|
للكاتب
الأمريكي: ليونارد ميخائيل ترجمة : د. علي
القاسمي
______
لا يحظى ليونارد ميخائيل Leonard Michaels بالشهرة في الولايات
المتحدة، ولا ينال اهتمام وسائل الإعلام الأمريكية، فهو كاتب مقلّ لم
ينشر سوى كتاب بعنوان (القطة) يشتمل على تأملاته في القطط، ومجموعة
قصصية واحدة بعنوان (الإحساس بالأشياء)، ومذكراته بعنوان ( من الذاكرة)
التي نُشرت مؤخرا عام 1999. وقد يعود السبب في قلة إنتاجه إلى انشغاله
بزيجاته الثلاث الفاشلة، والعناية بإطفاله، وتنقله الدائم بين
كاليفورنيا وإيطاليا. ومع ذلك فنحن نعدّه كاتبا موهوبا، يطوّر أحداث
قصصه بصبر وعناية، ويرسم شخوصها بمهارة وحذق، وينثر آرائه، التي تدعمها
ثقافة عميقة، بين ثنايا عباراته بصورة خفية. والقصة التي نترجمها له
هنا صدرت في كتاب (أحسن القصص القصيرة الأمريكية) لعام 1997. ويقول
ميخائيل عنها إنه زاوج فيها بين طلاق أحد أصدقائه وبين ما روته له
صديقة قديمة عن احترافها الدعارة مدة سنة كاملة.
في ربيع السنة التي أعقبت طلاق بيرد، وبينما كان مسافرا وحده في
ألمانيا، وقع في غرام مومس شابة اسمها إنجر وألغى كل خططه المتعلقة
بمواصلة السفر. وأمضيا يومين كاملين معا، معظمهما في غرفة بيرد. وكان
يأخذها إلى المطاعم أوقات الغداء والعشاء. وفي اليوم الثالث قالت إنجر
لبيرد إنها بحاجة إلى استراحة. كان لها حياتها الخاصة قبل وصول بيرد.
ولم يعد لديها الآن سوى بيرد. وذكّرته بأن المدينة مشهورة بكاتدرائيتها
وحديقة الحيوان. " يجب أن تذهب وتشاهد. هنالك ما يُرى في هذه المدينة
أكثر من إنجر ستوتر." إضافة إلى أنها أهملتْ أشغال البيت، وتخلفت عن
موعد طبيب الأسنان، وفاتتها كذلك بعض الدروس التي تُنظّم في المتحف
المحلي في ترميم الورق.
وعندما ذكرتْ الدروس، فكّر بيرد في إظهار اهتمامه بها، وتوجيه بعض
الأسئلة عن ترميم الورق، ولكنه لم يكن مهتما حقا. فقال: " يمكنك أن
تتخلفي عن بعض الدروس الأخرى." وكان صوته كئيبا. وأحس بالأسف لما قاله،
غير أنه شعر بأنه على حق، لأنها جرحت أحاسيسه. فقد أنفق كثيرا من المال
عليها، ويستحق منها معاملة أفضل. صحيح أنه لم يكن جزءا من حياتها،
ولكنه ألغى خططه من أجلها، وأنه لن يبقى معها إلى الأبد. وما كان لها
أن تذكّره بالكتدرائية وحديقة الحيوان. فهذه الأشياء مُبيّنة في خط سير
الرحلة الذي أصدرته له وكالة الأسفار في سان فرنسيسكو. ولديه أيضا دليل
المدينة السياحي.
كان بيرد، في حقيقة الأمر، قد عزم على القيام بجولات كثيرة في المدينة،
ولكن بعد لحظات من وصوله إلى الفندق، سمع طرقا على الباب، وحسب أن
الطارق أحد عمال الفندق أو خادمة تنظيف الغرف، ولكنه رأى تلك الفتاة.
اعتذرت له كثيرا وبدت حزينة. فقد أخطأت الغرفة. ولكن بيرد كان مسرورا،
وليس مخدوعا، ودعاها إلى الدخول.
والآن، في مساء اليوم الثالث، قال بيرد: " لا أريد أن أسمع عن أشغالك
المنزلية ولا عن دروسك." سيضاعف لها الأجر.
لم يكن بيرد غنيا. ولكنه ورث مالا. وكان الإرث كافيا للإنفاق بشيء من
اليسر، إن لم يكن بنوع من البذخ. فترك عمله في الإنتاج التلفزيوني في
سان فرنسيسكو، وذهب إلى وكالة الأسفار. وكانت تلك الرحلة تكلفه كثيرا،
بيد أنه عندما التقى إنجر ووقع في غرامها، تأكد له أنه يحصل على مقابل
ذلك المال إلى أن قالت له: " من فضلك لا تقل لي ما يمكن أن أفعل وما لا
يمكن أن أفعل. فليست المسألة مسألة مال أو أجر."
كانت ملاحظتها غير منسجمة مع مهنتها، على الرغم من كونها ما زالت شابة،
وشبه محترفة فقط، ولكن طريقة تلفظها لكلمة "يمكن"، تماما كما تلفظها
بيرد، هي التي أزعجته. فقد أحسّ بنوع من العداء في محاكاتها له، وخشي
أن يكون قد استهان بإنجر، أو ربما أثار فيها كراهية لشخصه، لا يمكن
تداركها.
لقد عبّر عن مشاعره فقط، وكان مخلصا، ومع ذلك فإنه أساء إليها بطريقة
ما. بل حتى إنه لم يدرك وجه الإساءة في ما قاله. والأدهى من ذلك، أنه
كان يخشى أن يقيم مع إنجر نفس العلاقات التي كانت له مع زوجته السابقة.
ففي خلال خمس وعشرين سنة من الزواج، كانت زوجته تنفجر عدة مرات في
نوبات من الغضب الخارق بسبب أتفه الملاحظات التي يبديها. ولم يستطع
بيرد أن يحدد الشيء الذي يثير غضبها. والآن، وهو في بلد آخر، ومغرم
بامرأة أخرى ـ مومس، ولا أقل من ذلك ـ يقع في نفس التعاسة التي طلّقها.
ووتبين له أنه كلما ازدادت لأمور تغيرا بقيت في الحقيقة على حالها.
لم تكن إنجر تعلم شيئا عن زواج بيرد، ولكنها كانت قد سمعت أنه إذا حدث
أن تعلّق بعض الزبائن بالمومس، فإن من الصعب التخلص منه. وكان بيرد
زبونها الخامس فقط. وما كدّرها على وجه الخصوص أنها أزعجت بيرد أكثر
مما توقعت. كان يبدو عليه أنه فقد صوابه، إذ أخذ يصرخ في المطعم
المزدحم: " سأدفع الضعف." ويضرب بقبضته على الطاولة. يا للفضيحة! ماذا
يظن نادل المطعم؟ وشعرتْ بشيء من الخوف، فقالت: " أنت رجل لطيف، وكريم
جدا. وهناك العديد من النساء في ألمانيا على استعداد للذهاب معك بلا
مقابل."
ـ ولكني أفضّل أن أدفع لك أنتِ. ألا تستطيعين أن تفهمي؟
فهمتْ، ولكنها هزّت رأسها نافية، مستغربة ولائمة في الوقت نفسه، وقالت:
" أفهم أنكَ تفرط في إطلاق العنان لرغباتك. لو كنت مثلك، لسرعان ما
أصبحت مستهترة. ولصارت حياتي مضطربة. ولأمسيت أطعم قردي فتات المائدة
وفضلاتها بدلا من إعطائه طعام القرود، لأن ذلك يسرّني. وهكذا سيتوجب
على القرد أن يتوسل بي في كل مرة أجلس إلى المائدة لأتعشى. وسيكون
الأمر سيئا بالنسبة لي وله."
ـ أنا لست قردك.
ـ تظن أنك أكثر تعقيدا منه.
كان بيرد على وشك أن يبتسم، ولكنه أدرك أن إنجر لم تكن تروي نكتة،
فكلامها مباشر وبسيط بصورة عميقة. ولكن بيرد لم يكن متأكدا مما تعنيه،
ريما كانت تطرح سؤالا. ولكن يبدو أنها تجد حقا في بيرد ما تجده في
قردها، كما لو كانت جميع المخلوقات الحية متساوية. وهكذا جعلته يخوض في
فكر القديس فرانسيس الأسيسي.
وكما حصل له عدة مرات من قبل خلال معاشرتها، فقد سيطر عليه نوع من
الإعجاب المبتذل. لمعت عيناه. لم يشعر هكذا من قبل تجاه أي امرأة أخرى.
اجتاحه حبٌّ روحي. وفي الوقت نفسه تملكته رغبة قوية في اغتصابها. وطبعا
كان قد فعل ذلك مرارا وتكرارا في غرفة الفندق، على الفراش وعلى الأرض،
وفي كل مرة كان يُشبع رغبته، ومع ذلك تبقى تلك الرغبة غير منقوصة وغير
مشبعة.
وسألت بنعومة: " حسنا، ما أنتَ، إذن؟"
وفاجأ بيرد نفسه بقوله: " أنا يهودي." وانتابه شعور قوي نافذ، وأدهشه
أنه فعلا يهودي.
هزت إنجر كتفيها. " من الممكن أن دما يهوديا يجري في عروقي. من يدري
بمثل هذه الأمور؟"
كان بيرد يتوقع جوابا أكثر دلالة،أكثر حساسية. وبدلا من ذلك، رأى، مرة
أخرى، إنجر الطبيعية. كانت، على طريقتها الخاصة، بريئة مثل قرد. فليس
لديها حساسيات خاصة مكتسبة. ولا فكرة عن التاريخ. كانت، كما هي، كما لو
أُسقطت في العالم يوم أمس. كائن ملائكي موضوعي خالص. وفكر في أن لديه
رقم هاتفها. إن حصوله على رقم هاتفها يجعله يشعر بأنه ليس بعيدا عنها
ولا يفارقها. وكانت مشاعره لا تقل شدة، ولا تقل روعة، وغير مشبعة ـ لا
توجد كلمة أخرى للتعبير عنها ـ . أصبحت إنجر بالنسبة إليه مثل أنواع
معينة من الموسيقى. وفكر في مقطوعات الكمان الذي لا تصاحبه آلة أخرى.
ـ إنجر، همس قائلا : " أشفقي عليّ. إنني مغرم بك."
ـ هذا هراء. إنني لست جميلة جدا.
ـ نعم، أنت جميلة جدا.
ـ فليكن، إذا كان ذلك ما تشعر به …
ـ هو ذاك.
ـ أنت تشعر بذلك الآن. وفيما بعد، مَن يدري؟
ـ هل تُحسين بشيء نحوي؟
ـ أنا لست غير مبالية.
ـ هذا كل ما هناك؟
ـ لك أن تحبني.
ـ شكرا.
ـ أرحب بك. ولكن أعتقد…
ـ أنني أطلق العنان لنفسي.
ـ وهذا يُثقل عليّ.
ـ سأتعلم أن أكون أفضل.
ـ أصفّق لهذا القرار.
ـ متى يمكنني أن أراكِ مرة أخرى؟
ـ ستدفع لي ما وعدت به؟
ـ طبعا.
وأمعنت النظر في وجهه، كما لو كانت تستشف تفاهما جديدا، ثم قالت بدون
أي أثر للتحفظ في صوتها: " سأذهب إلى المنزل هذه الليلة. ويمكنك أن
تأتي لتأخذني ليلة الغد. ويمكنك أن تصعد إلى شقتي وتقابل رفيقتي."
ـ هل يتحتم عليكِ الذهاب إلى المنزل؟
ـ إنني أكره أن أغسل ملابسي الداخلية في حوض الحمام بالفندق.
ـ سأتولى أنا غسل ملابسك الداخلية.
ـ لدي أشغال منزلية، وهناك أشياء يجب أن أفعلها في المنزل. إنك تخيفني.
ـ إذن سأطلب لكِ سيارة أجرة.
ـ لا، دراجتي ما زالت في الفندق.
وفي صباح اليوم التالي، ذهب بيرد إلى صالون حلاقة، ثم اشترى سترة
جديدة. ومع ذلك فقد بقي وقت طويل قبل أن يتمكن من رؤية إنجر. فقرر
زيارة الكاتدرائية، وهي بناء من الحجارة الداكنة اللون على الطراز
القوطي. وانبثقت الكاتدرائية فجأة، مرتفعة أعلى بكثير من البنايات
المحيطة بها، في شارع قديم ضيق متعرج. مشى بيرد حول الكاتدرائية، وهو
ينظر إلى تماثيل القديسين المنحوتة في أحجارها. واندهش حينما رأى قردا
بينهم. وكان وجه القرد المنحوت على الصخرة قد انبعج وتقلص بصورة بشعة.
لم يستطع أن يتخيل سببا لوجود القرد هناك، ولكن الكاتدرائية برمتها
كانت غريبة، تبدو عليها الكآبة والغرابة في وسط تلك الدور العادية
الموجودة في ذلك الشارع.
وكان هنالك رجال أعمال ببذلاتهم الرسمية، وطلاب بأزيائهم المدرسية،
وربات بيوت يحملن أكياس الخضروات، والجميع يمشي بالقرب من الكاتدرائية،
دون أن يلقي نظرة عليها. ولم يبدُ أن لأحد منهم علاقة بها، ولكن من
المؤكد أنهم يشعرون خلاف ذلك. فهم عاشوا في هذه المدينة. والكاتدرائية
مَعلم ثابت من معالم ذلك المكان، معلم عار قاس ولكنه معقد في منحوتاته.
ومشى بيرد إلى داخل الكاتدرائية. ودخل فناءها، فشعر بضئالته وأصابه
فضاؤها بالرهبة. ولازمه شعور بالوحدة. انتابته أحاسيس كثيرة، ولكن وقع
في نفسه أنه لم يستطع أبدا أن يفهم معنى الدين المسيحي أو قوته،
فاليهود، الذين لهم رب غيور غضوب، لا يحتاجون إلى مثل هذا الفضاء
للعبادة. تكفيهم غرفة بسيطة. بل إنهم يفضلون حتى تلك الغرفة البسيطة
على الكاتدرائية، فهي أكثر ملاءمة لعلاقتهم العائلية الحميمة بالرب،
فهم مثل النبي يونس، وقعوا في التوحد الشخصي بالرب، في عذابات الهلوسة
المقدسة وانتشاءاتها.
وفي طريق عودته إلى الفندق، تذكر أن إنجر تحدثت عن قردها. وأثارته
الفكرة، تماما كما أحس بالشهوة الجنسية في المطعم. وكانت تلك الإثارة
واضحة حقيقية فقد ظهر أثرها واضحا على مقدمة سرواله. لذا دخل إحدى
المقاهي للجلوس لفترة متظاهرا بأنه يقرأ الجريدة.
وفي ذلك المساء، وهو في غرفته بالفندق، بشعره المصفف حديثا وسترته
الجديدة، تأمّل نفسه في مرآة الحمام. كان وسيما ذات يوم. وقد بقيت بعض
ملامح تلك الوسامة في رأسه الصلب الذي يُشبه رأس أسد، ولكن ثمة
انتفاخات سوداء تحت عينيه يبدو أنها تحمل سنوات الألم والتفكير، جعلت
تعابير وجهه كأنها تنزع إلى البكاء. " سيكون لك وجه كلب صيد." قال
لصورته في المرآة، ولكنه كان شجاعا ولم يُشح بوجهه، وقرر أن يعوض ما
فاته. يجب أن يشتري هدية لإنجر، شيئا جميلا جديدا، تعبيرا عن حبه لها.
ورأى في واجهة محل مجوهرات في صالة الفندق، زوجا من الأقراط الذهبية
المطعمة بأحجار صغيرة من الياقوت الأحمر مثل قطرات من الدم. غالية لا
شك. غالية أكثر من اللازم بالنسبة لموازنة رحلته، ولكنه دخل المحل وسأل
عن الثمن، على الرغم من أنه يعرف تماما أن من الخطأ السؤال. وكان
مصيبا. فقد ظهر أن الثمن أعلى مما توقع. كان يقارب نصف ما أصابه من
الإرث. إن ثمن هذه الأقراط مضافا إليه تكاليف السفر لن يترك له من
المال إلا ما يكفي لسداد إيجاره في سان فرانسيسكو.وليس له عمل ينتظره
لدى عودته.
غادر المحل وتمشى في الشوارع القريبة باحثا في واجهات محلاتها. ولكن كل
هدية جذبت انتباهه سرعان ما تضاءلت بمجرد تذكر الأقراط الذهبية وكريات
المرجان الحمراء المتقدة فيها.
تلك الأقراط غالية جدا. ثمن باهظ يثير حنقه. وفكر بيرد أن ذلك الثمن
حدده أحد شياطين السوق، لأن تلك الأقراط قد سكنته الآن واستحوذت على
عقله. وازداد قلقه بمرور الدقائق، واستمر يمشي في الشوارع، بلا هدف وهو
ينظر إلى واجهات المحلات، غير قادر على نسيان الأقراط.
صمم على أن لا يعود إلى محل المجوهرات، ولكنه بعد ذلك ترك أفكاره على
سجيتها: إذا عاد إلى المحل فقط ليلقي نظرة أخرى على الأقراط ـ لا
ليشتريها ـ وربما قد بيعت. وهكذا فكر أنه سيصل متأخرا ولا يتمكن من
شرائها، فأسرع عائدا إلى المحل. وشعر بالارتياح حينما رأى الأقراط ما
زالت هناك وأنها أجمل مما يتذكر.
وكانت البائعة امرأة تميل إلى البدانة في الخمسينات من عمرها، وترتدي
فستانا حريريا له ثنيات رقيقة ونظارة طبية مذهبة الإطار. اقتربت من
بيرد ووقفت قبالته عند المنضدة الزجاجية. فركّز هو نظره على قلادة
هناك، وليس على الأقراط، على الرغم من أنه سألها قبل قليل عن ثمن
الأقراط. ولم يخدعها ذلك. فقد كانت تعرف ما يريد. وبدون أن يسألها،
سحبت الأقراط من العلبة ووضعتها على المنضدة. واعتبر بيرد تصرفها خارجا
عن الموضوع، ولكنه لم يعترض عليه. وقالت كما لو كانت تبدي ملاحظة
عابرة: " لم أرَ أقراطا مثل هذه من قبل، وأنا واثقة من أنني لن أرَ
مثلها مرة أخرى."
ـ إنها غالية جدا.
ـ أتظن ذلك؟ وحوّلت نظراتها صوب الشارع في حركة واضحة تعبر عن عدم
اهتمامها برأيه. كان الوقت مساء، قبيل موعد إغلاق المحل. وقد أزعج بيرد
عدم اهتمامها برأيه.
ـ " غالية جدا. قال ذلك كما لو كان يدعوها إلى المساومة.
فسألت: " هل ينبغي إذن إعادتها إلى موضعها؟"
ولم يرد بيرد عليها.
قالت: " افترض أنها غالية، ولكن الأسعار تتذبذب. وإذا أردتَ فإنني
أستطيع أن أحتفظ
ببطاقتك الشخصية، وأهاتفك إذا لم يتم بيع الأقراط خلال أسابيع قليلة."
وسمع بيرد ازدراءً في صوتها، كما لو كانت تقول أن المجوهرات غالية
بطبيعتها، بل حتى غالية جدا. فأخرج محفظته ببطء من جيب سترته، وبنشوة
ابتهاج انتحاري، ضرب ببطاقة ائتمانه، وليس ببطاقته الشخصية، على زجاج
المنضدة جنب الأقراط. فالتقطتها ورجعت خطوتين إلى الوراء، ومررتها على
آلة. وقّع بيرد الوصل بسرعة ليخفي الارتعاشة التي أصابت يده.
وعندما وصل إلى العمارة التي فيها شقة إنجر كان قلبه يخفق بشدة. كان
يشعر بالتحرر، وبسعادة بالغة، وبغثيان خفيف. كان يعتزم أن يأخذ إنجر
إلى مطعم راق. وكان قد فعل ذلك من قبل، ولم يبدُ أنه أثار إعجابها،
ولكن هذه الليلة، وبعد العشاء، سيعطيها الأقراط. فنوعية الضوء الخافت
في المطعم والطعام اللذيذ والنبيذ وتحركات العاملين الهادئة، كل هذه
الأمور ستفعل فعلها. وستعمل الأقراط على تفعيل المناسبة. وستعجب به
إنجر هذه المرة، حتى لو لم تكن تفكر بالضبط مثل مومس. إضافة إلى أن ذلك
هام جدا بالنسبة لبيرد.
فتحت الباب امرأة بتنورة قصيرة. كانت أكبر من إنجر، ولها عينان
بنفسجيتان هادئتان. وكان شعرها الأسود قد قُصّ بمستوى أذنيها بصورة
قاطعة مؤكدا التعبير الحاد على شفتيها الرقيقتين. وبدت كأن جمالها قد
أضرّ بها وأخافها. قدّم بيرد نفسه إليها. فقالت المرأة أن اسمها غرتا
ماتي، زميلة إنجر في الشقة، ثم قالت: " إن إنجر رحلت."
ـ هذا مستحيل.
قالت غرتا: "هذا ممكن." وانكمشت شفتاها بصورة غير سارة هنيهة. وفهم
بيرد أن غرتا لا تحب مَن يناقض كلامها، ولكنه لم يصدّقها. فهذه المرأة
خبيثة.
قالت له: " لقد أخذت قردها، تفضّل انظر بنفسك، يا سيد بيرد. لم يبق في
خزانتها أي ملابس ولا حقائب ولا دراجة."
وعادت غرتا إلى شقتها، فدخل بيرد خلفها ونظر إلى غرفة أشارت صوبها، ثم
تبعها إليها. وكانت خزائن الملابس والأدراج فارغة. لم يكن هنالك شيء.
لا أثر لأي حضور بشري. وأدهش بيرد ذلك الفراغ لدرجة أنه شعر بفراغ
نفسه.
قالت غرتا: " لا يمكنك أبدا أن تعرف شخصا معرفة تامة. كانت تبدو خجولة
جدا ومجدة جدا، ولكن لا بد أنها اقترفت جرما ما. كنت حمقاء عندما
تركتها تشاركني الشقة، فتاة مع قرد. كنتُ أنا التي أطعم القرد في معظم
الأحيان. لم يتوقف الهاتف عن الرنين."
وتبع بيرد غرتا إلى المطبخ. وكان هنالك إبريق شاي مع فنجان وصحن على
طاولة صغيرة.
وسأل: " أين ذهبت؟" ولم يكن يتوقع جوابا إيجابيا مفيدا. فمن الذي يغادر
بتلك الطريقة ويترك وراءه عنوانه الجديد؟ ولكن ما الذي كان يمكنه أن
يقوله غير ذلك؟
ـ لستَ أول من يسأل عنها. لا أعرف من أين أتتْ ولا إلى أين ذهبتْ. هل
تحب فنجان شاي؟"
وجلست غرتا إلى الطاولة واستدارت قليلا نحو بيرد. ووضعت ساقا على ساق.
وكان من الواضح أنها لا تعتزم القيام مرة أخرى لتحضر فنجانا وصحنا،
ويبدو أنها كانت تظن أن بيرد لن يلبي دعوتها ويبقى. ولم يستطع أن يلاحظ
أن ساقيها طويلتان، عاريتان، وجذابتان بطريقة مدهشة، وهي ترتدي حذاء ذا
كعب عال. وألقى نظرة سريعة على لحم فخذيها الأبيض فشعر بالحقارة وعدم
الارتياح.
وصبت غرتا الشاي لنفسها دون أن تنتظر جوابا منه ثم ارتشفت من الشاي. هل
تظن أنها كشفت له ما يكفي من ساقيها؟ كان يريد أن يطرح أسئلة. ربما
ليعرف أكثر عن إنجر، فهو لا يكاد يعرف شيئا البتة عنها.
قالت غرتا، وهي تخفف من لهجتها الحادة: " آسفة، إن اختفاءها غير مناسب
لي. ولربما هو أسوء بالنسبة إليك."
فهز بيرد رأسه : " هل إنجر مدينة لك؟"
ـ " من الناحية التقنية، أنا مدينة لها. فقد دفعتْ إيجار شهر مقدما.
أستطيع أن أعدّ فنجان شاي آخر."
كان بيرد يميل إلى قبول دعوتها. فهو بحاجة إلى رفقة ما، ولكن بياض
ساقيها لم يعد محتملا، كان شبقا بصورة منفرة.
قال بيرد: " شكرا، يجب أن أذهب."
وجد بيرد دليل الهاتف في حانة، وبحث عن عنوان المتحف، ثم أوقف سيارة
أجرة. فقد تذكر أن إنجر كانت تتابع دروس ترميم الورق في المتحف. وكانت
تلك الدروس تنظّم مساء. وفي المتحف، أخبره أحد الموظفين أن إنجر انقطعت
عن الدروس. وبعد ذلك، ذهب بيرد إلى المطاعم التي ارتاداها معا. لم يكن
يتوقع أن يجدها في أي واحد منها. ولخيبته المؤلمة، لم يجدها في أي واحد
منها. فعاد إلى الفندق. واختفت دراجة إنجر من باحة الفندق حيث كانت
تتكئ على الحائط مدة يومين. وجعله غياب الدراجة يشعر بأن أرضية الصالة
المرمرية مقفرة، وأن النباتات الموضوعة في مزهريات بالقرب من المنضدة
ذابلة، وإن صالات الفندق موحشة.
وفي غرفته، أخرج بيرد الأقراط ووضعها تحت المصباح على المنضدة
الجانبية. وأمعن النظر في الأقراط بانجذاب متجهم، كما لو كان يريد أن
ينفذ إلى سرّ سحرها، إلى لغز قيمتها. ووقع في روعه أن الله بعد أن خلق
العالم وجده جميلا. "إذن ما هو الجميل فيه؟" هكذا سأل بيرد نفسه. وراح
يدخن السيكارة تلو الأخرى، وشعر بالتعب والتعاسة، وهي حالة تصيبه عندما
يستغرق في التفكير.
ولم تخبره الأقراط اللامعة الموضوعة على المنضدة الجانبية أي شيء، وبدت
لا قيمة لها. ولكن كان لها قيمة ـ قيمة أي شيء آخر باستثناء الحياة
نفسها. أما فيما يتعلق بالحياة نفسها، فقد حسب أن قيمتها ليست موضع
تساؤل، لأنه لم يفكر قط في قتل نفسه. ولا حتى في هذه اللحظة التي
تنتابه فيها أسوأُ المشاعر. وقبل أن يأوي إلى فراشه، طالع بيرد جدول
القطارات، ووقّت المنبّه في ساعته السفرية.
وعند الظهر غادر الفندق مرتديا سترته الجديدة، وذهب إلى مطعم حيث طلب
غداء كبيرا. رفض أن يتعذّب. وتناول طعامه بشيء من المثابرة، ولكن بلا
لذة. ثم استقل سيارة أجرة إلى محطة القطار. وكانت التذكرة التي اشتراها
من تذاكر الدرجة الأولى، وهذا بذخ آخر، ولكنه أراد، وهو غاضب، أن يدلل
نفسه، أو كما كانت إنجر ستقول " يطلق لنفسه العنان."
وحالما تحرك القطار، أغلق بيرد باب المقصورة وجلس بجانب النافذة ومعه
مجموعة من المجلات الغالية الملونة التي كان قد اشتراها في المحطة.
وكانت المجلات مليئة بالإعلانات عن بضائع ثمينة. وكانت كل صفحة تقريبا
تزهو بألوان خلابة تثير الشهية. وأخذ يحدق في صور عارضات الأزياء
اللواتي كن عاريات تقريبا، وحاول أن يشعر بالرغبة. ولم يعرف قصده من
تلك المحاولة بالضبط. فلم يكن في أجسادهن ما يثيره. ربما كان ذلك
للمستقبل، من أجل تجربة أكبر، وحياة أكثر. ثم مد يده إلى جيب سترته
ليخرج سجائره والأقراط، فقد كان ينوي أن يراها مرة أخرى ويقيّم تورطه
في شرائها. لمست أصابعه السجائر ولكن الأقراط لم تكن في جيبه. كما إنها
لم تكن في أي جيب آخر.
أدرك بيرد في الحال أنه ليس بحاجة للبحث في جيوبه، وهو ما فعله مرارا،
لأنه تذكر أنه وضع الأقراط على المنضدة الجانبية في غرفته في الفندق
ولا يتذكر أنه التقطها بعد ذلك. لأنه لم يلتقطها. إنه يعرف ذلك . يعرف
ذلك.
وعندما غادر القطار المدينة وزاد من سرعته، توقف بيرد عن البحث في
جيوبه. يا الله! لماذا اشترى تلك الأقراط؟ كيف تسنى له أن يكون بمثل
ذلك الغباء؟ في لحظة من الطيش العاطفي ألقى ببطاقة ائتمانه على منضدة
محل المجوهرات وأهلك نفسه! إن تلك الأقراط لعنة حقيقية، وهي مسؤولة
بشكل ما عن اختفاء إنجر. عليه الآن أن يتمالك نفسه، ويفكر بطريقة
واقعية عملية. عليه أن يفكر في ما يجب أن يفعل لاسترجاعها.
من الواجب أن يتصل بالفندق بأسرع ما يمكن. وربما يستطيع إرسال برقية من
القطار، أو من المحطة القادمة. سيقابل أحد المسؤولين في القطار. ولكن
في الحقيقة، بعدما فكر في الأمر مليا، قرر أن الاتصال بالفندق ليس في
غاية الاستعجال. فالفندق من الفنادق الجيدة. وهذه ألمانيا، وليست
أمريكا. ولا أحد يسرق الأقراط. وسرعان ما يرسلونها بعده إلى مقر إقامته
القادمة، وهو فندق جيد آخر. ولن تختفي الأقراط إلى الأبد. لا داعي
للقلق. وأدى به هذا الجهد الذي بذله لطمأنة نفسه إلى البكاء تقريبا.
كان يريد استعادة الأقراط بصورة مستميتة. نهض واتجه إلى الباب. وكان
على وشك فتحه والبحث عن أحد مسؤولي القطار، عندما سمع طرقا على الباب.
فتح الباب وهو في غمرة هلوسة من التوقعات. سيكون جابي القطار عند
الباب، مكشرا عن أسنانه بابتسامة عريضة، وهو يحمل الأقراط في كفه
المبسوطة. وحملق بيرد في وجه إنجر.
قالت: " آسفة جدا. لا بدّ أنني أخطأت ـــ" ثم ألقت بحقيبتها وقالت: "
مصادفة سعيدة." ارتطمت الحقيبة بالأرض ثم ارتدت ضاربة ساقها.
قال بيرد: "إنجر!" ولم يفكر كثيرا، عندما أحس بشعور ضئيل غريب من
الرضا، ـ إنها ليست جميلة جدا. وكانت هنالك لحظة صمت لا متناهية في
الزمن حدٌّق خلالها كل واحد منهما في الآخر، وأخذت مشاعره تتجمع وتتضح.
وأعطت تلك اللحظة وقتا كافيا لبيرد كيما يرى فيه إنجر كما هي، فتاة
شاحبة، نحيلة، ذات عينين بنيتين حزينتين، وجسم منتصب باستقامة
استثنائية. وهي تعطي الانطباع بالنظافة، والاستقامة والشباب. وبتوصله
إلى هذه الواقعية المجردة، لم يعد يشعر بالغضب ولا بالقلق على الأقراط.
وكما يستطيع الآن أن يرى، ستبدو الأقراط لا معنى لها على إنجر الشاحبة.
شعر فقط أن قلبه يتفطر، وليس هنالك من شيء يستطيع أن يفعله في هذا
الخصوص.
قالت إنجر بابتسامة بطيئة غير واثقة: " كيف حالك؟"
رفع بيرد حقيبتها: " هل تسافرين دائما بالدرجة الأولى؟"
ـ ليس دائما.
ـ يعتمد ذلك على الرجل الذي يفتح الباب.
ـ أنا جميلة جدا. قالت ذلك بنغمة محببة مترددة تحمل شيئا من السخرية
بنفسها.
ـ ومحظوظة كذلك.
ـ لا أظن ذلك.
ـ أنا متأكد من ذلك.
وضع حقيبتها على المقعد المغطى بالمجلات. ثم أخذ يدها وسحبها نحوه،
وأغلق الباب خلفها. قالت: " أرجوك، أعطني لحظة." ولكنها لم تقاوم عندما
ألقى بها على الأرض، وركبته بين ساقيها. وكانت عيناها بلا إحساس،
واسعتين كاتساع العالم. ووقف بيرد على ركبتيه ليفك أزرار سرواله، ويزيل
نعلي إنجر. قبّل قدميها وواصل لحس ساقيها…وهمس: "أحبك" وكان فمه على
رقبتها، وأغمض عينيه في غيبوبة من اللذة.
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|