودة يخبرهم الرجل الأعمى بمعلمة أخرى من
معالم الطريق، ولهذا يواصلون السير.
ويجن جنون المرأة في الدار المجاورة. وتأخذ في التفوه بأشياء لا ينبغي
لأي فرد أن يقولها لشخص آخر، مما يثير قلق زوجتي. وتنظر إليّ وتقول: "
هل أستطيع أن آتي إلى سريرك، لمجرد الرفقة؟
فأرفع الأغطية وتندس زوجتي في فراشي. والسرير كاف لشخص واحد، ولكن مع
وجودنا معا فيه يصبح ضيقا. والآن ننطرح على جنبينا وأنا إلى الخلف. لا
أنوي أن أفعل شيئا، ولكن قبل أن أبدأ أضع ذراعي حول زوجتي. أحرك يديّ
إلى الأعلى على المرتفعات، ثم إلى الأسفل عبر المنخفضات، باتجاه
الجنوب.
وتقول: " بلا جغرافية. ليس هذه الليلة."
وأقول: "آسف."
ـ " ألا أستطيع أن أجلس معك فقط؟"
ـ " لننس ذلك قلت لك آسف."
يعبر المواطنون الصحراء. ومئونتهم من الماء على وشك النفاد، وشفاههم
تتشقق. وعلى الرغم من تحذيرات الرجل الأعمى فإن أحدهم يشرب من بئر
مسمومة ويموت بشكل فظيع. وبينما هم متحلقون حول النار في مخيمهم تلك
الليلة، يأخذ الباقون منهم في الشجار. ويقول أحدهم: " ليست هذه الأرض
مناسبة للرجل الأبيض. وإذا سألتموني فأنا أقول لكم إنه لم يصل أحد من
قبل إلى هذه الأرض." ولكن الرجل الأعمى يصف سبيكة ذهب كبيرة جدا وخالصة
جدا لدرجة أنها تحرق عينيك إذا نظرت إليها مباشرة. ويقول: " ينبغي أن
أعرف." وعندما ينتهي من كلامه يطبق الصمت على المواطنين. وينسلون واحدا
واحدا ليضطجعوا على فرشهم. ويضعون أيديهم خلف رؤوسهم ويحدقون في
النجوم. ويعوي ذئب البراري.
وعند سماع ذئب البراري، أتذكر لماذا توقفت زوجتي عن الشعور بالأسف من
أجل المرأة التي تقطن الدار المجاورة. لقد كان ذلك مساء يوم الاثنين،
قبل شهر تقريبا، بُعيد عودتي من عملي إلى المنزل. كان الرجل في الدار
المجاورة قد شرع بضرب الكلب، ولا أعني أنه يضربه مرة أو مرتين فقط. كان
يضربه واستمر في ضربه حتى لم يعد في استطاعة الكلب أن ينبح، وكان
بإمكانك أن تسمع صوت ذلك المخلوق المسكين ينكسر ويتلاشى. وأخيرا توقف
الضرب. ثم، وبعد بضع دقائق، سمعت زوجتي تتأوه: "آه" فذهبت إلى المطبخ
لأعرف ما حدث لها. كانت واقفة بجانب الشباك الذي يطل على مطبخ الدار
المجاورة. وكان الرجل قد جعل زوجته تتكئ بظهرها على الثلاجة، وقد وضع
ركبته بين ساقيها ووضعت ركبتها بين ساقيه، وهما يتبادلان القبل بنهم
حقيقي، وليس بشفاههما فقط وإنما كان وجه أحدهما يتحرك جيئة وذهابا نحو
الآخر. ولم تتمكن زوجتي من الكلام مدة ساعتين بعد ذلك. وقالت لاحقا
إنها لن تهدر عطفها على تلك المرأة مرة أخرى.
يسود الهدوء هناك. ويغلب النوم زوجتي وكذلك ذراعي، التي تحت رأسها.
أسحب ذراعي برفق، وآخذ ببسط أصابعي وقبضها، وأنا أفكر ما إذا كان يجب
إيقاظها. فأنا أحب أن أنام في سريري وحدي، ولا متسع فيه لكلينا. وأخيرا
أقرر أنه لا ضرر في أن نتبادل الأماكن ليلة واحدة، فأنام في سريرها.
أنهض وأمضي بعض الوقت في العناية بالنباتات وسقيها ونقل بعضها إلى
الشباك وإعادة بعضها الآخر إلى مكانها. وأقلم سيقان النباتات التي أخذت
تطول وأضع ما أقطعه في كأس ماء ثم أرتبه على قاعدة النافذة. جميع
المصابيح مطفأة في الدار المجاورة ما عدا المصباح الذي في شباك غرفة
نومهم. أفكر في الحياة التي يعيشونها، وكيف تستمر وتستمر حتى تبدو مثل
الحياة التي قُدر لهم أن يعيشوها. يردد كل واحد منا دائما أن للكائنات
البشرية قدرة عجيبة على التكيف، ولكنني لا أعرف الحقيقة. أخبرني أحد
أصدقائي أنه يمكنك أن ترى في حي كامل من أحياء أمستردام في هولندة نساء
جالسات في شبابيك غرفهن ينتظرن. فإذا أردت إحداهن ما عليك إلا أن تدخل
وتدفع. وهذا لا يشكل منظرا غريبا بالنسبة للناس الذين يعيشون في
هولندة. وفي إسطنبول بتركيا، رأى أحد أصدقائي رجلا يمشي في الشارع وهو
يحمل بيانو كبيرا على ظهره. وكان الناس يتحاشونه عند مرورهم به
ويواصلون سيرهم وكأنه شيء طبيعي. إننا نتعود على أمور غريبة فتبدو
طبيعية بعد أن نتعود عليها.
أُطفئ التلفزيون وآوي إلى فراش زوجتي. وتنبعث من الملاءات رائحة قوية
حلوة تصيبني بالدوار في البداية، ولكنني أرتاح إليها بعد ذلك فهي
تذكرني بعبير زهور الغردينيا.
ويعود السبب في عدم مشاهدتي لبقية الفيلم إلى أنني لا أستطيع أن أرى
كيف سينتهي. سيقتل المواطنون بعضهم بعضا حتى آخر فرد فيهم، ومن المحتمل
أن يتم ذلك على بعد عشرة أقدام فقط من مدينة الذهب الأسطورية، وسيتعثر
الرجل الأعمى في طريقه وحيدا، غير مدرك أنه تمكن من العودة إلى مدينة
الدورادو.
أستطيع أن أكتب فيلما أفضل من ذاك. وسيكون فيلمي عن مجموعة من
المستكشفين، من الرجال والنساء، الذين يخلفون وراءهم بيوتهم وأعمالهم
وأُسرهم وكل شيء ألفوه. يركبون البحر، ثم تتحطم سفينتهم على شاطئ جزيرة
ليست مذكورة في خرائطهم. يغرق أحدهم، ويهاجم وحش فردا آخر منهم ويأكله.
ولكن الباقين منهم يريدون الاستمرار. فيخوضون في نهر ويقطعون أصقاعا
شاسعة يغطيها الجليد مستخدمين مزلجة تجرها الكلاب. وتستغرق الرحلة
الاستكشافية شهورا. وفي تلك الأصقاع الجليدية ينفد طعامهم، ولفترة يبدو
وكأنهم سيقضون على بعضهم البعض، ولكنهم لا يفعلون. وأخيرا يحلون
مشكلتهم بأكل الكلاب. وهذا هو الجانب الحزين من الفيلم.
وفي النهاية نشاهد المستكشفين نائمين في حقل تملؤه الزهور البيضاء وقد
غطت أجسامهم الزهور المخضلة بالندى، وريش اليمام، والياسمين البري،
والنجوم اللامعة، وأنفاس طفل، ونبات العايق الجميل الأزهار، وقوس قزح،
ونبتات الفيجة ـ تغطي أجسامهم بأكملها حتى تجعلها تبدو بيضاء بحيث لا
يمكنك أن تميز أحدهم عن الآخر، الرجل من المرأة، والمرأة من الرجل.
وتشرق الشمس، فيقفون ويرفعون أذرعهم مثل أشجار بيضاء في أرض لم تطأها
قدم إنسان من قبل.
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|