ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا

الهدف الثقافي // 12-07-2007

خالد الوادي / العراق

نصوص اخرى

 

 

 الحرية في الزمن الضائع  

قصة قصيرة



أستيقظت بفزع .. الباب كان يطرق بشدة .. نظرت إلى الساعة بعيني المغمضتين نصف إغماضة فوجدتها تشير إلى الثامنة صباحاً وأدركت أن اليوم هو عطلة الاسبوع وكالعادة أظل راقدا في فراشي حتى وقت الظهيرة..
كانت العتمة تعوم في أرجاء الحجرة بفعل الستائر السميكة التي غطت زجاج النافذة وحجبت ضوء الصباح.. في تلك اللحظة أدركت الواقع .. فدقات الساعة القريبة من رأسي أخذت تهزني هزاً عنيفاً والأحاديث التائهة وأصوات السيارات البعيدة وصرخات الأطفال المتقطعة تغلغلت في مسامعي وجعلتني مستعداً للنهوض ..
رحت أتمشى بتململ .. وحالما فتحت الباب داهمت خيوط الشمس الكثيفة المكان وكأنها تبحث عن منفذ للدخول والانتشار في أرجاء المنزل الصغير .. أنه جاسم الجنائني .. كان واقفاً بجانب الباب وعلى رأسه كوفية مطرزة بلون أحمر .. لم أفكر بشيء وانحصر بصري إلى وجهه المبتسم .. لقد مد يديه أمامي فرأيت طاقيته البيضاء .. بدا لي بلبلين صغيرين بداخلها قد أثارا صخبا ً وضجيجاً عارمين .. وتذكرت بالحال أنني قد أوصيت الرجل أن يحضر لي بلبلاً ولكنه أحضر اثنين بدلاً من واحد .. ووسط هذا المشهد شعرت بلذة عميقة وكأنني حققت مكسباً كان بعيد المنال عني !!..
أن شيئاً في داخلي دفعني لهكذا عمل ، قد تكون الغربة الموحشة التي أعيشها كل ليلة وسط جدران البيت ؟.. أو ربما نقص أحاول أن أعوضه ، فقدته منذ زمن .. أو شعورا بالعزلة ما أنفك يزداد مع الأيام .. قد تكون طبيعتي الميالة للإنعزال جعلتني أفكر بالسبيل الذي يخلصني من تلك الطباع ولا أعلم هل سأنجح أم لا ؟ تساؤلات تنخر رأسي بلا هوادة ..
وما أن وضعتهما على الطاولة حتى أنبثق عالم من الحب ممزوج بقلق محير راح يتلاعب في أعماقي .. وكان قلقي يكمن بذلك الحزن العميق الذي رافق الطائرين منذ لحظة دخولهما البيت كان ينبع بصدق من محييهما ويكبر بلا توقف ، لقد أتخذا من الزاوية المظلمة ملاذاً لهما .. وأخذت أفكر بكيفية أسعافهما وإبعاد ذلك الخوف المجنون الجاثم في روحيهما .. لقد حملت واحداً ووضعته بين راحتي وشعرت بإرتعاشة جسده الهزيل وإنتفاضة ساقيه الدقيقتين ونقر منقاره العبثي على أبهامي اذ كان يحاول الخلاص .. أجل شعرت بذلك ، لكن إلى أين ؟.. وكيف .. ولمن سيذهب ؟.. لقد تألمت كثيراً وشعرت بأنني أرتكبت حماقة كبيرة .. حماقة جرجرتني الى معنى الحرية .. تلك المفردة التي نشبت بسببها الحروب وتصارعت من اجلها القوى .. وانبثقت من خلالها المؤلفات والافكار .. الحرية التي قسمت العالم الى طوائف ومراتب .. وبأسمها ارتكبت ابشع الجرائم ووقعت اعظم الكوارث ..
ثمة خوف راح يساورني وانا واقف امام ذلك المشهد .. قد اكون الان بمثابة الظالم .. او المستبد الذي يأكل لحم الناس بلا خوف او رادع .. او تاجر للرقيق يقتات بعيشه على بيع الاخرين .. في زمن صار به الانسان ليس بلونه .. بل بمدى قوته .. زمن يأكل به القوي الضعيف ..
نظرت الى الزغب الكث .. والوداعة العمياء التي تداعت في وجهي هذين البلبلين الصغيرين .. لم اعرف بالواقع من هي الانثى ومن هو الذكر .. وظلت افكاري مستسلمة لفكرة الظالم والمظلوم .. وقررت في لحظة الصراع هذه ان اكون ابا حنونا لهذين المخلوقين .. ارعاهما واعلمهما كل الاشياء .. الحب .. الثقة .. الرغبة بالاستمرار.. التضحية .. الشجاعة .. العمق بالاخلاص .. الحذر .. النشوة .. الحزن .. كل الاشياء .. ورحت اطعمهما حتى فاق التوقع ما الت اليه الامور بيننا نحن الثلاثة .. كانت الملامح تتغير بين الحين والاخر .. والاشياء تكبر والعواطف تتشابك .. هناك ثقة صار تبادلها حقيقة .. فحين اخطو نحو حجرة الجلوس انتشي بخطواتي اذ يصاحبها هرج لذيذ يصدره هذان المخلوقان الجميلان .. اذ تنتاب اجنحتهما رفرفة صاخبة .. وينجحان اخر المطاف في بلوغ كتفي .. ينشدان الالحان احتفاء بأبيهما الانسان .. املأ راحتي بالقمح .. واجعلهما يأكلان بطمأنينة باهرة .. ساحرة .. واعلم ان الاشياء اتخذت قالبا لا يمكن العودة عنه .. وتلاشى ذلك التناقض المر الذي عشته .. وعلمت ان ما حققته كان ساميا ..

ومع مرور الزمن .. تحولا من فرخين صغيرين ضعيفين الى طائرين يمكنهما الطيران .. يتنقلان بارجاء البيت من حجرة الى اخرى .. فكان عذق التمر المعلق بالسقف مصدرهما الرئيسي في الغذاء .. اما صنبور الماء في المطبخ والذي يقطر على الدوام فكان ملاذهما لاطفاء الظمأ .. الا انهما لم يجربا الخروج الى ما وراء جدران المنزل .. لم يعرفا واقع الحياة في الخارج .. لم يعلما معنى الغابات والانهار ولا الشوارع والساحات .. ولا الشروق والغروب والعتمة واصوات الحشرات الليلية .. يجهلا معنى العالم .. كان علمهما مقتصر على معالم هذا المكان الضيق .. لقد نشئا هنا وسجنا هنا .. اجل انا السجان الذي ارغمهما على تقبل الحياة في هذا القفص الكبير .. لم اعلم ان براءتهما ستتحول الى عبأ ثقيل على عاتقي فهما لا يعرفان غيري .. وانا بالنسبة لهما كل شئ .. تراجعت عن تفاؤلي الذي عشته سابقا وعدت الى صراعي القديم .. انا السيد وهما العبدان .. انا الحاكم وهما المطيعان .. وفي محاولة لتبرير انفعالاتي قررت ان اطلق سراحهما .. واجعلهما ينطلقان الى عالم كان من الاوجب ان يكونا فيه .. فتحت الباب الخلفي المطل على شجرة السدر الكثيفة الاغصان واطلقت لهما العنان .. فكان تحليقا رائعا .. لقد هجرا السجن واسترسلا برفرفة شامخة يشقان الفضاء بارتفاع عمودي تجاه كبد الشمس التي كانت ساطعة بيضاء .. ثم هبطا بنسق غاية بالجمال والروعة وتعبير متكامل لمعنى الحرية الذي استشعرت وقعه على هذين المخلوقين .. ظلا يحومان حول المكان من دون توقف .. والق مشع اصطبغ به ريشهما ..
اغلقت الباب وعدت الى وحدتي من جديد وفرح انتاب ملامحي .. بعدما شاهدت الحرية بام عيني .. على الرغم من القلق الذي ساورني حول مستقبل الطائرين ..

اتى الصباح بكل بهاءه وجماله .. كنت جاهزا لممارسة عملي مستعدا للخروج .. لكن رفرفة لفتت انتباهي ليست بغريبة عن مسامعي .. تحركت تجاه مصدر الصوت .. فكانت المفاجأة .. احد الطائرين جاثم على عذق التمر ينقر ويمضغ الغذاء بشراهة وما ان رأني حتى حلق صوبي وراح يلف حولي وكأن الشوق هو ما يعبر عنه بحركات فوضوية .. ان شباكا صغيرا اتركه مفتوحا على الدوام كان هو السبيل في دخول الطائر الى المنزل .. تراجعت الى الخلف واندهاشا يكبر في اعماقي وتسائل عن الطير الاخر وما مصيره ما فتأ يكبر في اعماقي .. وخلال تراجعي شعرت بان قدمي غطست بشئ لين اصدر طقطقة تلقفتها ساقي بارتعاشة حائرة .. انتفضت .. استدرت بفزع فوجدت الاخر وقد تمزقت اجزاءه وبسطت جناحيه وهشم رأسه الدقيق .. وارتجافة مريرة رافقت ساقيه المتعبين .. لقد قتلته بالحال .. لحظات وفارق الحياة .. حملت تلك الاجزاء المهشمة ومرارة اسطورية حطت على روحي الغائرة الملتهبة بنار الندم .. والم اعتصر قلبي وخبأت الاجزاء بجريدة قديمة .. الا ان البلبل الاخر تولدت لديه نوبة من الهستيريا .. رحت اراقب هذا المخلوق بحذر .. .. انكمش اخر المطاف على نفسه .. في عزلة بعد حياة خارقة من المرح والبراءة .. كان الحاح جلي ينبثق من عينيه كلما اقتربت منه .. وبوحا ايمائيا .. ينطلق صارخا
ـ اين رفيقي ايها القاتل ؟
كان يتفحص كل موجودات المنزل .. عسى ان يعثر على من كان غائبا .. احيانا اسحبه نحوي واقربه مني اكثر .. لكنه يأبى ذلك .. ويرفض .. كان يود ان يقول كلمة .. ان لديه اشياء قيمة يمكن ان يقولها لي .. ولكن للاسف ان محاولاته ليست بذي فائدة .

_____________________


 

 

التعليقـــات .....
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال   علــق على هذا الموضوع