|
السيِّد عبد المنَّان هو أقدم موظفي الشركة الوطنية للإنتاج والتصدير
والاستيراد، فقد التحق بها منذ تأسيسها قبل خمسة وثلاثين عاماً. ونال
رضى مديرها العام واحترام العاملين فيها، لِما عُرِف عنه من دماثة
الخلق والجِدّ والتفاني في أداء واجباته ومساعدة زملائه الموظفين عند
الحاجة. وكان يحرص على الحضور إلى مكتبه في الشركة في المواعيد
المحدَّدة حرصَه على أداء الصلاة في أوقاتها في مسجد الحيّ. وكان
يتفرَّغ بعد الدوام لشؤون عائلته وتربية أولاده وإعانتهم على فهم
دروسهم وإعداد واجباتهم المدرسيّة.
وقد تفاءَل السيِّد عبد المنَّان مؤخَّراً واستبشر بِمَقدم المدير
العام الجديد الذي ألقى، صباح اليوم الأول من التحاقه بمنصبه الجديد،
خُطبة بليغة على جميع العاملين، أعلن فيها أنه إذا كان فقهاء الاقتصاد
وعلماء الإدارة يعرِّفون المؤسسة الاقتصادية بعناصر ثلاثة: الموارد
المادية والمالية، والموارد التقنية والفنية، والموارد البشرية، فانه
لا يعترف إلا بالموارد البشرية، فبالإنسان ومن أجل الإنسان تُنشَأ
المؤسسات وتُقام الشركات. وأكّد في خطابه الرنّان عزمه على مراعاة
الأنظمة واللوائح الداخلية للشركة وتطبيقها بحذافيرها في مصلحة
الموظفين، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، واحترام الأقدميَّة، والتمسك
بالتسلسل الوظيفي، وتحسين الأحوال المعيشيّة للعاملين، ومجازاة
المُخلصين والنشطاء منهم بصرف مكافآت فصليَّة وعلاوات سنويَّة لهم،
وإقناع مجلس إدارة الشركة بمراجعة نظام الإحالة على المعاش وصندوق
نهاية الخدمة بما يكفل شيخوخة محترمة لمن أفنوا العمر في سبيل تحقيق
أهداف الشركة وتطوير الإنتاج فيها خدمة للأُمَّة والوطن. ومما قاله:
"إننا لن نتخلى عنهم تقديراً منا لما قدّموه، ووفاء مُستحَقاً لإخلاصهم
وعملهم."
غادر السيد عبد المنّان قاعة الاجتماع وقد طغت الفرحة على قلبه، وطفح
محياه بالبِشر كما يفيض النهر بالماء والعطاء في مطلع الربيع، فقد نطق
سعادة المدير العام –لا فُضَّ فوه- بجميع ما كان السيّد عبد المنّان
يتمنّى سماعه ويأمل حدوثه، فهو مُقبل على التقاعد بعد ثلاث سنوات
تقريباً، وكان كثيراً ما يأرق ويسهر هزيعاً من الليل وهو يقلِّب الفكر
في النقص الكبير الذي سيلحق مرتبه بعد إحالته على المعاش وفي كيفية
تدبير أموره وسدِّ احتياجاته الأساسيَّة دون إراقة ماء الوجه. فمرتبه
المتواضع والتزاماته العائليّة لم تسمح له بتوفير أي مبلغ يمكِّنه من
مواجهة متطلبات سنوات التقاعد. وهاهو سعادة المدير العام الجديد، حفظه
الله ورعاه، عازم على تعديل سُلّم الرواتب وترقية الموظفين وتحسين
معاشات التقاعد. وعلاوة على ذلك كلِّه، فإن سعادته سيخصُّه –بلا شك-
بمكافئة جزيلة في نهاية الخدمة، لأنه يعرفه حقَّ المعرفة منذ أن كان
سعادته مديراً عاماً مساعداً في الشركة لبضع سنين، وقد وقف آنذاك بنفسه
على إخلاصه وتفانيه في العمل، وأُعجب بالدراسة النظريّة والمقترحات
العمليّة التي قدّمها حول كيفية تطوير الإنتاج في الشركة وزيادة
أرباحها.
في صباح اليوم التالي، كان المدير العام الجديد مجتمعاً بمدير الشؤون
الإداريّة والماليّة الذي اختاره ضمن فريق المسؤولين الذين عيَّنهم
عشية تسلّمه منصبه الجديد. وكان يوجّه إليه تعليماته الإضافيّة في فنّ
الاقتصاد وعلم التدبير والتسيير، قائلاً:
- أنت تعلم أن ترشيد الإنفاق يحتلّ أعلى سُلّم أولوياتي. فالاقتصاد ثم
الاقتصاد. وفّقك الله.
- سمعاً وطاعة، سيدي المدير العام، سأكون عند حسن ظنِّكم. وليس أدل على
عمق فهمي لتوجيهاتكم من توفير حتّى ثمن الماء الذي يُقدّم هذه اللحظة
إلى رؤساء الأقسام المجتمعين في القاعة المجاورة. لقد سنّ سلفكم سُنّة
سيئة بتوزيع قناني الماء المعدنيّ والشاي في مثل هذه الاجتماعات
الأسبوعيّة. وعلى الرغم من أن كلّ مشارك في الاجتماع لا يحصل إلا على
قنينة صغيرة ذات نصف لتر، فإنني خفضت عدد القناني إلى النصف وابتكرت
طريقة لتوفير ثمن الماء لنا، فأمرت الآذن (الشاوش) بملء القنينات
الفارغة بالماء من الحنفية، وتقديمها للمجتمعين كأنها ماء معدنيّ
طبيعيّ.
- أنا لا أهتم بهذه الأمور الصغيرة، فالاجتماعات ذاتها سألغيها قريباً.
المهم أن توفِّر لنا من الصفقات الكبيرة، وخاصة من المشتريات وعمولات
وكالة الأسفار على التذاكر.
- إن وكالات الأسفار –يا سعادة المدير العام- تقتسم عمولتها البالغة
تسعة بالمائة مع الزبائن الكبار عادة، ولكنَّني طلبت من الوكالة التي
نتعامل معها أن تجعل حصتنا خمسة ونصف بالمائة. كما أنني سأحصل من جميع
مشترياتنا على عمولة مقدارها ٪١٥ بدلا من الـ ٪١٢ المعتادة.
وفي تلك الأثناء، سمع المدير العام جَلَبَة أحدثها خروج المجتمعين من
القاعة المقابلة لمكتبه، فهبّ مسرعاً نحو الباب ووقف خارج مكتبه
مستعرضاً المغادرين لقاعة الاجتماعات، وكان بعضهم يحمل قناني الماء
ليستكملوا شربها في مكاتبهم خلال النهار. وفجأة رفع المدير العام صوته
منادياً:
- السيد عبد المنّان..
- نعم،سيدي المدير العام !
- لماذا تأخذ الماء معك؟ ألا تعرف أنه مِلك الشركة الوطنية؟ أليس هذا
نوعاً من الاختلاس؟ ألا تعلم أن الأمانة والإخلاص مُقَدَّمان على
المعرفة والخبرة في الوظيفة؟ أَلم تتعلَّم أن من لا أمانة له لا دِين
له؟ أنت وأمثالك سبب أزمة المياه في الوطن وتدهور الظروف الاقتصادية...
واسترسل المدير العام في إطلاق عباراته الغاضبة كمدفع رشاش، وقد
احمرَّت عيناه وأزبدت شفتاه وانتفخت أوداجه. أما السيد عبد المنّان فقد
امتقع وجهه، وتجمد الدم في عروقه، وشعر برجليه تخذلانه، وارتجفت يداه،
فسقطت قنينة الماء من بين أصابعه المرتعشة واندلق منها الماء، وتطاير
الرذاذ فأصاب بعضه حذاء سعادة المدير العام. يا للهول ! لقد أخذه اتهام
المدير العام على حين غرة، فتعثرت الكلمات على لسانه ولم تبلغ شفتيه،
فاندفع مُرتَبكاً إلى مكتبه وأغلق خلفه الباب. أما بقية الموظفين
فانقسموا فريقين: فريق لم يبقَ له ما يحمله من ماء فوقف احتراماً
لسعادة المدير العام للتزوّد بدروسه الأخلاقية، وفريق كان يحمل بقية
مائه معه، أسرع في دخول المكاتب القريبة كفئران تختبئ بجحورها قبل أن
يلاحظهم سعادته.
شعر السيّد عبد المنّان في مكتبه بدوار في رأسه وبشيء من الغثيان
وحُمّى تدبّ في جسده دبيب العقارب السامّة، وقد أظلمت الدنيا في عينيه
على الرغم من شمس الصيف الساطعة. وشعر بالعار والشنار وخشي أن يراه
واحد من زملائه وهو على تلك الحال، فأسرع بالخروج من المكتب مُستقلاً
الحافلة من الموقف القريب متوجها إلى منزله ساعةً قبل وقت المغادرة.
ولم يحادث زوجته كعادته بل اندس في فراشه متعللاً بالإعياء.
أمضى السيّد عبد المنّان الليلة برمتها في تدبيج رسالة اعتذار إلى
المدير العام وتدوينها بيد مرتعشة وهو يستعطفه فيها ويرجو عفوه
وغفرانه، مُستثمِراً جميع مطالعاته الأدبية، ومُستخدِماً كلَّ خبرته
الإداريّة في تحرير المراسلات الرسميّة، فكتب يقول:
"سعادة السيّد المدير العام... لا من الأحسن أن أكتب: معالي الأستاذ
الجليل المدير العام، لا من الأفضل أن أكتب: صاحب المعالي الأجلّ
الأستاذ المدير العام للشركة الوطنية للإنتاج والتصدير والاستيراد
أدامه الله ذخراّ للتنمية الاقتصادية وملاذاً للأمَّة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
فقبل كلّ شيء ، إنني أُقرّ بالخطأ الذي اقترفته يداي يوم أمس بحمل
قنينة الماء معي من قاعة الاجتماعات إلى مكتبي. وأحمد الله سبحانه
وتعالى على ما حباكم به من ذكاء وقّاد وبصيرة نافذة وملاحظة سريعة،
مكَّنتكم من ضبط الخطأ في إبّانه ووضع حدٍّ له قبل أن يستفحل الأمر
ويحدث ما لا تحمد عقباه. وتلقّينا –نحن خدّامكم المخلصين- موعظةً في
النزاهة التي أنتم تجسيد لها ، ودرساً في الأمانة التي أنتم عليها
وصيّ، وحكمةً في علم الاقتصاد الذي أنتم من أساطينه ورواده، وتفسيراً
بينا للآية الكريمة (وجعلنا من الماء كلَّ شيء حي)، فأنتم ظلّ الله في
أرضه وحجته على خلقه.
بيد أني –يا معالي الأستاذ النبيل- فكّرت طوال الليل في دوافع خطئي
وحوافِز ذنبي، فتبين لي أنني قد شربت الماء أثناء الاجتماع مباشرة من
فوهة القنينة الصغيرة لعدم وجود قدح أمامي، فقد حسبت أنها أُعطيت لي
وحدي، ولو كنت أعلم أنكم رميتم إلى أن نشترك بها، فما أحلى الاشتراكية،
وأنْعِم بها. وفي نهاية الاجتماع، خشيت أن أتركها في القاعة، لئلا
تنتقل –لا سمح الله- بعض الجراثيم مني عن طريق القنينة إلى بعض
العاملين فيمرضوا ويتوقّفوا عن العمل, فأكون بذلك قد ألحقت – من غير
قصد- أضراراً بالإنتاج، وسبّبت خسائر لشركتنا الحبيبة، وقاها الله
وإياكم من كلِّ سوء. ولهذا فقد حملتُ القنينة معي لأكمل شرب الماء في
مكتبي.
وعلى أي حال –يا معالي المدير العام- فإنني أتقدَّم إليكم بصادق العذر
وخالصه "والعذر عندَ كرامِ الناسِ مقبولُ " ، كما قال الشاعر العربي
القديم، وأنتم تدركون مغزى هذا القول لأنكم منبع الشعر ومحتد الأدب
وبؤرة الفهم، وأكرم الناس خُلقاً، وأنبلهم نسباً، وأعظمهم عفوا. وقديما
قال الشاعر لا فضّ فوه وفوك:
يستوجبُ العفوَ الفتى إذا اعترفْ بما جناهُ، وانتهى كما اقترفْ
وتفضلوا –يا صاحب المعالي- بقبول أزكى التحيات وأخلص التقدير، وأصدق
الاحترام.
خادمكم ومحبّكم المُخلِص لكم دوماً
السيد عبد المنّان "
وفي صباح اليوم التالي، توجه السيد عبد المنّان إلى الشركة وهو يحمل
الرسالة العصماء في حقيبته، واتجه مباشرة إلى مكتب سكرتيرة المدير
العام وبعد كلمات المجاملة والثناء على أدبها وكمالها وجمالها، رجاها
بمنتهى اللطف أن تقدِّم الرسالة إلى سعادته مشفوعة بأحرِّ تحياته وكامل
احترامه. ثم ذهب إلى مكتبه وهو يدعو الله تعالى أن تلقى الرسالة القبول
من سعادته فينال عفوه وغفرانه.
انتظر السيد عبد المنان في مكتبه بفارغ الصبر أملا أن تعاد إليه
الرسالة وعليها تعليق بخط يد سعادة المدير العام الشريفة، يعيد
الاطمئنان إلى نفسه الملتاعة والهدوء إلى قلبه المضطرب. وكلما فتح باب
مكتبه قفز قلبه من بين ضلوعه قبل عينيه لاستطلاع الأمر. ولكنه كان لي
كم مرة يصاب بخيبة أمل.
وقبل أن يغادر مكتبه إلى المنزل مرّ بمكتب سكرتيرة المدير العام
للاستفسار عن مصير الرسالة فقالت له السكرتيرة، بعد أن رسمت ابتسامتها
الرسمية على شفتيها: "آسفة، يا سيد عبد المنّان، لقد كان سعادة المدير
منشغلاً باستقبال كبار رجال الأعمال من الأوربيين ولم أتمكن من تقديم
الملفّات إليه ومنها رسالتكم."
عاد السيد عبد المنان إلى منزله مهموماً مغموماً، وأمضى ليلة أخرى
اضطرب فيها نومه وطاردته الكوابيس، فقد رأى كما يرى النائم أنه خَرًّ
ساجداً على قدمَي المدير العام وهو يلحس بلسانه رذاذ الماء الذي تساقط
على حذائه، ولكن سعادته كان غاضباً فركله ركلة عنيفة دخل، بفعل قوتها،
حذاؤه ذو الكعب العالي في فم السيد عبد المنان، فتساقطت جميع أسنانه
لشدَّة الضربة، وفجأة تحوَّل الحذاء إلى رمح طويل اخترق بلعومه وأحشاءه
وخرج من مؤخرته. وأفاق السيّد عبد المنّان مذعوراً وهو يتحسَّس أسنانه
وبلعومه، ويبلع ريقه الشديد الجفاف عدَّة مرّات.
وفي الصباح، عرّج السيّد عبد المنّان على صديقه عبد اللطيف العطّار
واشترى، لدهشة صديقه، قنينة عطر فرنسية مستوردة، وطلب من صديقه أن
يُغلِّفها بورق الهدايا الملوَّن، ورجاه أن يَعُدَّ ثمنها دَيناً عليه
إلى حين أن يقبض راتبه آخر الشهر. وتوجّه بالهدية إلى مكتب سكرتيرة
المدير العام وقدّمها إليها مبتسماً، فقالت وهي تدس الهدية في حقيبة
يدها: "ما هذه الرسميات، يا سيّد عبد المنّان. شكراً."
وانتظر عبد المنّان في مكتبه على أحرّ من جمر الغضى آملاً أن يحظى
بتأشيرة من سعادة المدير على رسالته. وكان يَشرئِبّ بعنقه ويرفع منكبيه
متهيئاً للقيام كلّما فُتِح باب المكتب. وفي آخر الدوام توجّه إلى مكتب
السكرتيرة فبادرته قائلة، وهي تضع ابتسامتها الرسمية على شفتيها، إنها
قدَّمت الملف إلى سعادة المدير العام ولكنه لم يُعِده إليها بعد.
في تلك الليلة، أعمل السيّد عبد المنّان فكره في هذه المشكلة وقلّب
النظر في جميع أوجهها. فبدا له أن سعادة المدير العام ما زال غاضباً
عليه، لأن الرسالة التي بعث بها إليه كانت ذات أسلوب أدبيّ، وهو أسلوب
لا يرقى إلى فكر سعادته الاقتصاديّ الفلسفيّ. واستقرَّ رأيه على تدبيج
رسالة جديدة يطبعها التأمُّل الفلسفيّ والتفلسف الاقتصاديّ. وهكذا
استهل رسالته الغرّاء الثانية كما يلي:
"صاحب المعالي والمكارم الأستاذ الأجلّ، والفيلسوف الاقتصاديّ الأمثل،
المدير العام للشركة الوطنية للإنتاج والتصدير والاستيراد الزاهرة، ذات
السمعة العبقة الفاخرة، أسبغ الله عليه السعادة والهناء، ومتعه بموفور
الصحة وطول البقاء. وبعد أن أتشرف برفع أطيب التحيات، وأخلص التمنيات،
وأسمى التبريكات لمقامكم الكريم، فقد تأمّلت – يا معالي المدير العام-
في جوهر القضية، ودلالاتها الظاهرة والباطنة، ومغزاها الصريح والضمني،
فتبيّن لي أنّها لا تستحق ذرّة من عنايتكم أو لفتة من اهتمامكم، فما
خادمكم المطيع السيّد عبد المنّان إلا مجرد إنسان واحد بين أكثر من
خمسة بلايين نسمة يعيشون على هذه الأرض، وأن هذه الأرض ما هي إلا مجرّد
كوكب واحد من بين عدة كواكب في المجموعة الشمسية، وأن مجموعتنا الشمسية
هي محض واحدة من ملايين المجموعات في مجرّة، وإن هذه المجرّة هي بدورها
واحدة من بلايين المجرات في الكون، فما قيمة خطأ صغير يقترفه هذا
الإنسان الحقير المسمى السيّد عبد المنّان ليسبّب لك القليل من
الانزعاج؟!!
ومن ناحية أخرى –يا معالي المدير العام- فإن خطأي يتعلّق بربع لتر من
الماء. وإذا تكرمتم بإلقاء نظرة عابرة على جغرافية الوطن العربي –
وأنتم معدن العِلم ومنبع المعرفة- لرأيتم أنَّه مُحاط ببحار شاسعة
ومحيطات واسعة. فمن الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الجنوب بحر
عُمان، ومن الشرق الخليج العربي ومن الغرب المحيط الأطلسي برمته، وفي
الوسط نجد البحر الميت، والبحر الأحمر متّعه الله وإياكم بطول الحياة.
كما تجري في بلادنا أنهار من أطول أنهار العالم وأشهرها في تاريخ
الحضارات مثل النيل ودجلة والفرات والأردن. فما قيمة ربع لتر من الماء
لما يتوفَّر عليه العرب من مصادر المياه، خاصة وقد تناهى إلى سماع
الخاص والعام ولم يعُد سراً، أن معاليكم تفكرون في ابتكار طريقة ليست
مسبوقة لتحويل مياه البحار والمحيطات المالحة المحاذية لوطننا العربي
الكبير إلى ماء عذب شروب صالح لسقي الزرع، وإدرار الضرع، وتفعيل الرياح
لتحمل بمياه البحر والمحيطات وتلد أمطاراً غزيرة تعمُّ البلاد والعباد
بالخير الوفير، فيسرح الرعاة بالكلأ ويمرح الأطفال بالثلوج، وتسبح
الأسماك في البِرك، جزاكم الله على صنيعكم خيراً، فلماذا يصيبكم شيء من
الانزعاج –وقاكم الله منه ومن شرور الحُسّاد؟"
وختم خريدته العصماء بالتضرع إلى سعادة معالي المدير العام أن يغفر له
خطأه ويعفو ويرضى عنه.
وبعد أن قدّم الرسالة الغراء في مظروف كتب في أعلاه "شخصي" إلى معالي
المدير العام، ظلَّ ينتظر الفرج في مكتبه، ولا يعرف قسوة الانتظار إلا
من خبره واكتوى بناره. ولم يُطِق الانتظار الطويل، فذهب قبيل الظهر إلى
مكتب سكرتيرة سعادة المدير، فقالت له إن الرسالة في الملف الذي ستقدمه
لسعادته حالما يفرغ من بعض أشغاله الدوليّة الهامة.
وأمضى السيّد عبد المنّان ليلة عصيبة أخرى لم تذُق فيها عيناه طعم
الكرى. وفي اليوم التالي أخبرته السكرتيرة أنها قدّمت الملف إلى المدير
العام وانه أعاد جميع محتوياته إليها مع تعليقاته ولكنه لم يُعِد
الرسالة ولا التي قبلها. وتوجّس السيد عبد المنّان أمراً. لماذا لا
يعيد سعادة المدير العام رسالتيه؟ من المؤكد أنه اطّلع عليهما، ولكن
سكوته يخفي شيئاً. أتراه يبيّت أمراً في الخفاء؟ وما هو يا ترى؟ إن
سِجل السيد عبد المنّان ناصع لا تشوبه شائبة. يا ترى هل سيوجِّه إليه
المدير العام توبيخاً يؤخِّر ترقيته التي كان يبني عليها أحلاماً
وآمالاً عريضة؟ أم ترى يرفع الأمر إلى مجلس الإدارة ويطلب الاستغناء عن
خدماته فيرمى من الشركة كما ترمى الثمرة العفنة من الشجرة؟ أخذتِ
الوساوس والهواجس تفترس قلبه ولُبّه كما يفترس ذئب جائع حَمَلاً ضلّ عن
الطريق.
وقبل نهاية العمل ذلك الصباح توجّه إلى مكتب سكرتيرة المدير العام
ليكرّر سؤاله المعتاد عمّا إذا كان سعادته قد أجاب على رسالتيه.
فأجابته السكرتيرة "نعم، شفوياً" ثم مدت يدها إلى كرّاسة أمامها لتقرأ
جواب المدير العام التي دونته مباشرة من فيه، في حين شُدّت أهداب
السيّد عبد المنّان إلى أناملها المصبوغة الأظافر، ووجف قلبه، وارتجف
كيانه، وامتقع وجهه. وراحت السكرتيرة تقرأ وقد نسيت أن تضع ابتسامتها
الرسمية على شفتيها هذه المرة: "إن المدير العام لا يرضى بهذه الأمور
مطلقاً".
وما أن أتمّت العبارة حتى اصفرّ وجه السيّد عبد المنّان وترنّحت ساقاه
وسقط على الأرض مغشياً عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|