الهدف الثقافي // 7-07-2007
الكهف
والحلم
قصة قصيرة
د.
علي القاسمي
هكذا عاشتْ
منذ ولادتها مع أَهْلها والآخرين في هذا الكهف الكبير:
ظلامٌ مطبق شامل، وسكون هائل قاتل. تعوَّدت عيونهم على
الرؤية في الظلام كالبوم، فلم يَعُد الضوء ضرورة من
ضرورات الإبصار. واستعاضوا عن اللغة المنطوقة بحركات
أعضاء الوجه المختلفة فصار التفاهم بينهم يتم بلا
أصوات. ضمرت بعض أعضاء النطق عندهم وتحوَّرت وظائف
بعضها الآخر فعوضتها رفّات الرموش، وخفقات أرنبات
الأنوف، وحركات الحواجب، وارتعاشات الشفاه؛ وكلُّها
رموز تشير إلى أشياء وأفعال، كما تعبِّر الكلمات عن
الذوات والمعاني والعلائق في لغتنا المنطوقة. يسيرون
في ممرَّات الكهف الرطبة اللزجة بلا ضوضاء، ويرون كلَّ
شيء ولا شيء بلا أضواء.
لا صوت هناك سوى أوامر صاحب الكهف التي تصلهم
في أوقات محدَّدة من اليوم الذي لا ليل فيه ولا نهار.
أوامر مكرَّرة مقتضبة تتكوَّن من كلمة أو كلمتين على
الأكثر: "استيقظوا!"، "إلى العمل!"، "ارجعوا!"،
"كُلوا!"، "ناموا!". وهكذا، فقد كان سكان الكهف مزدوجي
اللغة: لغة منطوقة يفهمونها ولا يستعملونها، ولغة
إشارات مرئية لكلا عمليتي التواصل، التعبير
والاستيعاب.
ينامون في مغارات صغيرة في الكهف تكفَّنها
أحجار ثقيلة بمثابة الأبواب. ويعملون في مغارات أكبر
وهي موصدة لا تتسرب منها نأمة ولا تصدر عنها همسة،
وينكبُّ فيها كلُّ واحد على عمله دون أن يلتفت إلى
الآخر، فينفرد السكون سيِّداً في ممرّات الكهف
ومغاراته. وحالما يسمعون "ارجعوا!" يلقون ما بأيديهم
برفق وأناة، ويقفلون راجعين بحذر واجمين إلى مغاراتهم.
وفي طريقهم يتوقَّفون بصورة آلية أمام مغارة يُوزَّع
منها الغذاء عليهم كما يوزَّع العلف على البهائم في
عالمنا.
لا يعرف أحدٌ منهم كم مرَّ عليهم من الزمن وهم
يعيشون ويتناسلون داخل الكهف، فالزمن لا وجود له؛ لأن
الوجود ظلام متصل لا يقطّعه شروق شمس أو بزوغ قمر أو
دوران نجم. ولا يدري أحدٌ منهم كيف انغلق الكهف عليهم.
ولا يتخيَّل أحد منهم عالَماً آخر غير عالَم الكهف.
فضاء هائل تحيط به من كلِّ النواحي صخور سوداء صماء
على شكل خيمة كبيرة. تتدلى من سقفها هنا وهناك سواري
حجرية كلسية، وترتفع أخرى مثلها من أرضها نحو السقف،
وقلما تلتقي الأعمدة الصاعدة بالنازلة. وفيما عدا ذلك،
يخلو الكهف من النباتات والحيوانات.
لم يحاول أحد أن يطوف في أرجاء الكهف، فجميعهم يعرف أن
ذاك من المحرَّمات في قوانين صاحب الكهف كالكلام. ولا
يعلم فرد منهم أسباب الهلع من مخالفة تلك القوانين،
ولكن لديهم إحساساً يصل درجة اليقين بأن أي كلمة تفلت
من الفم هي بمثابة طلقة ترتد إلى صاحبها فتُرديه
قتيلاً، وأن أيَّ خطوة تشذّ عن المسار المحدَّد بين
المغارات هي بمثابة سيف يبتر الساق في الحال. لا مذاق
لما يأكلون، ولا طعم لنومهم، ولا معنى لعملهم؛ بيد
أنهم بمرور الزمن فقدوا حاسة الذوق كما فَقَدَ المعنى
معناه.
ترعرعتْ كغيرها من أطفال الكهف بلا اسم. يُشار إليها
بالرقم ع 2000. فأسماء العلم أكثر نفعاً في المناداة
على الأفراد، أما في حالة اللغة المرئية غير المسموعة
فإن فائدتها تتضاءل، وتصبح الأرقام أصلح لأغراض
التعداد والتخطيط.
لا تختلف عيشتها عن عيشة الآخرين، فالعمر ينسلّ في
سكون دون جديد. لا جديد تحت الكهف. غير أن ما رأتهفي
منامها، ذات مرَّة، أفزعها وحيَّرها وأقلقها. لم تدرك
مغزاه. ودَّت لو استطاعت أن تروي رؤياها لوالديها،
ولكنها لم تجد في جميع حركات الوجه المتداولة في تواصل
سكان الكهف حركة تستطيع التعبير عمّا رأت. وحتّى لو
كان في ميسورها أن تعبِّر عن حلمها بالوصف لا
بالمصطلح، فإن والديها لا يتمكَّنان من تصوُّر أمورٍ
خارجة عن خبراتهما السابقة. فالدوال، في أيِّ نظام
تواصليّ، يجب أن تُحيل على مدلولات يعرفها المُرسِل
والمُتلقي سلفاً لتكون مفهومة تماماً.
رأت في نومها كائناً ضخماً طائراً في الأثير، له
جناحان واسعان كَشِراعين. في رأسه عين واحدة يخرج
الشرر منها، ومنقار طويل كماسورة مدفع، ولرجليه مخالب
قوية كأسنان جرّافة. كالرُّخ بين طيورنا. يأتي من خارج
الكهف، يخرق السقف بمنقاره، ينقضّ عليها في مغارتها،
يحملها على أحد جناحيه، ويحلِّق بها بعيداً مُتَّجهاً
خارج الكهف. ظل يعود إليها في منامها كلَّ يوم، تارة
يحملها بمنقاره دون أن يؤذيها، وتارة يرفعها بمخالبه
دون أن يجرحها. ما الذي يريده مني؟ وإلى أين يأخذني؟
وماذا هناك وراء الكهف؟ ولماذا يأتي إليَّ أنا بالذات؟
أسئلة باتت تُلحِف عليها فلا تجد لها جواباً.
اليوم تترقبه بمزيج من الرهبة والرغبة. خوف من المجهول
وأمل في الخلاص من رتابة العيش في الكهف. انقطعَ عن
زيارتها في نومها منذ مدَّة. افتقدته، هفت إليه روحها.
تملكتها رغبة عارمة في البحث عنه، في ملاقاته،
ليحوِّلها من صخرة هامدة من صخور الكهف إلى نسمة طائرة
راحلة في الأثير. لا بُدَّ أنه خارج الكهف. تفترسها
هموم ومخاوف. تتغلب على هواجسها. تتجه إلى المكان الذي
كان الطائر يدخل منه. صخور كأداء متراصة. تتلمَّسها
واحدة واحدة. صخور جامدة صامدة. تتلمسها مرَّة بعد
أخرى. تضغط عليها بيدها واحدة واحدة. وأخيراً، تنزاح
إحداها قليلا عن مكانها، يا للمفاجأة! يخفق قلبها
بشدّة. تنفذ منها إلى دهليز ضيق طويل. تنتهي إلى بوابة
حجرية. تفتحها لتجد نفسها خارج الكهف. لحظة انبهار.
ولكن الأشعة الخارقة القوة المنبعثة من الشمس الساطعة
تنفذ إلى عينيها كأسياخ من نار. والأصوات الصاخبة
المنطلقة من الطبيعة وكائناتها تخترق أذنيها مثل
انفجارات بركان. تسقط مغشيا عليها… ولكن باقة من أشعة
الشمس تنساب من على جسمها وتندسّ عبر فَرجة البوابة
الحجرية في دهليز الكهف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
|
 |
التعليقـــات ..... |
|