الولادةالاولى

نصوص

مقالات

حوارات

راي ومقال

مسرح

نقد ادبي

مواقع واعلام

صـور

** اهــــــلا وسهــــلا بكم في الهدف الثقافي...... نتمنى لكم جولة هادئه في رحاب الفن والادب الذي نطمح ان نهئ اطيافهما قريبا ان شاء الله ...... لوحة تشكيلية ام خط عربي .....نص مسرحي ..... مقال ادبي او نص شعري عربي ام  مترجم .........صورة مؤثرة لمخلفات يد ارهابي نتن..... رواية عربية او قصة قصيرة ..... الهدف الثقافي معكم اينما كنتم يستقبل انتاجاتكم في كل مجالات الادب والفن ..... تحياتي لكم  اينما كنتم **

لوحات خط

لوحات زيتيه

ضحايا الارهاب

المكتبه

 

صالة الضيوف

اتصل بنا


 

 

المسرح في العراق

تاريخه، أزماته، متغيراته، مستقبله

 

 

 

 

 

 

 

تأليف

محمد سيف

 

حبيبة، وصديقة، وأما لسيف وسلسل

إلى رغد .. زوجتي التي كانت خلف كل كلمة وسطر وكل صفحة وفصل والتي لولاها لما شاهدت رسالة الدكتوراه هذه  

 

·                                مقدمة : مشروع العمل

 

تحاول هذه المقدمة في طروحاتها أن تناقش طبيعة العلاقات التاريخية التي تربط المسرح العراقي بالمسرح العربي، دون أن تنسى  تسليط الضوء على الكيفية والخصوصية التي جعلت المسرح العراقي ملتحما كل الالتحام مع المسرح العربي. وإذا كان توجهنا في المرتبة الأولى، هو البحث في المسرح العراقي الذي لا يمكن فصله، في الحقيقة، تاريخيا عن المسرح العربي، فسوف نحاول بالمقابل البحث في خصوصيته بشكل متوازن. وبما أنني لست ببعيد عن المسرح العراقي، واعتبر نفسي واحداً من العاملين في حقوله المتعددة (تأليف، إخراج، تمثيل ونقد) سأحاول الحديث عن المسرح في العراق وليس المسرح العراقي بشموليته، مناشدا في ذلك سوسيولوجيته الداخلية وبالعكس، وذلك بالاعتماد على منطق أن المسرح يستطيع أن يضيء ما هو اجتماعي، بالعمل على دراسته. وبهذه الطريقة نضع علم الاجتماع بكل لوائحه إن صح التعبير في خدمة المسرح بغية الحصول على رؤية معرفية افضل لكل متغيراته وأزماته.

لقد تطلبت مادة هذه المقدمة أن نتتبع المنهج التاريخي، لرصد تطور المسرح في العراق عبر كل فترة منبهين في كل مرحلة إلى خصوصية الظاهرة، ولهذا فقد امتزج التاريخي بالجمالي والسياسي بالاجتماعي.

ونتيجة لهذا الامتزاج المتعدد المناهل ونتيجة لتقدم المنهج التاريخي على باقي المناهج، فإننا نرى أن لكل عصر نوعه الأدبي وأسلوبه المسرحي في العرض.

إن التاريخ الأدبي العراقي، يسمح لنا أن نرى- من خلال متاهاته- نوعا من التعددية الفنية التي انتعشت بموجب أحداثه الاجتماعية والثقافية المتزامنة. ولهذا سنقوم برحلات لأروقة التاريخ بغية أن نلامس، ولو بشكل بسيط، الجذور الدرامية للأدب العربي.

نحن نعرف بأن  التراث الثقافي العربي قد عرف غليانا شعريا وقصصيا قبل وبعد الإسلام. فقبل الإسلام كان لا يوجد سوى الشاعر الفيلسوف، والحكيم الذي يحمل في ذاته كل ما هو دنيوي ومقدس؛ لا يوجد إلا شاعر القبيلة البوهيمي، المدافع عن التاج والشرف، بالكلمة والسيف في آن واحد. وقد اكتظ التراث العربي بأسواق الشعر التي كان يتطارح الشعراء بها الشعر، وامتلأت لياليها بالحكايات والأساطير التي كانت تزاوج أكثرها ما بين الحرب والحب، وما بين الخمرة والنساء والبراعة والسبق. إن حكايات ألف ليلة وليلة، خير شاهد على تلك الليالي الديونيسيّة الخمرية، مثلما هي خير شاهد على قيام الحاكي والراوي بكل أنواع الأداء المصحوب بالإخراج وبجميع أنواع العرض تقريباً.

ولكننا مع ذلك، لا نستطيع أن نتكلم أبدا عن حياة مسرحية لدى العرب، وذلك لأنهم كانوا يعيشون حياة تَبَدّي، حياة بداوة وترحال وبحث عن الخضرة والماء. إن حياة الترحال وعدم الثبات في مكان، والتنقل وراء العشب والماء، يعتبر واحدا من الأسباب التي كانت تشكل عائقاً أمام نشوء ثقافة مسرحية، لا سيما أن الحياة لم تكن تتطلب قيام ذلك آنذاك ، وانصب جلّ اهتمامها على عناصر درامية بسيطة كالحكاية والقصيدة الغنائية ذات الحوار والمناجاة التي للأسف لم يكلف الشاعر نفسه عناء تحريرها من صياغاتها التقليدية وقيادتها نحو ما هو درامي على الرغم من توفر الشروط اللازمة فيها. فالقبائل كانت في حروب دائمة، وكان الشاعر يقاتل بالسيف والقلم، ومع ذلك لم ينشأ شعر حرب، مثلما نشأ عند الإغريق. وهكذا ظلت القصيدة الجاهلية حبيسة عناصر، مثل: المدح، الفخر، الإشادة والفرح، مثلما ظلت سجينة عموديتها وصياغاتها المتوارثة. لهذا يمكن أن نحصر القصيدة الشعرية في العصر الجاهلي في ثلاثة تصنيفات: قصيدة المدح نحو الملوك والأمراء والقبيلة، قصيدة الهجاء نحو القبيلة العدوة، وقصيدة الحب نحو الحبيبة أو التغزل بالحصان. ومع مجيء الإسلام تغيرت وتقلصت فضاءات القصيدة والشاعر، بحيث صار الاثنان معا في خدمة الفتوحات الإسلامية التي منحت الشاعر نوعا من الطاقة والمتعة وجعلت منه بطلا وصاحب رسالة بعدما اختفت بعض الأغراض الشعرية، لتنافيها مع أخلاقيات الدين الجديد: المدح والهجاء، بحيث تخلت القصيدة عن بعض التقاليد المتوارثة: الإسراف الزائد بالمقدمة الشعرية، والعمل على الدخول مباشرة بموضوع القصيدة التي امتنعت عن كل ما هو حياتي وصارت تميل نحو كل ما هو روحي أخلاقي. وإن الذي كان يجمع الروحي بالأخلاقي فيها هو الإيمان بوحدانية الرب. إن سمو وعظمة الرب قادتا الفرد إلى إتباع طريق آخر، طريق صار كل ما فيه من شخصي خاضع لمعتقدات فكرية سماوية تجاوزت قدرته المعرفية. وهكذا تحولت الثقافة الجاهلية وتغيرت قواعدها وصارت تخضع لنظام اجتماعي يختلف ويتناقض مع نظام القبيلة الذي كان يتأسس على وحشية الكر والفر. إن كل هذا قد تغير باسم الإسلام، وباسم النظام الاجتماعي الجديد الذي حاول بأخلاقياته وتقاليده أن يسيطر ويعيد بناء إنتاج الحياة الجاهلية وفقا لأسس وأنظمة وأخلاقيات إسلامية جديدة، مثلما اشترط أيضا ولادة مدينة فاضلة، حيث الطوبوغرافيا الاجتماعية خاضعة بوعي وإيمان لإله واحد. الإله الواحد الأحد لجميع المخلوقات، في يده وحده صولجان الحكم. وهنا هل يجب علينا القول، بأن الإسلام قد قلص الفضاء الدرامي في الثقافة العربية وخاصة الشعر؟ أم انه منحها شكلا أدبيا آخر وجعلها تحطم حقيقة واقعها بواسطة خيال وخيار آخر لكي تؤكد على حضور جديد للمقدس والنافع ؟ إذن لم يعد الإنسان البدوي سيد نفسه، صار في خدمة المجتمع والدين الجديد. إذن لا بد من العثور على معالجة شعرية جديدة تتلاءم مع هذا النوع الجديد من المجتمع. سوف نوضح أو بالأحرى نتطرق إلى هذه الفرضية وسوف نشبعها شرحا وتحليلا في الجزء المخصص لمسرح التعزية.

          لقد تحولت الفوضى إلى نظام، ووجد سكان الجزيرة العربية توازنهم في رحلة وجودية وروحية. إذن كل شيء يجب أن يتأسس وفق هندسة أخلاقية خاضعة للقانون الإلهي. الشاعر نفسه بعد الإسلام قد انتهى بالقبول بهذه المعادلة الأخلاقية الجديدة ووجد نفسه متلائما معها ثقافيا وحياتيا. إذن كل شيء يجب أن يهدم نفسه ويبنيها على أساس التخلص من كل ما هو دنيوي والتمسك بكل ما هو روحي.

وهكذا استمرت العقيدة الإسلامية في رحلتها التاريخية محافظة على مجموعة من التقاليد الموروثة والتي لم يطرأ عليها التغيير إلا بعد مقتل عثمان ابن عفان ثالث الخلفاء الراشدين. لقد انتشرت المأساة بين القبائل والعشائر كما انتشرت تشكيلات سياسية مختلفة، وصار الغموض والالتباس يطغى على المشهد العام للأحداث. لم يعد هناك مسلم واحد وإنما عدة مسلمين: السنة، الشيعة والخوارج. صار التأويل يهدد السياسة اكثر مما يهدد الدين. وهكذا انقسم العرب على بعضهم بعدما كادوا أن يؤسسوا مدينة فاضلة، إن صح التعبير. إذن لا بد من تسوية بين الفعل السياسي والديني. . ولكن بدلا من القيام بذلك، استمر مسلسل القتل الذي تجلى بمقتل علي ثم الحسن والحسين. الدم والوحشية والقتل بين المسلمين صار المركب الأكثر استجابة وفعلا. كل قسم من الأقسام المتنازعة يطالب بالحكم. هل يتوجب علينا وفقا لهذا الطرح أن نتكلم عن حطام السياسة والدين الذي كشف في نفس الوقت وبشكل لاشعوري عن كل ما هو قبلي دفين ؟ ... لا شيء يموت ... هاهي القبلية تولد ثائرة برداء جديد ضد مجتمع السياسة والدين الجديدين. كل شيء يتنازع باسم الحقد ... والتعطش إلى الحكم. إن أسطورة الوحدة والامتثالية التي هي نزعة التقيد بالأعراف المقررة قد ماتت، قتلت ودفعت المسلمين للانقسام والتشظي والحرب. إن تعبير جان دوفينيو "التكتل الجنوني" قد وجد حقل تطبيقاته في المجتمع الإسلامي في هذا العصر. وذلك لأن جميع العناصر الاجتماعية باتت متعطشة إلى السلطة، تحلم بالدين إلى درجة أن صارت الدراما الاجتماعية بمثابة ثقافة للتناقض، ميزتها البحث عن تعاقبية متمثلة في إمام موحد يجسد في شخصه كل ما هو سياسي وديني.

إذا كان الإسلام قد حاول أن يلغي القبيلة بتشييده للأمة، فإن موت الحسين قد أعاد القبيلة من جديد بأحقادها الحربية إلى مقدمة المشهد. وإن ما دُفن قد ورّد سياسيا.

إن جميع هذه الأحداث والملابسات قد حركت "القصيدة" وألبستها أردية أخرى ذات ألوان متنافرة، خاصة بعد مقتل الحسين الذي يعتبر بداية التجربة " الدرامية " في تاريخنا العربي الإسلامي. ولكن سيطرة الأمويين جعلت معظم الشعر الخاص بمقتل الحسين شعرا سرياً اضطر مؤلفه إلى كتابته بالفارسية.

على الرغم من الانفتاح الذي شهدته الحركة الأدبية في العصر العباسي، حيث نما فن الحكاية والمقامة، خيال الظل، بفعل عوامل سياسية ودينية وشعبية، فإن الهدف الحقيقي منها، كان صَرْف النظر عما يحدث من أحداث سياسية وحركات تمرد وشقاق بين تيارات الفكر والسياسة.

إن الأدب العربي قد عبر أشواطاً شعرية كبيرة امتزج فيها الشعر بالنثر والحكاية بالملحمة بحيث أن هذا الخلط والامتزاج عاش حتى العصر الحديث وتجسد بشكل اكثر دقة في أعمال كل من مارون النقاش، يعقوب صنوع، أبو خليل القباني، والرواد الأوائل للمسرح العربي.

وظل سؤال يطرح نفسه، وهو لماذا لم يعرف العرب المسرح إلا بعد حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 ؟ ولماذا يعتبر البحاثة العرب عام 1848 هو العام الذي ولد فيه المسرح العربي عندما قام مارون النقاش بترجمة وتقديم مسرحية "البخيل" لموليير ؟ إن الأجوبة التي تدور حول هذه الأمثلة متضاربة ومختلفة في منظرها، فمحمد عزيزة يرى، على سبيل المثال، أن ولادة ونشوء أي مسرح لا يمكن أن يكون إلا في جو مليء بالمتناقضات. ونحن نعرف أن إرادة المسلم هي جزء من إرادة الله ولا يمكن أن تنفرد بذاتها وتقوم بفعل المواجهة لإرادة الرب كما هو الحال عند أبطال اليونان في مواجهتهم للآلهة. في حين أن زكي طليمات يعزو السبب الرئيسي إلى حياة البداوة المليئة بالترحال الذي يتناقض مع حاجة المسرح للثبات والاستقرار. أما الدكتور علي الراعي فيرى أن العرب ينظرون إلى المسرح بازدواجية مثقلة بالتناقض، فهم يرفضونه من حيث المبدأ، ويقبلونه من حيث التطبيق. سوف نتطرق لجميع هذه الآراء في الباب المخصص لتأثير الرواد العرب على المسرحيين العراقيين وخاصة على رائد المسرح العراقي "حقي الشبلي" الذي حصد ثمار الذين سبقوه من الرواد.

إن مادة بحثنا قد ألقت بنا من حيث لا ندري في تاريخانية المسرح، حيث حاولنا في كل مرحلة من المراحل أن نعطي مثلا ونموذجا للاستدلال والتطبيق. ولكننا نود الإشارة أنه في كل فترة من الفترات وجدنا أنفسنا أمام فُسيفساء غامضة، مركبة من العناصر الاجتماعية، السياسية، الجمالية والتقنية. ومن المظاهر المختلفة التي سوف نعالجها في بحثنا، هي: المسرح العراقي في مرحلته الأولى. إن هذا الجزء سيسمح لنا بتعيين وتحديد شكل النص الدرامي الذي عرفه العرب عبر تاريخهم قبل أن يستطيعوا إنتاج المسرح بشكله الغربي، ومن ثم سنتطرق إلى المسرح العراقي من خلال تاريخه السياسي والديني، وسوف تنفتح هذه المقاربة على الجزء الثالث من البحث، الذي سنكرسه للمسرح العراقي الحديث ورصد مراحل تطور النص، المخرج، والممثل العراقي وكيفية تعامله مع المتفرج وفقا للمناهج المسرحية التي تعلمها أثناء دراسته في الخارج. لذلك لجأنا في بعض مقارباتنا إلى التوصيف أحيانا وإلى سرد الأعمال وتحليل دور أبطالها.

 

·        أهمية البحث والحاجة إليه

   نريد الإشارة في البداية، بأن الأسباب الرئيسية التي دفعتنا للخوض في هذا الموضوع، تكمن، بكل تأكيد، في كوننا عشنا التجربة المسرحية، كممثلين ومخرجين فيها، وهذا ما سمح لنا بأن نرافق ونعيش داخل خلايا الحركة المسرحية، ومساءلة مناظرها العامة والخاصة، انطلاقا من رؤية ذلك الممارس المسرحي الذي هو نحن. في الواقع، أن تجربتنا المسرحية- منذ عام 1975- سمحت لنا بالاشتراك ومعايشة التجربة التي عرفها المسرح العراقي قبل وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1981). وإذا كان مجيئنا إلى فرنسا قد شكل نوعا من الانقطاع المباشر مع تطبيقات المسرح العراقي، فإن هذا الابتعاد سمح لنا بمساءلته انطلاقاً من هذه المسافة الضرورية التي فرضتها علينا سنوات الدراسة في جامعة السوربون بباريس، وأكدتها أعوام الإقامة في فرنسا. إلى جانب هذه الأسباب الأولى، نضيف أسبابا أخرى- أساسية بالنسبة لنا- وهي أن هذا البحث يستمد أهميته من كونه محاولة تعريفية بشكل ومعمارية المسرح العراقي، الذي غُيبّ كثيرا بسبب التحديات السياسية، الاجتماعية وتقاليدها الدينية وأعرافها التي كانت تشكل عائقاً حقيقياً أمام تطوره بل عملت قدر ما تستطيع على دثره وإلى الأبد. إن وصول المستعمر، الفارسي، التركي، البريطاني، ومن ثم الأنظمة الرجعية، إلى السلطة، لم يعمل إلا على تأخير حركة المسرح وتطورها.

وقد عاش المواطن العراقي بين نارين، نار تمزق هويته، ونار تعثر اندماجه في الحياة الجديدة، التي كانت تتأرجح حينذاك بين ما هو قديم يجب تحطيمه والقضاء عليه والبحث عن نظام آخر يتلاءم مع تطلعاته الجديدة.

يجب القول، إن المواطن العراقي قد واجه معتقدا جديدا تمثل في العصرنة، وتحقيق ذاته الجديدة من خلال مفهوم الأمة، والتيار القومي الذي كان يمثل حينذاك حركة التطور التاريخي نفسه نحو الاستقلال. إذن لا بد من إيقاظ هذه الرغبة وتحرير العراق من المستعمر.

وإن أمكن القول، فإن المسرح العراقي قد لعب دورا مهما في هذه اليقظة، بمحاولته الاختراق والنفاذ إلى ضعف الشعب وقوة المستعمر. بحيث نقدر أن نخلص إلى القول، بأن تاريخ المسرح العراقي انتعش من خلال الكفاح السياسي القومي وحركة وعي الجماهير الشعبية المسحوقة من قبل المستعمر. ولهذا نراه قد ولد في أحضان عدم الاستمرار، في الانقطاع، في اضطهاد الحكومات السياسية له، وتأثير الشعب عليه. لذلك سنحاول الكشف عن الكيفية التي استطاع بها المخرج، المؤلف، الممثل أن يجسدوا جماليا وأخلاقيا الحياة اليومية فوق خشبة المسرح؛ كيف وبأي واسطة استطاع المسرح أن يحتوي على هذا الكم الهائل من الأصوات، اللغات، والألوان. إن تجربتنا في البحث تسعى لعقد مقارنة بين المسرح العراقي والمسرح العالمي، من أجل فهم الأنظمة، القوانين وتقنيات هذا المجال.

 

·        حدود البحث

يتكون البحث من ثلاثة أقسام: يبحث القسم الأول، في الجذور التاريخية للمسرح، محاولا إيجاد تعريف له من خلال طرحه السؤال التالي: ما هو المسرح ؟ أي انه سيبحث في مجالات نشوء الظاهرة شبه المسرحية، مرورا بحضارة العراق القديمة، العصر الجاهلي، الإسلامي، مناقشا المسرح العربي من خلال ما هو شفاهي ما هو مكتوب، بالتعرض إلى ولادة الدراما من خلال نصوص التعزية، تاريخ تقديمها، تسميتها، طقسها القريب من المسرح الجوّال، وطريقة تقديمها، ثم ينتقل لدراسة خيال الظل من خلال بابات ابن دانيال الموصلي. ثم يستمر  البحث لكي يلقي بنا في أحضان الجذور التاريخية للمسرح في العراق وتلك الفعاليات شبه المسرحية، وصولا إلى البدايات الحقيقية للنشاط المسرحي في المدارس الاكليريكية، إبان فترة الاحتلال التركي، ووضع العراق تحت السيطرة البريطانية، وتكوّن الحكومة الوطنية وانعكاس ذلك على المسرح. ثم تتدرج الدراسة في البحث والتقصي لكي تصل إلى تأسيس معهد الفنون الجميلة الذي وفر فهما أكاديميا للنص، لفن الممثل، الإخراج وباقي عناصر العرض.

 

·                       الإشكالية النظرية

   تتحدد الإشكالية النظرية في تلك المجابهة ما بين السياسي والفني، أي أن ولادة المسرح في العراق ونشأته لم تكن نتاج رغبة بسيطة بالفن وإنما هي عملية تصعيد وطني وتصدي للمستعمر. وانطلاقا من هذا المنظور نستطيع القول بأن الفن كان في تلك الفترة- فترة احتلال العراق من قبل المستعمر- أداة احتراب وكفاح ونضال. كان الفنان لا يطالب إلا بشيء بسيط اسمه الحرية. لهذا كان يترهب ولا تستحوذ عليه إلا فكرة مطالبته بهويته الوطنية ... التي من اجلها حول المسرح إلى أداة دفاعية ينادي من خلالها بجميع مطالبه ومطالب الشعب الذي ينتمي إليه. إذن، بات من الضروري الإشارة إلى أن ولادة المسرح يمكن تقديمها كبادرة أولى للثورة والتمرد، ورغبة، وتقديما للهوية الجديدة التي لا يمكن أن تتجسد في مصطلح "الاحتلال" والسيطرة الأجنبية وإنما بالحرية والاستقلال. وانطلاقا من هذا المنظور، فإنه بإمكاننا القول إنه آن الأوان للحديث عن التاريخ السياسي الذي استطاع فيه المسرح أن يؤسس نظاما سياسيا يتعارض مع المستعمر.

بهذه الطريقة لم تعد المواطنة العراقية مجرد حقيقة ملموسة إلا من خلال الإضاءة الفنية. وهكذا صار المسرح بمثابة يقظة ونشاط لا يؤدي واجبه إلا من خلال التلويح بعملية إلغاء المحتل كوجود وكفكرة تتربع على عرش من الوهم المرفوض من الجذر؛ صار الفضاء الذي تتهشم وتبنى فيه خطوط الثقافة الوطنية. إذن يجب العثور على الأشكال والهيئات المبعثرة والعمل على إعادة صياغتها ووضعها في سياقاتها الخاصة لكي تستطيع تحقيق معنى الثورة فنيا، معنى التاريخ، والحرية التي تحطم النظام الاستعماري وتبني فضاء جديدا حيث العمل الوحيد فيه والفريد تحرير المواطن العراقي من القلق والخوف اللذين مارسهما الاستعمار بحقه. لقد كان المستعمر على عرش من الوحشية والدم، وهذا يعني أن الرعب هو المهيمن على الحياة اليومية، وكان الفنان العراقي يعي ويعرف هذا التكنيك ولهذا فضل الرد على القسوة والقمع بكيفية اكثر رقة وقوة، وهي تعليم الفرد كيف يتخلص من عذابه بواسطة المسرح، الذي يجب أن يتعلم فيه مبدأ أن الحرية والمواطنة هما حق من حقوقه التي عادة ما يدفع ثمنهما بنضاله المستمر ومطالبته الدائمة بهما.

 

·        المسرح صوت/ صوت الحرية

 

           بإمكاننا أن نتساءل في بحثنا هذا، فيما إذا كانت ولادة المسرح محض ولادة سياسية. وما نريد تأكيده في تساؤلنا  هو أن المسرح قد نجح في جعل النضال السياسي قاسما مشتركا ما بين الفنان والجمهور. فالمواطن العراقي يجد نفسه أمام تأثير جمالي يجعله يكتشف حقيقة وجوده كمضطهد ودفعه بقوة نحو تحريرها. ومثلما يقول "روجيه باستيد" في كتابه المعنون "الفن والمجتمع": ( إن الفن يؤثر في الحياة الجمعية، مثلما يستطيع أن يغير قدرية المجتمعات)1.  إن القدر العراقي قد خزن في أعماقه دراما لم تنجز حتى أصبحت تراجيديا أسطورية قادرة على إنتاج عمل مسرحي بمعناه الحقيقي. إن التراجيديا الأسطورية هي، من وجهة نظرنا، بمثابة فضاء أو بالأحرى تقديم تتأرجح فيه العقيدة بين الواقع والخيال. فالمواجهة اختلاف يأخذ جذره من طقوس (عاشوراء). وإن هذه الاحتفالية عبارة عن صوت مكلف بأن يجعل مقتل (الحسين) رمزا من خلال إعادة تقديم قصة مقتله غير الإنسانية، بغية أن لا تتوقف الأسطورة عند حد معين. إن المغزى من طرحنا هذا هو أن المسرح العراقي قد نشأ نتيجة لاهتدائه إلى الصراع اللاهوتي الذي يحمل في طياته نوعاً من المقاومة السياسية، الدينية. إن اللاشعور الديني يولد ويتغذى في مجتمع قبلي لم يستطع أن يصفي حساباته مع معتقداته الدينية.

إذن، إن الدراما عادت لكي تنضم إلى النداء المشترك ما بين الرغبة الدينية والحاجة الحقيقية في جعل هذه الرغبة جديرة بأن تكون مشروعا سياسيا. ويتحقق هذا التعبير من خلال العديد من المظاهر الطقسية التي من خلالها تعيد الصراعات القبلية بناء نفسها لكي تظهر على سطح الحياة اليومية. وهكذا تصبح الحياة اليومية بمثابة تصميم معاش يعريّ هذا الغليان، ويقدمه من خلال الغناء العاشوري، وتقنينه في لغة تصويرية، تضع الحمية أمام عيون المتفرجين.

   إذن لا بد من تمثيل الدراما، من اجل معاكسة وإحباط هؤلاء الذين يملكون زمام الحكم ... إذن لا بد من لعب الدراما العزائية في الشوارع لكي يحس الجمهور ويشترك في حالة الألم الذي لم يقو التاريخ على دثره.

إن التمثيل فن جماعي، انه يعبر عن أخلاق تصقل جمال الثقافة التقاليدية التي هي دائما وأبدا جاهزة للانفجار هناك حيثما تسنح الفرصة، وتحل الفوضى. يقول روجيه باستيد: ( عندما يمتزج ويتطابق ما هو اجتماعي بما هو فني، فان أشكالهما والهيئات التي تتخذها تخلق فضاء لما يمكن أن نسميه "الفنون الاجتماعية".2) وباتباعنا معنى هذا التنويه، سوف نمد فضاءات إشكاليتنا لكي نخلص إلى القول بأن " احتفالية التعزية " أو "عاشوراء" ما هي إلا مرآة عاكسة للشعور الموحي بالتاريخ الأدبي والذي من خلاله نرى بشكل واضح الجذر الدرامي في موضوع ممنوع ... فالشيعة ترى من خلال هذا الأخير أداة أيديولوجية تستطيع من خلالها أن تنفذ إلى الأفق السياسي، أي أنها تريد أن تخلق شرخاً في قلب النظام المعارض دينيا لعقيدتها. وبهذه الكيفية لم تعد "التعزية" مجرد طقس ديني وإنما تصبح مشروعا سياسيا احترابيا خاصة عندما يطرح نفسه كحقيقة سياسية وليس دينية فحسب.

 

·     المسرح: تجربة جديدة

يقول "الومبيرAlembert " من خلال كتاب روجيه باستيد: ( إن الفن لم يعد مجرد محاكاة للطبيعة، بقدر ما هو تقليد للنشاط التقني للإنسان3). إن هذا الاستشهاد يحمل في جوهره نوعا من الرفض والإنكار للبحث الأنثروبولوجي الكلاسيكي. أي علينا ترك فكرة المحاكاة، والميل الغريزي للأشياء ونتجه صوب البراغماتية التي لم تعد فيها أنثروبولوجية الفن مكلفة بالغريزة الفطرية للإنسان وإنما في مدى تطوره التقني ... وإذا كان العمل قد أبدع الإنسان، فإن التقنية قد ألهمته مبادئ العقل. وقد طرأت تغيرات كثيرة على شكل الإنسان وهيئته نتيجة لانتقالاته من مرحلة لأخرى، بحيث أصبح التغيير سيرورة تبني وتكوّن نماذج أخرى، وكل نموذج يخضع لنظام متحرك لا يعرف الثبات والسكون. إذن لا بد من اتباع حركة التاريخ التي نطلق عليها اليوم اسم التطور الحديث للإنسان. الكل في تطور، لأن الكل خاضع للتغير .. والنظام العالمي الجديد لم يختف أو يتلاشى ما لم يترك خلفه نظاما جديدا.

إن المجتمع العراقي، شأنه شأن باقي المجتمعات لا بد وأن يتبع مسار الحداثة. وسواء كان هذا المسار جيدا أو سيئا فالقضية متعلقة في كيفية خلق هذه الحداثة وتسريبها إلى داخل المؤسسة الإدارية، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، وثقافيا. فعلى القديم أن يولي الأدبار، وأن يترك مكانه للجديد. بمعنى آخر، يجب قلب صفحة جديدة. فالكل مطالب بالتحول على الرغم من حالات التعارض التي يمكن أن تواجه التغيير ... والمسرح العراقي، مثله في ذلك مثل بقية المسارح، قد كابد مرغما من حالة التحول، فالمخرح، المؤلف، الممثل، وجميع من يعمل في حقل المسرح نجح في معرفة مكانه الحقيقي من عاصفة الأزمنة الحديثة. فلم يعد هؤلاء العاملون في مجالات المسرح المتعددة مجرد وسائط سياسية بل اصبحوا قادة عرض فني يسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم، شأنهم في ذلك شأن الجمهور الذي هو الآخر قد تغير، واصبح له صوت قوي وفعال. فالجمهور مثلما تقول "آن ابورسفيلد" في كتابها "قراءة المسرح"، (هو ملك الحفل وسيده الأوحد)،فالمجتمع لم يعد هو ذاته. وهكذا فمن خلال علم الجمال والمسرحة وأشياء أخرى، ولدت رؤى كثيرة نجحت في تجديد فن المسرح.

إن الإخراج، الديكور، السيناريو، الإضاءة والخ ... باتت عناصر متطورة في العملية الإبداعية. خشبة المسرح لم تعد مجرد لوحات للقفز والخطابة الرنانة الكبيرة ... وإنما هي أيضا أخذت شكلا آخر اكثر حداثة.

إنها تجربة جديدة، غيّر من خلالها المسرح العراقي شكله وموضوعه، خاصة عندما تخلى عن خطابيته وارتدى رداء العرض الذي يرقص فيه الممثل من الداخل.

 

الفصل الأول

 

ما هو المسرح ؟

تأملات في جذور الظاهرة المسرحية العربية وتاريخها

 

إن العثور على تعريف للمسرح يكاد أن يكون اليوم مثلما -هو من قبل- عسيرا، إذا لم يكن مستحيلا، ذلك أن المسرح، بالمعنى الواسع للكلمة، بمثابة شكل من أشكال التعبير عن المشاعر والأحاسيس البشرية التي تلجا في التعبير عن نفسها إلى فن الكلام وفن الحركة، مع الاستعانة، بكل تأكيد، ببعض المؤثرات  الأخرى. علما بأنه ليس في هذا القول ما يمكن أن يحدد أو يعرف المسرح ... لأن المسرح بلا ريب، مثلما يقول "جان دوفينيو" في كتابه "سوسيولوجية المسرح" : (ذلك الفصل من علم الجمال الذي أثار أكبر قدر من الجدل، وأدى إلى أكبر قدر من الأهواء)1. إن هذا المنطق يؤكد استحالة حصر المسرح في مجال محدد وتعريف معناه، لأنه في نفس الوقت يشتمل على جملة عناصر جمالية، واجتماعية، وفلسفية، وأخلاقية، وإنسانية تبحث في علم الإنسان وتطوره وأعرافه وعاداته ومعتقداته ثم أنه، على الرغم من كل ما كتب عنه وفيه وحوله حتى الآن- وهو كثير وفي لغات عدة- وعلى الرغم من كل ما يبدو عليه من بساطة في المفهوم، نكاد لا نعثر له تعريف دقيق يمكن الاعتماد عليه بل لا يوجد تعريف واحد لا في المعاجم ولا في الكتب يمكن الاتفاق عليه. وان اكثر الأعمال الموسوعية المتخصصة في مجال المسرح تتحاشى الخوض في مسألة تعريفه وتحديد معناه بشكل تقريبي يطمأن إليه، ولقد اكتفت أغلبها بذكر اتجاهاته وأشكاله وعناصره مستعينة بتجارب هذا وذاك من المخرجين والمنظرين في مجالاته المتعددة والمختلفة، كما هو شأن، (القاموس المسرحي لميشيل كورفان ودائرة معترف عالم المسرح)2 على سبيل المثال .. وما تنوع ألوان المسرح وأشكاله إلا دليل على غنى وثراء ظاهرة المسرح، ودليل قاطع على تعقدها وتعدد جوانبها في الوقت ذاته. فهو مثلما يصفه رولان بارت، في كتابه محاولات نقدية: (يشبه إلى حد كبير آلة علمية تعمل على توجيه وإرسال عدة أخبار ورسائل إلى عنوان بيتك (…) بنشاط ووفقا لإيقاعات مختلفة بحيث تستلم وأنت في مكانك في وقت واحد أكثر من ست أو سبع معلومات مصدرها: الديكور، الملابس، الإنارة، مكان الممثلين حركاتهم، البانتوميم الذي يقومون فيه والحوارات التي يطلقونها)3. إذن المسرح يحتوي على أصوات ولغات وإشارات مختلفة الوظائف، حال اجتماعها تقدم ما يعزز التجربة على المستوى الروحي والجمالي، ولهذا يمكن أن نعزو ظاهرة تعثر المعاجم المسرحية وتلكؤها إزاء مسألة تعريف المسرح إلى شمولية هذا الأخير واحتوائه على مجموعة من المتناقضات والمختلفات التي تتجانس في قمة ارتطاماتها لكي تصنع في زمان ومكان غير محدد كتلة واحدة أو بالأحرى عدة كتل ورسائل تصل المتفرج، بغية أن تعزز بشكل شعوري ولا شعوري تجربته الفردية مع التجربة الجماعية. ويذهب "القاموس المسرحي"4 الجديد الذي وضعه "باتريس بافيس" أستاذ مادة المسرح في جامعة السوربون في باريس، على سبيل المثال، إلى إضاءة بعض المفاهيم النقدية المشوشة، مستعينا ببعض الطرق والمسالك التي غيرت اتجاهاتها، معتمدا في ذلك، على رؤى انعكاسية لبعض التطبيقات المسرحية التحليلية لفن الإخراج ومفرداته، على الخلق المسرحي بمعناه المجرد. بالإضافة إلى أنه يبحث في علم اشتقاقات الكلمات واصطلاحاتها ومدى صعوبة تحديد معناها، مثلما يهتم أيضا بفن العرض المسرحي الحي الذي يكون الفعل فيه موجها بدقة نحو خلق إحساس عميق ومنسق في الدراما، مثيرا مسألة توجه العرض لغريزة السمع والبصر ومخاطبته للفعل بشكل مباشر وغير مباشر، كما هو الشأن في مسرحية "هاملت" لوليم شكسبير، ثم يستنطق، أهمية استجابة الجمهور لما يقدم إليه من كوميديا أو تراجيديا أو أي نوع مسرحي آخر، ويرى بافيس في استجابة الجمهور عنصرا أساسيا للحكم على قيمة العمل وجودته، موليا اهتماما ثانويا للنص الأدبي إذا ما قيس بالجانب التنفيذي، لأن التأثير الفعال على الجمهور يأتي أولا وأخيرا في التمثيل وما قد يصاحبه من مقومات أخرى، غناء، رقص، مناظر مسرحية، مؤثرات موسيقية وضوئية وإلى أخره من المكملات، مشيرا إلى أن هذا الطرح لا يهون من شأن النص أو يقلل من قيمته الأدبية التي كثيرا ما تحظى باهتمام النقاد معتبرا النص عنصرا من مجموعة عناصر أخرى تتفاعل جميعها لكي تكون فن العرض المسرحي. علما أن ممارسة المسرح لا تقتصر على دراسة النص وان كان هذا الأخير ينتمي إلى العناصر المرئية وغير مرئية للمسرح* في آن واحد والتي تشمل الإخراج ومختلف تصورات العرض المسرحي الذي يجد المتفرج نفسه فيها معنيا بشكل مباشر وغير مباشر، ومتى ما وجد العمل الفني جمهوره، أفلت من يد مؤلفه، وأصبح منه على بعد متناه، لأن التمثيل المسرحي وفقا لما يقول جان دوفينيو: ( يحرك معتقدات وأهواء تقابل النبضات التي تتكون منها حياة الرهوط والمجتمعات وان الفن يصل هنا إلى تلك الدرجة من الشمول التي تتجاوز إطار الأدب المكتوب. وذلك لأن الشيء الجمالي معه يصبح معه عملا اجتماعيا)5.

إن عملية انصهار الجمالي بالاجتماعي هذه، لا تتم أو تتحقق ما لم ننظر إلى المسرح على أساس ظاهرة شمولية تجمع في طياتها مجموعة عناصر تتفاعل بينها لكي تعطينا في النهاية ما نسميه بالمسرح دون أن ننسى أو نغفل الجمهور من حيث هو عنصر فعال من غير مشاركته لا تكتمل التجليات المسرحية، فهو مثلما تقول آن أبوبوزفيلد (المعني بالخطاب المسرحي مثلما هو المتلقي الذي يتسلم جميع الرسائل والأخبار في عملية الاتصال، لأنه ملك الحفل وسيده الأوحد)6.

    والسؤال الذي يمكن طرحه في صدد تعريف المسرح وتحديد نشأته الأولى يكاد يكون اليوم شبه مستحيلا، لأنه من غير الممكن أن نجعل بداية المسرح تنحصر بمسالة العثور على نص أو مخطوط مثلما حصل في واقع الحال عندما عزا أغلب كتاب والمؤرخين الطفولة الأولى للمسرح إلى الإغريق معتمدين في ذلك على أقدام نص مسرحي عثر عليه في حوالي سنة 490 ق.م. والسؤال الملح هو: هل يحق لنا نحن كباحثين وكتاب بعد أن اطلعنا وعرفنا وخبرنا المسرح بشموليته عن بعد وقرب أن نعتبر الإغريق هم أول من عرف ظاهرة المسرح ونغض الطرف عن جميع التعريفات والشروحات المقدمة من قبل المختصين بالمسرح والتي تكاد أن تكون بمجملها عاجزة تقريبا أو غير قاطعة وأحيانا غامضة مبهمة ؟ ثم هل يحق لنا أن ننكر على الشعوب التي أحرزت تقدما حضاريا أكثر من غيرها أم نتعامل معه على أساس أنه ظاهرة جمالية، فلسفية، اجتماعية، أخلاقية وإنسانية بدائية ولدت ونشأت وتطورت مع الإنسان بصرف النظر عن زمانه ومكانه ومدى التطور الذي أحرزه على الإنسان الآخر الذي سبقه أو أتى من بعده؟

     إن الإجابة على هذا النوع من الأسئلة تعود بنا بالتأكيد إلى الماضي البعيد مثلما تدعونا للبحث عن وفي وحول الظاهرة المسرحية الرسمية وغير الرسمية والمقصود هنا بالرسمية، الفترة والتاريخ الذي مثلت فيه أقدم مسرحية (الضارعات) لاسخيلوس في حوالي سنة 490 ق.م. أمام الجمهور الاثيني. وسوف نبدأ أجابتنا على جميع الإشكاليات المطروحة أعلاه بأسئلة تحمل إجاباتها معها بشكل ضمني نبدأها:

- من يستطيع أن يؤكد لنا بشكل قطعي وحازم على أن الاحتفال أو التسلية المسرحية لم يكن لها وجود أو أثر قبل هذا التاريخ الذكور، وان اسخيلوس وقدامى كتاب المسرح اليوناني مثل سوفكليس ويوربيدس لم يكونوا مدينين في موضوعاتهم وأشكالها المسرحية إلى رجال الدين الذين كانوا يقومون بأداء طقوسهم الدينية وفقا لتقاليد مسرحية عندما كان الكاهن يتولى كتابة النص، والإخراج وتوزيع الأدوار كما كان يقوم أيضا بأداء الأدوار الرئيسية بنفسه ؟ بالإضافة إلى أن كتاب اليونان القدامى لم يخترعوا المأساة اختراعا وإنما توارثوها عن تقاليد وعادات كانت سائدة نمت وترعرعت شيئا فشيئا حتى أثمرت المسرح الذي نعرفه اليوم، وذلك لأن ازدهار الدراما لدى الإغريق لا يعني أن نشأتها الأولى كانت إغريقية، لأن المسرح وفقا للكثير من الآراء الغربية والعربية، قد وجد في الحضارات القديمة التي سبقت الحضارة الإغريقية، ولكن بأشكال مغايرة أقل تطورا وأكثر بساطة، وأنه من المستبعد جدا أن تكون الإنسانية بكل اتساعها وتعدد ميادينها الثقافية كانت عاجزة عن اكتشاف الظاهرة المسرحية، وأن البشرية قد عاشت بدون مسرح حتى جاء القرن الخامس قبل الميلاد  الذي عرف فيه الإغريق ما لم تتعرف عليه باقي الشعوب خلال آلاف السنين.

       لسنا هنا بصدد بحث النشأة الأولى بقدر ما يهمنا أن نتتبع الخطوط العريضة للظاهرة المسرحية قبل وبعد تاريخها المدون في القرن الخامس ق.م من أجل التمهيد لموضوع بحثنا الذي يتكئ على الكثير من جوانبها، ولهذا لا بد لنا من أن نشير إلى الفعالية المسرحية التي وجدت مع وجود الإنسان عندما قام بمحاكاة الطبيعة، والفعالية مثلما يقول ارنست فيشر في كتابه المعنون "ضرورة الفن"(هي أقدم من البحث عن غاية، وبالأخرى اليد، لا الدماغ هي التي توغلت في عالم الاكتشاف)7. ولقد أثبتت الدراسات الأثرية من خلال النقوش التي حفرت على جدران الكهوف، أن الإنسان بدأ يحاكي الحيوانات ويتقمص أشكالها ويؤدي حركاتها في محاولة منه لاقتناصها. كان التقمص وسيلة من وسائل تحقيق التجانس المظهري معها، وفرض السيطرة عليها، ولقد تميزت طقوس القنص واقتربت من فن التمثيل بدرجة كبيرة بحيث يصور هذا الطقس عند زنوج الكونجو، مثلا كيف يخرج الرجال للقنص في طقس واحتفال تمتزج فيه الحركات المعبرة مع الموسيقى في شكل دراما موسيقية تتابع فيها التعبيرات بشكل هارموني وتتسارع وفقا لإيقاعات تدريجية تتزايد شيئا فشيئا حتى تنتهي بتمجيد أفعال القانصين، والاحتفال بهم. إن الإنسان البدائي قد أفرز أشكالا إيمائية وحركية من خلال لغة الجسد كردود فعل لتحديات الطبيعة، وهذا يعتبر بحد ذاته خطوة أولى في مضمار الرقص. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن هنالك مشابهات ومقاربات كثيرة تجمع الحياة الاجتماعية بالممارسة المسرحية، تجمع ما بين الفعاليات وفن التمثيل الدرامي.

       إن العثور على هذا النوع من المقاربات والهيئات المسرحية ليس بالمستحيل أو المتعذر خصوصا عندما نلقي نظرة على حياة مجتمعات ما قبل التاريخ التي كانت تستمد قناعتها بوجودها من هذا النوع التمثيلي شبه الخرافي. لقد اعتادت هذه الجماعات على محاكاة قصة خلق العالم وتكوينه بالرقص والغناء وفن الحكاية وبعض الممارسات البهلوانية التي يمتزج فيها الواقع بالخيال، الاجتماعي بالمسرحي فتعطي جملة رموز وإشارات تشخيصية تعبر عن انصهار الفرد بالجماعة والجماعة بالفرد.

     إن الإنسان البدائي مثلما يروي وولتر تيري في كتابه " الرقص في أمريكا": (استطاع الإنسان بغريزته أن يتوصل إلى الرقص وذلك بدوافع عديدة منها إفراغ شحنة الطاقة وتجسيد بطولته والاحتفال بالقنص، وكذلك الرقصات البدائية للإنسان الأول كانت تتضمن حيوية الرقص دون أن يكون لها طابع الفن)8.

      لهذا نجد اختلاطا في العناصر والمفردات داخل طقوس الشعوب البدائية التي كانت تضم إلى جانب المحتوى الدرامي الموسيقي للمشهد الاحتفالية فنونها أخرى كالرقص الذي يعتبر وسيلة إيضاحية في تحقيق التفاهم بعدها اصبح الإنسان مشروطا بحياة الجماعة، وهذا في الحقيقة ما يفسر تنوعه. فهناك الرقص النابع من الغريزة، والرقص المتأسس على فكرة، والرقص الذي يريد التعبير عن فكرة يود إيصالها، إضافة إلى ذلك وجود الفن التشكيلي المتمثل في الأقنعة المنحوتة على الخشب. لقد كانت تحتوي أغلب الطقوس على أبعاد شعائرية احتفالية ذات وظائف سحرية واجتماعية تحمل دلالات ورموزا تترجم عادات وتقاليد هذه الرهوط والجماعات في خروجها إلى الحرب، دعواتها في استنزال المطر، الانتصار والابتهاج. وفي ضوء ذلك يذكر شلدون تشيني، في كتابه الموسوم "تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف عام"( إن أحد الأشخاص البدائيين إذا رقص لطوطمه أو أبتهج بمعركة كسبها، وكان صادرا في رقصه عن مجرد الغريزة، لم يكن رقصه ذلك من الرقص المسرحي في شيء ولكنه إذا رقص معبرا برقصه عن انتصاره في المعركة، مبينا لنا كيف تلصص حتى رأى عدوه ثم كيف قتله وفصل رأسه عن جسمه كان رقصه ذلك شديد القرب من المسرحية الصميمية)9. إن قرب هذه الفعالية من المسرحية الصميمية يعود في الحقيقة إلى قربها من التعريف الذي يقدمه "أرسطو" في كتابه " فن الشعر" لفنون التقليد الثلاثة: الملحمة، المأساة والرواية الهزلية. إن هذه الفنون الثلاثة لا تقدم شخصياتها إلا في حالة الفعل مثلما لو أنها تعمل ومن هنا نشأت الدراما وذلك لأنها تقلد شخصيات تعمل ولكنه تقليد بالمعنى المجازي للكلمة (المأساة لا تقلد الناس بل تقلد الفعل والحياة)10. بالإضافة إلى أن مكان إقامة التسلية يتحول بفعل مشاركة أفراد القبيلة وانسجامها مع الحدث المروي إلى مكان ذي جاذبية خاصة يفصل ما بين المقدس وغير المقدس ما بين المواقف التي تنتجها الحياة والمواقف التي تخلقها التسلية، وذلك أن اجتماع الناس في مكان عرض منظم يصنع المعجزة أو يؤلف العملية السحرية لأن المؤدي من أفراد القبيلة يقدم لهذه المجاميع الأشكال التي ستؤولها وتتمنها وفقا للتجربة الخاصة المعاشة لكل فرد منهم.

       وعلى هذا الأساس يمكننا القول إن المسرح في أبسط أشكاله اعتمد على الدراما الإنسانية الناجمة عن مواجهة الإنسان البدائي لقوى الطبيعة التي لم يكن يفهمها في بداية الأمر وأن ظروف الحياة الشاقة التي عاشها قد جعلته يتحد ويتعاون مع أفراد قبيلته من أجل الحصول على موارد مشتركة للغذاء، وللدفاع عن النفس. ولذا صنفت القبائل حسب أسلوبها في إنتاج الطعام باعتباره القاسم المشترك في الصراع من اجل البقاء، وبذلك أصبح لكل قبيلة تقاليدها وشعائرها الدينية وممارساتها الطقسية التي تضمنت بعض الملامح والعناصر المسرحية المتفردة.

    يصف السير جيمس فريزير، في كتابه "الغصن الذهبي" مخاض امرأة من قبائل Dayak في يورنيو قائلا: (حين يأتي المرأة المخاض تستدعي أحد السحرة لمساعدتها على الوضع وهذه عملية مقبولة عقلا إلا أنه في الوقت ذاته يقف ساحرا آخر خارج الحجرة، ويقوم بأداء بعض الحركات التي تهدف هي أيضا إلى نفس الغاية دون أ، تكون لها صلة مقبولة بعملية الوضع ذاتها فيربط حجرا كبيرا إلى بطنه بقطعة من القماش يلفها حول جسمه لتمثيل الطفل داخل الرحم ثم يقوم مسترشدا بالتعليمات التي يصدرها زميله من داخل الحجرة بتحريك الطفل المتوهم في جسمه مقلدا حرمات الطفل الحقيقي حتى الولادة)11. وهكذا تنتقل الرموز والدلالات من الكاهن إلى الشعب الذي بدوره يحيل إشاراته ودعواته إلى حقيقة من خلال مقابلته إياها بالتصديق والتشجيع. يقول "انتوان آرتو" في هذا الصدد: ( إن جمهور المسرح يعيد خلق القبيلة البدائية هذه وأن جمهور المتفرجين يبادل الإشارات التي تقدم إليه بالمعنى أو الدلالة والتصديق اللذين يسقطهما باتجاه الجموع الأخرى، أن دوره يقوم على إطالة وإتمام الإيحاء المقترح عليه من قبل مجموعة الأشخاص القابعين في الحيز المسرحي)12.

     ومهما يكن من أمر، فإن محاكاة أشكال الحيوانات بغية القنص أو النزوع للتسلية والتقليد في تكريس السحر وممارسة الرقص الإيمائي في تصوير الطوطم والقيام بطقوس الصلوات والأدعية وتقديم القرابين بكيفية العرض الديني سواء كان ذلك فعالية طقوسية أو نزعة غريزية فإنها في النهاية تقربنا من فن المسرح بمنحها إيانا شكلا أوليا لمظاهر شبه مسرحية. مضافا إلى ذلك أن التطور الأداواتي الذي رافق مسيرة العمل لدى الإنسان البدائي دفعه لأن يخلق وسائل وطرقا اتصالية تتماشى مع طبيعة وظرف العمل الجماعي الجديد، ولهذا لم يتوقف الإنسان البدائي عند الإيماءة والإشارة وتصوير الشيء بالحركة وإنما راح يبحث عن وسائل ومقومات أخرى تمد وتوسع حجم جسور التفاهم بينه والآخرين، فاكتشفت اللغة المتطورة من وعلى تلك الإيماءات والحركات التشبيهية الصامتة، وبما أن الضرورة أم الاختراع، فقد استطاعت هذه الجماعات المتآزرة والمتلاحمة روحيا ومعنويا أثناء ساعات العمل أن تؤلف وتنشد الأغاني احتفالا بالعمل وضرورته في استمرار الحياة. وبهذه الكيفية انطلقت الأغاني الجماعية وتكونت بانصهار مشاعر الفرد في مشاعر القبيلة التي لم تكن آنذاك مجتمعا كبيرا بحصر المعنى، وهذا ما جعل اليوميات الحياتية للأفراد تتشابه بحكم الظرف الواحد المحيط بهم. ويعتبر هذا التشابه واحدا من العوامل التي ساعدت على تضاؤل الشعور بالاستقلالية وتفوق وطغيان الشعور الجماعي الذي جعل من الأغنية الجماعية أكثر انتشارا ورواجا بين تلك المجتمعات. ولقد كان يرافق هذه الأغاني التي يؤديها أفراد القبيلة رقصات وحركات تترجم في شكلها ومضمونها معاني الكلمات المستعملة في الأغنية مثلما تحاكي الواقع الحياتي وفق تصورات اختلط فيها الأمل بالخوف والجنوح بالخيال وكانت الأغنية البدائية مثلما يقول س. م. يورا تحتوي ( على كلمات فيها فن حقيقي ونغم وشاعرية تختلف جدا عن الكلمات التي يستعملها الفرد في حياته اليومية وممارساته الكلامية الاعتيادية ورغم أن تلك الكلمات المنغمة ليست راقية جدا في تكوينها اللغوي إلا أنها صالحة تماما للتعبير عن المحيط الذي يعيش فيه الرجل البدائي)13. إن هذه الكلمات غير الراقية والنغم المصحوب بالرقص وشتى صنوف المحاكاة الحياتية الدنيوية والدينية بكيفيات مختلفة تعتبر بالنسبة للشعوب البدائية بمثابة دراما، ذات مشاهد تمثيلية واقعية وأن الغناء كما يذهب بعض الكتاب والباحثين، أن أصل الشعر في جميع الآداب القديمة وخصوصا السامية كان منها. فالشعر بموجب "طه باقر" يعني، تقريبا الغناء والنشيد مثل "شيرو" البابلية و"شير" العبرية و"شور" الآرامية وكانت هذه الكلمات الثلاث قد فقدت حرف العين المتوسط الذي لو افترضنا وجوده لأصبحت الكلمات وفقا لتسلسلها: شيرو= شعيرو وشير= شعير وشور= شعور، بالضافة إلى أن المصطلح العبراني "شيرهشيريم" الذي يعني نشيد الإنشاد المنسوب إلى سليمان في التوراة.

       ولو تجاوزنا مرحلة المجتمعات البدائية وانتقلنا إلى مرحلة قيام الحضارات الأولى وازدهارها لطالعتنا الحضارة العراقية والمصرية القديمة بشواهد وإثباتات تؤكد وجود طقوس دينية واحتفالية كانت تقام في المعابد والساحات العامة. فلقد أنتجت هذه الحضارات نصوصا درامية وطقوسا دينية اعتمدت في مجملها على لغة الشعر المرسل الذي لم يكن يختلف عن شعر باقي الأمم، فهو مثلما يقول "طه باقر" في مقدمته لملحمة جلجامش: ( يخضع الشعر لفن خاص من النظم والتأليف فهو يتألف من أبيات قوام كل بيت من مصراعين "الصدر والعجز" وكان موزونا ولكنه غير مقفى، فهو بذلك مثل الشعر العبراني واليوناني والروماني)14. ويغلب على أوزان شعر الملحمة أن السطر الواحد فيها يتألف من أربعة أوتاد كما الأسطر الآتية المأخوذة من خطاب صاحبة الحانة إلى جلجامش مبينة له عبث نشدان الخلود:

   إلى أين تسعى يا جلجامش

 فالحياة التي تبغي لن تجد

   حينما خلقت الآلهة البشرية

   قدرت الموت على البشرية

   وتمسكت في الحياة بأيديها

   ولكن على الرغم من شهرة هذه الملحمة دراميا وقدمها واحتوائها على هيئات ومظاهر مسرحية حوارية ومناجاة تراجيدية طويلة مشابهة ومقاربة للمناجاة الإغريقية في نصوص اسخيلوس وسوفكليس، مثلا مشهد موت انكيدو وبكاء جلجامش عليه:

   (جلجامش يخاطب شيوخ أوروك)

   اسمعوني أيها الشيبة وأصغوا إلي

   من أجل انكيدو، خلي وصاحبي، أبكي وأنوح نواح الثكلى

   أنه الفأس التي في جنبي وقوة ساعدي

   والخنجر الذي في حزامي والمجن الذي بدأ عيني

   وفرحتي وبهجتي وكسوة عيدي15

   إلى أخره، وعلى الرغم من معالجاتها الإنسانية الشمولية لشتى المشاكل وتطرقها لأصعب العقد، مثل مشكلة الحياة والموت، وما بعد الموت والخلود، وانشغالها بموضوع حتمية الموت على البشر، وعلى بطلها جلجامش الذي ثلثاه من الآلهة الخالدة وثلثه الباقي من مادة البشر الفانية، وعلى الرغم من فريق مؤرخي الأدب الذي اعتبرها (أطول واكمل ملحمة عرفتها الحضارات القديم وليس هناك ما يقرن بها أو يضاهيها من أدب الحضارات القديمة قبل الإلياذة والأوديسيه في الأدب اليوناني)16. فإن شواهد قليلة ومحدودة اعتبرتها أو أشارت إلى كونها مادة درامية يرجع تاريخ تدوينها إلى ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد. ولقد كشفت الأختام الأسطوانية وفن النحت البارز ونصوص تلك الفترة عن مشاهد تمثيلية تصور أجزاء من الملحمة. ففي أختام عصر فجر السلالات (2800-2400 ق.م) نشاهد تمثيل بطل وهو يصارع الحيوانات المفترسة وقد عين هذا البطل بأنه جلجامش. وختم آخر نقش عليه صورة بطل يصارع أسدا وفيه كتابة باسم أور جلجامش (أي، خادم أو صاحب جلجامش) مثلما أصبحت أعماله ومغامرته مادة لملاحم وقصص سومرية وبابلية عديدة. وان اسمه ورد مع أسماء الملوك السومريين من سلالة مدينة الوركاء حيث يأتي ترتيب حكمه خامس ملك من ملوك تلك السلالة. وبموجب نص طه باقر، أن سلالة مدينة الوركاء الأولى تعتبر السلالة الثانية التي حكمت بعد الطوفان. ولقد سبقتها في الحكم سلالة كيش، هذا بالإضافة إلى أن شخصية جلجامش انتقلت إلى معظم الآداب القديمة أو أن أفعاله وما جاء به من إنجازات نسبت إلى أبطال الأمم الأخرى مثل: هرقل، أخيل والاسكندر ذي القرنين والبطل أوديسيوس في الأوديسة. والسؤال الذي يمكن طرحه في ضوء انتشار وشيوع الملحمة ومغامراتها الكثيرة: هل صادف وأن مثلت هذه الملحمة ذائعة الصيت على الملأ ؟ وهل خضعت إلى تعاليم وإلى إشارات إخراجية مثلما خضعت باقي النصوص القديمة الأخرى، مثل: رثاء أور، ونزول عشتار إلى العالم السفلي وموت بعلن مردوخ ... والخ. إن الجواب الذي يمكن أن نستخلصه لدراستنا لهذا الأمر هو أن الملحمة ظلت في كثير من الأحيان حبيسة أسلوبها السردي القصصي الذي يشبه إلى حد كبير طريقة سرد القصص في " ألف ليلة وليلة " وهذا ما جعل بعض أجزائها تقرأ بكيفية حكواتية في الأعياد والمناسبات أمام الجمهور. أما الجزء الآخر الذي اعتمد في مشهديته على الفعل والمغامرة والقتال، مثل مشهد منازلة جلجامش وصديقه انكيدو للثور السماوي، مشهد قضائهم على الوحش المارد "خمبابا" إلى آخره من الأحداث التي انحصرت في النقوش والأختام والباروليفات النحتية البارزة، وما عدا ذلك فإن حضارة وادي الرافدين اقتصرت في مظاهرها وهيئاتها المسرحية على كل ما هو ديني يتعلق بقصص الآلهة واشتراطاتها على البشر. وهذا ما دعا أغلب الكتاب والمؤرخين والمختصين في مجال الدراما إلى أن يعتبروا الحضارة العراقية القديمة حضارة خالية من الأثر المسرحي المتكامل. وإن وجد هذا الأثر أو تلك الآثار فإنها لا تؤدي إلى وظائف درامية بالمعنى الغربي الإغريقي، وفي اعتقادنا أن هذه الآراء قد تأسست في شكلها ومضمونها على كون النشاط الدرامي في الحضارة العراقية القديمة كان مرتبطا ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الدينية التي لم تحاول يوماً الخروج أو التمرد عليها واستنطاق ما هو دنيوي بدلا من الديني مثلما فعل الإغريق. ولكن هذا لا يمنع في نفس الوقت، من أن نلقي نظرة شبه تأملية على بعض مظاهرها الدرامية علنا نصل إلى شيء. إذ ليس من الممكن أن يكون العراقيون القدماء بما يمتلكونه من طقوس وإشارات دينية ونصوص درامية قد جهلوا وتجاهلوا حقيقة هذا النوع من الفن.

       لقد سجلت لنا الطقوس الدينية مظاهر درامية احتفالية كانت تمارس، في العادة بالمناسبات والأعياد الكبرى، ومن أهم هذه المظاهر:

-                                            قصة الخليقة البابلية

-                                            رأس السنة البابلية

-                                            موت وقيام مردوخ

-                                            هبوط عشتار إلى العالم السفلي

لقد كشفت الأيمان بأسطورة التكوين لدى البابليين عن السبب الذي أدى إلى تكرار الاحتفال بأعياد رأس السنة البابلية التي كانت تحتوي على شبه مسرحية تمثل معظمها في معارك الآلهة ونزاعاتها، لقد كانت تخاض معارك حيوية تشبيهية تذكرنا نوعاً ما بطقوس عاشوراء حيث كان يحتفل الأهالي بغياب الإله تموز وهبوطه في ظلومات الأرض مثلما تذكرنا طقوس ذاتها باحتفالات وادي الرافدين، بل هناك من يؤكد أن عاشوراء كاسم مأخوذ من اسم عشتار امرأة تموز، ففي عاشوراء كما يقول جعفر الخليل، في كتابه الموسوم "موسوعة العتبات" : (كانت النساء يمشين بشعور منثورة وأوجه مسودة وملابس ممزقة يلطمن الخدود ويولولن حزاً على الحسين الشهيد)18. ونساء بابل كن يفعلن نفس الشيء حزنا على هبوط تموز إلى العالم السفلي. ولقد اعتبر عاشوراء شهرا مباركا، كونه الشهر الذي تسقط فيه أول قطرة مطر في السنة مثلما يعتبر أيضا الشهر الذي خلق فيه آدم وحواء ومنحت فيه الرسالة المقدسة لأرواح العشرة آلاف رسول. إذن فهو شهر الخصب وفي نفس الوقت شهر الموت والميلاد، وإن رأس السنة البابلية يذكرنا بطقوس التعزية أو التعازي العاشورية التي كانت تحتوي على الكثير من التشابيه التمثيلية والطقوس والوقائع. ولقد كانت تستمر احتفالات رأس السنة البابلية أحد عشر يوما. إن السقف الزمني للاحتفال يلقي بنا من جديد في أحضان احتفالات عشرة أيام عاشوراء التي كان يحتفل فيها الشيعة من المسلمين باستشهاد الحسين وغيابه عن الأرض. لقد كانت تصور هذه الفعاليات التشخيصية اضطراب وفوضى العالم بعد غياب الإله: تحرير الإله مردوخ من أسر العالم السفلي:إعادة تمثيل قصة الخليقة، وخلال ذلك يتم تشخيص دور الإله مردوخ بينما تقوم إحدى كاهنات المعبد بدور " المرأة " في حين يقوم الشعب بدور المجاميع التي تشارك في المعارك. ولو تفحصنا عن قرب تلك الاحتفالات التي يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد والتي تتكرر سنويا، لوجدنا أن هناك أشخاصا يتقمصون ويحاكون الآلهة وشخصيات العالم السفلي، أي أنهم يجسدون شخصيات غير شخصياتهم في الحياة اليومية. ولقد كنت احتفالات رأس السنة البابلية بمثابة احتفال بالزواج المقدس حيث كان الكاهن يقوم بتشخيص دور الإله " تموز" مثلما تقوم الكاهنة بأداء دور "عشتار" عند استقبالها "تموز" ويقوم ممثل دور الإله "تموز" (بارتداء بدلة خاصة بهذه المناسبة ويضع على رأسه تاجا، ويقوم أحد الكهنة بتقديمه إلى عروسه "عشتار" التي تستقبله بدورها بأجمل وأبهى زينتها وأغلى حلتها)19.

    لقد كانت الغاية من وراء إقامة هذه الاحتفالات السنوية بالنسبة لإنسان العصور القديمة تكمن في تفسيره الخاص للظواهر الطبيعية والحضارية، وهذا التفسير كان مثلما ظل حتى الوقت الحاضر يختلف من حيث المنطق والمفهوم عن تفسيرات الإنسان المعاصر. تقول الباحثة " Mircea Eliade ": إن الإنسان المعاصر لا يعتبر نفسه حصيلة تاريخية، بينما يعتبر إنسان العصور القديمة نفسه حصيلة أحداث أسطورية ودينية. فالإنسان المعاصر مدين في واقعه الفكري والمادي إلى سلسلة متواصلة من المنجزات والأحداث التي وقعت عبر تاريخه الطويل وأسهمت في تطوره العلمي والفني والأدبي. أما إنسان العصور القديمة فقد كان حاضره يرتبط بسلسلة أحداث صنعتها قوى خارقة في البدء، أي أن الأبطال الذين صنعوا تأريخه كانوا آلهة وهو لذلك مقدس (...) ولهذا كان منطقيا أن يعيد الإنسان القديم ما حدث في البدء عن طريق إقامة الطقوس، ذلك لأن معرفة الإنسان القديم بالأساطير، أي لتأريخه المقدس كانت أمرا ضروريا ليس فقط لأنه تعطيه تفسيرا لأسرار الكون وعن كيفية وجوده هو بالذات فيه، وإنما لأنه يستطيع من خلال استذكار الأساطير ومن خلال إعادة وقائعها أن يعيد ما صنعته الآلهة والأبطال والأجداد في البدء)20. إذن كان من المنطق أن يعيد السومريون والبابليون، وأن يكرروا الوقائع والأحداث التي كانت تحاكي ذلك الزواج الإلهي كل عام، فيقوم ممثلو الآلهة من البشر كالملك أو الكاهن الأعظم، بتقمص شخصية الزوج الإله بينما تقوم الكاهنة العظمى بدور الزوجة الآلهة. وقد ورد في كتاب الدكتور فاضل عبد الواحد علي، "عشتار ومأساة تموز" : ( أن المراسيم تبدأ بالزواج الذي يعتبر الحدث الرئيسي للاحتفالات، حيث كان يقوم في المعبد وتحت أشراف الكهنة ومن أبرز هذه المراسيم:

-                                            وصول موكب الملك إلى معبد الآلهة -أنا.

-                                            تقديم الملك إلى عروسه الكاهنة.

وفي هذا الطقس الذي يعتمد على مبدأ الحيوية والتشبيه، يرتدي الملك بدلة خاصة ويضع على رأسه التاج، ويقوم أحد الكهنة بتقديمه إلى عروسه الكاهنة. وتستقبل الكاهنة زوجها الملك وهي في أجل ثيابها وأبهى زينتها وأغلى حليها. وتصف النصوص المسمارية لحظة اللقاء هذه:

( تغتسل العروس بالماء والصابون وتطيب جسمها بالدهان والعطور وفمها بالعنبر وتزين عينيها بالكحل ثم ترتدي الثياب النفيسة وتلبس الأساور والخواتم والقلائد المصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة)21. بعد ذلك مباشرة، تردد الكاهنة أغنية عاطفية تستنطق فيها " الوصال الجنسي" باعتباره العنصر الأساس الذي تدور حوله عقيدة الخصب. ويذكر الدكتور فاضل عبد الواحد علي، مثالا لهذه الأغنية التي كانت تنشدها إحدى الكاهنات إلى عريسها شو-سن ( 2028-2030 ق.م) رابع ملوك سلالة أور الثالثة:

( أيها العريس العزيز على القلب،

  ما ألذ وصلك حلو كالشهد

  لقد أسرتني فها أنا مرتعشة أمامك،

  أيها العريس ليتك أخذتني إلى غرفة النوم،

  أيها العريس دعني أقبلك

  فقبلتي العزيزة أحلى من الشهد،

  أيها العريس لقد نلت مني رغبتك

  فأخبر أمي لكي تعطيك ما لذ وطاب،

  وأخبر أبي لكي يقدم لك الهدايا،

  نفسك ... أني أعرف كيف أين أدخل السرور إلى نفسك !

  أيها العريس تعال ونم في بيتنا حتى الفجر.

  قلبك .. أني اعرف أين أدخل السرور إلى قلبك !

  أيها الأسد تعال ونم في بيتنا حتى الفجر.

  وأنت مادمت تحبني

  أتوسل إليك أن أقبلك

  يا سيدي الإله يا سيدي الحافظ

  يا شو-سن يا من يدخل السرور إلى قلب أنابل

  أتوسل إليك أن أقبلك ..).

بعد مجيء سادس ملوك سلالة بابل الأولى حمورابي ( 1792-1595 ق.م) الذي استطاع توحيد القطر في مملكة واحدة بعدما كانت عدة ممالك تحكم فيها جملة سلالات متعاصرة متنازعة. تفرد حمورابي بزعامة البلاد بعدما حقق وحدتها السياسية، وعندما صارت بابل  تحتل مركز الصدارة في بلاد وادي الرافدين حل "مردوخ"، مكان "تموز" وهكذا أدمجت في الألف الأول ق.م طقوس آلهة الخصب باحتفالات نشأة الكون وأصبحت أعياد رأس السنة تحتوي على فكرة  الزواج وقصة الخليقة معا، وصار من أبرز مظاهر هذا الاحتفال السنوي قيام الملك بتقمص شخصية الإله "مردوخ" بطل أسطورة التكوين البابلية ومحاربة "كنكو" قائد قوات تيامة والقضاء عليه في مسرحية دينية تجسد وقائع أسطورة التكوين*، مثلما بات الملك يقوم أيضا بتمثيل شخصية "تموز" إله الخصب وشخصية "انليل" إله الكون معا، فصارت شخصية الإله مردوخ تجمع فعالية الخصب وفعالية الكون. وبهذه الكيفية تأسست الطقوس الدرامية لاحتفالات رأس السنة الجديدة، على تمثيل قصة التكوين "موت وقيامة مردوخ" حيث كانت تجري الأحداث وفقا لما جاء في كتاب عشتار ومأساة تموز في بيت "أكيتو" وهو مكان خاص للاحتفالات الجماهيرية ويقع خارج أسوار المدينة، ويجري تمثيل هذا الطقس المسرحي، أن صح التعبير بكيفيتين.

-                                            الكيفية الأولى: شعبية.

-                                            الكيفية الثانية: دينية خاصة.

تتجسد في الطقس الشعبي فوضى العالم بعد غياب إله الخلق، حيث يقوم الشعب بتمثيل حالة الحزن والأسى الذي يرافق موت إله الخصب وتدور الأحداث جميعها في الشارع. في حين تجري أحداث الطقس الديني في المعبد، بسرية مطلقة لا يطلع عليها الجمهور العادي ويتم خلالها تمثيل عملية تخليص وتحرير الإله مردوخ على يدي أبنه "نايو". إن الاحتفالات البابلية وطقوس الزواج، ومأساة تموز ونزوله العالم السفلي وانبعاثه من جديد، وجميع هذه الإشارات أن دلت على شيء فإنها تدل على أن الحضارة العراقية القديمة كانت تحتوي على أنشطة وفعاليات شبه مسرحية قوامها "المحاكاة " والتقليد للكثير من المظاهر والهيئات التمثيلية مثل: محاكاة الآلهة من قبل البشر وتمثيل الفوضى التي تدب في الأرض بعد غياب الآلهة وتصوير الحروب والمعارك بين الآلهة ومكان خارج أسوار المدينة والطقس السري لتحرير مردوخ من قبل ابنه، حيث يصاحب ذلك صوتان، الأول يعلق على الأحداث التي تنفذ بشكل إيمائي والآخر يلاقي الرد على شكل مونولوج طويل يأتي على لسان "كاهن" أو " كاهنة ". زد على ذلك أن هذه الاحتفالات والطقوس كانت لا تخلو من إشاعة روح المرح والغناء والرقص على أنغام الآلات الموسيقية البابلية. إن الشيء الوحيد الذي يؤسف له، أن جميع هذه الأنشطة والتسليات ظلت حبيسة نفسها، محصورة بمراسيم وطقوس داخل جدران المعابد والساحات المخصصة للاحتفال، لا تؤدي سوى وظيفة دينية لم تحاول أن تخرج عن إطارها الديني إلى الدنيوي ولهذا السبب بالذات، تعذر على الكثير من الكتاب والدارسين الحصول على صيغة مسرحية قائمة بحد ذاتها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، أن مجسدي هذه التسليات المسرحية كانوا يقومون بأداء شخصيات وأحداث مقررة مسبقا ومعروفة، لذلك أن اهتمامهم لم يكن منصبا على الكيفية التي يمكن أن تقدم فيها الشخصيات، وإنما على الطقس الديني وما يدور به من فعاليات وأنشطة تحاكي الشعيرة الدينية.

   إن ما حدث في حضارة وادي الرافدين يمكن أن ينطبق ويسري على الحضارة الفرعونية التي شهدت هي الأخرى طقوسا شعائرية واحتفالات كرنفالية حاكت وخاطبت مثلما قلدت مظاهر دينية كثيرة شبه مسرحية، إذا لم تكن كذلك. ولقد لجأ الكثير من الدارسين والمهتمين بهذه الحضارة إلى افتراض تمثيليات ومشاهد مسرحية، معتمدين في ذلك على "البرديات" القديمة. ومن خلال هؤلاء الكتاب نذكر على سبيل المثال"  E. Drieton"الذي تحمس لقضية معرفة المصريين بالمسرح مثلما تحمست الكاتبة "مروزنجارتن" لقضية المسرح في وادي الرافدين حيث نشرت هذه الباحثة أكثر من مخطوط ومقال تشير فيهما وتؤكد على وجود مسرح ديني سومري22. فهي على سبيل المثال، درست مستويات الخطاب في نصوص "مراثي المدن" وبالذات نص "رثاء أور" الذي كتبه السومريون في ذكرى مدنهم التي غالبا ما كانت تتعرض للدمار والتخريب على أيدي الغزاة والبرابرة المحيطين بهم. ومن ثم قامت بتحليل ضمائر المتحدثين ومصائرهم ومكانتهم الاجتماعية والدينية والإلهية. ولقد ذهبت الكاتبة بعيدا في بحثها عندما حاولت أن تعقد مقارنات تطبيقية بين دور الجوقة في نص "رثاء أور" ودور الجوقة في التراجيديات الإغريقية عند اسخيلوس وسوفكليس. ثم لجأت إلى تقسيم النص إلى أربعة أزمان متسلسلة.

الزمن الأول: تهدم المدينة في الماضي.

الزمن الثاني: ترميمها في ماض أكثر حداثة.

الزمن الثالث: الأمنيات المتعلقة بالمستقبل.

لقد وصل الحال بحماس وإيمان هذه الباحثة إلى كتابة سيناريو ختامي استلهمته من أحداث النص الدرامي الذي تشير فيه إلى إمكانية أن يختم النص المسرحي في بيت شعري توجهه الجوقة إلى الآلة قائلة: (أيها الاله نانا، مدينتك المرممة، تسمو بك إلى المجد بأمجادك). وتقول الباحثة في هذا الصدد: ( يبدو لي بوضوح أن النص السومري قد مثل وقد مثلته جوقة قابلة إلى الانقسام إلى فئتين، ورئيس جوقة، في الأرجح، وعازفان على الصولو يقومان بدور الربة ننجال والمقدس في النشيد الأخير. وليس بمرفوض في هذه النظرية أن يعتبر التمثيل وكأنه عمل ديني، إن لم يكن طقسا من طقوس الدين، وأن يختار الممثلون من هيئة المعبد، فالربة والمقدس يمكن أن يكونا كاهنة وكاهن. فمما لا ريب فيه أن المجتمع السومري لم يعرف التمييز الذي يحدث في أفكارنا وفيما نعاني من أعمال بين الأمور الدنيوية والأمور المقدسة. ويبدو هذا ظاهرا في "مسرحه" كما هو ظاهر في المسرح الإغريقي الذي طالما رجعت إليه في تضاريس هذا البحث)23.

السيناريو الختامي وفقا لافتراضات الباحثة:

الجوقة:

62- الرؤوس السوداء التي طردت تخر ساجدة تعفر الوجه أمامك !

63- عبرات المدينة التي قلب عاليها سافلها، ذرفت حقا أمامك.

64- أيها الإله نانا لتغدُ مدينتك المرممة الآن متألقة زاهية من أجلك.

65- لتكن رفيعة الشأن كالنجمة النقية، فستمضي في طريقها أمام عينيك.

66- أيها الرب رجال مدينتك يحملون إليك عطاياهم.

67- وهذا الذي يقدم الهدايا سوف يصلي لك.

(دخول هذا الرجل)

المقدس

68- أيها الاله نانا، يا من تشفق على بلدك.

 69- أيها السيد الاله اشئمبابار، حين أعطف قلبك بكلماتي،

70- أيها الاله نانا، حرر أناسي مدينتك من أثمهم !

 

الجوقة:

71- أنت يا من تنطق بالصلاة، وفي وسعك أن تهدئ قلبه !

72- انظر بعين الرضا هذا الذي يقدم الهدايا والحاضرين من أبناء مدينتك.

73- أيها الاله نانا، يا من نظرته الرحيمة تبهج القلوب.

433- قلوب هذا الشعب الفاسدة وفي وسعك أن تردها كلها إلى الطهارة !

434- قلوب زبناء بلدك أفي وسعك أن تجعلها طيبة !

الجوقة

435: أيها الاله، مدينتك المرممة تسمو بك بأمجادها إلى مجدك24.

 

   لقد حاولت أيفون روزنجارتن، أن تبرهن على امتداد بحثها على وجود ظواهر وتجليات مسرحية في الحضارة العراقية القديمة شأنها شأن E. Deroton الذي يرد المسرح المصري إلى حوالي 3200 ق. م ويشاركه في هذا الرأي العالم الألماني Zita. وهكذا تختلف الآراء والتقديرات حول تاريخ ظهور المسرح سواء في الحضارة العراقية أو المصرية، مثلما تختلف الأسئلة تتضارب حول السبب الذي أدى إلى عدم تطورها في كلتا الحضارتين اللتين سبقتا، من حيث الزمن الحضارة الإغريقية وشواهدها التمثيلية وطقوسها الجنائزية واحتفالاتها بأعياد الآلهة. ثم أن ارتباط وانطلاق المسرح الإغريقي من الطقس الديني دفع الكثير من المؤرخين والباحثين إلى القول بوجود مسرح عراقي ومصري قديم ولكنه بل اشك كان أقل تطورا من المسرح الإغريقي نتيجة لفارق الزمن والمرحلة والتاريخ واختلاف مشهدية الظاهرة. ومثلما تقول كتب التاريخ، أن الإنسان قد عاش شطرا كبيرا من حياته بنوع من البدائية في عصر أطلق عليه اسم "عصور ما قبل التاريخ" قبل أن يقفز إلى عصر فجر الحضارات. ولقد تحقق ذلك بانتقال سكان وادي الرافدين ووادي النيل من عصور ما قبل أواخر الألف الرابع قبل الميلاد إلى حياة الحضارة والمدينة، التي نشأت فيها المقومات الأساسية للحياة كالمدن والمعارف إلى غيرها من العناصر والمقومات التي يمكن الاطلاع عليها بشكل تفصيلي في كتاب طه باقر "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة" الذي جاء فيه25، إن أدب وادي الرافدين لو قورن وقوبل مع آداب الحضارات القديمة الأخرى، فإنه يعتبر الأقدم. لأنه قد تم إبداعه وازدهاره في أواخر الألف الثالث ق. م وبداية الألف الثاني ق.م. في حين ينسب أدب مصر القديمة إلى عصر الأهرامات وهو عصر ازدهار الحضارة الفرعونية ونضجها في الألف الثالث ق.م. وبموجب باقر:(أن المنقبين والآثاريين قد اكتشفوا حديثا في "أغاريت" المدينة الكنعانية القديمة أدبا كنعانيا، يرقى تاريخه إلى حدود منتصف الألف الثاني ق.م، أي إلى ما بعد العهد الذي دون فيه أدب وادي الرافدين بأكثر من خمسمائة عام)26. وفي كل الأحوال فأن كلا الحضارتين العراقية والمصرية على اختلاف مراحل نشوئهما وتطورهما قد منحتا -في النتيجة- البشرية مثلما مهدتا لظهور المسرح أكثر بقليل مما مهدت عصور ما قبل التاريخ. ولكن على الرغم من كثرة المعلومات المتوافرة عن الحضارتين القديمتين، لم يستطع الباحثون والمؤرخون الاطمئنان إلى تلك المظاهر القديمة حتى بعد إعادة صياغتها ولهذا السبب ظل الشك والريبة يخيمان ويرافقان جميع البحوث التي عالجت موضوع المسرح. في حين يجد الكتاب والباحثون الغربيون ضالتهم عند الإغريق، في أناشيد الدايثرامبوس27 التي تعتبر أول أعمال تراجيدية تستنطق النظام الأخلاقي للكون في القرن الخامس ق. م على يد اسخيلوس ويوربيدس وغيرهما من الكتاب التراجيدين والكوميديين أمثال ارستوفانيس. لكن ميول هؤلاء الكتاب والمؤرخين إلى هذا الاعتقاد الصارم والجازم الذي ينكر على الشعوب الأخرى معرفتها بالمسرح، لا يستطيع أن يؤكد على أن النشأة الأولى للمسرح كانت إغريقية، لأن المسرح كفن يخضع للقواعد وأنظمة تتغير وفقا لتغير العصور والحضارات. إذن فهو فن لا يمكن أن يكون وليد اللحظة أو اليوم أو الليلة، وإنما تكون في البداية من نواة صغيرة نمت وتفرعت عند الشعوب البدائية وتغيرت ملامحها وأصولها على مر الأيام والسنين بعدما انتقل الإنسان البدائي إلى عصر الحضارات، حيث المدنية والقانون والعلوم والفن والأدب والمعمار. فالفن في جوهره نتاج حضاري معقد تصنعه الشعوب بتجاربها وبمعايشتها لشتى العناصر والظروف التي تتداخل فيما بينها لكي تعطي للظواهر مدلولاتها. وإذا كان البعض يعتبر المسرح اليوناني هو الأكثر انتشارا، وهو الأكثر مصداقية ورسمية من غيره، فلا بد لنا أن نسجل في الوقت نفسه، أن لكل مجتمع أو حضارة قديمة مسرحها وظواهرها التي تتميز عن غيرها.

 

 

الفصل الثاني

المسرح العربي بين ما هو شفاهي وبين ما هو مكتوب    

 

    لقد حاولنا في الفصل الأول من كتابنا، أن نلقي الضوء على جذر الظاهرة المسرحية وتعريفاتها المتعددة، من حيث هي ظاهرة شمولية تجمع العديد من الفعاليات والهيئات الإيمائية والصوتية والتدوينية التي رافقت الإنسان البدائي وانتقالاته إلى عصر الحضارات القديمة التي سبقت من حيث التاريخ والوجود الحضارة الإغريقية. مثلما حاولنا أن نبين أن فن الدراما، بمواصفاته وشروطه المتعارف عليها قد نشأ نتيجة للأعياد والاحتفالات الديونيزية، والطقوس والرقصات الإشارية التي كان الشعب اليوناني ينشدها ويمسرحها على طريقته وفقا لقانون النشوة والفرح.

   وسنحاول في هذا الفصل أن نبحث أسباب غياب الفعل المسرحي في الأدب العربي، ونرى إذا كان له وجود حقيقي أو شبه وجود. وإذا كان كذلك، فما هي مظاهره ومصادره الشفاهيه والمكتوبة المعتمدة. ويا ترى هل يشبه أو يقترب من حيث الشكل والمضمون من مفهوم المسرح بمعناه الأوربي ؟ أم أنه يحمل طابعا خاصا مميزا ومختلفا ؟ هناك الكثير من الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الشأن، ولكننا نفضل في المرحلة الأولى من البحث أن نؤجل الخوض فيها، على أمل الرجوع إليها بعد ما نعيد طرحها بكيفيات مختلفة، في الزمان والمكان المناسب، لكي يتسنى لنا، الإجابة على البعض منها والتوقف والتعليق على البعض الآخر.

   لقد اختلف أغلب الكتاب والمنظرين حول مسألة وجود وعدم وجود المسرح في الحياة الاجتماعية، الثقافية والسياسية العربية. فهناك فريق يعتبر المسرح، ظاهرة غربية دخيلة على الذات العربية، لأنها قد ولدت خارج رحم الثقافة العربية، وفريق ثان، يؤكد على أن العرب قد عرفوا أشكال عديدة ومختلفة من المسرح وليس شكلا واحدا قبل منتصف القرن التاسع عشر. أما الفريق الثالث، فهو يكاد أن يكون متعصبا للثقافة العربية وحاجاتها، بحيث يعزوا سبب عدم وجود مسرح عربي أو عدم نموه بشكل طبيعي كظاهرة في المجتمع العربي، إلى عدم الحاجة إليه بدعوى أن هذا الفن المركب لا ينسجم وعبقرية العرب الفنية. وفريق رابع، يعتبر ولادة المسرح في الثقافة العربية ولادة غير شرعية. ولهذا السبب أنه لم يتطور أو ينهض. وفي اعتقادنا، أن غربة هذه الظاهرة في الثقافة العربية ناتجة عن هذه التعددية والاختلافية في الآراء التي لا تريد أن ترسوا إلى حل أو الوصول إلى نتيجة قاطعه، لذلك تراها تلجا دائما إلى ترك الباب مفتوحا بإضافتها إلى هذا الرأي أو ذاك كلمة "ولكن" التي تقطع الاستنتاج من نصفه لكي تجعله منقسما على نفسه يتأرجح ما بين ألا والنعم بنوع من السكونية المطلقة التي لا تعمل على تحرير المسرح من سجونه الذاتية التي تتمثل في البحث عن مسرح عربي، وهوية مسرحية خاصة، وإشكاليات وأطر تأصيلة تبدو في شكلها ومضمونها، على المستوي العملي التطبيقي غير مجدية ولا تخدم المنجز المسرحي الذي ظل بدوره متأخرا وغريبا على الناس لفترة طويلة.

 لقد انقسم الدارسين على أنفسهم وأصبحوا طوائف متعارضة: طائفة تعارض وجود المسرح عند العرب، مثل: مارون النقاش، محمد عزيزة، وطائفة تتحمس له مؤكدة على وجود اصطلاح عربي قديم للمسرحية (ألبابه)، مثل: علي الراعي، وثالثة لا ترفض الظاهرة من أساسها معتمدة في ذلك على بعض المظاهر التمثيلية التي حفظها الأدب العربي، مثل: الحكاية الشعبية، التعازي العاشورية، المقامة، ومسرح خيال الظل والخ ... وما أن نفتح كتاب من الكتب التي تبحث في هذا الموضوع أو ذاك حتى نغرق في تفاصيل وشواهد ومفردات تحاول مرة أن تثبت وتبرهن على وجود الظاهرة وأخرى تلغيها وتعتبرها ظاهرة أوربية مستزرعة في جسد الثقافة العربية، وثالثة ورابعة وخامسة تعتبر سنة 1849، البداية الحقيقية للمسرح العربي. إن جميع هذه الآراء والتصريحات العلمية وغير العلمية تلقي بنا مباشرة في أحضان الإشكالية التي واجهناها في تحديد الطفولة الأولى للمسرح عند الإغريق، بعدما اجمع المؤرخين المختصين على أن المسرح قد نشأ في القرن الخامس ق. م لدى الإغريق معتمدين في ذلك على شواهد نصيه "مسرحية الضارعات لأسخيلوس"، ناسين أو بالأخرى متناسين أن الإنسان البدائي وشعوب الحضارات القديمة، قد عرفت المسرح بشكله البسيط وكانت لهم نصوص وطقوس ومكان للاحتفال كان يمكن أن نطلق عليه اسم مسرح الأحداث أو مسرح الطقوس. ولكن يبدو أن التاريخ لا يريد أن يتغير وإن ارتدى حللا وملابس جديدة عصرية وكذلك العالم، فإنه دائما وأبدا يحتاج إلى أبطال وتواريخ يتكأ عليها في نسب الأشياء والظواهر لحظة الإحساس بالضياع والمتاهة.

في ضوء هذا، سنحاول أن ندرس الظاهرة المسرحية العربية من تاريخها الأول وأن كنا نعتقد أو نؤمن بغير ذلك. ولكن من أجل أن نبدأ لا بد لنا من نقطة انطلاق معينة يتفق عليها الجميع رغم الانقسامات.

 

 

·                                            مارون النقاش والولادة الرسمية للمسرح العربي

 

    لقد اعتبر دارسي الأدب المسرحي سنة 1849 بداية لتاريخ المسرح العربي وفاتحة عهد جديد بعد ما كان المسرح من قبل مقتصرا على مظاهر وهيئات شبه مسرحية، مثل: التعزية، خيال الظل، فن الحكائين والحكواتية وأرباب المساخر وإلى أخره من المظاهر التي لم تأخذ شكل المسرح الأوربي حتى مجيء عام 1849 الذي أسس فيه النقاش فرقته وقدم من خلالها مسرحية "البخيل" لموليير بعد ما ترجمها واعدها. علما أن مارون النقاش، كان واحدا من الذين كانوا يعارضون فكرة وجود المسرح في الأدب العربي. وفي اعتقادنا أن معارضته هذه متأنية من انبهاره الزائد بسحر الغرب. فهو لا يتوانى عن ذكر ذلك وتأكيده في اكثر مناسبة خصوصا عندما وصف المسرح العربي "بالذهب الإفرنجي مسبوكا عربيا" في الكلمة التي ألقاها عند تقديم مسرحية البخيل" (على أنني عند مروري بالأقطار الأوربية، وسلوكي الأمصار الإفرنجية، قد عاينت عندهم فيما بين الوسايط  والمنافع، التي من شأنها تهذيب الطبائع مراسحا يلعبون بها العاب غربية ويقصون فيها قصصا عجيبة، فيرى بهذه الحكايات التي يشيرون بها، والروايات التي يشكلون بها ويعتمدون عليها من ظاهرها مجاز ومزاج، وباطنها حقيقة وصلاح)[1]. لقد نعت النقاش " المسرح العربي بذهب إفرنجي مسبوكا عربيا لأنه، في الحقيقة، كان يقلد المسرح الغربي بنوع من اللاوعي الذي أثار غيظ الرحالة الإنكليزي" ديفيد اركيوهارت" عندما حضر مسرحيته الثانية "أبو حسن المغفل" عام 1849، إذ علق هذا الأخير على العرض قائلا: (كان هؤلاء قد شاهدوا في أوربا أن المسرح له أنوار عاميه، وتقوم في مقدمتها "فتحة" الملقن، فاعتبروها من لوازم المسرح الضرورية، فوضعوها حيث لا حاجة لهم بها، وعلى ذلك وضعوا كراسي لجلوس الخليفة ووزيره ومرايا كبيره للسيدات متأثرين بما شاهدوه على المسارح الأوربية).[2]

   إن موضوعنا بالدرجة الأساس ليس النقاش وكيفية تعامله مع فن المسرح مثلما نحن هنا ليس بصدد نقد تجربته وتقيمها، فهو يبقى مهما كانت بساطة تجربته مقارنة بالتجارب الأخرى واحدة من أهم مؤسسي المسرح العربي بمفهومه الغربي. وإن جل ما يستوقفنا في هذا المجال هو أسباب غياب الظاهرة المسرحية كل هذه القرون ؟ وهل كان السبب الرئيسي وراء هذا الغياب هو "الدين" حقا مثلما تقول بعض الآراء أم أن العرب لم يكن بحاجة حقيقية إلى مثل هذا النوع من الفن؟ أسئلة كثيرة محيرة ومقلقة. ومن أجل الإجابة عليها سنحاول أن نتوقف أولا وقبل كل شيء إزاء تساؤلات وآراء الباحثة السوفيتية "ت. أ. بوسينيسوفا " حول المسرح العربي وبداياته. تقول هذه الباحثة في كتابها " المسرح العربي في ألف عام " المنشور في مجلة آفاق عربية: (إن الثقافة العربية وعلومها تمتد إلى ما يزيد على ألف عام. وإن هذه الثقافة كانت قد غزت أوربا عن طريق الشعر في أدوارها الأولى، إذ أعطى الشعر العربي أمثلة حية لشعراء أوربا، واستلهم الكثير من أدبائها شيئا لا يستهان به من تلك الملاحم الشعرية ... والتي ظهرت آثارها جلية في الثقافة الأوربية)[3]. ولو تتبعنا خطى الباحثة السوفيتية وطريقتها في البحث، فسنضيف إلى الشعر، أفكار الفلاسفة العرب التقدميين وخاصة "أبن رشد" الذي ساعد وبطريقة غير مباشرة الفلاسفة الغربيين في القرون الوسطى على محاربة تسلط أفكار الكنيسة الكاثوليكية في تكوين فن علماني مبني على المفهوم الإنساني الجمالي للعالم المحسوس، مثلما كان لتأثير نظريات العلوم التي أوجدها المفكرون العرب على الغرب. ومن المتعارف عليه أن الموسيقيين الغربيين عندما درسوا النظريات الموسيقية استعانوا بشكل واسع بمفاهيم "الكندي" و"الفارابي". وكذلك استفاد الغرب من الفن العربي وبالذات بفن "المنارة  (التي ساعدت في رأي العلماء والمختصين على تكوين أساس علمي ورياضي للمفهوم الجمالي حول الضوء واللون)[4].

   ولقد كتب بوشكين يقول: ( هناك شيئان أثرا تأثيرا حاسما على روح الأشعار الأوربية وهو احتلال المغاربة أسبانيا، والحروب الصليبية. فقد دخل المغاربة إلى الشعر الخيال الخصب وعواطف الحب الرقيقة والتعلق الرائع وبلاغة الشرق العظيم)[5]. هذا بالإضافة إلى نقل وترجمة الكثير من الآداب والعلوم الإغريقية والتي جاء من ضمنها كتاب "الشعر" لأرسطوطاليس في القرن التاسع عشر. وقد ترجمه "أبو بشير متي" عن السريانية وليس الإغريقية، معتمدا على ترجمة " اسحق بن حنين". ولقد لفتت هذه الترجمة أنظار فئة قليلة من الفلاسفة الرواقيين من بينهم: الكندي، الفارابي وابن رشد، الذي قام بدوره هو الآخر بترجمة كتاب فن "الشعر" ولكن هذه المرة كانت عن اللغة الأصلية. ولقد واجهت ابن رشد عند ترجمته للنص صعوبات لغوية تتعلق في معنى ومفهوم كلمتي " الكوميديا " و "التراجيديا". ولقد تخلص ابن رشد من هذا المأزق اللغوي باستعماله كلمة "الهجاء" مقابل كلمة "كوميديا" وكلمة "مدح" مقابل كلمة " تراجيديا". ويرجع هذا الخطأ المرتكب الذي لم يكن جاهلا به "ابن رشد"، إلى كون "أرسطو" في كتابه حاول أن يعتمد في تفسيره للتراجيديا على أشعار "هوميروس"، وهذا الأمر لم يثر حينذاك أي تجاوب عاطفي عند العرب. وذلك لأنهم في ذلك الوقت والزمان لم يكن يعرفوا أي فن درامي مشابه ولا حتى أي نوع متطور من الملاحم الشعرية. هذا بالإضافة إلى التعارض الذي كان موجودا بين الإسلام والدراما المسرحية كفكر. إن جميع هذه الأشياء جعلت "ابن رشد" يبحث عن معادل موضوعي للكلمتين، فلم يجد ما هو أقرب للمعنى من كلمتي "الهجاء" و "المديح". وبما أننا تطرقنا في معرض حديثنا إلى تعارض الإسلام والمسرح، فسنحاول التوقف عند الموضوع الذي أثار الكثير من الخلافات ما بين الدارسين لظاهرة المسرح في الوطن العربي.

يوجد الكثير من الباحثين والمؤرخين والمستشرقين الذين يعزون مسألة تأخر ظهور المسرح عند العرب إلى تأثير الإسلام الذي، وفقا لتصوراتهم، قد منع فن التشخيص. ولو نرجع قليلا إلى الوراء ونحاول استعراض الأحداث التي رافقت ظهور الإسلام وما نتج عنه من أحداث ومتغيرات، فسنجد أن الحرب التي شنها النبي محمد (ص) على الديانات الوثنية بتطهيره للكعبة من آلهة العرب الوثنية، حيث اعتبرت هذه الحروب أو الانتصار الذي حققه النبي محمد (ص) بمثابة دين ونظام سياسي جديد يحل محل قيم الجزيرة العربية القديمة. وعلى هذا الأساس، حرم الإسلام جميع أنواع التعبير الفني، كالتصوير، النحت أو ما يشابه الهيئات البشرية. ولكن من الملاحظ أن جميع هذه الأحكام بالمنع وإنزال العقاب بمن يقوم بعمل ما جاز الله وحده به لم ينطق بها القرآن الكريم بل لا توجد هنالك آية من الآيات تتطرق لمثل هذا الموضوع. والشيء الوحيد الذي يعتمد في هذا المجال أحاديث منسوبة إلى الرسول مثلما جاء في كتاب "أحمد تيمور باشا" "فن التصوير عند العرب": ( في يوم القيامة سيلاقي كل من صور كائنا حيا عقابا صارما وعذابا أليما) و( لا يدخل الملائكة أي بيت يوجد فيه كلب أو صورة لأي كائن حي)[6]. وانطلاقا من هذه الاجتهادات المنسوبة إلى النبي، لم تحرم الصورة والرسم والنحت وفن التشخيص فحسب وإنما الشعر والموسيقى أيضا. وبهذه الكيفية،  حددت وأطرت وشيدت حول الكثير من الألوان الفنية والأدبية الأسوار وأصبحت حبيسة مفاهيم غريبة تتنافى مع عادات وتقاليد عرب الجاهلية الذين كانوا يتقربون من آلهتهم عن طريق الرقص والترنيم المصحوب بالأنغام الموسيقية. ويقول "محمد يوسف نجم، في هذا الصدد :( إن وثنية  العرب لم تكن بدائية ضعيفة الصلة بنفوس أصحابها، بل كانت وثنية معقدة ضربت جذورها أعماق النفوس واتصلت غاياتها ومظاهرها بدورة الطبيعة ومواسمها، وتكتلت في شعائرها اماثة الجسد وقهره، ثم شعائر التطهير، وشعائر البعث والإخصاب وأخيرا شعائر البهجة، وما يتصل من مآدب وحفلات، وقد كانت هذه الوثنية معقده تقوم على معبد وصنم وقرابين وطقوس وأشعار تمثيلية)[7].ولكن تبقى مسألة لا بد من أثارتها وهي ، أن معجزة الإسلام عندما جاء لم تكن صورة أو تمثال أو شيئا آخر من هذا القبيل وإنما كانت اللغة والمسرح كشكل من أشكال التعبير عن المشاعر والأفكار والأحاسيس ووسيلته في ذلك "اللغة". وإذا كانت معجزة الإسلام اللغة ووسيلة المسرح في التعبير عن نفسه اللغة أيضا، فلماذا الاختلاف والتعارض أذن؟!.

إن اللغز يكاد أن يكون محيرا وغير مقنعا لا سيما أن جميع البراهين والشواهد تثبت أن القرآن لم يأت بصورة أو آيه تعارض فيها هذا أو ذاك من النوع من المسرح. ثم هل يمكن أن تكون مؤلفات الفلاسفة العرب والمؤرخين، مثل: ابن خلدون، وابن رشد، والفارابي، وابن سينا، والخ من الفلاسفة والمفكرين الذين شيدوا بفكرهم صرح الحضارات وبنوا معمارية التطور الاجتماعي، كانت عاجزة عن تكوين صورة بسيطة عن المسرح؟! وإذا كان ما نقوله فيه نوع من الصحة والمنطق، فما هي أسباب غيابه كل هذه القرون؟!. ثم لماذا ترددّ الأدب العربي، مثلما يقول "توفيق الحكيم": ( في قبول هذا اللون الغريب عليه، فتركه زمنا خارج جدرانه، نسمع بأمره من أفواه النظارة دون أن نحفل بالالتفات إليه أو الخوض فيه؟!)[8]. ما هي ردود فعل المفكرين العرب إزاء هذا الغياب أو التأخير غير مبرر؟!

 

 

 

-                      وجهة نظر الباحث محمد عزيزة

 

    يعزو الباحث محمد عزيزة هذا الغياب أو التأخير في الأدب العربي إلى الإسلام، وذلك لأن الإسلام، في رأيه، (يخضع إرادة المسلم إلى إرادة الله بل تعتبر إرادة المسلم جزء من إرادة الرب، لذلك لا يمكن أن يتم أو يحصل تواجه فيما بين الارادتين كما هو حال أبطال المسرح اليوناني في مواجهتهم للآلهة)[9].وان سر الغياب يرجع، بالدرجة الأولى، إلى انعدام الصراع في الحضارة العربية الإسلامية. والصراع بالنسبة العزيزة أربعة أنواع:

 

·           صراع عمودي:

وهو صراع ما بين الإنسان والإرادة الإلهية، ويأتي بمسرحية (بروميثيوس مقيدا) كمثل قريب يمنحه لنا المسرح الإغريقي لترجمة هذا الصراع.

 

 

·           صراع أفقي:

 ويتمثل في صراع البطل مع النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه، والمثال الذي يعطيه عزيزة  لهذا النوع من الصراع، مسرحية "أنتجون".

·           صراع ديناميكي أو صراع متحرك:

 يتجسد في المواجهة ما بين العفوية البشرية للقدر، وما بين التاريخ الدامي للإنسان والقضاء والقدر، ومثال عزيزة هو مسرحية "الفرس".

 

·            صراع داخلي:

وهو صراع الفرد مع نفسه، مثلما في مسرحية "أوديب".

وانطلاقا من هذه المحاور الأربع يؤكد عزيزة على أن الإسلام حال دون وجود المسرح بمفهومه الإغريقي الارسطوطاليسي، لان المسرح من وجهة نظره لا يمكن أن ينشأ أو يوجد في مجتمع من المجتمعات ما لم تتوفر فيه مجموعة من المتناقضات والمختلفات التي تبعث على تفجير وتطوير فن الدراما. ويقصد عزيزة هنا "بالمتناقضات" الصراعات الأربعة التي في اعتقاده غير موجودة في المجتمع العربي الإسلامي. ولكن مع ذلك يضع الباحث استثناء لقاعدة أوشك أن يتبناه، وهذا الاستثناء في رأيه، يتجسد في التعازي الشيعية. ويقول في هذا الصدد: (الاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي هذا، هو التعازي الشيعية، التي أعطت الإسلام، اعتبارا من القرن السابع، الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه)[10].

- حياة البداوة

      هناك بعض الآراء والأصوات التي ارتفعت لكي تعلن وتشرح بصوت عالٍ  بأن أسباب غياب المسرح في الأدب العربي، يرجع بالدرجة الأولى إلى أسلوب حياة العرب اليومية التي اعتمدت في مجملها على التنقل والترحال وعدم الاستقرار. ومن بين هؤلاء الدارسين المختصين الذين يتبنون مثل هذا الرأي، المسرحي المصري "زكي طليمات" الذي يبلور وجهة نظره في هذا الشأن باعتماده على فكرة كون المسرح كما هو متعارف عليه، يحتاج إلى حضور متفرج دائم يقطن في مكان ثابت يسمح له بالاتصال بشكل مستمر مع المسرح وقوانينه التي تطلب نوع من الفهم والدراية بميكانيكية الفعل المسرحي. نحن لا نميل لهذا النوع من الآراء وذلك لاعتقادنا وإيماننا بأن المسرح لا يحتاج بالضرورة إلى أبنية ومعمارية خاصة وذلك لأنه عندما ولد المسرح كظاهرة جمعية في أحضان الشعوب البدائية  الأولى ولد حرا طليقا مثل عناصر الطبيعة، بعيد عن القيود وسجون العلبة الإيطالية التي  ابتكارها الإنسان  لحاجته إليها في عصر معين، ولهذا السبب لم تكن العلبة الإيطالية ذات يوم شرطا أساسيا من شروط القيام بالمسرح، لان المسرح، مثلما يقول "بافيس" ( هو المكان الذي ينظر فيه الجمهور إلى حدث يدور في المكان الآخر منه)[11]. وهذا يعني أن المسرح فضاء، ورؤية، وتعبير يمكن أن يدور في أي مكان وزمان في داخل أو خارج الأبنية.

 

-                الموقف المزدوج من المسرح

    إذا كان العرب أو الإسلام لم ينجحوا في خلق مسرح بمعناه الأرسطي على الرغم من معرفتهم بالثقافة اليونانية، فهذا لا يعني انهم لم يمارسوه بشكل أو بآخر، لأننا إذا مررنا على الطقوس الاحتفالية لشعوب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام أو بعده، فسنعثر إضافة إلى المظاهر الدرامية التي تعتمد في شكلها ومضمونها على تعاليم المعلم الأول أرسطوطاليس كما هو ظاهر في فلسفة الفارابي عن حقيقة الشعر والفن عندما اعتبر الفلاسفة العرب أن الفنون الجميلة هي نوع خاص من الفنون، وهي مبنية على أساس المحاكاة، على الكثير من المظاهر والهيئات الدرامية التي ليست بالضرورة تلائم أو تشبه الشكل المسرحي الأرسطي. وانطلاقا من هذا المنطق، يؤكد الدارسين والمختصين على وجود مسرح عربي قبل تجربة مارون النقاش. ومن بين هؤلاء الباحثين "الدكتور علي الراعي" الذي يقول في كتابه "المسرح في الوطن العربي" :( يمكن القول - بكثير من الوثوق- بأن العرب والشعوب الإسلامية عامة قد عرفت أشكالا مختلفة من المسرح ومن النشاط المسرحي لقرون طويلة قبل منتصف القرن التاسع عشر)[12]. وعلى هذا الأساس، وبعد أن يستعرض "الراعي" شتى صنوف الطقوس والمظاهر الدرامية، الشفوية والمكتوبة، يشير إلى أمران ساهما في منع الناس من اعتبار فنون العرض التي كانت تمارس آنذاك مسرحا، الأمر الأول: هو أن العرب الأقدمين لم يقرءوا نصوصا مسرحية قط، لا من اليونان ولا من فنون الشرق الأقصى، وعلى هذا الأساس بات المسرح كفكره وفن معا، غير وارد بالنسبة لهم. أما الأمر الثاني: هو أن أشراف العرب، كانوا يمارسون المسرح دون أن يعرفوا انه مسرح، وكانوا يشتغلون به في السر والعلن. ولهذا السبب، اتخذت العقلية الرسمية من فنون العرض المسرحي موقفا مزدوجا، فهي ترفضه من حيث المبدأ، وتقبله في التطبيق. ثم يأتي "الراعي" بطرفه استقاها من أيام حكم "المنصور"، لكي يبرهن على مصداقية رأيه من خلال عرضه للموقف المتناقض لأشراف العرب من المسرح.

 

 

-  قصة الخليفة المنصور من فن المسرحة

  وقف رجل بين يدي أمير المؤمنين "المنصور" زاعما أن لديه ما يستوجب العجب.

 فقال له الخليفة : هات ما عندك.

فأخرج الرجل من كيسه كمية من الإبر، وقذف بإبرة منها إلى الحائط فثبتت فيه، ثم قذف  الثانية، فدخل طرفها في ثقب الأولى، وهكذا كلما قذف بإبرة دخل طرفها في ثقب سابقتها، حتى اكمل مائة إبرة!. فأعجب المنصور بفعله، وامر له بمائة دينار وبجلده مائة جلدة !

فارتاع الرجل، وقال وقد استبد به الجزع : لماذا يا أمير المؤمنين؟

فقال المنصور: مائة الدينار لبراعتك وحذقك، ومائة الجلدة لإضاعتك الوقت فيما لا ينفع ولا يفيد!)[13]. إن هذه الازدواجية في الموقف لدى أشراف العرب متأتية في الأساس من  مبدأ القبول والرفض الذي ساهم في تأخر  تطور المسرح وفي غيابه في الكثير من المراحل التي كان يمكن أن يزدهر بها وان يصل بها مرحلة متطورة من الكمال. ثم أن الطرفة التي يسردها "الراعي "في كتابه، تبرهن نوعا ما، على عدم معرفة العرب بالمسرح بمعناه الأرسطي. والدليل انهم كانوا يمارسوه ويعرضوه ويتجولون به هنا وهناك دون أن يدركوا أن ما يقومون به من فعاليات تنتمي من حيث لا يدرون إلى فنون العرض، فهو نوع من أنواع المسرح الجوال.

 

- أسباب متفرقة أخرى للغياب

    من الأسباب الأخرى التي يمكن ذكرها في ضوء التساؤلات المطروحة حول وجود وعدم وجود المسرح، هي :

·        أولا، ظهور دولة الخلفاء في الجزيرة العربية في القرن السابع والتي سرعان ما امتدت وانتشرت سلطتها في البلاد المجاورة كالعراق وسوريا وفلسطين ومصر وإيران وحتى أواسط آسيا وشمال أفريقيا. ويعتبر هذا الانتشار التي حققته دولة الخلفاء واحدة من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى عدم تطور المظاهر والهيئات الشبه مسرحية التي كانت تمارس آنذاك من قبل الفنانين الفطريين، وذلك لانشغال العرب ، بالدرجة الأولى، بنشر الإسلام في بقاع أخرى بعيده عن الجزيرة العربية.

·     ثانيا، العمل على توحيد العرب في دولة واحدة. وهذا المشروع التوحيدي اجبرّ القادة آنذاك على القيام باحتلال البلدان المجاورة لهم.

·          ثالثا: موت عثمان ابن عفان و ولادة النزاع السياسي حول الخلافة.

·         رابعا: الهيمنة الأموية وتفشي الصراع القبلي في جميع أنحاء البلاد.

·    خامسا: انشغال العباسين بالتمزق السياسي/الديني الذي تعرضت له دولتهم في عصرها الثاني. إضافة إلى المشاكل التي تسبب فيها الفرس للدولة العباسية في هذا العصر بالذات الذي تفجرت فيه الدولة العباسية القوية وتحولت إلى دويلات صغيره.

 

·         سادسا: الاحتلال التركي إلى العرب تحت قناع الإسلام.

 

 

- آراء وافتراضات

  هناك الكثير من الآراء والافتراضات التي تؤيد وتنفي مسألة وجود مسرح عربي. وهذا النفي والتأييد يخفي في أعماقه دعوة حقيقية لخلق مسرح عربي قلبا وقالبا. فهي تحاول أن تقول بشكل غير مباشر وأحيانا  مباشر ومعلن، أن تراث العرب كان يحتوي على نتاج درامي وتمثيلي، وذلك لان الإنسان بالضرورة هو كائن درامي وان الإنسان العربي لا يمكن أن يكون مختلفا عن باقي البشر، فهو أيضا قد عاش الحياة بنوع من الدرامية، زد على ذلك انه لم يكن جاهلا بالتفكير الدرامي أو جاهلا بالتعبير الدرامي ولكن معرفته به لم تكن بالضرورة مشابها للمعرفة الغربية الإغريقية. ولهذا تحاول أن تؤكد هذه الآراء على وجود الدراما العربية من خلال ذهابها والتجائها إلى الموروث الشعبي والتراث التمثيلي في الآداب الشفوية والمكتوبة المتمثلة في ألوان التسلية الشعبية: فن الحكواتي، فن المقلدين الشعبيين، فن القرقوز، فن خيال الظل، المقامات، الإنشاء المسرحي في القرآن (قصة أهل الكهف)، عاشوراء ونصوص التعزية، احتفالات مولد النبي، الكرك أو الكرج، القصص والمرويات، إلى أخره. في مقابل ذلك، تذهب اغلب الآراء الغربية إلى رفض مسألة قبول الدراما في الفنون العربية معتبرة أن وصول الدراما إلى العرب قد جاء عن طريق أوربا، بعدما تأثر بعض رواد المسرح العرب، مثل  مارون النقاش، يعقوب صنوع، وأبو خليل القباني في القرن التاسع عشر بأدب كورني وموليير وشكسبير إلى آخره من الكتاب.

 

- عرض سريع لبعض الآراء

 

   هناك بعض الآراء التي تقول أن المسرح ظاهرة غربية لها تقنياتها وأفكارها الفنية الراقية التي تتفوق وتختلف عن أصول وأشكال الملاهي والتسليات الشعبي’. مثلما هناك آراء تقول أن الشكل المسرحي الذي ورثناه عن الغرب ليس هو الشكل الوحيد. وبما أن هناك أشكال مسرحيه أخرى مثل: المسرح الكابوكي، و"النو" الياباني، والأوبرا الصينية، والمأساة الإغريقية، والكوميديا ديلارتي الإيطالية، فلماذا لا يكون للعرب مسرحهم الخاص؟.

·         رأي يوسف إدريس:

 

    يقول يوسف إدريس في كتابه" نحو مسرح عربي" :( أننا نقصد حين نتكلم عن المسرح ذلك المكان العالي ذا القبوة والخشبة والممثلين والروايات، وهذا صحيح، ولكنه ليس كل المسرح، فللمسرح أشكال كثيرة متعددة وليس هذا النوع سوى مجرد شكل واحد تطور على يد الإغريق)[14]. وانطلاقا من هذا الرأي، نادى يوسف إدريس بخلق مسرح عربي يختلف عن المسرح الغربي، وذلك بالعودة إلى مسرح السامر المصري كمنطلق لتطوير مسرح مصري أصيل يرفض مبدأ التبعية. ومسرح السامر الذي ينادي به إدريس، مسرح يمكن تطويره وإعادة صياغته وفقا لمعايير شعبية وفنية. فهو مسرح يعرفه خير معرفة أبناء الريف والمدينة المصرية معا. وعلى هذا الأساس يمكن أن تشترك فيه عناصر عده من: ممثل وجمهور ومؤلف ومعمارية غير تقليديه كي تعطي في النهاية شكلا مسرحيا مصريا.

 

·           رأي عز الدين مدني:

     ينظم الباحث التونسي"عز الدين مدني" إلى رأي يوسف إدريس، مثلما تكاد أن تكون وجهة نظره بخصوص المسرح المعاصر وتنوع أشكاله وتقنياته مشابهة إلى حد كبير إلى وجهة نظر " انتوان ارتو" الذي يشير في  كتابه "المسرح وقرينه" إلى وجود اكثر من مسرح واحد:( إن المسرح الشرقي في النزعات الميتافيزيقية المناقض للمسرح الغربي في النزعات النفسية، تأخذ الأشكال فيه معناها على شتى المستويات)[15]. ولم ينطق انتوان ارتو بهذا القول إلا بعدما تمكن في إحدى رحلاته عام 1931، من مشاهدة تجارب وعروض المسرح الإندونيسي بجزيرة بالي. بعد ذلك مباشرة قرر الرحيل إلى المكسيك من أجل البحث عن لغة مسرحية جديدة، مثله في ذلك مثل المسرحي الألماني "برتولد بريشت" الذي شيد نظريته المسرحية المعنية "بالتغريب" على تقنيات المسرح الصيني. ونتيجة لجملة هذه الآراء والطروحات الغربية الجزئية، أصبح الغربيون أنفسهم يشكون في إنسانية الشكل الأرسطي. و صار ينادون بالعودة إلى المسرح الشرقي الذي يتناقض مع المسرح الغربي الإغريقي.

    وفي ضوء هذه الآراء المتضادة والمتفقة التي تؤكد بعضها على وجود المسرح العربي والبعض الآخر تنفيه، في حين أن البعض الثالث يرفض الشكل الأرسطي ويدعو إلى البحث عن مسرح نقي في أمريكا اللاتينية وأقاصي الشرق. نتساءل بدورنا: ما هو نوع هذه الأشكال الدرامية التي كان يعرفها العرب قبل اطلاعهم على الموروث الإغريقي؟! لماذا ظلت الجذور الدرامية العربية تراوح في مكانها تنتظر حتى ظهرت الدراما في شكلها المعاصر عند الغربيين؟! وهل كان للعرب معرفة وباع في هذا النوع من الدراما حقا؟! وإذا كان الجواب "نعم" كيف تأسست وعلى أي ألبنى ارتكزت : على الأسطورة، الحكاية، التاريخ، الحدث السياسي أم الواقع الدرامي المعاش ؟ ما هي آفاق هذا النوع من الدراما ؟ ما هي علاقته بإنسان تلك الحقبة ؟ ما هي أسس تخاطبه معه ؟ ثم هل كان التمثيل واسطته المباشرة أم انه اعتمد على أدوات اتصاليه أخرى؟ جميع هذه التساؤلات، تقودنا إلى افتراضيين سنحاول من خلالهما أن نحدد هوية المسرح العربي الذي فيما يبدو انه اقتصر في بداياته على نوعين من المسرحة.

 

-              المسرحة الأولى:

    تتمثل بالهيئات والتسليات الشفوية التي لم تخضع لفن التدوين وظلت أكثرها عالقة في الذاكرة الجمعية للمجتمع.

- المسرحة الثانية :

   تتجسد بالهيئات والتسليات التي خضعت لفن الكتابة والتدوين اللذان انتجا بدورهم بما يشبه النص المسرحي. إذن، سنحاول أن ندرس النص أولا، كمادة تمهيدية، يمكن من خلالها أن تكشف عن الأنظمة والقوانين التي  ستساعدنا على فهم وتحديد خصوصية الظاهرة الدرامية العربية، لان الغرض من كتابة النص بكيفية أدبية، درامية، شعرية، نثرية، بشكل عام، هو عرضه أمام الجمهور الذي سيتأثر به بدوره فنيا وذلك من خلال وسائط درامية مغرية تدعوه بشكل لا شعوري للمشاركة في تأليف متعته الجمالية. ثم أن النص يعتبر وفقا للكثير من المعاجم المسرحية عنصرا رئيسا من عناصر العرض ، أي انه المركز الذي تتحلق حوله جميع العناصر. هذا بالإضافة إلى أن المشاركة التي يصنعها النص مع المتفرج أو القارئ لحظة العرض والتقديم كفيلة بكشف الغطاء عن طبيعة العلاقة التي يمكن أن يعقدها النص ما بين الفن الدرامي والواقع الاجتماعي؛ كفيلة بكشف الغطاء عن دور النص الاجتماعي الذي يعمل دائما وأبدا على تعرية كل ما يختفي خلف شكله الظاهر للعيان.

 

 

 الفصل الثالث

المسرح الديني " التعزية "

 

 يقول " محمد عزيزه " في كتابه "الإسلام والمسرح" أن الإسلام قد عرقل النهضة المسرحية التي كان يفترض أن تنشأ وتتطور على غرار التجربة الإغريقية. ولكن مع ذلك فهناك استثناء للقاعدة، ويتجسد هذا الاستثناء في التعازي العاشورية: (الاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي هذا، هو التعازي الشيعية التي أعطت الإسلام، اعتبارا من القرن السابع، الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه)[16].

- ولادة الدراما

  لقد عاش سكان شبه الجزيرة العربية، في عصر الخليفة عثمان ابن عفان 600- 574 ثالث الخلفاء الراشدين بعد موت الرسول، انقلابات دينية وسياسية كثيرة، كان من نتائجها الغموض والالتباس الذي طغى في تلك الفترة على مشهدية الأحداث التي أفرزت انقسامات إسلامه، سنيه، شيعيه، خوارج الخ. وفي ظل هذه الأجواء الغامضة الملتبسة صار تفسير القرآن من قبل تلك الفئات المتصارعة، يهدد الوضع السياسي اكثر مما يهدد الوضع الديني. وبين هذين المعتركين أو بين هذين المجالين (الديني والسياسي) ولدت الدراما.

 

 -موجز تاريخي

 

   لقد شهد سكان مدينة كربلاء والكوفة وقائع حربية أدمت قلوب المسلمين وأفزعت نفوسهم بعدما أحدثت في صفوفهم التصدع والتفرقة. فبعد وفاة "معاوية بن أبى سفيان"، تولى من بعده "يزيد بن معاوية"، الذي أراد الخلافة والتبعة من المسلمين بالقوة والسلاح. وعندما أحس "الحسين" بضغط الأمويين عليه في طلب البيعة ليزيد خرج من المدينة إلى مكة. ولقد انتشرت أخبار وفاة "معاوية" في أنحاء البلاد وجهاته الأربع ووصل خبر امتناع "الحسين" عن المبايعة ونزوله مكة إلى الكوفة، فأجتمع أهل الكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي بالكوفة، وخطب بهم سليمان قائلا:( إن حسينا قد خرج من مكة وانتم شيعته، وشيعة أبيه، فأن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروه. فقالوا : لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه)[17].

وهكذا كتبوا إليه عدة رسائل يدعونه فيها للمجيء والمناصرة. ومن بين رسائلهم هذه يذكر "جعفر الخليل" في كتابه الموسوم "موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء": ( إن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل ثم العجل والسلام)[18].ورسالة أخرى بعث بها مجموعة من وجهاء الكوفة وخيرتهم يقولون فيها:( أما بعد فقد اخضرت الجناب وأينعت الثمار فإذا شئت فأقبل على جند لك مجند والسلام)[19]. ولقد وصل عدد مبايعي "الحسين" في الكوفة التي كان يحكمها آنذاك "النعمان بن بشير" ثمانية عشر ألفا. ولهذا لم يرتح للأمر "يزيد بن معاوية"،  فأصدر أمرا بتنصيب "عبيد الله بن زياد" بدلا عنه. ولقد اتبع هذا الأخير سياسة شديدة وصارمة من أجل تثبيت أركان حكمه في الكوفة وإحباط خطط أهلها. ولقد كان من نتائج هذه السياسة الشديدة الصارمة قطع راس "عقيل ابن مسلم" مبعوث "الحسين" إلى الكوفة والكوفيين. وعندما وصل "الحسين" أرض العراق بعد مقتل "مسلم ابن عقيل" جمع أنصاره ومن انضم إليه من العرب وقال لهم: (قد خذلنا شيعتنا فمن احب منكم أن ينصرف فلينصر ليس عليه منا ذمام؛ فتفرقوا يمينا وشمالا ولم يبق معه إلا أصحابه المخلصين الذين جاؤا معه من المدينة ونفر يسير ممن انظموا إليه)[20]. لقد اعتبر "يزيد ابن معاوية" توجه "الحسين" إلى الكوفة نوع من التمرد والعصيان على النظام الأموي الذي فقدت فيه السلطة الدينية الإسلامية جوهرها عندما أخذت في زمن "يزيد" ومنذ عهد "معاوية" صيغة السلطة الزمنية المحضة. وهذا مما مهد وهيئ لنشوء الواقعة الدرامية ما بين "الحسين" وما بين "يزيد بن معاوية" التي انتهت بمقتل "الحسين" في كربلاء قبل وصوله إلى مقر السلطة في عهد أبيه( الكوفة). ولقد كان لمقتله وقعا مأساويا كبيرا، خصوصا عندما تم التمثيل بجثته وفصل رأسه عن جسده وتعليق أوصاله على الرماح وعرضوها على الملأ. ولو نتتبع مجرى الأحداث عن قرب فسنجد أن سبب الخلاف بين الطرفين لم يكن موضوع عدم مبايعة "الحسين" لـ"يزيد" فحسب وإنما أيضا إعلان الثورة عليه. ولقد طلب يزيد من الحسين في مرحلة المفاوضات التي وقعت بينهم قبل الواقعة ثلاث مطالب :

-  السكوت والتوقف عن الثورة.

-  إعطاء الشرعية والموافقة على خلافة يزيد بن معاوية.

- التفاوض على التسوية : ماذا يكون لي، وماذا يكون لك ؟

وكان جواب الحسين لهم: دعوني، اتركوني، وليكن الأمر شورى. فأنا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر لكم إقرار العبيد)[21].

  إن الذي زاد من حدة المأساة وعقد الأحداث وأعطى للواقعة بعدا تراجيديا ملحميا ليس فعل القتل والتمثيل في الجسد فقط وإنما فعل تخلي المشايعين الذين ناصروه وكتبوا يجتلبوه إليهم. فالحسين لم يذهب إلى العراق قصدا للزيارة وإنما استجابة لنداء العراقيين الكوفيين الذين كتبوا إليه بالقدوم ولكن فجأة تشتت النفوس و دب الخوف والهلع بعد ما رأت الأهالي الجيوش الأموية المهلهلة. عندما رأت الأهالي منظر الجيوش، تخلخلت النفوس واختلفت الأهواء وحالت دون الانتصار المادي. والانتصار هنا يأخذ طابعا آخر، لان القوة لا تكمن في أن تقتل خصمك وإنما في أن تغلب إرادته. وهذا ما لم يحدث، في حقيقة الأمر، لأن الحسين لم يغلب كإرادة ونقول لم يغلب لأنه استشهد. ولقد حقق انتصارا سياسيا ودينيا عندما قال (لا) ولهذا السبب ظلت هذه  ألـ (لا) تعيش من بعده سنوات وسنوات حتى يومنا هذا. بعد الثورة الحسينية مباشرة ظهرت حركات تمرد في العراق وفي اليمن على النظام الأموي مثلما ظهرت حركة التوابين وبدأت بالتحرك والقيام بعمليات انتحارية ضد الجيش الأموي الذي قتل منهم ما يقارب الأربعة ألف تواب ومعارض. ولهذا السبب بحث هؤلاء التوابين المشايعين للحسين عن طرق ووسائل للتعبير عن حالة الندم والأسف التي أصابتهم من جراء التخلي عن أمامهم ولم يكن أمامهم سوى الشعر كوسيلة.

 

-              شعر النواح والبكاء

 

     نبدأ هذه الفقرة بطرح السؤال التالي : كيف استطاع مشايعين الحسين من الشيعة أن يعبروا عن حالة الندم والأسف التي رافقت ابتعادهم وتركهم لإمامهم الحسين وحيدا أمام جيوش يزيد بن معاوية المؤلفة ؟ والجواب، أن الصوت الوحيد الذي بقىّ لهم هو الشعر. ولكن أي نوع من الشعر؟ الجواب هو، شعر البكاء والنواح والندب المتأخر.

     لقد سجل التاريخ الإسلامي بعض المراسيم والمؤشرات الجوهرية التي تبرهن على وفاء الناس، وإخلاصهم للإمام. وان ما حدث من افتراق بين هؤلاء المخلصين والإمام الحسين كان نتيجة منطقية، لان المجتمع الإسلامي في فترة يزيد بن معاوية، كان مشتتا أمام وحدة النظام الأموي. وهذا التشتت والتشرذم قد قدم ليزيد ونظامه خدمات مجانية كبيره من ضمنها ضرب الحركة الإسلامي التي كان يعتمد عليها الحسين في ثورته. ولهذا لسبب قد ولد الشعر الدرامي بعد المقتل الحزين مباشرة بنوع من السرية والكتمان خوفا من اضطهادات خلفاء بني أمية لناظميه وقائليه. ولهذا نلاحظ أن نشأت وولادة شعر هؤلاء الندابين النواحين جاء على هيئة شعر فرق ووحدات سياسية إسلامية تشعر بالاضطهاد والقمع السلطوي. ولقد اتخذ هذا النوع من الشعر من شخصية الحسين القوة والإلهام بحيث صار الحسين بالنسبة لهم بمثابة أسطورة شعبية وجدت أصداء لها في نفوس واسعة. ومع مرور الزمن وتراكم الإحداث كبر حجم الأسطورة وتألفت حولها قصص وحكايات، تقول معضمها أن الحسين سيعود ثانية. ويذكر في هذا الصدد عبد المنعم الكاظمي، في كتابه "مقتل سيد الأوصياء ونجله سيد الشهداء" :

إن سكينه عندما اقتربت من أبيها بعد موته، واحتضنت جسده، وإذا بها تسمع صوت يخرج من منخره الشريف وهو يقول:

ابلغي شيعتي عني السلام وقولي لهم :

شيعتي ما إن شربتم      عذب ماء فأذكروني

أو سمعتم بغريب          أو شهيد فأندبوني.[22]

نتيجة للتعاطف الكبير والحاد مع شخصية الحسين، ونتيجة للشعور بالذنب إزاء ما حدث له، ظهر شعر المقتل وبرز قارئين خاصين لهذا اللون من الشعر الذي كان يكتب ويقرأ بكيفية سردية قصصية تصور تفاصيل الأحداث التي وقعت. ولقد افلح شعراء الشيعة وخطبائها في خلق أدب درامي غزير يدور مجمله حول : حق آل البيت في الإمامة والمظالم التي نزلت بهم وتقصي كل شاردة وواردة تتعلق بالفاجعة. وبهذه الطريقة اصبح لدى العراقيين آلاف القصائد والخطب التي تحاكي مناقب "على بن أبي طالب" وما كان عليه من شجاعة وفصاحة وعدالة وزهد. ولقد احتوى الأدب العراقي الديني على الكثير من المراثي التي تصف وبشكل مفجع ما لقيه الإمام على طوال حياته حتى مماته وما لقيه أبناءه الحسين والحسن من مظالم على أيدي يزيد بن معاوية، بحيث اصبح لكل إمام من الأئمة الإحدى عشر سيرة ومنقبة تروى وتحكى بطريقة درامية حزينة، ونذكر على سبيل المثال، ما اشتهر به العباس بن علي من شجاعة وتحدي عندما أطلق عليه لقب "ساقي عطاشى كربلاء" إذ يقال انه الفارس الوحيد الذي استطاع أن يخترق الطوق الذي ضربه اتباع يزيد حول مخيم الحسين. وانه بعدما ملأ قربته ماء لم  يشرب منها حتى عاد إلى صحبه وسقى النساء والأطفال. ولقد عرف عن العباس وفائه للحسين وتقربه إليه بحيث عندما طلب إليه الحسين منه أن يهرب من المعركة وينجو بنفسه رد عليه العباس قائلا :( لا نتخلى عنك ولا نبقى بعدك)[23]. ولقد تغنى الشعراء في ألوف القصائد بمناقبية العباس. وهكذا نما شعر التعزية الدرامي وأحاط بدرامية المأساة التي لم تعد مقصورة على فئة من الفئات وإنما شملت جميع المسلمين والعرب على السواء، وذلك لان موت الحسين كان الباعث الرئيسي لتفجر الانقسامات ما بين المسلمين. فمنذ موته والعرب والمسلمين وهم منقسمين إلى فئات وفرق متنازعة.

 

-                   تاريخ التطبيق الطقسي

 

    يشير عزيزه في كتابه"الإسلام والمسرح" إلى كون التعازي الشيعية أول ما ظهرت بشكلها الدرامي في بلاد فارس ثم انتقلت بعد ذلك إلى البلاد العربية. ونحن لا نتفق مع عزيزه في هذا الرأي، لا اعتقادنا أن شعر التعازي  الذي حاكى مقتل الحسين بلغة الانفعال  الديني الدرامي قد ولدّ أولا وقبل كل شئ، حيثما ولدت المأساة وحيثما شهدت الأرض الأحداث التي أنتجت ما أنتجت من مأساة ابتدئا بمقتل عثمان بن عفان، ومرورا بمقتل علي بن أبى طالب وانتهائنا بالحسين الذي خذلته شيعته في اللحظة الأخيرة ونتيجة لهذا الخذلان ولد شعر التعزية الذي كان بمثابة رد فعل درامي تشخيصي لما حدث وتعويض عن حالة الفقد التي حصلت بين صفوف المسلمين. وهذا مما زرع فيهم عقدة الذنب التي تبلورت في نفوسهم ومشاعرهم وظهرت على هيئة رثاء مذهبي وأشعار حماسية أشادت في شكلها ومضمونها بفدائية شخصية الحسين في كربلاء وبطولاته الشجاعة. وعندما شعر خلفاء بني أميه بخطورة هذه النصوص الشعرية والقرائية، اصدروا أوامرهم بمنع ومعاقبة كل من يمارسها أو يتلفظ بها. وهذا ما اضطر، في حقيقة الأمر، ناظمي نصوص التعزية وقارئيها على كتابتها ونظمها باللغة الفارسية تسترا عليها. وان ما يثبت هذه الحقيقة هو ظهور نصوص التعازي في الأدب الفارسي بعد ظهورها في الإسلام. ولقد كان السبب من وراء تبنيها من قبل عضد الدولة البويهي، هو سبب  سياسي واستعماري بحت. وذلك لأنه عندما أسس مدينة النجف في العراق في سنة 1002 للميلاد اتخذ مقام الإمام علي مركزا ومزارا له يقصد من وراءه خلق عصبية عرقيه تحميهم وتثبت استقلاليتهم. ومن أول الأشياء التي مارسها في دعم سلطته وتثبيت أركانها هو تشجيع إقامة الحفلات الدينية،مثل أحياء ذكرى استشهاد الحسين في العراق. وتطور هذا النوع من الاحتفال الديني فيما بعد واصبح تقليد سنوي. ولقد احتفظت هذه الطقوس  بالكثير من المفردات والتسميات الفارسية نتيجة لكتابتها باللغة الفارسية لفترة طويلة وليس لأنها ولدت في بلاد فارس لأنها في الحقيقة لم تلد هناك وإنما ولدت في العراق وفي مدينة الكوفة وكربلاء اللتان لازالتا يحملان نفس الاسم حتى يومنا هذا. ومن بين هذه التسميات نذكر، على سبيل المثال: "الروزخون" أي قارئ كتاب الروضة الذي يتلو على الجمهور ما يناسب المقام من، سيرة الحسين واستشهاده. ولقد شجع شيوخ ووجهاء الشيعة في العراق هذا الاتجاه من الأدب الشعبي، بإقامتهم وأحيائهم طقوس التعزية في شهر محرم أو صفر من كل سنه، من اجل الحفاظ على مراكزهم ونفوذهم في المجتمع الشيعي.

 

-                 وصف تقريبي لاحتفالات التعزية العاشورية

 

    سأحاول هنا، أن أقوم بوصف وعرض صورة تقريبية للاحتفالات والطقوس وفقا لما عشته ورأيته في مدينة الناصرية التي ولدت واشتد عودي فيها قبل أن يلتهمني ويضمني إليه ضجيج العاصمة العراقية بغداد.

اذكر جيدا عندما كان يحل أول شهر محرم، وهو شهر له أهميته عند كل مسلم مثلما كانت تذكر لي أمي الشيعية وهي تنظر ناحية أبى السني المذهب، وهي تقول بلهجة العارف والمتبحر بعلم التشيع:( إن هذا الشهر له أهميته حتى قبل عهد النبي محمد حيث كانت تقام فيه آنذاك مهرجانا سنويا وذلك لان اليوم العاشر منه، والذي يسمى عاشوراء، كانت تسقط فيه أول قطرة مطر في السنة، وهو أيضا حسبما يقال وحسبما تذكر الحكايات والعبر الشهر الذي خلق فيه آدم وحواء، والسماء التاسعة)*. عندما كان يحل أول الشهر تبدأ مظاهر  الحداد والحزن بالطغيان على مشهدية المدينة، إذ ينتشر فيها السواد في كل مكان بعدما يوشح الناس بلونه القاتم وكذلك منائر الجوامع وأعمدتها، وتنصب "جوادر" المواكب الحسينية المغطاة من الداخل بالسواد، ويعلق فيها صور تمثل مشاهد من مأساة الحسين. وفي الليلة التي تسبق أول يوم من الشهر تتقاطر مواكب "اللطم" إلى الجوامع مبكرة، حيث يسمى كل موكب باسم منظمه وراعيه أو باسم المحلة أو المنطقة التي تنظمه. ولابد للتوقف أمام مسألة مهمة وهي أن هذه المواكب التي كانت تتوافد من كل صوب من اصواب المدينة، كانت تتدرب قبل توافدها إلى الجوامع مرورا بالشوارع على الردات حسينية تخضع لمعايير لحنيه خاصة. والمقصود هنا، أن الذين كانوا يشتركون في هذه المواكب أو العزيات كانوا يخضعون لتدريبات خاصة يشرف عليها الشاعر الذي ألف الردات الحسينية. وهذا ما يذكرنا بالمسرح الإغريقي حيث كان الشاعر هو من يقوم بدور المخرج ومؤلف النص المراد عرضه. إن المواكب حينما كانت تطوف شوارع المدينة وتزور جوامعها كانت تقوم بنوع من العرض المأساوي للأحداث، فهي قبل اليوم العاشر من الشهر تكون على سبيل المثال هادئة ورداتها حزينة معبره عن آلام السبايا من النساء، مثلما تكون أعلام المواكب السوداء منكسه أثناء المسيرة الوئيدة التي تنسجم خطواتها مع صوت الردة الخافت. وهكذا كانت تطوف مواكب المشائين الشوارع والمحلات لكي تنتهي في الجامع أو في مقر منظم الموكب، في حين أن مواكب الزنجيل تبدأ بالظهور في اليوم الثالث من الشهر عصرا وتستمر حتى بداية أوائل الليل وتكون على هيئة صفين من المشائين، في كل صف من الصفوف عدد من الرجال والصبية بملابس سوداء مثقوبة وممزقه من الكتفين، أو من الظهر لكي يتم الضرب فيه على الجسد مباشرة ، بسلاسل من الحديد وعلى أصوات آلالات النحاسية التي تتبع في إيقاعها الطبول واللحن الحزين المنشود من قبل أحد المشتركين. وترتفع من حين لأخر، أصوات باكية منفعلة، تنادي بصوت عال : يا علي، يا حسين، يا شهيد كربلاء وهم يضربون صدورهم العارية بأيديهم بقوة أو ظهورهم بسلاسل حديدية. وتستمر مسيرة هؤلاء التوابين النواحين حتى اليوم العاشر من محرم الذي تتخذ فيه شكلا عنيف وهائجا استعدادا للتطهير الذي يحلق فيه الرجال والصبية رؤوسهم ويرتدون الأكفان، ويحملون سيوفهم وقاماتهم، ليطبروا بها صباح يوم عاشورا الباكر. وبعد أن يصل الاحتفاء بالذكرى إلى ذروته التطهرية حد النزف في اليوم العاشر يأخذ التعبير الدرامي في الأيام التالية كيفية أخرى باستمراره أربعين يوما.

 

-           مجالس التعزية (القراءة)

 

    تبدأ مجالس التعزية (القراية) في البيوت والجوامع وفي الساحات العامة، والتي يقيمها الناس والهيئات الحسينية في أوقات مختلفة من الليل والنهار، حيث يستمر كل مجلس من المجالس عشرة أيام. بعدما ترتدي هذه الأماكن اللون الأسود ويستدعى إليها أحد الخطباء ويعرف بـ"الروضخون" ليتلوا على الحاضرين مشاهد من واقعة كربلاء المؤثرة. وما أن ينتهي الخطيب من هذا المجلس يخبر الحاضرين بالتوجه إلى المكان الآخر الذي سيخطب فيه ثانية. ويوجد نوعين من القراءات: قراءة الرجال التي تكون في العادة في الجامع أو في الشارع أو في حسينية من الحسينيات، في حين تكون قراءة النساء مقصورة على البيوت، حيث تستدعى إليها إحدى الملالي ويكون طابع قراءة النساء سرد مشاهد من الواقعة ثم الردات لكي تنتهي باللطم والنحيب0 وحين تنتهي هذه الأيام العشرة تستعد المواكب والعزيات للسفر إلى كربلاء قبيل يوم 20 صفر.  وحسب ما روته لي أمي، قائلة:

(كانت تكتظ مدينة كربلاء في هذه الفترة، بالمواكب والعزيات التي تصطحب معها أمتعتها ولوازمها في الطبخ والنوم حيث تنصب مخيم مثلما نصب الإمام "الحسين" وتعمل على أحاطته بالأعداء والمناوئون الذين منعوا عنه الماء وهكذا يتم تقليد مسرحي كامل لما حدث للحسين وصحبته. وكانت ترافق هذه المواكب عادة التشابيه والخيول والجمال ويكون عليها الهودج، للإشارة والرمز إلى واقعة كربلاء، وكذلك عربة يجرها حصان عليها قطعة قماش خضراء لاستلام النذور من شموع ونقود يتبرع فيها الناس. هذا بالإضافة إلى مواكب تحمل صور تشبيهية للحسين ميتا بالقرب منه حصانه المغروسة فيه سهام الأعداء؛ لوحات تمثيلية تقلد في شكلها ومضمونها الصور الشعبية للمأساة، حيث نرى خيول مسرجة مستعدة لان تقل الحسين عند عودته، إذ يعتقد الشيعة أن الحسين سيبعث من جديد بعد موته وسيطهر الأرض من الشر من جديد؛ رايات وبيارق جنائزية ترافق المواكب؛ مجالس حسينية وخطب وعظية يقوم بها الشعراء والخطباء زائدا إلى ردات لطميه يسرد من خلالها استشهاد الحسين والطريقة التي قتل فيها، ولا تغادر هذه المواكب مدينة كربلاء حتى تنتهي مراسيم الطقوس الدينية)*.

 

-      نظره تاريخية وموجزه

   لقد ظهر وازداد هذا اللون من النصوص في الأدب الفارسي في القرن التاسع الهجري، عندما قام سلاطين الشيعة بتشجيع هذا الاتجاه والعمل على تجسيده تمثيليا. وبهذه الطريقة، ظهر مسرح التعزي بوضوح في عهد معز الدولة احمد بن بويه الديلمي سنة 302 هجرية سنة 963 ميلادية الذي كان في بغداد عاصمة الخلافة العباسية في أول المحرم من هذه السنة. ولقد استقبل أهل بغداد من السنة هذا النوع من التسلية بنوع من البرود والغرابة واعتبروه نوع من البدع الشيعية ووجدوا فيه ضربا من الكفر ولكن لم يكن في اليد حيله ولم يطلع من أمرهم شئ أمام قوة وجبروت معز الدولة الذي كان يسمح بل يطبل ويزمر لها في ظروف الاضطرابات السياسية لشغل الناس في أمور أخري غير أمور الدولة. وهكذا استمر هذا الاحتفال يقام مرة كل عام وفي الأيام العشرة الأولى من شهر محرم حتى سقوط دولتهم في بغداد في أوائل حكم السلطان "طغرل" السلجوقي. ومع وصول السلاجفه للحكم، اختفت مظاهر التعزية من الشارع العام وانفلتت علنيتها بعدما انحصرت في البيوت. وظلت تمارس خفية فيها مثل تنظيم سياسي سري حتى مجيء الدولة الصفوية التي عممت في دوائرها المذهب الشيعي وجعلته مذهبا رسميا للدولة في سنة 1502 ميلادية. ولقد تكلف رجال الدين في شرح ونشر تعاليم هذا المذهب للعامة من الناس وبيان أفضليته على باقي المذاهب الإسلامية الأخرى. ويلاحظ من خلال قراءة تاريخ العراق السياسي، الاجتماعي، والتاريخي، أن هذه الأشكال الدرامية التي ولدت  في أحضان أحداثه المأساوية، قد استغلت

استغلالا كبيرا في الخارج والداخل في الأزمات التي تعرض لها هذا البلد على مر تأريخه. فالإيرانيين، على سبيل المثال، استطاعوا بواسطة هذه الطقوس أن يؤسسوا مركزا سياسيا دينيا في العراق عند تأسيس مدينة النجف في عام 1002 من قبل عضد الدولة البويهي حول مقام الإمام علي. ولقد أسس وجهاء الشيعة مراكزهم واستطاعوا أن يحكموا الأوضاع ويسيروا قسم كبير من البلد بأحيائهم لهذه الطقوس وتضمينها بعض الشعارات التي تعارض في مجملها سياسة السلطة المركزية في العراق. وقد استفاد العباسين أيضا من هذه الاحتفالات وبدءوا بتشجيعها في كل مرة تتعرض بها الإمبراطورية العباسية للاضطراب السياسي. ويعزا فضل بقاء هذه الطقوس الدينية إلى رجال السياسة والدين الذين استطاعوا بدهائهم أن يوظفوها لخدمة مصالحهم بعدما وضعوها في أطر وهيئات قدسية يتبعها الناس ويخضع إليها بكل مشاعرهم. وهكذا صار لهذه الطقوس نصوصا يتبارى فيها الشعراء والقراء فيما بينهم، وذلك من خلال تفجير حالات التأثير والانفعال الديني اللذان كانا يؤديان إلى حالات الندم وإيذاء النفس بشكل  مازوشي يصل في اغلب الأحيان إلى نزف الدم والموت أحيانا.

-  مراحل الطقس وتسمياته

  تبدأ في العادة، مراسيم الطقس العاشوري بالاحتفاء بذكرى أهل البيت - الذين ينتمون إلى عائلة النبي- من خلال القيام مجالس حسينية تتأسس على طقوس مأتميه حاشدة، أحياءً لذكرى استشهاد الحسين بن أبى طالب. ويدعى إلى هذه المجالس قراء وشعراء يقومون بتلاوة المراثي  الحسينية من على منبر عال تلتف حوله الناس لكي تستمع إلى الكيفية التي مثل فيها بجثة الحسين بعدما قطعوا أعدائه رأسه وفصلوه عن جسمه وتركوه عرضة للمشاهدة. ولقد كانت تمتلئ هذه المجالس بالشيوخ والشباب الذين لا ينفكون عن ذرف الدموع تأثرا بكلام الشاعر أو الخطيب الذي يخاطب مشاعر العامة من الناس لا عقولهم بلغة سلسة قريبه من العامية منها إلى الفصحى.

 ولقد أخذت هذه الطقوس الشعائرية أسماء عديدة وارتدت حلل وأردية مختلفة ذات دلالات ومعاني تقريبا متشابهة. فجميع الأسماء التي أطلقت على المأساة قد ركزت على شخصية الحسين وعلى المكان الذي دارت فيه الواقعة محاولة تذكير الشيعة بصنيع آبائهم القديم وذلك من خلال شحن عواطفهم وحثهم على البكاء ومعاقبة النفس بطرق شبه مازوشية تنحصر في عملية جلد النفس وتعريضها للألم المبرح بأدوات حديدية وحجرية إلى آخره.

وبموجب كتاب عزيزه "المسرح والإسلام" توجد ثلاث مؤلفات أساسية لنصوص التعزية، ومن أول هذه النصوص : العدد 993 المتأسس على أصول فارسية ويحتوي على 33 مجلس يحمل عنوان "نشيد الشهيد" أو "شهادات". قام بترجمة خمسة من هذه النصوص (1، 2، 3، 5، 32) الكسندر شودزكو في كتابه "المسرح الفارسي".

- العدد 42 و يعتبر أهم النصوص وأكثرها درامية وذلك لأنها تروي آلام الحسين. ولقد قام بترجمته شارل فيرولو في كتابه " المسرح الفارسي أو مأساة الحسين".

- العدد 98 أو "استشهاد علي الأكبر" ترجمة الأب "روبرت هنري دوجنريه".

 النص الثاني : طبع من قبل قنصل ألماني سابق في بغداد يدعى "وليم ليتين" ويحمل عنوان "

كتاب ليتين". ويحتوي على خمسة عشر مشهد مصور بشكل فوتوغرافي مأخوذة عن نص عراقي مع مقدمة موجزة له.

النص الثالث: كتاب لويس الذي نشر بالإنكليزية من قبل كولونيل إنكليزي يدعى "السير لويس ببللي" ويحمل عنوان "مسرحية الحسن والحسين المعجزة" ويحتوي على ترجمة 37 مسرحية فقد نصها الأصلي في وقتها.

- تكوين النص

  يتألف نص التعزية من ثلاثة أقسام تحاول أن تختصر ما حدث للحسين من مأساة في طقوس مشهدية عاشورية. ولقد اعدّ "محمد عزيزة" نصا مسرحيا انتقاه من نصوص مكتوبة باللغة الفرنسية أخذت أو بالأحرى ترجمت عن الإنكليزية. ولقد اعتمد أعداد عزيزه على مناهل، عراقية، إيرانية، وغربية مترجمة كثيرة ارتكزت في هيكلها العام على الأعداد الحر لحوادث تاريخية وظفت بكيفية فنية وتقنية تقترب من حيث البناء من المسرح في مفهومه الحديث :

- مشاهد مسرحية ما قبل معركة كربلاء

- مشاهد آلام الحسين ومأساة كربلاء

- مشاهد ما بعد مقتل الحسين

 ولقد أعطى عزيزة في كتابه "المسرح في الإسلام" ملخصا للقسمين الأول والثالث في حين ترك القسم الثاني حرا كما هو. وبما أن النص مصدر بحثنا في هذا الجزء من الكتاب، فسنحاول أن نستعين بما قام به عزيزه من تلخيص كي يتسنى لنا أن نلقي الضوء على بناء النص الدرامي، حبكته، والكيفية الدرامية التي عولجت فيها فكرته.

 

- زواج علي من فاطمة

   يحاول المؤلف في هذا القسم أن يعتمد القدر كمدخل لمسرحيته، وذلك بجعله الأحداث  تخضع منذ البداية  إلى نوع من القدرية الإلهية التي بموجبها ألقت نص التعزية في أحضان التراجيديات الإغريقية حيث القدر والسلطة الإلهية والمقدمة المنطقية.

في يوم من الأيام يأتي للرسول ملاكا له عشرين رأسا0 وله في كل رأس ألف لسان ولسان، وكل لسان من الألسن يتكلم ألف لهجة ولهجة، يقول إلى النبي :

أنا اسمي اسرافيل، ولقد أرسلني مالك الأرض والسماء، وصاحب الحكم الأبدي، من اجل أن أقول لك وأخبرك، بأن عليك أن تزوج الضوء بالضوء. وهنا يعمل الرسول بمشورة ربه إذ يجمع ابنته فاطمة وعلي لكي يخبرهم بمشيئة الرب. وهكذا يتم زواج الضوء بالضوء لكي ينجبا الحسن والحسين.

- طفولة الحسين

  تبدأ بمعجزة تقول أن الحسين في الخامسة من عمره سوف يعمل على إقناع  قبيلة يهودية كاملة بالاستسلام على يديه.

في وقت آخر، يأتي الملاك جبرائيل لكي يخبر الرسول بأن أحفاده الحسن والحسين سيموتون ذات يوم ميتة فاجعة. فيسأل النبي جبرائيل عن السبب الذي سوف يرتكبونه كي يستحقوا مثل هذا العقاب، فيجيبه جبرائيل : ( بأن الحسن والحسين ليس من النوع الذي يخطئ أو ينتقد، وإذا كان الله قد شاء لهم الموت فلأنه يريد من وراء ذلك عبرة من العبر، مثلما سيكون موتهم ضرورة لصالح المؤمنين )[24].

- موت النبي

   النبي(ص) مريض معتصم في بيته، درجة حرارته مرتفعه جدا، فاطمة تبكي وتقوم بالسهر على صحته. فجأة، يأتي بدوي من الصحراء، يطلب مقابلة النبي(ص)، وبعد أن يأذن له النبي بالدخول، يقدم نفسه قائلا: ( أنا عزرائيل، ملائكة الموت، التي لا يعرف الضحك ولا يقدر على تخطي كل الأبواب. لقد أرسلني الخالق، بعدما أعطاني الأمر لان ادخل بيتك من غير آذن منك، فعليك أن تعلم ،جيدا، أن العبرة من قدومي هذا هو آخذ روحك. ولكنني سآخذها بكل رقة وسأحملها إلى الجنة حيث الأنبياء هناك ينتظرونك بفارغ من الصبر لكي يحتفلوا بك معهم )[25]. في هذه الأثناء يقدم إلى النبي تفاحة، فيأخذها النبي ويقربها من أنفه لكي يشمها شما عميقا ثم يتلفظ كلماته الأخيرة قائلا : ( لا آله إلا الله).

 

- القسم الثاني (آلام الحسين ومأساة كربلاء)

     يتحدث القسم الثاني عن الحسين وهو يناهز الخامسة والخمسين من العمر، في طريقه إلى الكوفة، حيث نجد وصفا كاملا للمشهد الذي يدور أمام قصر الحاكم "عبيد الله"، مثلما نرى وصفا آخر للمشهد الذي يدور أمام الفرات. قافلة الحسين  متجه نحو كربلاء وإذا برسول من الرسل يحذر الحسين من دخول الكوفة، فيلتفت الإمام نحو آل بيته وصحبه لكي يستشيرهم  في الأمر،  آل البيت والصحبة يشجعونه بدورهم على المضي قدما في طريقه.

وهكذا يبدأ الصراع ما بين الحسين وما بين جيوش يزيد، حيث ينقسم جيش يزيد على نفسه. ويتعقد الصراع إذ يأخذ اوجه عده يمكن تلخيصها وإيجازها: بالتردد، الخوف ،الإصرار والعناد. الخوف والتردد يتمثل في مشهد لقاء الحر وفرقته الاستطلاعية  الاستكشافية مع الإمام الحسين في عمق الصحراء بعد أن دب فيهم التعب وانتابهم العطش.

 الحر: (يخاطب الحسين)

هل يُعقّلْ ما يحدث ؟ لقد أتيت من اجل قتلك وإذا بك تمنحني الحياة من جديد بعد ما كدت أن افقدها أنا وجندي من جراء العطش. آه .. يا أمير المؤمنين .. أن حيرتي لكبيره)[26].

في حين أن الإصرار والعناد تمثله شخصية " الشمر" الذي يريد قتل الحسين بأي ثمن.

الشمر ( يتقدم نحو ابن سعد قائد الجيوش الأموية الذي فشل في إقناع جنده بالتقدم لقتل الحسين،) لكي يقول له:

( لا تفقد أعصابك يا ابن سعد. لا يوجد أحد غيري قادر على فصل رأس الحسين عن جسده. وهذه الحقيقة يعرفها اثنا فقط منذ البداية. أنا وهو. "يوجه كلامه إلى الحسين"

 أليس كذلك يا حسين ؟)[27].

 لقد صور مؤلف النص  هذا المشهد بنوع من السوداوية التي تطغي على الأحداث من بدايتها حتى نهايتها، بحيث نستطيع أن نلاحظ بشكل واضح ملازمة اللون الأسود للمشهد، وكأن المؤلف يريد ان يقول من خلال هذا الاستخدام اللوني: بما أن الظلم سينتصر في النهاية، إذن، فليطغي السواد على كل شئ.

ولهذا السبب نرى فجأة أن الأشياء والشخصيات تبدأ باتشاح السواد كما لو أنها تريد أن تأخذ هي الأخرى نصيبها من المأساة: فاطمة في الجنة تحلم في الحسين وهي مرتدية السواد، ثوب زينب يسود شيئا فشيئا، السهل الذي تدور فيه المعركة يطلق عليه اسم سهل الظلمات، الشمر تسكن أعماقه الظلمة. وحينما يتوجه الحسين نحو الموت.

تقول زينب :

الحسين يتوارى

 والأرض تستمر في الدوران

بالفساد العالم.

الجوقة :

في قلب الظلام واللاعدل

النقاء يتقدم

زينب :

الحسين يتوارى

والنجوم تستمر في لمعانها

آه .. يا لنهاية هذا العالم

الجوقة :

لملاقاة حتفه

النقاء يتقد

زينب :

الحسين يتوارى

والمياه لازالت تجري في نهر الفرات

آهٍ .. لبكم  العالم وصمته[28].

نلاحظ من خلال تتبعنا لمسار النص وأحداثه المتلاطمة مثل أموج بحر هائج. إن هذا القسم بالذات  قد اخذ نصيبا كبيرا من الحوار والمشادات الكلامية التي لا يمكن أن تذكرنا إلا بالمسرح من حيث هو حبكه لها بداية ووسط ونهاية. فالبداية تتلخص في النبأ الذي يحمله جبرائيل إلى النبي والذي من خلاله تصبح الأحداث رهينة لعبة قدريه تخضع لها جميع الشخصيات بلا استثناء بشكل اوتوماتيكي. وهذا ما توضحه وتقوم بترجمته الجوقة عندما ترفع الستارة عن الأحداث بإنشادها :

رئيس الجوقة :

طويلة كانت مسيرتنا

وشاقا تعبنا

آه .. يا سلام .. يا سلام العالم

لا تتخلى عن مخيمنا

 في مساء التأمل هذا.

الجوقة :

إن وردة الرجال

تنغلق على بلورها

والبوم خائف

يحبس نعيبه

أي حدس هذا الذي يجعلك ترتعش

يا سهل كربلاء[29].

إذن، لا سبيل آخر أمامهم ،غير الطريق القدري الذي اختاره لهم الرب. لقد ابرز المؤلف في هذا النص  في حس وموهبة عالية، التباين الموجود بين طرفي النزاع بعدما استعرض محتواه بلغة رمزية بسيطة مثل إشارته إلى فريق الضوء الذي يمثله شخص الحسين وفريق الظلمة الذي يمثله شخص الشمر ومعسكر العدو، بحيث جعل الصراع يتأرجح ما بين هذين القطبين بطريقة ملكوكية تتنامى فيها الأحدث وتلبس ثوب الحداد وتصل ذروتها القصوى شيئا فشيئا  بهلاك جيش الحسين وبقائه وحيدا فريدا أمام مصيره المحتوم0 ومع ذلك لم يتراجع بل على العكس، انه يتصرف بنوع من الفدائية بتقدمه بصدر مفتوح لملاقاة حتفه.

ولو تفحصنا، طقوس التعزية عن  قرب اكتشفنا ببساطه أنها نصوص شعبيه كتبت بمهارة وعظمة من قبل مؤلفين غير معلومين خاطبوا جمهور النظارة بجميع مستوياته الاجتماعية، الثقافية، والسياسية. لقد كنت شاهد عيانا على هذه النصوص التي عشت لحظات تقديمها بنوع من التوتر اكثر من مرة ومرة .. وكنت في كل مرة أشاهدها كان يقشعر فيها جسدي وتنتابني حالة من الانفعال والتأثر في خضم هذه المأساة التي لم تكن تعرف الحدود .. فالجمهور كان يشترك بهذه الفعالية المسرحية من دون نداء أو دعوه، بحيث نسمع ولولة النساء التي تتعالى كلما زادت شدت الصراع وتنامى الحدث، نرى رجال يغشى عليهم من التأثر الحاد مثلما نسمع شتائم ولعنات تنصب على الممثل الذي يقوم بأداء دور الشمر علنا بل يتعرض أحيانا إلى الضرب  أو الرمي بالحجارة، وكأن ما يحدث أمام الجمهور شئ حقيقي وليس تمثيل مصطنع أو مفبرك.

 

- تظاهرات الحزن

  تعبر التعزية في جوهرها عن فكرة المسرح الجوال الذي يمكن إقامته في أي مكان وذلك لاحتوائه على إكسسوارات بسيطة يمكن نقلها والترحال بها في أي اتجاه، في احتفال في شكله ومضمونه قريب كل القرب من مسرح الشارع الذي عادة ما يقع، مثلما يقول "باتريس بافيس": ( في الأمكنة الخارجة عن معمارية الأبنية التقليدية مثل : الشارع، السوق، المقهى، الخ .. وذلك رغبة منه في الالتقاء بالجمهور ورغبة منه في البحث عن العلاقة الاجتماعية السياسية المباشرة)[30].

عندما وقعت فاجعة الحسين في كربلاء، توقف التاريخ  بالنسبة المسلمين  وصاروا يعيشون على ذكرى المأساة التي أنتجت الكراهية وعدم المحبة لأعداء الحسين المظلوم في نظرهم، لان الحسين كان بوسعه أن ينجو بنفسه ويعود إلى المدينة لكن عقيدته الصادقة بعدالة قضيته منعته ودفعته للسير قدما، ماسكا بإحدى يديه القرآن وبالاخرى السيف.

لقد تحول هذا الحادث مع مرور الأعوام والأزمان وبتشجيع من رجال الدين، إلى منبر سياسي وظف لنقد الدولة والحط من قيمتها من خلال الكشف عن العيوب الاجتماعية وعن حالات الفساد التي تتنافى مع الأخلاقية الدينية. وبهذه الكيفية اتخذت هذه الطقوس مثل حجة امتزج فيها الديني بالسياسي ، تقام مع بداية شهر محرم على هيئة مواكب تحمل بيارق وإعلام تلف الشوارع والحارات وهي تهتف بشعارات مبطنه تطلقها حناجر البكاءين المشائين معلنين عن حالة الندم والتوبة التي تكلفهم في اغلب الأحيان حياتهم، معتقدين أن صنيعهم هذا سوف يلين قلب الحسين عند عودته أو بعثه من جديد.

 

- مبدأ الشفاعة

   يطلق الباحث العراقي "علي الوردي" على هذا العمل أو ذاك الصنيع "مبدأ الشفاعة" الذي كانت ترتكز عليه العقيدة الدينية في بعض أسسها. وذلك لاعتقاد الناس بأن الدنيا فانية ولا تستحق أن يهتم بها الإنسان بل يجب عليه أن يفكر بالآخرة، وذلك عن طريق قيامه ببعض الطقوس الدينية التي تقربه من الأئمة (أما الأخلاق وحسن المعاملة وما شابه ذلك، فهي ليست ذات أهمية كبيرة لان جميع الذنوب في نظرهم قد يغفرها الله بواسطة الشافعين الذين يحبهم الله حبا جما ولا يرد لهم طلبا)[31]. ولهذا السبب ترى ظاهرة تجمع المسلمين في العراق والتجائهم إلى المراقد المقدسة في حالة الحاجة إلى فض خصومة أو   إقامة دعوى. ويعتبر انتشار هذه المراقد على طول العراق وعرضه عامل استقرار واطمئنان للكثير من المسلمين الذين يعتقدون بتوسط هذا الإمام أو ذاك لهم في يوم الحساب.

ويعزو الباحث الوردي، مبدأ الشفاعة إلى طبيعة الحكم الذي اعتاد الناس عليه في العصور القديمة، حيث يقول: ( لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلـي الشخص المقرب من السلطان علـى انه قادر أن ينقذ أي إنسان من حبل المشنقة أو يجعله يحظى بالجوائز والمال الوفير، وقد انعكست هذه على عقيدتهم الدينية فصاروا يعتقدون أن الشفاعة لها عند الله في الآخرة كمثل أهميتها عند السلاطين في الدنيا)[32]. فالتعزية في جانب من جوانبها الدينية تعتبر نوعا من أنواع الشفاعة أو الوساطة التي تلجأ إليها الناس لحاجتهم إلى الحماية والتكفير عن الذنوب. وهكذا تحولت هذه الطقوس العاشورية بفعل حاجة الناس إليها إلى نصوص شعبية، كتبت وصورت بروحية شعبية فلكلورية، استطاعت ببلاغة لغتها وشفافيتها أن تثير وتخاطب اعمق العواطف وأقوى الأحاسيس عند الناس من خلال طقسها الديني الذي يخفي في منعطفاته وظيفة اجتماعيه، سياسية وفنية.

وانطلاقا من هذه التظاهرات والفعاليات التمثيلية الشعبية، يمكننا أن نعترف بوجود نص درامي مصحوب بعناصر تمثيلية وإخراجه فطريه تحمل في طياته بذور مسرحية تقترب في بنيويتها من بنيوية المسرح الحديث. وفي الوقت ذاته يمكننا أن نعتبر التعزية كحدث شعبي، قد انتج أول نص مسرحي عرفه تأريخنا العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص. وذلك لان أحداث مقتل الحسين قد وقعت بجملتها في العراق وبالتحديد ما بين مدينتي الكوفة وكربلاء اللتان لازالتا حتى يومنا هذا يحملان نفس الاسم ويمارس فيهما ذات الطقوس تقريبا ولكن بشكل خفي. وذلك لان الحكومة الحالية ترى أن مثل هذه الفعاليات والأعراف باتت قديمة وبالية ولا تروج إلا لما هو سيئ وقديم يتعارض مع مفهوم الحياة العصرية. هذا بالإضافة إلى أن هذه الطقوس تثير من حيث لا ندري المسائل الطائفية القديمة التي تمزق وحدة العراق. فالمجتمع العراقي كما هو معروف منذ القدم، يتألف من العديد من الطوائف والاقليات التي تختلف بالضرورة في رؤيتها للأشياء. فالشيعة مثلا ترى في هذا النوع من الطقوس نوع من التحدي للنظام الرسمي الذي لم تعترف به يوما ولا تشعر بالولاء له، لان العقيدة الشيعية، عقيدة أمامية، أي أنها تعتقد فقط بأمامية آهل البيت. والإمامة بالنسبة لهم هي فرع من فروع النبوة. ولهذا السبب كان علماء الشيعة على مر العصور والتاريخ يحرصون كل الحرص على تأكيد استقلالهم الديني والسياسي من خلال أحياء هذا النوع من الطقوس التي تستغل بشكل توجيهي مقصود لإعلان رفضهم وعدم مبايعتهم للسلطة المركزية في بغداد. ولهذا الموضوع  قصة طويلة غاية في التعقيد استفحلت في المجتمع العراقي وباتت موضوع نزاع أزلي بين شيعة العراق وسنته. ويرجع اصل هذا الصراع إلى الفترة التي كانت فيها الحكومة العراقية أيام الاحتلال العثماني مرتبطة بتركيا وتأخذ أوامرها منها، في حين كلن جزء كبير من الشعب مرتبط بإيران.

 ونتيجة لهذه التأرجح السياسي الديني الغير متوازن تفشى واستفحل الصراع الطائفي الذي أدى إلى تقسيم البلاد إلى أقسام ودويلات صغيره. ولو نلقي نظره سريعة لتاريخ الصراع، فسنجد أن الدولة العثمانية التي ظهرت في تركيا في القرن السابع الهجري كانت بادئ ذو بدء متجه في توسعها نحو الغرب ولم تكن تبالي في الشرق ولا بالعراق بشكل خاص إلا عندما ظهرت الدولة الصفوية في ايران. ومنذ ذلك التاريخ والعراق بات مسرح  نزاع وصراع بين الدولتين الإيرانية والتركية. ولقد استمر هذا الصراع ثلاثة قرون تقريبا، استطاعت أن تنتج وتزرع خلافات طائفية غاية في الخطورة، لان آهل العراق مثلما يقول علي الوردي: ( لم يكن يعرف شيئا من مفاهيم السياسة الحديثة كالوطنية أو القومية أو الاستقلال، بل كان جلّ ما يشغل بالهم هو الإحساس الديني المتمثل بالتعصب المذهبي. ومعنى هذا انهم لم يكونوا يعتبرون الإيرانيين أو الأتراك أجانب، هدفهم احتلال البلاد والانتفاع بخيراتها، إنما كان كل فريق منهم ينظر إلى الدولة التي تنتمي إلى مذهبه كأنها حامية  الدين ومنقذة الرعية)[33]. ويذكر الراعي في هذا الصدد حكاية "طوب أبو خزامه" الذي هو مدفع جاء به السلطان مراد الرابع لفتح بغداد ثم تركه فيها، وقد انهال عليه الناس من كل صوب يأتون إليه ويتبركون به كما لو انه قديس أو مرقد مقدس. في حين انه لم يكن سوى أداة من أدوات (احتلال) العراق واستعماره. ولقد استمر تفشي وانتشرت هذه الأمراض بين الناس فترة طويلة لدرجة أن صارت ظاهرة من الظواهر الاجتماعية الملازمة للشعب. وكلما تختفي أو تكاد أن تختفي ويبتعد عنها الناس، يأتي حدث من الأحداث لكي يعيدها للوجود ومثالنا القريب على ذلك فترة ما بعد "حرب الخليج" وما أحدثته من انشقاقات بين الطوائف والاقليات العراقية بعدما كادت هذه الأخير أن تنسى خلافاتها وصراعاتها البائسة المفتعلة.

 

 الفصل الرابع

مسرح خيال الظل أو بابات ابن دانيال الموصلي

 

  ينتمي خيال الظل كفن إلى تلك الفنون الشعبية التي يصعب تحديد نشأتها ومراحل تبلورها، وذلك لارتباطها بالتعبير التلقائي للشعوب التي أدار لها ظهورهم الكثير من المؤرخين ورجال الأدب والفكر. ولكن،على الرغم من هذا التجاهل المعلن من قبل بعض المفكرين وعدم الاحتفاء بهذا اللون التمثيلي الشعبي غير المباشر، حاول بعض الباحثين الغربيين والعرب أن يتابعوا آثار الفنون الشعبية بشكل عام وفن خيال الظل بشكل خاص. ومن بين هؤلاء البحاحثين المختصين الذين كونوا لهم آراء وأفكارا خاصة بهذا الفن نذكر على سبيل المثال: محمد عزيزة، الذي يشير في كتابه "الأشكال التقليدية للعرض" إلى مسألة نشأة هذا الفن، إذ يقول:( من اجل العثور على آثار لمسرح خيال الظل، يتوجب علينا التوجه بأنظارنا نحو الهند وليس الصين كما هو متعارف عليه)[34]. ويؤسس عزيزة منطقه هذا على تصورات وافتراضات المستشرقين الغربيين الذين ردوا جميع المزايا والفضائل إلى الهند كموطن أول للشعوب الآرية حيث يعتبر هؤلاء المستشرقون أن الهند هي المهد الأول للفنون الشعبية. وبما أن فن خيال الظل يعتمد على عدة فنون شعبية تقوم في تكوينه وتتدخل في بنيته وتشكيله، فأن نشأته لا بد أن تكون في الهند وليس الصين التي يمكن أن تناظر الهند في هذه الحقيقة.

 

- الهند والصين والنشأة الأولى لخيال الظل

  لقد اختلف الباحثون في شأن تحديد الموطن الأصلي لفن خيال الظل وانقسموا إلى فريقين، الأول: يعتبر الصين موطنا اصليا، في حين أن الفريق الثاني يتجه بأنظاره نحو الهند التي تعتبر في نظره مهد عدة لغات قديمة ومنبع القصص والحكايات؛ وان خيال الظل الهندي هو الأبعد تأريخا من حيث النشأة. وهذا هو السبب الذي حمل العديد من الباحثين على اعتبار الهند هي الموطن الأصلي له. وأول من دعا إلى هذا الرأي المستشرق ريتشارد بيشل معتمدا في ذلك على بعض الإشارات التي وردت في نصوص هندية قديمة تعود إلى القرن الثاني الميلادي، مثل: ماهاباسيا و تيري جاتا التي تعود إلى القرن الثاني الميلادي أو ملحمة المهابهراته (القرن السادس قبل الميلاد) و براهتسميتها لارها ماهيرا ( القرن السادس الميلادي) ولقد تبنى جورج باكوب في كتابه (تاريخ خيال الظل في الشرق والغرب) هذه الآراء معتمدا على ما ورد في النصوص السنسكريتية في أغاني الراهبات، وهو حوار بين راهبة بوذية وشخص، تمت الإشارة فيه إلى خيال الظل، مثلما يعتمد على غيرها من الإشارات العابرة التي يمكن أن تؤكد على أن الهند هي أول من عرف هذا الفن قبل غيره من البلدان. في حين توجد بالمقابل آراء وشواهد لمفكرين وباحثين تثبت العكس إذ تقول أن الصين هي السباقة بمعرفة هذا الفن قبل غيرها من البلدان، ونذكر من بين هؤلاء المفكرين على سبيل المثال: جاكوب لاندو، فيليس هارتنول و وانغ هسن. ولقد انطلقت أو بالأحرى تأسست جميع هذه الآراء واعتمدت في تحديدها للنشأة والموطن الأصلي لهذا الفن على التسمية الأوربية لفن خيال الظل والتي هي OMBRE    CHINOISES أي الظل الصيني أو خيال الظل الصيني؛ واعتمدت على  تاريخ إمبراطور الصين وودي"WU-DI" الذي عاش بين 140و87 ق م). وتذكر دائرة المعرف الصينية، انه عندما ماتت زوجت هذا الإمبراطور حزن حزنا شديدا عليها، وقد قدموا له أعدادا كبيره من المهرجين والرواة ولكنهم لم يفلحوا في زرع البهجة والفرح في قلبه حتى يصل الكاهن شاونغ ذات يوم لكي يعلن للإمبراطور انه قادر على إعادة الحياة إلى الزوجة المتوفاة. وبهذه الطريقة ظل يجلس الإمبراطور كل ليلة أمام شاشة من قماش شدت من الجانبين فتظهر زوجته التي احبها أمامه، فيبدأ بمسامرتها وبمكالمتها عن الحياة السعيدة التي عاشها بقربها. وفي أحد الأيام اندفع الإمبراطور شوقا وحماسة نحو الشاشة وقام برفعها وإذا به يرى الكاهن شاونغ خلفها وهو يحمل بيده دمية على هيئة صورة امرأة مصنوعة من جلد حيوان كان يعكس ظلها على الشاشة موحيا للإمبراطور بأنها امرأته.

انطلاقا من هذه الاستحالة التي تفرضها علينا مسألة تحديد اصل وفصل فن خيال الظل الذي ظل محصورا بين شواهد صينية وهندية، يجدر بنا أن نغِض الطرف عن موضوع النشأة ونترك عملية البحث والتنقيب عن الموطن الأصلي للمؤرخين والمهتمين بتأريخ الفن، وان  نتعامل  مع هذا اللون من الفن على أساس انه قد نشأ بين الهند والصين. وبهذه الطريقة سوف نختصر بحثنا ونكتفي بما توفر لنا من شواهد وإشارات إلى هذا الفن في الأساطير والشعائر الشعبية لشعوب منطقة الشرق الأقصى. ومثلما هو متعارف عليه تاريخيا فإن  فن خيال الظل قد انتشر وانتقل إلى بقاع العالم في عهد أسرة يون الصينية التي عاشت من (1280 إلى 1368 م) عن طريق المغول الفاتحين الذين اخرجوا هذا الفن إلى خارج الصين إلى الغرب والشرق الأوسط. ولقد ذهب جاكوب لاندر في كتابه"STUDIES INTHE THEATRE AND CINEMA إلى القول :( لقد انتقل فن خيال الظل من الصين بواسطة المغول والقبائل التركية ودخل مسرح الظلال الشرق الأوسط الإسلامي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر)[35]. ومثلما تعتبر أوليات هذا الفن غامضة وحائرة ولا تعرف أين ومتى ابتدأت في الصين أم في الهند فإن أولياته في الأدب العربي تعتبر هي أيضا غامضة ويصعب تحديد دخوله إلى العالم العربي، ولا ندري أن كان قد أتانا من الشرق الأقصى عبر بلاد فارس أم عبر المغول والقبائل التركية المجاورة، مثلما لا ندري فيما إذا كان هذا الذي وصل إلينا يشبه من حيث الشكل والمضمون فن خيال الظل الإيراني أم التركي أم له خصوصية أخرى مختلفة ؟!. إن ما نحن متأكدون منه هو أن أول إشارة لهذا الفن في التاريخ العربي وردت في كتاب (الديارات) للشابشتي الذي ورد فيه أن الشاعر "دعبل" الذي عاش حتى منتصف القرن الثاني عشر للهجرة/ التاسع للميلاد قد هددَّ ذات يوم "عبادة المخنث" وهو ابن أحد طباخي الخليفة المأمون قائلا له:( والله لا هجونك) فرد عليه "عبادة المخنث" :( والله لئن فعلت لأخرجن أمك في الخيال)[36]. ونفهم من هذا أن "عبادة المخنث" الذي هو كما ذكرنا ابن أحد طباخي الخليفة المأمون، في حالة هجائه من قبل الشاعر "دعبل"، سيتصل بأحد الممثلين المخايلين ويطلب منه أن يخرج أم الشاعر "دعبل" المشار إليه في مسرح خيال الظل بكيفية تبعث على السخرية والضحك. ويذكر الشابشتي في ذات الكتاب أن مسرح خيال الظل كان معروفا ومشهورا في العصر العباسي ولقد كانت وظيفته الضحك والسخرية والموعظة والهجاء. ولكن الشابشتي لم يذكر وللأسف الشديد فيما إذا كان هذا اللون من الفن كان يمارس في القصور أم انه كان يدعى من الشارع إلى القصور أم العكس في بعض المناسبات والأعياد التي يرفع فيها الحاجز بين السيد والعبد بعدما تفتح القصور للعامة من الناس. إن ذكر الشابشتي للواقعة التي دارت ما بين الشاعر "دعبل" وما بين "عبادة المخنث"، تثبت أن فن خيال الظل كان مزدهرا في العصر العباسي وكان يعرفه الشعب ويرتبط به وذلك من خلال وظائفه النقدية الوعظية الساخرة.

 

- الخليفة المتوكل (1454- 14439)

    يحكى ويقال أن الخليفة العباسي المتوكل، يعتبر أول من فتح أبواب قصره إلى فنون التسلية والضحك، الموسيقى والرقص من بين خلفاء زمانه وعصره. ومنذ ذلك العهد وقصور الخلفاء والأمراء مشرعة أبوابها وردهاتها وقاعاتها أمام شتى فنون التسلية، لدرجة إن صارت هذه القصور والبلاطات الفاخرة عبارة عن مكان لقاء وتبادل ثقافي وفني مع باقي البلدان الغربية البعيدة. وكان يأتي إليها ممثلين ومشخصاتين من جميع أنحاء العالم لكي يقدموا عروضهم وفعالياتهم الساخرة والباعثة على الضحك أمام الخليفة. أن ما يمكن أن نستخلصه مما تقدم بخصوص الخليفة المتوكل، يمكن أن نوجزه في أن فن خيال الظل كان مثله مثل باقي الفنون الأخرى المزدهرة في العصر العباسي، غرضه الأول والأساس التسلية التي تخفي في طياتها فن الهجاء، الوعظ والإرشاد. ولقد كانت تعتمد عروض خيال الظل على انعكاس الظلال التي تكون في العادة على هيئة بشر، حيوان أو جمادات معده مصنوعة ومعده من جلود الحيوانات المجففة أو من ورق سميك مقصوص وأحيانا من الخشب أو المواد المعدنية التي يقوم بتحريكها ممثل أو ممثلين من خلف شاشة بيضاء يسلط عليها الضوء من الخلف كي ينعكس عليها من الجانب الآخر خيالات الدمى المراد تصويرها. ويرتكز هذا الفن الظلي على ما يسمى (بالبابه) التي هي بمثابة نص يستنطقه المخايل على الشاشة ساعة التقديم أمام جمهور النظارة، أي أن التمثيل فيه غير مباشر ويتأسس على الوسائط الظلية التي يحركها ويتكلم نيابة عنها الممثلين( المخايلين) الذين يكونون خلف أو على جانب من جوانب الشاشة. ولقد يقوم الممثل/ المخايل بتقليد الشخصيات المعروضة بكيفية هارمونية تنسجم مع حركة الظلال وطبيعتها. ويذكر بروفر" PRUFER" في كتابه الدراما العربية:( إن تقليد الأصوات كفن من فنون العرض كان رائجا عند العباسيين. وقد عرف المقلد باسم (الحاكية) مثلما أن الخصائص اللهجية كانت ولا تزال تلعب دورا هاما في "الهرجه" FARCE " العربية وفي مسرحية خيال الظل ومسرح الدمى)[37]. لقد ارتبط هذا الفن بالشعب ارتباطا وثيقا وكانت مناسبات عروضه ليالي شهر رمضان واحتفالات عيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبي. يقول الدكتور فاروق اسعد في بحثه الموسوم(خيال الظل العربي): (إن النص الذي وصلنا من التراث العربي والذي أشير فيه إلى خيال الظل في العراق، أي ترجمة ابن خلكان لمظفر الدين كوكبوري (ت  563ه / 1167م) قد وصفت فيه احتفالات المترجم له في أربيل شرقي الموصل بعيد المولد النبوي. يقال انه أول احتفال بمولد النبي وكان احتفالا عظيما)[38]. ويبدو أن في هذا النص يظهر مثلما يصف الكيفية التي كان يقدم فيها خيال الظل في مدينة أربيل في مناسبات عيد المولد النبوي حيث كان (يقعد في كل قبة من القباب الخشبية التي نصبها كوكبوري جوق من المغاني وجوق من أرباب الخيال ... وكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر ويقف على قبة أخرى ويسمع غناء، ويتفرج على خيالاتهم وما يفعلونه في القباب)[39].

    إن تطور ونضج هذا اللون الفني الشعبي في العراق ووصوله إلى مستوى رفيع وعال في مدينة الموصل، قد دفع شمس الدين محمد بن دانيال الموصلي لتعلمه والوقوف عليه بشكل جيد قبل مغادرته الموصل والتوجه نحو مصر، بل ومن المحتمل الأكيد أن ابن دانيال قد قام بنقل بعض أصول هذا الفن وطرق عرضه معه إلى مصر.

 

- سقوط بغداد وهجرة ابن دانيال الموصلي إلى مصر

    لا يمكن أن نتحدث عن مسرح خيال الظل كظاهرة درامية عربية متطورة جمعت ما بين الفن الشعبي والأدب الرفيع من غير ان نذكر محمد بن دانيال الموصلي، هذا الشاعر العراقي الساخر الذي استطاع بدهائه وقدرته الفنية أن يوطد وشائج العلاقة ما بين خيال الظل كفن شعبي وما بين الأدب الرفيع، وذلك  من خلال اختراعه لغة ثالثه ما بين الفصيح والعامي ومزج التعبير العامي بالتعبير الفصيح. إذ يعتقد ابن دانيال أن فن خيال الظل لا يمكن أن يقدم إلى الناس إلا باللغة الأقرب والأنسب والأكثر فهما بالنسبة إليه.

  إن سيرة حياة ابن دانيال الموصلي تكاد أن تكون غير كاملة ومتقطعة. فأكثر الروايات التي تطرقت إلى سيرة حياته اكتفت بذكر القليل واستخدمت لغة الاقتضاب والإيجاز. ومن هذا القليل المقتضب نذكر : انه شاعر  ساخر، جمع ما بين طب العيون وما بين المجون. ولد في شمال العراق في عام 646 هجريه 1228 ميلادية في مدينة الموصل التي كانت مركزا من مراكز الثقافة والحضارة، فهي مدينة مليئة بالمدارس ودور العلم والمعاهد الحديثة. ويذكر أن ابن دانيال قد قضى شبابه فيها، ودرس القرآن الكريم وحفظه في مكاتبها مثلما تلقى العلم والأدب في مدارسها. ولكن عند سقوط بغداد في أيدي التتر عام 656 هجرية (1238 ميلادية) وسيطر الذعر والخوف على الناس، بعدما شاهدوا بأم عيونهم ما فعله هولاكو وجنده في عاصمة الرشيد من مذابح وقتل وتخريب وسفك دماء، وبعدما تفشت الأوبئة والفتن والمجاعات بين البشر، لم يبق أمام الناس الآمنين سوى الفرار أما جيوش التتار. في هذا لوقت والزمان المأساوي حيث الخراب والفوضى وذبح الأهالي المجاني ترك ابن دانيال الموصلي بلده العراق  موليا وجهه نحو مصر وهو في عمر يناهز التاسعة عشرة. ولقد استقر ابن دانيال في القاهرة التي لم تكن آنذاك أوفر حظا من العراق، فالشعب كان يشكو من هيمنة المماليك وحكمهم فيه.

ولقد امتزجت هذه الشكوى بالخوف في بابات(نصوص) ابن دانيال وأنتجت نوعا من الفكاهة الساخرة التي كشفت اللثام عن وجه الواقع المتناقض وآلامه المرة. ولقد عبر الموصلي عن هذه الحال في بابة " طيف الخيال" إذ قال: (لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية، في الدولة الظاهرية، سقى الله عهدها وأعذب في الجنا وردها، وجدت تلك الرسوم دارسه، ومواطن انسها غير أنيسة، عافية الآثار، ساقطة الجد بالعثار، وقد هزم أمر السلطان جبش الشيطان، فانكفأت ألسنة الخواطي، وكسرت الأقداح والبواطي، وتأذى الخلاع غاية الأذية، وصلب ابن الكازروني وفي عنقه نباذيه. قد عانى بعض الإخلاد إلى محله، وأنزلني بين قومه وأهله، فاعتذر إلي من التقصير عن إكرامي إذ لم يأت بمرامي)[40]. لم تكن الغاية من وراء هذه البابة إضحاك الجمهور حسب والوقوف عند أحداث مؤامرة طبختها قواده وقواد، وإنما هي أيضا مقطوعة أدبية فذة، حاولت في شكلها ومضمونها أن تنتقد الجهاز الإداري والسياسي للسلطة آنذاك بلغة تعبيرية جمعت عناصر التورية بالجناس والمقابلة بسائر أنواع الزخارف اللفظية والمعنوية، التي كانت وظيفتها نقدية ساخرة ترجمت خير ترجمه احتجاج ومعارضة ابن دانيال على الذرائع السياسية التي اتخذها "الظاهر بيبرس" عندما منع المسكرات وأماكن اللهو والخلاعة والمجون بحجج التعبئه. فلقد حاول ابن دانيال في بداية هذه البابة، مثلما فعل في باقي باباته الأخرى، أن يركز على موضوع الهدف من البابة والطريقة التي اتبعها في كتابتها من اجل أن يصل إلى الغرض من وظيفتها الاجتماعية. فألبابة في رأيه هي استجابة لحاجة الجمهور الذي يرى في كل أسلوب طريقه، وتحت كل خيال حقيقي. والحقيقة التي تختفي وراء بابة "طيف الخيال" نقدية سياسية لحدث مشهور يتلخص موضوعه في تنصيب شاب خليفة على المسلمين من قبل "الظاهر بيبرس" باسم " الإمام المستنصر بالله ابو العباس احمد الخليفة التاسع والثلاثون من بني العباس" ولقد حاكى ابن دانيال هذا الحادث بنوع من الفكاهة التي قادته لان يصور ذلك الأمير العباسي المزعوم الذي نصب عنوة على المسلمين تصويرا ساخرا عندما شبهه بالأمير "وصال" بطل هذه التمثيلية.

تبدأ ألبابة بالمقدمة المنطقية التي يقصها ابن دانيال كعادته في كل بابة:( كتبت إلي أيها الأستاذ البديع، والماجن الخليع لازال سترك رفيعا، وحجابك منيعا تذكر: إن خيال الظل قد ضجت منه الأسماع ونبت عنه لتكراره الطباع، وسألتني أن أصنف لك من هذا النمط ما يكون بديعا في أشخاص السفط، قصدني الحياء فيما رمته مني أن ترويه عني، لكن رأيت أن تمنعي من هذا المرام يوهمك إني قاصر الاهتمام، فجلت في ميدان خلاعتي وأجبت سؤالك لساعتي، وصنفت في بابات المجون، والأدب العالي لا الدون ما إذا رسمت شخوصه، وبوبت مقصوصة وخلوت بالجمع وجلوت الستارة بالشمع رأيته بديع المثال يفوق بالحقيقة ذلك الخيال)[41].

لم تقف غاية ابن دانيال الموصلي عند حدود السخرية من الأمير وصال المملوكي الانتماء حين كان يصعب التعرض لمثل هذه الشخصيات لا في الكلام ولا في الملام وإنما تجاوز ذلك بكثير عندما حاول أن يبرهن على قدرة الأدب وفن المخايلة على الإصلاح الاجتماعي، من خلال غوصه في بحار شرائح اجتماعية عديدة والعمل على تعريتها والكشف عن عيوبها وازدواجيتها. فالشخصيات غالبا ما تبدأ في البابات الدانيالية، إن صح التعبير، خاطئة ماجنة غير مبالية بمصيرها الذي يتعثر يوما بعد يوم لكي تنتهي تائبة تبحث عن طريق نقيض للقديم يقودها نحو الصراط المستقيم. ولقد كتب ابن دانيال الكثير من البابات نذكر منها على سبيل المثال: طيف الخيال، عجيب وغريب، المتيم والضائع اليتيم، الشيخ طالح وجاريته السر المكنون، الخ ... .

- البناء الدرامي والجمالي لبابات ابن دانيال الموصلي

تختلف بابات ابن دانيال الموصلي في الموضوع والحدث وتلتقي في المقدمة المنطقية التي يضعها في بداية كل بابة من البابات. تبدأ بابة "طيف الخيال" بشخصية الريس الذي يتولى مهمة تقديم العمل والتعريف بموضوعه شارحا الباعث الذي دفعه إلى تأليف هذه التمثلية ممهدا للحدث الذي تنطلق منه سيرة السياق بعدما يحيّ جمهور النظارة بالمديح والترحيب وقول الشعر.

الريس علي:

خيالنا هذا لأهل تارتب             والفضل والبذل لأهل الأدب

حوى فنون الجد والهزل في       احسن سمط وآتى بالعجب

فأنظره يا من فهمه ثاقب           ففيه للعرفان أدنى سبب

وإذا قام فيه ناطق واحد             عن كل شخص ناظر واحتجب   ترجمته طيف الخيال الذي         حكى هلالاً طالعاً بالحدب[42].

تطغي على المقدمة في العادة تعبيرات لغوية يمتزج فيها الشعر بالنثر والفصيح بالعامي.

بعد ان يفرغ الريس علي من عملية التقديم حتى ينادي على طيف الخيال" فيخرج شخص أحدب وينقض كالباز الأشهب" وهكذا يبدأ سياق النص بعرض تسلسل الأحداث التي تتطور في بابة طيف الخيال عندما يقرر الأمير وصال الكف عن مغامراته غير الأخلاقية والابتعاد عن الرذيلة والبحث عن زوجه : الأمير وصال يخاطب طيف الخيال:(أخي طيف الخيال، قد عزمت على ترك مسلك الخلاعة والتوبة للّه المخلصة والعمل بالسنة والجماعة، فقد دنا الرحيل، وما بقى إلا القليل، وأنا استغفر الله من القنوط ومن العمل بعمل قوم لوط، وقد عزمت على الزواج، والنسل والاستنتاج، فاطلب لي أم رشيد الخاطبة .. لأنها تعرف كل حرة وعاهرة وكل مليحة بمصر والقاهرة)[43]. فيطلب طيف الخيال من أم رشيد بأن تأتي  وبعد أن تأتي وتلبي النداء، تسأل أم رشيد عن سبب دعوتها ، فيقول لها الأمير وصال:( يا خالتي أم رشيد ما طلبتك إلا لتزوجيني، والى غيرك لا تحوجيني وأريد هذه العروس أن تكون وردية اللون، حسنة الكون، ملفوفة البدن، لا رقيقة ولا مفرطة السمن، أسيلة الخد قائمة النهد)[44]. وبهذه الطريقة يتم الاتفاق ما بين الأمير وصال وأم رشيد التي تخبره بأن لديها ما يريد ويرغب "فإذا وقع التراضي فلا بد من الوالي والقاضي" بعد ذلك تستمر الأحداث بسياقاتها التي تتنامى على هيأة ثيمات تبدو في الظاهر منفصلة ولكنها في الواقع مترابطة جميعها في خط درامي واحد يتصاعد وفقا لمنطق الحدث ومفارقاته: مفارقة الأمير وصال بين سلوكه في الماضي والحاضر، مفارقة غناه وفقره، مفارقة زواجه وخطبة أم رشيد له. إن هذه المفارقات كما قلنا، يربطها خط درامي واحد يقودها بشكل متنام نحو الذروة التي يكشف فيها الأمير وصال الخمار عن وجه العروس فيكتشف قبحها وكذب وخداع أم رشيد التي أسرفت وبالغت  قبل عقد القران في وصف جمالها. في هذه اللحظة من التوتر التراجيدي، إن صح التعبير، يتم التحول أم الانقلاب الارسطي في موقف الأمير وصال الذي يخرج عن طوره باعتدائه على أم رشيد الخاطبة وزوجها القواد. وحينما لم يجد في يده حيلة، ولم يبق أمامه إلا خيار التوبة يقرر الأمير وصال القيام بفريضة الحج قائلا لطيف الخيال: (أخي طيف الخيال، ما بقي إلا الارتحال وقد عزمت على الحجاز وخرجت بالحقيقة عن المجاز وقد قصدت غَسل هذه الأثام بماء زمزم والمقام، ونويت زيارة قبر سيد الأنام، صلى الله عليه وعلى آله الكرام واجعلني نصب عينيك، وهذا فراق بيني وبينك)[45]. من الملاحظ من قراءتنا السريعة للبابة أو النص أن تركيبة البابة الخيالية لدى ابن دانيال الموصلي تشبه إلى حد كبير من حيث البناء وعناصر التكوين النص المسرحي  الحديث الذي يعتمد على حبكة لها بداية ووسط ونهاية. ولعل ذلك يبدو واضحا على الحبكة ونوع الصراع الذي اعتمده ابن دانيال في نصه. فهو قد أقام الفكرة والحدث على شخصية الأمير وصال ذات الأبعاد الدرامية المتعددة، جسمانية، نفسية اجتماعية التي صار ينمو ويشتد من خلالها وبها الصراع كلما توالت فصول القصة وكلما كثرت مفارقاتها التي يتم بفعلها مثلما يقول أرسطو الانقلاب والتحول في الشخصية:(الانقلاب والتعرف مترتبان على الأمور السابقة أما على طريق الضرورة أو على طريق الرجحان)[46]. وعلى الرغم من أن البابة قد غلب على بعض جوانبها طابع الحكاية فقد ظلت تحتفظ بالحدث ولم تعمل على إظهاره إلا بشكل تقتيري اقتصادي ضاعف من عامل التشويق والمفاجأة التي اكسب بنية النص تماسكا والتحاماً. فلقد كان يعرف ابن دانيال كيف يصل بمتفرجة إلى التخيل وذلك من خلال قبضه على وحدة الحدث والعمل على تقديم العرض بلغة فكاهية جذابة عمادها الحركة، الصورة، النغم والكلمة. إن اكثر الحوارات، على سبيل المثال، كانت تشير إلى مجالات غير موصوفة عكس كتابة القصة تماما. وكأن المؤلف يريد بذلك أن يجعل النص مشروطاً بطريقة عرضه وكيفية تقديمه. ولهذا يجب أن لا ننظر إلى الوحدات الكلامية الموجودة في البابه الدانيالية على أساس أنها لغة سردية مجردة تبحث عن أداء مسرحي، وإنما هي عنصر لغوي يحاول أن يحقق كفاءة مسرحية تعد من وراء كتابته. ثم أن الذي يتابع أحداث البابه وطريقة تقديمها يدرك جيدا منذ الوهلة الأولى انه أمام سياقات تمثيلية حديثه لا تمنح نفسها إليه بسهولة، وذلك لان بداية الصراع ما أن تبدأ حتى تزرع في نفس المتفرج نوعا من الترقب والشوق لما يحدث لهذا الأمير الذي يستعيد أمامه ذكريات شبابه الماجن الخليع. وبعد عرض طويل لما كان عليه هذا الأمير، يفكر جادا أن يغير أسلوب حياته، بالكف عن مغامراته الخليعة واضعا حدا لمغامراته بالزواج. وعلى هذا الأساس، يطلب من طيف الخيال بأن يكلم الخاطبة أم رشيد. إن الخاطبة بدورها تسرف وتبالغ في وصف جمال العروس. وهذا مما يدفع الأمير لان يعجل بعقد القران وهنا يصطدم بمفارقة عوز المال والبذخ في جهاز العروس. يصور ابن دانيال في هذا المكان من البابه المفارقة الدرامية ببلاغة لغوية ساخرة لا تخلو من الحزن والأسى:(مال المال، وحال الحال، وذهب الذهب، وسلب السلب، وفضت الفضة، وقعدت النهضة، وفرغت الكأس، واخلقت جدته مرور الليالي والأيام، حتى بكيته بكاد عروة بن خزام)[47]. وعندما يتم طقس الزواج وترف له العروس، وهنا بالتأكيد، سوف يتخيل المتفرج أن الأزمة قد ولت، والتوبة حلت والخاتمة ستنتهي بالزواج والوئام. لكن النص ينتفض فجأة و يفاجئ المتفرج من جديد بمشكلة لا تخطر لا على البال ولا على الخاطر، عندما يكشف الأمير وصال عن  وجه العروس. يدرك لحظتها انه خدع وان أمواله وأتعابه ومساعيه قد ذهبت سدى، فالعروس (من أكبد الدواهي، بأنف كالجبل، ومشافر كمشافر الجمل، ولون كلون الجعل واجفان مكحولة بالعمش، وخدود مضرجة بالنمش، وأسنان كأسنان التمساح). على هذا النحو يضعنا الكاتب من حين لأخر في دوامة من الصراع الحقيقي الذي تسرع وتبطئ حركته وفقا لمستجدات غير متوقعة، تعمل على إقامة الجدل ما بين الدال والمدلول وجعل المتفرج يعيش حالات انتقالية بين الواقع والعالم المتخيل الذي يستحوذ عليه ويشده إليه.

بعد هذا العرض والتقديم الموجز، نستطيع أن نعتبر فن خيال الظل العربي، قد مثلَّ المجتمع العربي وساهم في تصويره في مرحلة من مراحل تطوره. فهو فن ارتبط  بالشعيرة الجمعية للمجتمع ارتباطا وثيقا، بحيث كان لا يذهب إليه المتفرج إلا لكي يرى نفسه فيه أو ليرى عالما افتراضيا يقدمه إليه من خلال نقل شخوص الواقع المعاش إلى  شاشة العرض أو منبر العرض الثابت والمتجول. هذا بالإضافة إلى انه يعتبر واحدا من أهم  الجذور الدرامية العربية التي –وللأسف- لم تستثمر من قبل رواد المسرح العربي الذين تجاهلوا كل الجهل هذا النوع من المسرحة لكي ينسبوا لا نفسهم ريادة الاكتشاف من خلال البحث عن النموذج الغربي وليس العربي بحجة أن الأدب العربي لا يعرف المسرح. ولكن الحقيقة، أن الأدب العربي قد عرف وخبر الكثير من المناهل الدرامية التي كانت لها خصوصية تختلف بالتأكيد عن الخصوصية الأوربية وذلك لنشوء هذه الأخيرة في بيئة مختلفة. ومن بين هذه المناهل، نصوص خيال الظل التي يمكن أن نعثر فيها على جميع عناصر بناء المسرحية الحديثة تقريبا، مثل : الوحدات الارسطية الثلاث: الموضوع، الزمان، المكان الذي تمر عبره عناصر الإمتاع المسرحي: كالحبكة، البداية، الوسط والنهاية، الحوار، الصراع وتنامي الفعل المدرك من قبل الجمهور بالاستجابة التي تملأ الفراغات المعرفية للنص من خلال التكهنات التي يسقطها على الأحداث ساعة العرض. وإذا شئنا أن نطرح سؤالا، ربما يكون قد طرح من قبل، فسيكون: لماذا اختفى أو بالأحرى غيبّ هذا اللون المسرحي من مجالات التأليف؟!  لماذا لم يتطور؟! ثم هل صحيح ما يقال بأن مجيء السينما قد قضى على فن خيال الظل ؟ والجواب هو، أننا لسنا ميالين إلى الرأي القائل بأن السينما قد حلت محل خيال الظل، على الرغم من معرفتنا ودرايتنا بأن هذين الفنيين يلتقيان في الشكل من حيث استخدامهما للشاشة البيضاء كمجال للعرض، وانهما يقيمان فنهما على ما هو غير مباشر، أي بالواسطة، مثلما يعتمدان على الصورة. ولكن مع ذلك، لا يمكن اعتبار السينما بديلا له، لان الأغراض تختلف مثلما أن علاقة خيال الظل بالمتفرج على الرغم من كونها توصيلية تعتمد الوساطة فإنها تبقى علاقة مباشرة. لان العرض فيه يكون مباشرا وحيا يستجيب له الجمهور كمسرح وليس كسينما. لان عالم السينما بالنسبة للمتفرج الجالس في الصالة يعتبر عالما غريب قادما من مكان بعيد تصنع تأثيراته الخدع التكنولوجية في حين أن المسرح، تصنعه المشاعر الصادقة والتعري الكامل أمام المتفرج الذي جاء لكي يستجيب لهذه المشاعر والأحاسيس المعروضة. ثم أن هذه الأحاسيس لا تغرق المتفرج في حالة من الوهم مثلما تفعل السينما، ولا تجعله يندمج فيها حدّ نسيان النفس، وإنما تفتح أمامه مساحات للتأمل والجدل الذي يجعل منه بشكل لاشعوري عنصرا أساسا من عناصر العرض التي لولاها لما اكتمل العرض.

إذن، فسبب انقراض هذا الفن وضياع نصوصه التي لم يصلنا منها إلا النزر اليسير، لا يعود إلى ظهور السينما وإنما يعود بالدرجة الأساس إلى ثلاثة نقاط رئيسية:

·            أولها، كبرياء الأدب وتعاليه عليه كفن شعبي.

·      ثانيا، تجاهل رواد المسرح الأوائل وتنكرهم له، وهذا مما ساعد على اتساع الهوة ما بينه كفن وبين المجتمع الذي  لم يعد بكل تأكيد كما هو من قبل.

·     ثالثا، أن الجهل والأمية والاضطرابات السياسية واحتلال المغول لبغداد وانهيار الإمبراطورية العباسية وحكم المماليك والخ .. جميع هذه الأحداث قد جعلت بشكل أو بآخر من هذا الفن غريبا على المجتمع العربي الحديث وبعيدا عنه وساهمت في انقراضه وفقدان نصوصه، نتيجة لهذه الهوة التي كان سببها عدم انتماء العرب لثقافتهم وانقطاعهم عنها وتوجيه أعناقهم صوب الغرب الساحر، كل ذلك قلل من شأن هذا الفن العظيم وتم تعريضه لشتى الأحكام

 والاتهامات الأخلاقية الجافة التي لم تحاول أن تغوص في عمق الظاهرة الفنية وسياقاتها الاجتماعية التي كانت تلبي في حينها حاجات المتفرج الفكرية والفنية بالتعرض لمشاكله وإلقاء الضوء على همومه اليومية بكيفية كوميدية ساخرة لا تخلو من لغة الوعظ والتوجيه.

ولكن على الرغم من الإجحاف والجفاء الذي مُني به هذا الفن من قبل رواد المسرح العرب، يبقى بمثابة بذرة أولى من بذور النص الدرامي العربي مثلما يبقى أيضا حلقة من حلقات الوصل المفقودة من تاريخ المسرح العربي الذي ابتدأ فيه وانشغل بغيره. إن حظ خيال الظل يكاد أن يكون مثل حظ مسرح التعزية الذي ولد في بلادنا لكي ينسب بالتالي لغيرنا، لان هذا الأخير استمر في تقديمه وتطويره في الوقت الذي امتنعنا ومنعنا منه نحن.   

 

  الفصل الخامس

 

الجذور التاريخية للمسرح العراقي

 

لقد تطرقنا في الفصول الأولى من هذا الكتاب إلى الظواهر الاجتماعية وشبه الاجتماعية التي لعبت دورا مهما وفعالا في نشأة المسرح في المجتمع العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص.

وسنحاول في هذا الفصل أن نقدم تعريفا لبدايات التجربة المسرحية في العراق من خلال تاريخه القديم والحديث، ملقين الضوء على ولادته، تطوره، طبيعته وأنواعه، وما هي الظروف الاجتماعية السياسية لتي رافقته. ويجدر الإشارة، بادئ ذي بدء، إلى أن بدايات المسرح العراقي تنشطر في شكلها ومضمونها إلى شطرين:

الشطر الأول:  نشأة المسرح قبل الحكم الوطني.

الشطر الثاني: المسرح بعد الحكم الوطني.

وعلى الرغم من انشطار تاريخ المسرح العراقي الحديث إلى شطرين نلاحظ أن العلاقة ما بين الفترتين كانت وطيدة رغم فارق الزمن الذي يفصل بينهما والظرف ونوعية الإنتاج ومستواه الاحترافي. وإذا كان الإحساس المبكر بالوعد المسرحي في الشطر الأول قد سبق الشطر الثاني، فأن هذا الأخير قد استفاد من العهد الأول، في صنع قاعدته وتفرده وخصوصيته في الإنجاز. كما تجدر الإشارة هنا إلى الدور الذي اضطلع به الرائد الحقيقي للحركة المسرحية العراقية "حقي الشبلي" الذي اشترك في أول فرقة مصرية - فرقة جورج ابيض- زارت بغداد عام 1926. وهذا مما دفعه وشجعه على تحقيق حلمه في تأسيس فرقة تمثيلية عراقية في مطلع عام 1972 باسم (الفرقة التمثيلية الوطنية). وفي أوائل عام 1929 قدمت من القاهرة فرقة فاطمة رشدي المسرحية، وبعد أن عرضت عددا من المسرحيات، انضم الشبلي إليها وسافر معها إلى مصر طلبا للعمل والتدريب والدراسة على يد الفنان "عزيز عيد". مكث الشبلي في مصر ما يقارب السنة ثم عاد إلى القطر ليلم شمل أعضاء فرقته الذين توزعوا على الفرق المسرحية الجديدة التي تأسست بعد رحيله إلى مصر. وبعد عملية لَمْ الشمل هذه سافر الشبلي إلى فرنسا عام 1935 لكي يعمق دراسته ودرايته بالمسرح. وسوف نعرج في فصلنا هذا على دور حقي الشبلي في المسرح العراقي، ونفرد له مكانا خاصا، إذ لا يمكن أن نتحدث عن تاريخ المسرح العراقي دون المرور برائده الأول، هذا الرائد الذي يعتبر شاهدة حاضرة دوما وأبدا في المسرح العراقي وإن باتت جزءا من التاريخ.

قبل الدخول في التفاصيل التعريفية لهذا المبحث، يقتضي منا أن نبدأ من حيث ما انتهينا إليه في الفصول الثلاثة الأولى، أي أننا سوف نتجاوز مرحلة التقصي التاريخي والبحث في قضية فيما إذا كان العراق القديم قد عرف المسرح أم لا، مثلما سنكف عن بحث الشواهد المسرحية في مدينة الموصل، والمظاهر المسرحية لحضارة بابل وأشور وسومر التي اندثر أكثرها ولم يبق منها إلا ما لا يمكن نسيانه ويستحيل اندثاره من: شعر، حكاية، أسطورة وملحمة. وسوف نبدأ من البدايات التي اتضحت فيها الشواهد النصية والعرضية لفن المسرح في المدارس الأكليريكية في الثلث الأخير من القرن التاسع.

 

المقدمة التمهيدية

     لقد تطرق الكثير من الدراسات لموضوع نشأة المسرح في الوطن العربي، مثلما اهتمت أخرى بالأصول التراثية التي استقى منها الكتاب أعمالهم المسرحية، وكان من البديهي والمنطقي أن يهتم هؤلاء الباحثون والدارسون بالمسرح اللبناني والسوري والمصري الذي سبق باقي الأقطار العربية في معرفته ودرايته بالمسرح على يدي الرواد الأوائل في بدايات القرن التاسع عشر. إذن، نحن لا يمكن أن نتحدث عن المسرح في الوطن العربي دون المرور بلبنان وسورية ومصر.

أن موضوع دراسة المسرح العراقي في مثل هذه الحقبة التاريخية، يبدو صعبا وشائكا وذلك لتضارب الأفكار واختلافها حول قضية البدايات الأولى. وقد ظهرت دراسات تعرضت لهذه الحقبة الزمنية ووقفت عند بعض النصوص والظواهر التي أشارت وبشكل توثيقي إلى طبيعة النصوص المسرحية المقدمة آنذاك، واكتفت دراسات أخرى بالعرض التاريخي والتدويني لها، وقالت الثالثة، أن المسرح الحديث في العراق قد بدأ في أوائل العشرينات من القرن متوقفا عند حدود هذا التصريح دون إعطاء أي توضيح أو شرح يشفي الغليل يمكن الاعتماد عليه، في حين اعتمدت رابعة، في رأيها وتحليلها على الصحف والمجلات العراقية القديمة التي تخالف الرأي الثالث مؤكدة أن تمثيل أول مسرحية عراقية يعود تاريخه إلى نهايات القرن التاسع عشر. ومن اجل تقصي حقيقة هذه الآراء المتنازعة على حقيقة واحدة، لا بد لنا، أولا وأخيرا، من أن نلقي الضوء على تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكي ندرس الظروف والملابسات التي تعرض لها هذا البلد الذي عصفت به رياح الخراب بعد تدفق سيول المغول والترك بعدما دكت قلاعه جيوش "هولاكو" حفيد " جنكيز خان" ودمرت مدينة بغداد في عام 1258م.

 

نظره تاريخية موجزه 

  تقول كتب التاريخ :

 في عام 1235 م أرسل هولاكو جيوشه لفتح أسيا الغربية، فأخذت هذه الأخيرة بالتحرك من مختلف المواقع التي كانت ترابط فيها.

في عام 1256 م  أسر زعيم الإسماعيلية خورشاه بعدما دمر قلاعها تقدم جيوش هولاكو البطيء.

في عام 1257 م وصلت الجيوش المغولية إلى همدان حيث أرسلت من هناك إلى الخليفة تتهدد وتتوعده مطالبة إياه بالتسليم، لكن الخليفة العباسي رفض ذلك الطلب. وهكذا اشتبكت في أوائل محرم 1258 م القوات العباسية التي كان يقودها آنذاك ألدويدار الصغير "مجاهد الدين ايبك" بالقوات المغولية بين بغداد وسامراء وانتهت المعركة بتحطيم الجيش العباسي وخسارته خسارة فادحه. وبعد فشل محاولات الخليفة العباسي في التوصل إلى حل سلمي، اضطر إلى الخروج مع أسرته لمقابلة هولاكو الذي كان يتقدم إلى بغداد من خانقين بجيشن يتألف من 200000 محارب. وعندما وصل الخليفة العباسي مع أسرته إلى هولاكو أمر هذا الأخير، بحجزه ثم قتله. ثم دخل الغزاة بغداد في5 صفر 1258م وفتكوا بأهلها واستولى الخراب على المدينة بحيث كانت جثث القتلى مرمية في الدروب والأسواق كالتلول، وهطلت عليها الأمطار وداستها الخيول فاستحالت صورها مثلا للتشوّه ... ولقد أودى هذا الغزو بحياة الكثير من الناس وتدهورت البلاد فكريا وعمرانيا واقتصاديا، واستمرت الحال حتى وفاة " تيمورلنك" قائد الموجة المغولية الثانية على بغداد سنة 1405م، أثناء زحفه لغزو الصين. بعد وفاة تيمورلنك اندلعت الاضطرابات في أرجاء مملكته التي لم يوحدها ولم يمنعها من التفكك سوى سطوته وبطشه. وبعد حروب وصراعات سقطت الحكومة الجلائرية وانتهى حكمها لكي يبدأ عهد جديد بقيام دولة الخروف الأسود التركمانية في عام 1411 م. ولقد تبع ذلك نزاع مستمر بين العثمانيين والإيرانيين للسيطرة على العراق وبغداد خاصة في هذا العهد. فبغداد كانت عاصمة للدولة قرابة نصف قرن على الرغم من الاضطراب والانحلال والفساد الذي حلّ بجهازها الإداري من جراء حروب الجلائريين والحكومات المجاورة، وهجمات تيمورلنك المتواصلة على العراق. وهكذا اصبح العراق إقليما من دولة مجزأة يتنازع فيها وعليها الطامعون لغرض سيطرتهم عليه بالسلب تارة والقتل تارة أخرى. من خلال استعراضات كتب التاريخ للنزاعات والحروب الأهلية يتبين لنا أن العراق قد مرّ بسلسلة من الاضطرابات التي كانت جزءاً لا يتجزأ من فوضى عامة تجلت خير تجلّ في عهد الشاه إسماعيل الصفوي 1924م، مؤسس الدولة الصفوية في بلاد فارس الذي استولى على العراق عام 1508 م بعدما انتزع بغداد من سيطرة الأتراك. ولقد كانت تطلعات إسماعيل الصفوي إلى العراق تعبر (عن أسباب سياسية واقتصادية. فالعراق الزراعي الخصب يمكن أن يسد الكثير من حاجات سكان الهضبة الإيرانية الفقيرة. كما أن الاستحواذ على بغداد- قلب العالم الإسلامي- يعطي للشاه إسماعيل مكانة رفيعة لدى المسلمين، طبقا للأحلام التي كانت تساور)"[48]. وهكذا فقد شهد القرنان السادس عشر والسابع عشر صراعا عنيفا ودمويا بين الدولتين العثمانية والصفوية لم ينته حتى حملة مراد الرابع عام 1638 التي حاصرت بغداد وأجبرت الفرس على الانصياع لمشيئته بالانسحاب.

 

 

المسرح العراقي بين الاحتلال والولادة

 

   بهذه الطريقة والكيفية اصبح العراق حتى القرن التاسع عشر وما بعده دولة من دويلات الإمبراطورية العثمانية التي كانت عاصمتها "اسطنبول" على محك مع نشاطات الفرق المسرحية القادمة إليها من إيطاليا وفرنسا. ولقد شهد الأتراك، مثلما يقول "على الزبيدي:

(مسرحيات شكسبير وراسين وموليير وغيرها وهي تمثل بلغتها الأجنبية. وقامت بعض الفرق التمثيلية التركية بترجمة وتتريك عدد كبير من المسرحيات وخاصة المسرحيات الفرنسية، ومثلتها للجمهور التركي)[49]. هذا بالإضافة إلى اهتمام سلاطين العثمانيين بالتمثيل وخاصة السلطان "عبد المجيد"، فقد قاموا في قصورهم مسارح خاصة كانت تقدم فيها العروض والحفلات الموسيقية الراقصة. ولقد كان لهؤلاء الولاة إسهامات مباشرة في تشجيع حركة التعريب بتكليف أدباء عصرهم بنقل مؤلفات معينه من اللغتين الفارسية

والتركية إلى اللغة العربية. وهذا يعني أن المصادر التركية كانت بالنسبة للعراقيين من أهم المصادر وذلك لارتباط هذا البلد بالدولة العثمانية واثقان مثقفيه اللغة التركية بل كانت اللغة التركية آنذاك لغة المدارس ولغة الصحافة. وهذا ما شجع، في حقيقة الأمر بعض الشباب العراقيين الذين كانوا يقيمون في اسطنبول على الاتصال ببعض المسارح والمراكز الثقافية سعيا إلى التعلم والاحتراف. زد على ذلك أن ظهور تباشير النهضة العربية الحديثة في أواخر القرن الثامن عشر في الشام وفي باقي الأقطار العربية الأخرى، جعل الطلبة العراقيين، بدلا من أن يذهبوا إلى تركية فقط يذهبون أيضا إلى الأقطار العربية المجاورة التي قطعت شوطا كبيرا في التحديث والانفتاح على الغرب  والاحتكاك به بشكل عنيف على الصعيدين السياسي والثقافي منذ الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن. علما أن حركة الاستشراق والترجمة نشطت في هذه الفترة بالذات، وقد أدى الاحتكاك الحضاري عن طريق التجارة دوره الفعال في نقل الخبرات والمعارف التي كانت غريبة بعض الشيء على المجتمع العراقي. في مثل هذه الظروف الحامية المتقلبة ظهر المسرح بشكله الأوربي على الساحة العربية. وروج له جيل الرواد الذين انبهروا به أولا لكي يعملوا على نقله بالتالي ويعتمدوه كطريق لهم. ولقد كان من بين هؤلاء الرواد المبشرين بهذا اللون الجديد من المسرحة: مارون النقاش  ( 1817-1855) في بيروت، أبو خليل القباني ( 1842-1903 ) في سورية، ويعقوب صنوع ( 1829-1912 ) في مصر. لقد استطاع مارون النقاش من خلال سفره إلى إيطاليا أن يطلع على بعض المسرحيات والأوبرات التي كانت تقدم على المسارح الإيطالية آنذاك. وهكذا انصب اهتمام النقاش على الفن الاوبرالي الموسيقي بعدما كانت معرفته قبل هذا التاريخ وهذه السفرة محصورة ومقتصرة على (إرهاصات مسرحية مثل خيال الظل والمحبظين والحكائين والحكواتيين وأرباب المساخر التي لم تتطور إلى شكل مسرحي كالمسرح الغربي الذي قطع آلاف السنين من التطور والنمو)[50]. لهذا السبب ترى النقاش قد هرع إلى بلاده ليبشر قومه بآخر ما توصلت إليه الحضارة الغربية. أما أبو خليل القباني الذي كان يتمتع بشهرة في فن الموسيقى والغناء وحسن نظم الأزجال والأشعار وربط الحوادث القصصية، فقد عاد إلى سورية عام 1868 بعدما اطلع وقرأ أعمال النقاش في لبنان لكي يقوم بتشيد فنه المسرحي الذي لاقى تشجيعا من الوالي "مدحت باشا". ولم يكن يعقوب صنوع فلم يكن اقل حظا وحماسا من النقاش والقباني، فلقد حصل هذا الأخير على بعثة دراسية إلى إيطاليا كما انه كان يشاهد قبل رحيله إلى إيطاليا الفرق الفرنسية والإيطالية التي كانت تقدم عروضها فوق خشبات المسرح المصري مما اثر فيه ودفعه لإنشاء مسرح عربي على غرار ما شاهده من عروض أجنبية في القاهرة، ويقول في هذا الصدد:(ولد مسرحي على منصة موسيقي كبير في الهواء الطلق قائم في وسط حديقتنا الجميلة، حديقة الازبكية بالقاهرة، وفي الحقبة، أي في سنة 1870 كانت  فرق فرنسية مجيدة من الموسيقيين والمغنين والممثلين، وفرقة مسرحية  إيطالية ممتازة تقدم للأوربيين من أهل القاهرة أطيب متعة، وشهدت جميع ما قدمه هذا المقهى الموسيقي. فإن الفرنسية والإيطالية لغتان احبهما حبا جما، وقد درست كبار كتابهما المسرحيين وهل ينبغي أن اعترف ؟ أن الفصول الهزلية الفقيرة والمسرحيات الكوميدية والتمثيليات الغنائية والمآسي التي أدها الممثلون على هذا المسرح هي التي أوحت لي بفكرة تأسيس مسرح عربي)[51]. لقد استفاد صنوع من معرفته الجيدة باللغة الفرنسية، الإيطالية والإنكليزية التي استطاع من خلالها أن يطلع وبشكل جاد على أدباء المسرح الأوربي، مثل: كولدوني، موليير، شريدان، مثلما استطاع أن يترجم ما كتبه بالعربية إلى اللغات الأوربية خالقا بذلك جسرا للتفاعل الحضاري ما بين الشرق والغرب. إذن، يمكننا الآن أن نعزو مسألة تعرف العراقيين على المسرح بشكله الحديث إلى مصدرين:

 الأول: ارتباط العراق بالدولة العثمانية التي كانت عاصمتها تستقطب وتستضيف الفرق المسرحية الأوربية ؟

الثاني: انفتاح العراقيين على ما يجري في الأقطار العربية المجاورة من حركات تنوير.

ومثلما انتقل المسرح إلى تركية والبلاد العربية عن طريق زيارة الفرق الأجنبية لهذه البلدان وسفر الرواد إلى الغرب، كذلك انتقل المسرح إلى العراق بنفس الواسطة، أي عن طريق السفر والاتصال بالمظاهر الثقافية والحضارية. يقول عمر الطالب في هذا الصدد: (إن أهل العراق قد عرفوا الغرب وثقافته عامة، ومسرحه خاصة بقراءة ما نقله إخوانهم السوريون والمصريون، يضاف إلى ما كان يقرؤه بعضهم باللغة التركية والفارسية مترجما عن الغرب)[52]. إن الأواصر السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت قائمة آنذاك ما بين العراق والشام ولبنان ومصر في العهد العثماني قد دفعت الأستاذ الباحث علي الزبيدي على استبعاد فكرة أن ( المسرح دخل العراق بعد الحرب العالمية الأولى أو بعد قيام الحكم الوطني عام 1921)[53]، مؤسسا رأيه هذا على أساس أن النهضة العربية قد بدأت وبانت ثمارها في العديد من المجالات: السياسية، الاجتماعية وفي الثقافة العامة والشعر والنثر فلماذا لم تينع أيضا في المسرح ؟ من الذي يمنعها ؟ ونحن نرى في هذا الرأي والاستخلاص فيه نوع من الصحة إن لم يكن الصحة نفسها.

 

المسرح في الموصل

    إن الموصل كمدينة كانت معروفة آنذاك بتعدد طوائفها المسيحية وكنائسها ومدارسها ذات العلاقة الثقافية والدينية الوطيدة في أوساط الشام ولبنان المسيحية،  كانت لهذه الأقطار اتصالات منظمة مع الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط وروما وباريس والبعثات التبشيرية التي أنشأت المدارس لأجل تدريس التعاليم المسيحية. ولقد كان عدد من رهبان الكنائس العراقيين، لا سيما الموصليون منهم، يبعثون خارج القطر للدراسة في الكنائس والمدارس الأوربية ثم يعودون للعمل والتدريس. وكان لهؤلاء الرهبان العائدين دورٌ اجتهاديٌ وتأسيسي في أحياء وتنشيط الحركة المسرحية العراقية، وذلك بتوظيفهم ونقلهم ما شاهدوه من تجارب تمثيلية مسرحية، وما تأثروا به من نشاطات تمثيلية أثناء دراستهم خارج القطر إلى الكنائس العراقية. فقد ذكر مؤرخو هذه الفترة عددا كبيرا من الأسماء التي كانت سباقة في نقل وترجمة وتعريب النصوص المسرحية الأوربية. ومن بين اشهر هؤلاء الرهبان الذين تواصلوا مع المسرح بعد عودتهم وأسسوا لبناته الأولى في العراق " الشماس حنا حبشى 1980 الذي قام باقتباس ثلاث تمثيليات : كوميديا آدم وحواء، وكوميديا يوسف الحسن، وكوميديا طوبيا. ووفقا لما جاء في بحث على الزبيدي، (إن هذه التمثيليات الدينية اقتبست عن الفرنسية أو الإنكليزية وقد احتفظت بأسمائها نفسها، مثل آدم وحواء، ويوسف الصديق .. وهو من النوع الديني الأخلاقي الذي كثر في القرون الوسطى ومازال يحظى باهتمام رجال الكنيسة)[54]. ولقد ذكر الدكتور يوسف النجم في مقاله المنشور في جريدة الجمهورية (البغدادية) العدد 1042 في كانون الأول 1966، أن كوميديا "يوسف الحسن" من تأليف "الخوري نعمة الله البيجاني"391-393، الذي اقتبس أحداثها من الكتاب المقدس، بعدما أضاف عليها بعض الفقرات معززا فيها العظة الدينية. وان مسرحية "آدم وحواء" للخوري فيلمون" 387-391، وهي مقتبسة عن الكتاب المقدس كما جاء في سفر التكوين. ولقد احتوت هذه النصوص على حوارات بين الشخصيات ومشاهد مقسمه بشكل درامي يتلاءم مع روح النص الذي نقلت عنه. وهذا يعني أن الكتاب قد استفادوا من النصوص الأجنبية المترجمة بكيفية جعلت ترجماتهم وتعريباتهم  تأتي ببعض التحويرات والتغييرات في عناصر البناء كي تلائم الذوق الاجتماعي الديني السائد آنذاك. ويمكن أن تكتمل الصورة في أذهاننا لو حاولنا أن نلم ونطلع على مواضيع ومعالجات المسرحيات التي تم العثور عليها، وهذا ما سيجعلنا، في الوقت نفسه، نبرهن على أن العراقيين كانوا يزاولون فن التمثيل والتأليف في الموصل.

 

النص ، الموضع، المعالجة

      لقد استلهم كتاب هذه المرحلة التاريخية موضوعاتهم من مناهل عديدة ومختلفة. فهنالك فريق اعتمد في موضوعاته على التاريخ البعيد أو القريب لاستيحاء بطولاته وأمجاده عاكسا في ذلك نوعا من المقاومة الضمنية لمواجهة المستعمر الذي كان يفرض رقابة مشددة. وفريق ثان، اعتمد على القضايا الاجتماعية التي كانت في حالة تدهور وتردٍّ معلن. وفريق ثالث، التجأ إلى التراث وشراكه الوعرة كموضع يحاول من خلاله تخفيف حالة الذل والضياع الذي كان يملأ النفوس.

ومن الأعمال التي استلهمت التراث مسرحية " نبوخذ نصر" التي كتبها الخوري هرمز نورسو المارديني. وتعتبر هذه المسرحية من ثمرات اهتمام المدارس الاكليركية بالتمثيليات غير الدينية. ولقد كان موضوعها يحكي قصة بطولات "نبوخذ نصر" ملك بابل الذي قام بأسر اليهود وفتح مدينة "أورشليم". ووفقا لرأي على الزبيدي تعتبر هذه المسرحية (مسرحية تاريخية عراقية صرفا، واكبر الظن أنها أصيلة ولا اثر فيها للاقتباس من حيث الموضوع على الأقل إذ لم توجد حسب علمنا مسرحية عربية بهذا الاسم في القرن  العشرين)[55]. وللأسف لم يعثر على هذا النص المسرحي حتى الآن بل ليس هنالك ما يشير أو يؤكد طباعتها من قبل المدرسة الاكليركية التي كانت تمتلك آنذاك مطبعة خاصة بها بدليل أنها طبعة مسرحية "لطيف وخوشابه".

وإذا كان اهتمام مؤلفي تلك الفترة التاريخية قد انصبّ على القضايا الدينية والسياسية والوطنية التي تجلت بأرديتها التاريخية، فأنهم لم يتجاهلوا المواضيع الاجتماعية التي تجسدت خير تجسّد في مسرحية "لطيف وخوشابه" التي اقتبسها نعوم فتح الله السحار حوالي سنة1890 وتم طبعها في عام 1839 ولقد اقتبس السحار هذه المسرحية عن نص فرنسي قصير عنوانه الأصلي FANFIN ET GOLAS تأليفALEXANDER LOUIS BETRAND . شغل هذا النص أهمية كبيرة في تاريخ المسرحية العربية في العراق مثلما اعتبره مؤرخو المسرح، أمثال: علي الزبيدي، عمر الطالب، محمد يوسف النجم واحمد المفرجي حدثا مسرحيا لأسباب عده يمكن تلخيص أهمها كالتالي:

أولا: لاعتباره أول نص مسرحي يطبع في العراق.

ثانيا: لأهميته التأليفية والتمثيلية في ذلك التاريخ المتقدم.

ثالثا: لابتعاده عن المواضيع الدينية التي كانت تختص بتقديمها المدرسة الاكليركية.

رابعا: لأهمية أسلوبه الحواري الذي جمع ما بين العامية والفصحى بنوع من التردد.

خامسا: لتصرف السحار بالنص الأصلي وتحويره وإعداده له وفقا للمناخ العراقي.

ولأهمية هذا النص، فقد أضفى عليه بعض الكتاب تفسيرات فكرية وسياسية مختلفة بعضها ينسجم مع النص وأخرى تختلف معه، سنحاول ذكر أهمها : لقد كتب الدكتور صالح جواد الطعمه في مجلة "الأديب" : (إن المسرحية تُعنى بمشكلة التمييز الاجتماعي أو الطبقي غير العادل، وتكشف عن تذمر الطبقة المستغلة وشروعها بالتمرد من اجل كرامتها، وذلك عن طريق المقارنة بين سلوك "لطيف" وأبيه"يوسف" اللذين يمثلان الأرستقراطية)[56]. أما خضر جمعة حسن، فقد كتب في الصفحة 20 من كتابه " حصاد المسرح في نينوى": (إن هذه المسرحية رائدة الفن المسرحي العراقي، وهي أول مسرحية موصلية اجتماعية تُعنى بمشكلة التمييز الطبقي والصراع الاجتماعي)[57]. في حين يرى علي الزبيدي، أن موضوع المسرحية ( يتركز في الناحية التربوية الخلقية، ويصطبغ بصبغة فردية قوية ذات أبعاد لا تتجاوز حدود العائلة الواحدة. وهي هناك عائلة "يوسف بك"، والنزعة الفردية كما هو معروف كانت شديدة في القرن الثامن عشر، بل هي من الخصائص المميزة لأدب ذلك القرن، قرن الثورة الفرنسية ولم يهتم الكاتب بالتمييز الطبقي أو الفوارق الاجتماعية إلا بقدر ما يتعلق بالمشكلة الفردية التربوية المتمثلة في فساد الطفل المدلل "لطيف")[58]. ونحن نتفق مع علي الزبيدي، وذلك لان من يتأمل النص بدقة سيلاحظ انه نص اجتماعي متأثر من حيث البناء بتلك المسرحيات التربوية التي لا تخلو من الجمل الوعظية والخطابات النصحية، ولعل ذلك يبدو بوضوح من خلال الحبكة والصراع الذي ظلا بلا توتر واحتدام درامي يذكر، وانحصر في عملية إصلاح المدلل "لطيف".

لقد جاء في مقدمة النص المطبوع: ( إن مضمون هذه الرواية الأدبية هي أولا حث الوالدين كي يحسنوا تربية أولادهم ولا يتركوهم أن يفعلوا بحسب هواهم، ومراقبتهم مهما كانوا أعزاء عليهم، ومحبوبين منهم، بل يجدر بهم أن يردعوهم عن الشر، ويفاصلوهم عندما يصدر منهم نقيضه، وثانيا، يعلمنا مضمون هذه الرواية الصفح عما ألحقه بنا الغير من الضرر والإساءة، وخصوصا أن نشفق عليهم عند مشاهدتنا إياهم حاصلين في حالة من الحزن والشدة)[59].

ويذكر الأستاذ احمد فياض المفرجي[60]، في مجلة "سينما" العراقية، مثلما يتطرق علي الزبيدي في كتابه الموسوم "المسرحية العربية في العراق" إلى أسماء أخرى من المؤلفين والكتاب الذين عنوا بالحركة المسرحية العراقية تأليفا وإعدادا وترجمة، مثل حنا رسام ( 1890- 1958) الذي ألف بالاشتراك مع " حبيب فرجو" مسرحية " لوجه الله الكريم" وهي مأساة في أربعة فصول وقد تم عرضها في بغداد في 12 شباط1912 وأنطوان زبوني الذي ألف مسرحية "خراب بابل" وتدور أحداثها حول تحالف اليهود مع الفرس على احتلال بابل وقد عرضتها مدرسة الكلداني في الموصل عام 1913 وسليم حسون الذي ألف " استشهاد مارترسيوس" 1902 و"شعوره"1905 و "حلية طفل" 1919 وقام "جرجيس قنديلا" باقتباس مسرحية (الأميران الأسيران) التي مثلت عام 1915.

ومن يطلع على هذه الأعمال المسرحية، سيلاحظ تفاوتا كبيرا في بنائها الفني مثلما سيلاحظ أنها ظلت أسيرة لنشأتها ولم تحاول أن تتعداها لا في الشكل ولا في المضمون. ويعود ذلك في اعتقادنا، إلى أن حركة الكتابة المسرحية آنذاك، قد اعتمدت على فهم الخطوط العامة لفن التأليف دون التوغل في عناصره ومقوماته. لهذا نرى أن مؤلفي هذه المرحلة التاريخية بالذات يتجهون أولا إلى الهدف السياسي، أو الديني أو التاريخي المطلوب  متناسين البناء الفني ومقوماته. ولهذا السبب نرى الصراع الدرامي في هذه الأعمال، خافتا، خاليا من الشدة والاحتدام ويكاد لا يشعر به أحد، وهكذا، تتعرض الحبكة للتفكك ويفقد الصراع حسه بالتنامي مثلما يغلب على الحدث طابع السرد والخطب الحماسية التي من شأنها أن تسطح المواقف وتفقدها حيوية الحركة. أما فيما يخص عامل  اللغة والحوار الذي جاء في العديد من النصوص التي اطلعنا عليها، فلقد كان متباينا في طريقة توظيفه للحدث. فلغة وحوار مسرحية "لطيف وخوشابه" على سبيل المثال، مزيج من الفصحى الضعيفة والعامية الموصلي. ولقد حاول مؤلفها (السحار) كما جاء في نص المقدمة:( أن يجتهد باستخراجها إلى اللغة العربية البسيطة وان يفهمها الجميع. وجعلت محاورة (بنو) وخوشابه أبنه و(بّخو) الفلاحين بالعربية المفسودة التي يستعملها القرويون القاطنون في كردستان عند تكلمهم بهذه اللغة)[61]. وتنوع لغة الحوار في هذا النص، مثلما يقول الزبيدي:( يدل على خبرة المؤلف بما يجب أن يميز الشخوص المسرحية عن بعضها من جهة، وما يتطلبه الجمهور العربي من جهة أخرى، لان الاختلاف في الواقع بين العامية والفصحى كثيرا ما يضطر المؤلف أو المعرب المسرحي إلى تبسيط اللغة والذهاب إلى حد استعمال العامية نفسها وخاصة في المسرحيات الاجتماعية والأخلاقية)[62]. ولهذا فإن الشخصيات في اغلب مسرحيات ذلك الوقت كانت لا تعيش ولا تنمو وفقا لمنطقها الخاص الذي يمنحها خصوصية ولونا يختلف عن باقي الشخصيات. فهي تتكلم حوارا لا يمثلها بقدر ما يمثل موقف المسرحية العام الذي يلقنه الكاتب للشخصيات ويفرضه عليها. وبهذه الكيفية يفرض المؤلف منطقه الخاص على الشخصيات فتبدو غير منسجمة وأحياناً غير مستوعبه لما تنطق به خصوصاً إذا كانت شخصيه تتأرجح ما بين العامية والفصحى. ولقد كان هذا التأرجح ما بين العامية والفصحى سائدا في تلك الفترة سواء في المسرح المصري أوالسوري أواللبناني، وهو مكتسب من المسرح الغربي وبالذات من مسرحيات شكسبير الذي كان يجعل النبلاء يتحدثون لغة الشعر والعامة من الناس يتكلمون لغة النثر الذي يقترب من العامية. نضيف إلى ذلك أن العلاقات السياسية، الاجتماعية والثقافية كانت قائمة ومستمرة بين العراق والشام ولبنان ومصر في العهد العثماني وخاصة في أواخره، وهنا يكمن مصدر التأثير والتأثر، في واقع الحال، يكمن في حالة التبادل الثقافي التي يعود الفضل إليها في نقل ظاهرة المسرح بشكلها الغربي إلى العراق.

- الأخباري

إلى جانب هذا المظهر المسرحي الجاد للحركة المسرحية العراقية، كانت هنالك مظاهر درامية أخرى، منها الساذج ومنها المسلي ومنها شبه المسرحي. وكانت جميعها معروفة تقريبا في بعض الدول العربية مثل: سورية، لبنان والأقطار العربية الإسلامية، كتركيا وإيران. ومن هذه المظاهر يمكننا أن نذكر، فن "خيال الظل" الذي سمي بعد ذلك بـ"القرقوز"" وكان يعرض في القصور وبيوت بعض الأثرياء مثلما كان يعرض للناس في المقاهي. وكان هذه الفن عريقا ومعروفا في العراق، فهو قد ظهر في العراق، مثلما ذكرنا في الفصل الذي خصصناه لفن خيال الظل، أيام العباسيين، ويرجع وجوده إلى القرن الثالث الهجري حسب نص الشابشتي" الديارات ". والى جانب خيال الظل والقرقوز كان العراقيون ولا سيما البغداديون منهم يشاهدون أنواعا تمثيلية أخرى مثل: الحكواتي والأخباري. ولقد شغف أهل بغداد بالحكاية لدرجة أن تداولوها شفاها وخصصوا لها مواسم وأماكن لممارستها كالدواوين والمقاهي والبيوت. ولقد كان البغداديون (يجتمعون بعد صلاة العشاء في المقاهي للاستماع إلى ما يقص عليهم قارئ القصة "القصة خون" من سوالف تاريخية بأسلوب تمثيلي يلهب حماس رواد المقهى، فكان قارئ القصة يرتقي كرسياً خشبياً، وكان يضع على رأسه " الجراوية " البغدادية وعلى أرنبة انفه نظارات يربطهما بخيط ويطرح جنبه سيفاً من الخشب)[63]. ويبدأ الحكواتي قصته بقول:(يا سادة يا كرام) وهذه البداية تعتبر لازمة تتردد في مقاهي القاهرة، بيروت، دمشق وغيرها من الأقطار العربية. أما موضوع حكايته، فيستمدها الحاكي أو القاص غالبا من السير والملاحم والحكايات الشعبية. ويقوم بأداء دوره التمثيلي معتمدا في ذلك على القراءة الجهورية التي تقوده في اكثر الأحيان إلى ترك مكانه والتلويح بعصاه أو سيفه الخشبي في الهواء من فرط الانفعال والحماس. أما "الأخباري" فهو عبارة عن مشاهد تمثيلية تعتمد على النكتة، والسخرية والتهكم والوصف المضحك، ويقوم به متحاوران أو اكثر يتبادلون فيها المفردات النابية والانتقاص من أوصاف وأحدهم الآخر. أن فن "الأخباري" مثلما يقول الزبيدي:( لم يكن حوارا مجردا بل كان مشهدا يمكن أن يوصف بأنه تمثيلي، لان القائمين به كانوا يرتدون ملابس تثير الضحك تناسب المشهد وإن لم تتنوع كثيرا بسبب سذاجة العملية وسطحيتها وعدم تنوع الموضوع)[64]. ولقد اعتبر محمد حسين الاعرجي في كتابه " فن التمثيل عند العرب" إن فن الأخباري، بمثابة امتداد للحكاية البغدادية التي أخذت في فن الأخبار شكلا حواريا يعتمد على ( التنادر في محاكاة الآخرين من الشخصيات المشهورة لدى الجمهور، كمحاكاة أهل السواد" المجاورين للنجف، أو محاكاة "الخادم مع سيدة)[65].

ولقد كانت تقدم هذه التمثيليات في حفلات الزواج والختان مثلما بدأت تقدم في الملاهي التي ظهرت في بغداد في أواسط وأواخر القرن التاسع عشر. ومن اشهر ممثلي هذا النوع من التمثيل، يقول الزبيدي: ( رجل اسمه "سلمان البهلوان"، كما اشتهر بعد ذلك، أي خلال فترة ما بين الحربين رجل آخر اسهم في تطوير الأخباري، بعد أن شاهد المسرح والتمثيل، إلى مشاهد هزلية لم يخل بعضها من موضوع أو قصة مسرحية وإن كانت ساذجة وبدائية تعتمد على التهريج والحركات الجسيمة أو الوجهيه والألفاظ المثيرة للضحك، وقد ظل الرجل يعمل في الملاهي في بغداد مقدما المشاهد الهزلية والمحاورات المضحكة والنكات على المسرح وكان البغداديون يسمونه "الشانو"، في الفترات التي تتخلل مشاهد الرقص والغناء أو في نهايتها. ولكنه لم يستطع بحكم أميته وافتقاره إلى الثقافة والذوق الفني أن  يطور المشاهد الأخبارية [...] وهذا الرجل اسمه "جعفر آغا لقلق زاده)[66].ولقد تطور هذا اللون التمثيلي وتألفت له فرقٌ خاصة ساهمت فيها عناصر نسائية واصبح عنصرا أساسيا

من عناصر التسلية في الملاهي والمقاهي. يقول عبد الكريم العلاف في كتابه الموسوم "بغداد القديمة" : (انه كان يشاهد ليلا في قهوة التبانة في محلة الفضل رجلا هزليا يدعى "ابن الحجامة" ومعه زميل اسمه "منصور" وهما يقومان بتمثيل فصول مضحكة على جمهور من المتفرجين)[67]. وهكذا صارت فصول وتمثيليات فن "الأخباري" مثل لازمة في جميع المراقص والملاهي البغدادية، حيث اشتهر وتخصص به بعض الأفراد الذين كانوا يؤدونه بشكل تهريجي بعد انتهاء فترة الغناء والرقص. ولهذا يعتبر اكثر الباحثين أن "الأخباري" كفن تمثيلي كان بمثابة مقدمة منطقية لدخول التمثيل المسرحي الحديث في العراق، وذلك لاحتوائه على عناصر تمثيلية تكاد أن تكون متكاملة من حيث : الموضوع، الحوار، الأزياء والإنارة وكان يقدم أمام جمهور جاء خصيصا لكي يراه. ولولا الظروف الاجتماعية التي كانت سائدة في نهايات القرن التاسع عشر والتي كانت تفتقر لأهم مقومات الثقافة لتطور هذا الفن وصار إلى حالة افضل، والدليل أن البغداديين مثلما ذكر الزبيدي، ما زالوا يستعملون لفظ "الأخباري" في لهجتهم الدارجة فيطلقونه على الأحوال والمشاهد والمشاكل المضحكة والنكات التي يتبادلها المرحون والظرفاء, وهذا يعني، أن "الأخباري، قد ساهم بشكل أو بأخر بالتنبيه لفن التمثيل والمسرح واعد أو حضر الجمهور لتقبل ظاهرة المسرح التي كانت تعتبر جديدة عليه.

                                    النشاط المسرحي في بغداد وإعلان الدستور العثماني

  لم تقتصر البدايات المتواضعة الأولى لبوادر النهضة العراقية التي وضحت معالمها في أواخر القرن التاسع عشر على مدينة الموصل ومدارسها المسيحية وإنما شملت مجمل الحركة الفكرية في القطر وخاصة بغداد التي انتقل إليها النشاط المسرحي خلال العقد الأول من القرن العشرين، أي بعد إعلان الدستور العثماني في 23 تموز 1908ولقد رافق هذه الفترة وما قبلها تطور فكري بانت ملامحه في أرجاء الوطن العربي، حيث تم استخدام الطباعة في مصر والشام وهذا مما جعل الكتاب العربي وبعض الترجمات تصل إلى أيدي القارئ العراقي. وبهذه الكيفية اصبح ثمة جمهور يتتبع بشغف ولهفة ما يحدث في العالم من تطورات على الصعيد الفني والفكري والسياسي من خلال الصحافة التي ازدادت وشهدت انتشارا لم يسبق له مثيل من قبل. ففي 15 حزيران 1869 اصدر مدحت باشا بعد ستة وأربعين يوما من وصوله إلى بغداد، العدد الأول من جريدة "الزوراء" الناطقة باللغتين التركية والعربية. ولقد أثرت هذه الجريدة في نوعية وتثقيف الناس في مواضيع شتى ركزت أكثرها على حث الناس على تعليم بناتهم، والوقاية من الأوبئة. ومن خلال هذه الجريدة تعرف القارئ العراقي والعربي على مقالات وقصائد عديدة قدمت طروحات فكرية متنوعة لأدباء عراقيين، أمثال: طه الشواف، معروف الرصافي، فهمي المدرس، جميل صدقي الزهاوي، احمد الشاوي وعبد المحسن الكاظمي. وفي عام 1885 ظهرت في الموصل جريدة رسمية كالزوراء باسم "الموصل" مثلما ظهرت في البصرة عام 1889 جريدة "الفيحاء". وفي 1902 اصدر الآباء الدومنكيون في الموصل أول مجلة عراقية باسم "إكليل الورد" وفي بغداد اصدر الآباء الكرمليون في عام 1905 مجلتين دينيتين  باللغة العربية والفرنسية بعنوان "زهيرة بغداد، الأيمان والعمل". وهكذا فقد حدثت في العراق فورة صحافية استطاع العراقيون بواسطتها أن يطلعوا على مقالات بعض المفكرين البارزين أمثال: الطهطاوي والكواكبي التي عالجت في مجملها الحقوق القومية والتعلم والإصلاح الاجتماعي.

ونتيجة لتنامي الوعي القومي واتضاح الوعي السياسي والثقافي والفني لدى العراقيين فقد انخرطوا أثناء أقامتهم في العاصمة العثمانية في تنظيمات جمعية " الاتحاد والترقي" التي اصدر فرعها في بغداد جريدة "بغداد" التي تعتبر أول جريدة ظهرت في ذلك العهد. لقد دعت هذه الجمعية إلى أجراء تعديلات دستورية، وقد نجحت في مساعيها في إجبار السلطان عبد الحميد الثاني على إعلان الدستور سنة 1908 الذي كان مدعاة لتأييد العراقيين وعلى رأسهم "مدحت باشا". بعد هذا التاريخ، صدرت العديد من الجرائد والمجلات التي يمكن أن نذكر منها: الرقيب، بين النهرين، مصباح الشرق، النهضة، الرصافة، لغة العرب وغيرها. وعلى غرار إعلان الدستور قامت مدرسة السريان الكاثوليكية ببغداد في عام 1908 بتمثيل مسرحية "شهيد الدستور مدحت باشا" وهي مسرحية مترجم عن التركية. ولقد تحدثت جريدة " الرقيب" عن هذا العرض قائلة: ( سيمثل شبابنا الوطنيون هذه الرواية التاريخية العصرية في مكتب السريان الكاثوليك مساء الخميس 9 نيسان 1925 رومى "1908م"، من الساعة الأولى بعد المغرب. وهي الرواية الفريدة التي تمثل مقتل أبي الأحرار المرحوم مدحت باشا، وتشخص صورة انقلاب الحكومة بإعلان الدستور. وتحتوي على خمسة فصول، يتخللها تمثيل هزلي باللغة الفرنساوية وأغاني رخيمة موقعة على آلات الطرب الشرقي)[68].

وعلى الرغم من بقاء النشاط المسرحي محصورا ومسجونا خلف جدران المدارس المسيحية، فلقد اشتد وزاد  في بغداد خلال هذه الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى. ولقد كان من وراء عوامل ازدياده وانتشاره نضج الوعي السياسي، الثقافي ،الاجتماعي والفني، وتأثر الحركة المسرحية بعوامل النهضة الفكرية التي رافقت إعلان الدستور الذي فتح آفاق الاستجابة الجماهيرية على فن المسرح وكشف عن أهميته في بث الروح الوطنية ولعب دور فعال في الحياة الاجتماعية والسياسية العراقية. بالإضافة إلى نشاطات مدرسة السريان المسرحية، قامت المدرسة الكلدانية بمدرسيها في بغداد بتمثيل مسرحية "سلسترا" أو "الوطن" وهي مسرحية مترجمة عن التركية أيضا من تأليف الشاعر التركي المعروف "نامق كمال" ولقد كتبت جريدة ؛الرقيب" البغدادية في هذا الصدد تقول: ( جرى الاحتفال ليلة الأربعاء بتشخيص رواية الوطن "سلسترا" في كنيسة الكلدان فكان باهرا فوق العادة. واعجب عموم الحاضرين حسن التمثيل الذي قام به طلبة هذه المدرسة، وتمام الإتقان بما هو فوق التصور)[69]. وتتحدث مسرحية "سلسترا" عن بطولة الأتراك في دفاعهم المستميت عن قلعة "سلسترا" في حروبهم مع الروس سنة 1854 ويخوض غمار هذه الحروب الضابط "إسلام بك" الذي يخطب في جنده في مشهد من المشاهد قائل: (إن الذي يحبني لا يفارقني). ونتيجة لقوله هذا، تتطوع حبيبته "زكيه هانم" معه متنكرة في ثياب الجند الأتراك ولكنها عندما يجرح حبيبها الضابط "إسلام بك" في المعركة، تكشف القناع عن تنكرها متألمة لجراحه عندها يكتشف الضابط الجريح سر تنكرها خصوصا عندما ينظر من حوله فلا يجد سواها. وهكذا تنتهي المسرحية بالزواج والوئام.

لقد شهدت هذه الفترة من فترات التاريخ العراقي، تطورات سياسية وثقافية وفنية تعددت مظاهرها وكبرت محاورها واستبشر الناس بها وبالعهد الجديد الذي كان من ثماره إعلان الدستور واتساع مجال التفكير والتعبير الذي انتج تجارب وفعاليات مسرحية ظهرت وبانت ملامحها ببغداد في العقد الأول من القرن العشرين. وبهذه الطريقة استطاع المسرح، شأنه شأن باقي النشاطات الثقافية والفنية، أن يلفت انتباه الجمهور إليه ولا سيما المثقف منه إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه كحركة مسرحية مجددة بمستطاعها أن تخاطب ضمير الشعب وتبث فيه روح الوطنية. وبهذا الشكل والكيفية تحمس المثقفون لهذا الفن وصاروا يدافعون عنه في الصحف والمجلات وينادون بضرورته كفن. ولقد جاء على صفحات جريدة "الرقيب" البغدادية ما يثبت ويدلل على هذا التوجه، إذ كتبت في إحدى مقالاتها المعنونة "الرقص بدل التمثيل": (كيف لا تنفطر قلوبنا أسفاً على حالتهم). ويقصد المحرر الذي كتب المقال الأهالي" عندما نراهم بهذه الأحوال، بينما جرائد سوريا تعلن عن تمثيل الروايات الأدبية التي تروق العين ويستحسنها القلب، وتزداد فيها الآداب ويعتبر بها المعتبرون. ولعل ما نراه من الأهالي وإقبالهم على هذه الملاهي لا يجعل لهم ميلا للنظر إلى تلك)[70].

وهكذا نال المسرح رضى وتشجيع الصحف والمجلات بعدما توالت العروض ونشطت حركة التأليف وصارت له تقاليد يمكن اتباعها عند الكتابة والإخراج. ولقد ذكرت جريدة" صدى بابل" في عددها الثالث والسبعين: (سيقوم طلبة مدرسة الصنايع، التي هي تحت إدارة الأب "بطرس الكرملي الحامي" بتشخيص " زرثور البريطاني" وهي رواية تاريخية محزنة ذات خمسة فصول، يقوم بتمثيلها ستون شخصاً من طلبة المدرسة المذكورة، ويتخللها أناشيد لطيفة ويعود ريعها إلى الأيتام وطلبة الصناعة والعميان)[71]. مثلما قدمت مسرحية (الأسيران الصغيران) من قبل الأباء الكرمليون، وقدم شباب المحفل اللاتيني عام 1912 مسرحية (الاقلون) ومسرحية ( الغدر) على مسرح كنيسة اللاتيني وقدمت مدرسة الكلدان مسرحية (البرج الشمالي 9 و( البيت الضائع) عام *1913.

لقد حاولنا من خلال عرضنا السريع هذا لأهم المراحل التي مرّ بها ذلك المسرح الطفل الذي لم يستطع أن يتعدى الموهبة الفطرية ومع ذلك استطاع أن يشق طريقة وان يعوم في بحر هائج متلاطم الأمواج متخذا من المدرسة وباحاتها مسرحا له، ومن طلبتها ممثلين، ومن معلميها مخرجين ومؤلفين. نفهم مما تقدم أن بداية ونشأة المسرح العراقي الحديث قد اعتمدت بادئ ذي بدء على المسرحيات الأجنبية المترجمة الفرنسية منها والإنكليزية وتطورت الحالة لتأخذ اكثر المسرحيات عن طريق الأعداد والتوليف الذي يستقي مواضيعه من كتب التاريخ ورواياته. وبما أن المسرح المدرسي بما قدمه من تمثيليات تاريخية يعتبر النواة الأولى لبدايات المسرح في العراق، هل  يمكننا أن نعتبر في ضوء ما تقدم أن المحاولات المدرسية الأولى بداية مسرحية صالحة وكافية لنشأة مسرح حديث في العراق ؟ والجواب هو نعم ولا في آن واحد، (نعم ) لان البداية الأولى كانت في المدارس، و(لا) لأنه ظل حبيسها فترة لا يستهان بها. ولكن بعد مرحلة إعلان الدستور والتمثيل خلف جدران المدارس الدينية المسيحية والاهتمام بما هو تعليمي، جاءت مرحلة الكفاح ضد المستعمر الإنكليزي، ضد ذلك المحتل الذي اغتصب الفرحة من العراقيين بعدما أمنوا به ووثقوا بوعوده. ولهذا السبب، اختلف الظرف السياسي وتغير النظام الاجتماعي فجأة، ووجد العراق نفسه مكبلا من جديد مجبرا على أن يواجه مستعمرا آخر ذا تكنيك وأسلوب جديد مغاير ومختلف عن تكنيك المستعمر التركي العثماني، إذن، كان لابد من تغيير الأداة واستخدام سلاح اكبر وتوسيع دائرة النشاط السياسي، الاجتماعي،الثقافي والفني. بهذه الكيفية تتحدد الإشكالية النظرية للمسرح العراقي في المجابهة القائمة بين ما هو سياسي وما هو فني ، أي أن ولادة المسرح العراقي ونشأته لم تكن نتاج رغبة فنية بسيطة.

وانطلاقا من هذا المنظور نستطيع أن نقول أن الفن كان في تلك الفترة- فترة احتلال العراق من قبل المستعمر الأجنبي- عبارة عن أداة احتراب وكفاح، وانه بمثابة سلاح وواسطة اتصال من خلالها صار المسرح أداة نضال. فالفنان لا يطالب إلا بشئ واحد بسيط اسمه الحرية، ولهذا فهو يترهب ولا تستحوذ عليه إلا فكرة واحدة وهي فكرة هويته الوطنية ... التي من اجلها سيحول المسرح إلى أداة دفاعية يكتب من خلالها جميع مطاليبه ومطاليب الشعب الذي ينتمي إليه. إذن، بات من الضروري الإشارة إلى أن ولادة المسرح العراقي يمكن عرضها كواحدة من الأسباب الداعية للثورة كرغبة وكتقديم للهوية الجديدة التي لا تتجسد في الاحتلال وإنما في الحرية والاستقلال. وانطلاقا من هذا المنطق نستطيع أن نقول انه آن الأوان للحديث عن التاريخ السياسي الذي يتعارض بالضرورة كنظام وكمشروع مع تفكير المستعمر.

 

المسرح في عهد الاحتلال البريطاني للعراق 1914- 1920

 

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، تقدمت الجيوش البريطانية واحتلت مدينة البصرة في 5 تشرين الثاني 1914 بعد احتلال البصرة توالى ذلك احتلال مدينة العمارة في 3 حزيران 1910 بعد ذلك زحفت الجيوش على مدينة الناصرية واحتلتها في 25 تموز من السنة نفسها بعد معارك دامية، وبهذه الكيفية سيطر الإنكليز (على المثلث الواقع بين البصرة والعمارة والناصرية وبذلك أمنوا تطويق الخليج العربي ودَفعْ العثمانيين عنه كما أصبحت منطقة النفط في عبادان مأمونة)[72].وعندما تقدمت الجيوش البريطانية نحو مدينة الكوت، أصيبت بهزيمة فادحه خسرت فيها قواتها وفقدت هيبتها العسكرية بعد قتال وحصار دام خمسة اشهر اضطروا بسببه إلى التسليم للعثمانيين في 29 نيسان. وبينما كان الأتراك يتنعمون بفترة غزوهم للعراق، كان الإنكليز منهمكين في حشد قواتهم استعدادا لكسب الجولة الثانية على الأتراك بعدما خسروا هيبتهم في الجولة الأولى في هزيمة الكوت. وهكذا استطاع الإنكليز التقدم ثانية نحو الكوت واسترجعوها في نهاية 1916 بعدما اخرج العثمانيون منها. لم يتوقف زحف الجيوش الإنكليزية عند مدينة الكوفة بل استمر نحو بغداد وفي آذار1917 دخل الجنرال "مود" بغداد. وهكذا بدأ عهدٌ جديدٌ من الاحتلال حتى عام 1920 وبعد احتلال بغداد أذاع قائد الجيوش البريطانية "مود" بياناً جاء فيه :( إننا لم ندخل بلادكم أعداء فاتحين وإنما دخلناها محررين)[73]. ومع ذلك لم تكتف الجيوش البريطانية باحتلالها لبغداد فتقدمت قواتها نحو الموصل واحتلتها في 7 تشرين الثاني 1981، ثم أكملت زحفها نحو الأقسام المتبقية من العراق.

لقد اتخذ الإنكليز عند دخولهم بغداد سياسة تختلف عن تلك التي كان يتبعها الأتراك. ولقد أطلق الدكتور علي الوردي على هذه السياسة "سياسة التحبب" التي من خلالها حاولوا أن يتقربوا إلى الناس بشتى الوسائل والطرق ولا سيما فيما يخص (الأمور الدينية كأنهم كانوا يريدون دحض الدعوات السيئة التي كان الأتراك يروجونها عنهم، فصاروا يحترمون المساجد والمراقد المقدسة والشعائر الدينية، ويزورون رجال الدين متظاهرين بأنهم يحبون الإسلام وأهله وانهم وضعوا أنفسهم في خدمته)[74]. وهكذا فقد تعامل الإنكليز مع كل طائفة ومذهب بطريقة مختلفة تنسجم مع معتقداتها. فمع الطائفة السنية اتخذوا على سبيل المثال، سياسة الاهتمام بدائرة الأوقاف، في حين اتخذوا نحو الطائفة الشيعية سياسة الاهتمام بالعتبات المقدسة ورعاية مواكبها وطقوسها الحسينية التي كانت تقام عادة في شهر محرم. وكان الاهتمام والرعاية ينحصران في بأحاطة هذه المظاهر بالحماية ومدها بالإمدادات التي كانت نادرة ويصعب الحصول عليها في تلك الأيام مثل صفائح النفط ونسيج الأكفان التي كانت تستعمل في مواكب " القامة والتطبير". ولقد ذكرت جريدة "العرب" في يوم 8 تشرين الأول 1918 على صفحاتها ما يلي: (بما أن التياترو الواقع بجانب الكرخ هو قرب قونسلخانة إيران، وجميع السبايات تمر من هناك. فاحتراما لهذا الشهر يجب سد التياترو المذكور أعلاه ثلاثة عشر يوما ابتداء من أول شهر محرم إلى نهاية الثالث عشر منه حسب طلب الأهالي - التوقيع: حاكم بغداد العسكري القائمقام أي.ب. هول)[75]. وفي 17 محرم نشرت الجريدة مقالا بعنوان " تشكرات الفرقة الجعفرية " ويقول نصه:( أن الدولة البريطانية العظمى لجديرة بكل إطراء لرعايتها وعطف نظرها على القواعد الدينية والعوائد المالية، كيف لا وقد أسعفت فرقتنا الجعفرية منذ العام الماضي بطلبها إقامة المأتم والسبايا لتمثيل الفاجعة العظيمة بقتل " سيدنا الإمام الحسين عليه السلام ". في العشرة الأولى من محرم فراعيتموها بكل احترام، وحافظتموها بأحسن نظام)[76].بالتأكيد أن اهتمام الإنكليز بالتعزية الشيعية لم يكن:

·    أولا، نابعا من حرصهم على واحد من أهم المظاهر الفنية والأشكال المسرحية الفطرية التي كان يمارسها المجتمع العراقي بنوع من العفوية والتلقائية وإنما كان الغرض يختبئ وراء عامل التحبب والتقرب للطائفة الشيعية التي تمثل ثلث المجتمع العراقي.

·    وثانيا، هو ممارسة سياسة فرق تسد، من خلال البقاء والحفاظ على ديمومة الاختلاف الطائفي المذهبي ما بين الطائفتين - السنة والشيعة-  المتناحرتين دوما وأبدا.

·        وثالثا، الاستفادة من حالة الشقاق بين الفصائل السياسية العراقية سياسيا.

    بالإضافة إلى كل ما عددناه من مظاهر مسرحية كانت سائدة في بغداد في الصفحات الأولى من هذا الفصل مثل: خيال الظل، فن الحكواتي، الأخباري والمسرح الشعبي (التعزية)، استقدمت السلطات البريطانية الموجودة في بغداد، فرق "جوقة التمثيل" التي أشارت إليها جريدة "العرب" عندما ذكرت في عددها 564: ( على مسرح  Y. M . C. E  ) في حديقة الأهالي، يوم الخميس المصادف 29 من شهر آذار، في الساعة الثامنة زوالية بعد الظهر، يمثل جوقة من الممثلين الإنكليز البارعين رواية بديعة جامعة، لألطف الحركات الهزلية، والألاعيب، والنكات، عن حالة الجنود فيما بين النهرين، وقد خصص هذا التمثيل للأهالي)[77]. ولقد كان عنوان المسرحية التي نشرت خبرها في جريدة (العرب) " مدينة الجنون" مثلما نشرة جريدة العرب أيضا عن مسرحية أخرى بعنوان " سلطان الحب" وهي مسرحية وفقا لما جاء في الجريدة: ( جمعت بين الفكاهة والجد، تتعاقب حوادثها في ثلاثة فصول جميلة، تمثلها نخبة من الممثلين الإنكليز في " مستودع السيارات"، وقد خصص ريعها لمستشفى الأهالي)[78]. على الرغم من أن الباحث عمر الطالب قد ذكر في كتابه الموسوم" المسرحية العربية في العراق" أن الحركة المسرحية في العراق قد خفت فترة الاحتلال الإنكليزي بشكل نسبي لكنه يذكر في مكان آخر من كتابه نفسه أن: (فرقة الجيش البريطاني قدمت على مدرسة الصنايع عام 1919، ثلاثاً وعشرين مسرحية باللغة الإنكليزية وقد رضا الممثلون برشاقتهم وجودة حركاتهم من هزل وجد وتوافر معدات التمثيل وألبسته لديهم· وكان الكثيرين من المتفرجين لا يفهمون اللغة التي مثلت بها، ولكنه لم يمنعهم ذلك من الاستمتاع به، لان إبداع الممثلين كفاهم مؤونة اللغة ومعرفتها)[79]. نفهم من هذا الكلام، أن الناس آنذاك كانوا يتركون بيوتهم خصيصا من اجل الذهاب إلى المسرح ومشاهدة ما يدور فوقه من فعاليات، وهذا يعني أنه كان هنالك نوع من التعاطف مع هذه الظاهرة وإنها كانت تقدم من قبل   المحتل الإنكليزي وبلغته. وهذا في تقديرنا كافٍ لان يلفت أنظار الإنسان العراقي آنذاك والفنان الفطري الذي لم يتعلم يوما في مدرسة خاصة للتمثيل التقنيات التعبيرية لهذا الفن الذي يشتمل على الكثير من الأدوات الاتصالية بالمجتمع. لان الفن  وفقا لا "ألومبير"، ( لم يعد مثلما لم يكن مجرد محاكاة للطبيعة بقدر ما هو تقليد للنشاط التقني للإنسان أيضا)[80]. وهذا الكلام يحمل في جوهره نوعا من الرفض والإنكار للبحث الأنثروبولوجي الكلاسيكي. أي علينا أن نترك فكرة المحاكاة، والميل الغريزي للأشياء جانبا ونتجه صوب البراغماتية التي لم تعد فيها أنثروبولوجية الفن مكلفة بالغريزة الفطرية للإنسان وإنما في مدى تطوره التقني ... وإذا كان العمل  قد أبدع الإنسان فأن التقنية قد ألهمته مبادئ العقل. وقد طرأت تغيرات كثيرة على شكل الإنسان وهيئته لانتقالاته من مرحلة لأخرى، بحيث اصبح التغيير سيرورة تبني وتكون نماذج أخرى، وكل نموذج يخضع لنظام متحرك لا يعرف الثبات والسكون. إذن، لابد من اتباع حركة التاريخ التي نطلق عليها اليوم اسم التطور الحديث للإنسان. وهذا، في اعتقادنا ينطبق على الفرد العراقي الذي عاش متأرجحا ما بين احتلالين " التركي والإنكليزي"، أي انه خضع بشكل لاشعوري وشعوري لتأثير هذين المستعمرين اللذين استطاع عن طريقهما أن يكتشف المسرح بمعناه الغربي. ولقد ذكرت المصادر والكتب التي اهتمت بتدوين هذه الفترة من التاريخ، أن المدارس اليهودية الخاصة التي كانت في بغداد بعدما شاهدت عروض الجوقة التمثيلية الإنكليزية، قامت بتقليدها وذلك بتقديمها مسرحيات باللغة الانكليزية0 ويعزو الباحث والمؤرشف العراقي"أحمد فياض المفرجي" تفرد المدارس اليهودية بهذا النوع من العمل إلى أمرين:

·         (الأول: هو أن اليهود كانت لديهم مدارس خاصة بهم، حيث تعلموا فيها اللغات الأجنبية ومسك الدفاتر.

·    الثاني: أن الإنكليز كانوا يعتبرون اليهود من أنصارهم ومن المؤيدين لحكمهم في العراق فساعدوهم على دخول الوظائف)[81].

بالتأكيد أن اليهود العراقيين كانوا مبتهجين اشد الابتهاج بالاحتلال الإنكليزي ولكن هذا الأمر لم يكن مقتصرا عليهم فقط وإنما على اكثر العراقيين إن صح القول. لان واقع الحال كان صعبا وقاسيا أيام الاحتلال العثماني، والكل كان يبحث فيه عن مخرج وعن حل. لهذا طغت على العراقيين في هذا العهد نوع من الغرابة وأصابهم مرض التقلب في الرأي الذي  يمكن ترجمته بحالة القبول والرفض ، فهنالك  فريق استنكر الاحتلال الإنكليزي وآخر رحب به وراح يصفق له. والذي فرح وأيد الاحتلال الجديد بالتأكيد كان بالأمس من بين الذين ذاقوا عذاب ومصادرات الأتراك للأموال والبيوت بشكل غير شرعي وغير قانوني، أما الفريق الذي حزن لذهاب الأتراك ومجيء الإنكليز فهم بالتأكيد أولئك الذين كانت لهم منزلة رفيعة ومجيء الإنكليز فهم أو مصلحة أو وظيفة خسروها أو توقعوا أن يخسروها. ولكن اكثر الناس فرحا بالاحتلال الإنكليزي كانوا اليهود الذين كان (عددهم في بغداد يوم ذاك خمسين ألفاً، وخرج معظمهم يهتفون للجنود ويصفقون لهم، وأخذوا بعد ذلك يبذلون قصارى جهودهم في خدمة السلطة الإنكليزية والتعاون معها، وشاع بينهم القول المشهور: أيش ما يقول لك الصاحب قل له يس) : وهم الذين أطلقوا على الإنكليز الكنية التي عرفوا بها في بغداد آي " أبو ناجي "، ولعل اليهود عنوا بهذه الكنية أن الإنكليز أنجوهم من ظلم الأتراك)[82].لهذا السبب نلاحظ من خلال قراءتنا للتاريخ العراقي أن اليهود العراقيين كانوا اكثر تحمسا للإنكليز من الأتراك مثلما كان الشيعة من العراقيين ذات يوم متحمسين للإيرانيين في الوقت الذي كان فيه السنة منحازين ومتحمسين إلى الأتراك .. وهكذا كل فئة من الفئات اختارت لها محتلا من المحتلين الذين مروا على العراق لكي تحتمي بين جوانحه متناسية انه محتل وجاء لغزوا البلاد والتمتع بخيراتها.

بعدما عرفت باقي الفئات والطوائف اهتمام اليهود الزائد بالإنكليز حاولوا أن يخلقوا حالة من التوازن كي لا تفلت من أيديهم الأمور. لهذا نشبت ردود فعل  مثلما يحدث في كل مرة تختار فئة من الفئات محتلا لكي تحتمي به، ولكن هذه المرة نشأت ردود فعل فنية وثقافية وليست عدائية. وتكمن ردود الفعل هذه في توجه( مدارس المسلمين ومنتدياتهم إلى تشكيل فرق للتمثيل، تولت أمر تقديمهم العروض المسرحية المستمدة من التاريخ العربي)[83]. وهذا يعني أن الظاهرة المسرحية بدأت تستقر داخل الأندية والجمعيات الأهلية بعدما تركت أو تجاوزت جدران المدارس. وهكذا توسع مجال الحركة المسرحية وتضاعف نشاطها وبات لا يقتصر على فئة معينة، وصار محط اهتمام الجمهور الذي كان يساهم مساهمة فعالة في تشجيع المسرح خصوصا عندما وجد ضالته فيه. فالجمهور آنذاك كان متعطشا للمواضيع الوطنية والقومية التي تزرع في نفسه الثقة التي فقدها بسبب الاستعمارات المتواصلة والوعود الكاذبة التي يتلقاها في كل مرة من المستعمر العابث بقدراته وخصوصياته. فالحلفاء مثلما هو معروف لدى الجميع قد أخلوا بوعودهم فقسموا الشام والعراق وليبيا فيما بينهم وصار حلم القومية العربية والوطن المتحد في خبر كان، ولم يبق أمام الشعراء والكتاب والفنانين سوى التغني به من خلال لغة التمجيد، الأحياء والتعبير والرمز التي كانت تثير حماس الناس وتلبي رغباتهم المكبوتة.

 

المسرح العراقي ما بعد الحكم الوطني في بغداد

  لقد عصفت الأحداث السياسية والاجتماعية بالعراق عصفا شديدا، وتلاعبت بقدراته الرياح. مرة ترميه في أحضان المستعمر التركي والأخرى في أحضان المستعمر الإنكليزي. وهكذا ظل لفترة طويلة متأرجحا بين الاستعماريين المتخاصمين على ثرواته. لقد اثقل الطرفان كاهل الشعب العراقي بالضرائب المفروضة عليه والغرامات التي كان يتعرض لها بشتى الوسائل والحجج غير المقنعة. ومع كل ما تعرض له من قسوة وتجويع وتغييب لم يفقد الأمل ولم تسيطر عليه غمامة اليأس وظل يقاوم إجراءات المستعمر القسرية بحيث كان كل همه وطموحه هو نيل الاستقلال. لهذا السبب فقد تقبّل في البداية أن يتنازل وأن يرضخ للوعود التي قطعتها بريطانيا للعرب أثناء الحرب. ولكن قبوله ورفضه ظلا يتأرجحان ما بين الـلا والـنعم ما بين الرفض والقبول، حتى جاءت اللحظة المناسبة لانتفاضته ضد الإدارة العسكرية البريطانية. ففي أواخر عام 1917 وأوائل عام 1918 انتفضت النجف  وهذا ما اقلق الحاكم البريطاني وجعله يفرض حصارا على المدينة (استمر اكثر من أربعين يوما ولقد حكمت سلطات الاحتلال البريطاني بعد ذلك بإعدام أحد عشر مواطنا ونفي مائه وسبعين مواطنا من تلك المنطقة)[84]. في ظل هذه الظروف كانت تتبلور الحركة الوطنية العراقية لدرجة إنها صارت قوة لا يستهان بها، خاصة وان الحكومة البريطانية بدأت تشعر بعدم الأمان والاطمئنان لاستمرارها في حكم البلاد.

 ولقد أسفرت هذه العوامل جميعها على نوع من اليقظة الوطنية بين صفوف الشعب الذي كانت تنهشه الأمية وعدم الوعي، وتسيطر عليه مبادئ العشيرة وليس الوطن الواحد الموحد بكل فئاته. ومن بوادر هذه اليقظة تشكيل (جمعية العهد العراقي) التي تضمن برنامجها الصادر في عام 1919 ( استقلال العراق داخل حدوده الطبيعية وطلب المساعدة الفنية والاقتصادية من بريطانيا على أن لا تمس استقلال العراق التام وإنهاض الشعب العراقي ليأخذ مكانه بين الأمم)[85]. ومن بين الأعمال التي قامت بها هذه الجمعية، إرسال قوات عسكرية من سوريا إلى تلعفره بقيادة (جميل المدفعي) نجحت في دخول المدينة وإبعاد الإنكليز عنها. بالإضافة إلى هذه الجمعية تأسست عام 1919 جمعية أخرى باسم (حرس الاستقلال) التي رفعت شعار الاستقلال التام للعراق. ولقد عملت السلطات البريطانية في العراق على محاصرة هذه الجمعية التي صارت تمارس نشاطها بنوع من التستر متخذة من تأسيسها لمدرسة أهلية واجهة لها لتعليم أبناء العراق ومركزا لعقد وأدارة الاجتماعات الوطنية. لهذا عملت سلطات الاحتلال على إغلاق المدرسة، في 12 آب 1920.

ولولا مبادرة علماء بغداد ومثقفيها ومطالبتهم السلطات بالتخلي عن آمرها ذاك لظلت هذه المدرسة مغلقة. ولكن، ولحسن الحظ نجحت مساعي مثقفي ووجهاء العراق في ثني سلطات الاحتلال عن عزمها واستحصلت على إجازة جديده بفتحها، وهذه المدرسة هي (مدرسة التفيض الأهلية)[86]. ولقد كان لهذه المدرسة الفضل الكبير في قيام النشاط المسرحي ونشره في بغداد. فمن طلابها تألفت ثاني فرقة مسرحية في العراق. وقد ( أخذت هذه الفرقة أو اللجنة التمثيلية تعمل على أحياء الفن في العراق، فأقامت حفلات كثيرة في أهم المدن العراقية) 37 0 وسوف نتحدث عن دور هذه المدرسة في انتشالها للمسرح العراقي من عثراته. بعد هذه الأحداث والاضطرابات ، عينت الحكومة البريطانية ( السير ارنولد ولسن وكيلا للمندوب المدني في العراق كأجراء لمجابهة تصاعد المعارضة الوطنية، فحاول اتخاذ بعض الإجراءات التي تخدم أهدافه، وأجرى استفتاء صوريا حول مستقبل العراق فجاءت نتائجه مع  [...] استمرار الاحتلال والإدارة البريطانية)[87]. وعلي هذا الأساس جاءت مقررات مؤتمر سان ريمو محبطة وفيها أعلن الانتداب البريطاني على العراق في 10 أيلول 1920 ولقد كانت ردة الفعل العراقية عنيفة وذلك لان الشعب كان ينتظر الاستقلال والحكم الوطني. ومادامت الرياح قد سارت بعكس  مشيئة السفن فلم يبق أمام الشرائح الاجتماعية العراقية إلا الخيار الأخير وهو انتزاع الاستقلال بالقوة.

-  ثورة العشرين

   لقد تمثلت ردة الفعل العنيفة بثورة العشرين التي اشتركت فيها الجماهير العراقية بمختلف شرائحها الأجتماعية، حيث شارك فيها الرجل الريفي إلى جانب الحضري، والسني المذهب إلى جانب الشيعي المذهب، والعربي إلى جانب الكردي. وهكذا وقعت الحرب واشتد وطيسها بين القوات البريطانية والثوار العراقيين. وعلى الرغم من عدم تكافؤ القوى المتنازعة، فقد استمرت الحرب مدة خمسة اشهر قام فيها العراقيون بقطع سكة حديد شمال بغداد وجنوب الحلة. و( في 30 حزيران هاجمت قوات شعبية عراقية حاكم الرميثة البريطاني وافرجوا عن أحد زعمائهم المدعو " شعلان أبو الجون" بالقوة. فاعتبرت هذه الواقعة بداية للثورة. وقد توالت محاصرة الحاميات البريطانية في معظم منطقة الفرات الأوسط وانزل بها العراقيون ضربة موثرة. وهكذا انتشرت الثورة في محافظات بغداد وكربلاء وبابل والنجف والمثنى وذي قار والقادسية والأنبار وديالى. ولقد تكبدت القوات البريطانية خسائر فادحة بالأرواح والمعدات بلغت حوالي ألفين وخمسمائة شخص بين قتيل وجريح، وخسائر بالأموال ناهزت أربعين مليون باون استرليني )[88].

 وأخيرا اضطرت بريطانيا إلى تغيير سياستها في العراق، بالإذعان لمطالب الشعب وذلك بتشكيل حكومة وطنية يكون علي رأسها " فيصل ابن الحسين" الذي استدعته إنكلترا بعد فقدانه عرش سورية ليحل على عرش العراق. وبهذه الكيفية تأسست حكومة وطنية عام 1921 ونصب الملك فيصل الأول ملكا على العراق.

لقد أسفرت هذه التحولات السياسية والاجتماعية المتغيرة عن مكاسب جزئية حاول العراقيون من خلالها أن يبذلوا قصارى جهدهم من اجل إضعاف الدور البريطاني المستبد ومطالبته بالاستقلال بشكل مستمر. أما بالنسبة للنشاط الثقافي والفني فإنه بالتأكيد قد تأثر بواقع الحال و تعرض لحالة من الشلل النسبي شأنه شأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية. ولكن الأمر لم يدم فترة طويلة. فلقد انتبه الشباب المثقف آنذاك إلى ضرورة نشر الثقافة الحديثة واستخدام العلم والفن كسلاح في معركتهم مع المحتل. ومع بداية الحكم الوطني في البلد ( اتسعت دائرة النشاط الاجتماعي والثقافي التمثيلي، واتجهت إلى غايات وأهداف تختلف عن غايات النشاط الذي كانت تقوم به المدارس الدينية والمسيحية)[89]. وهكذا صارت الحركة المسرحية تعيد نفسها من جديد وتأخذ دورها الفعال وبدلا من أن تظل محصورة داخل جدران المدارس صارت تخرج إلى الشارع وتمارس نشاطها فيه خصوصا بعدما حظيت باهتمام الأوساط السياسية والمثقفة.

وبعد التغيرات التي أحدثتها ثورة العشرين وذلك بتأسيس الحكم الوطني في العراق، بدأت الحركة الوطنية تطالب بإلغاء الحكم العسكري البريطاني، وإطلاق حرية المطبوعات وسحب المستشارين البريطانيين من محافظات القطر وإعادة المنفيين إلى بلادهم والسماح بتأليف الجمعيات. وفي صيف 1922 تألفت ثلاثة أحزاب سياسية صار لهم دورٌ مهمٌ في دعم الحركة الثقافية والسياسية العراقية ، والأحزاب هي: الحزب الوطني العراقي*، حزب النهضة العراقية**، الحزب الحر العراقي***.

لقد ساهمت هذه الأحزاب في اليقظة الفكرية بكيفية واضحة ومؤثرة وذلك من خلال الدور الذي لعبته في واقع الحياة السياسية والثقافية العراقية. ولقد ذكر حقي الشبلي ، في هذا الصدد: (لقد كان الحزب الوطني، وفيه جعفر أبو التمن وياسين الهاشمي وغيرهما [...] وكان الحزب وبقية الأحزاب الأخرى التي ظهرت بعد تأسيس الحكم الأهلي [...] كانت هذه الأحزاب تمول المدارس الأهلية ، أي تدفع لها معونات لتمشية أمورها [...] وكانت الأحزاب المذكورة تعقد اجتماعات وتقيم احتفالات بهذه المناسبة أو تلك [...] وخلال ذلك كانت تقدم الروايات الوطنية)[90]. ويبدو من خلال قراءتنا لتاريخ هذه الفترة المزدحمة بالأحداث، أن هذه الأحزاب الثلاثة قد لعبت دورا واضحا وفعالا في الحياة السياسية، الاجتماعية العراقية وكانت تنظم مظاهرات شعبية ولقاءات اجتماعية مثلما كانت لا تتأخر عن جمع التبرعات الشهرية من أعضاء الحزب لأجل أحياء تمثيل الروايات المسرحية. ولكن على الرغم من ذكر النشاطات المتفرقة التي كانت تقوم بها هذه الجهة أو تلك، لم يجد البحاثة المختصون في مجالات التوثيق المسرحي أية تواريخ أو معلومات دقيقة تشير أو تدل على تأسيس فرقة أو ذكر أوقات عروض وحفلات لهذه الفرق. ومع ذلك فهذا لا يعني عدم وجود فرق ونشاطات ذلك لأننا نضم رأينا إلى رأي "علي الزبيدي" الذي يقول بشكل أو بأخر أن القائمين بهذه النشاطات والفعاليات التمثيلية لم يكونوا يعنون بتسجيل وأرشفة تفاصيل أو خلاصات يمكن الاعتماد عليها في توثيق مسيرة الحركة المسرحية. ونتيجة لذلك اختلفت الآراء والتواريخ حول موضوع أول فرقة تمثيلية تأسست في العراق. فالأستاذ حقي الشبلي رائد المسرح العراقي يؤكد (أن أول فرقة مسرحية تأسست في بغداد هي الفرقة التي ألفها الحزب الوطني عام 1921)[91]. في حين يذكر السيد فاضل عباس في الحديث الصحفي الذي نشر في جريدة (الأيام ) البغدادية:( تأسست أول فرقة في بغداد سنة 1920 من السادة عبد الرحمن خضر وصالح السهروردي، ونوري ثابت صاحب جريدة حيزبوز)[92]. وبين تأكيدات  حقي الشبلي وتصريحات السيد فاضل بهرام، هناك اختلاف بالتاريخ ومغالطة في الأوقات. فالأول قال إن أول فرقة تمثيلية تأسست عام 1921 في حين أن الثاني يقول أنها تأسست عام 1920. ونعتقد أن وراء هذا الخلط في التاريخ والأرشفة غير المضبوطة سوء فهم لمفهوم الفرقة نفسه. فحقي الشبلي يقصد من وراء تأكيداته أنه في عام 1921 تأسست أول فرقة مسرحية عراقية بحق وحقيقية، فرقة لها مقومات تنظيمية إدارية تشرف على ديمومتها وتواصلها الإبداعي. ويبدو أن السيد فاضل بهرام خلط ما بين مفهومه للفرقة وبين القيام بتمثيل عمل مسرحي من قبل مجموعة من الهواة الذين ليسوا بالضرورة يمتلكون الرغبة والقدرة على الاستمرار. ثم أن الفرقة لا تعني القيام بعمل فقط وإنما هي مؤسسة تعمل على تقديم الأعمال الفنية وفقا لمعايير تنظيمية مبرمجة. إن ما يدعم رأينا هذا هو أن هنالك إشارات توثقيه تقول أن الشاعر العراقي " محمد مهدي البصير" الذي يعتبر أحد أعضاء الحزب الوطني ورائدا من رواد ثورة العشرين وبطلا من أبطالها قام بتأليف مسرحية " النعمان بن المنذر" وقد تم تقديم هذه المسرحية في عام 1920 من قبل مجموعة من الهواة (واتسمت محاولتهم بطابع سياسي يصب في جذر الحركة الفنية سياسيا)[93]. ولقد أشارت جريدة العرب البغدادية إلى هذا العرض وقالت انه قدم على مسرح "أولمبيا" الواقع في شارع الرشيد، مثلما تناولته جريدة العراق مشيرة إلى أن طالب باشا النقيب، والحاكم العسكري والمس بيل وناظر المعروف ولفيف من البريطانيين قد حضروا العرض. وعندما نتصفح الدليل العراقي الذي أعده الأستاذ المؤرخ احمد فياض المفرجي، فسنلاحظ أن هناك اختلافات ومغالطات تاريخية في تواريخ تأسيس الفرق التمثيلية في العراق فالشبلي، على سبيل المثال، يؤكد أن أول فرقه تأسست عام 1921 و السيد فاضل عباس بهرام يقول أن تأسيس أول فرقه كان عام 1920 في حين أن الدليل العراقي يذكر أن (أول فرقة مسرحيه تأسست عام 1922 و هي فرقة (جمعية التمثيل) برئاسة ماهر حمادي وان هذه الجمعية قامت بعدة حفلات تمثيلية في بغداد والبصرة ولكن فداحة خسارتها المالية قضت عليها آنئذ. وكان من فوائد الجمعية أنها قضت على فكرة (القرقوز) القديمة وغرست في الناس حب التمثيل الحديث)[94]. ونحب أن نعلق هنا على قصة قضائها على فكرة "القرقوز" ونتساءل بدورنا هل في القضاء على لون من ألوان المسرح الشعبي يمكن أن نجني فائدة. بالتأكيد أن الجواب هو لا، لان فن " القرقوز" يعتبر شكلا من أشكال الفرجة المسرحية التي عرفها العراقيون والبغداديون بشكل خاص منذ زمن طويل، وعملية القضاء عليها أو استبدالها  بغيرها لا نضنها تأتي بفائدة وإنما على العكس، إنها سوف تحرم الجمهور من متعة فنية هو بأمس الحاجة إليها. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فنحن لا نعتقد أن (جمعية التمثيل العربي) قد تقصدت قتل فكرة "القرقوز" كشكل من أشكال الفرجة وإن فعلت ذلك حقا مثلما يقول المفرجي فهي في رأينا جمعية عمياء ولا تعرف مصلحتها الحقيقية وتعاملت مع هذا اللون المسرحي بنوع من العشائرية التي كانت سائدة في المجتمع العراقي آنذاك. ولكن قبل أن نتهجم أو نقول ما لا يليق بشأن (جمعية التمثيل العربي)  التي وفقا للتاريخ العراقي قد لعبت دورا مهما في تنشيط الحركة المسرحية وتأسيسها بشكل حديث نقول أننا لم نعثر ولم تتوفر لدينا معلومات تشير إلى محاربة هذه الجمعية لفكرة (القرقوز) ونعتقد أن المفرجي أراد أن يقول أن نشاط هذه الجمعية تجاوز وطغى على فكرة (القرقوز) من حيث الحداثة والخطاب والتواصل الاجتماعي وعقد العلاقة مع المشاهد ولكن لم يحسن التعبير، ثم أن إمكانياتها الفنية والتقنية وعمرها الفني لا يسمح لها بأن تؤثر على فن مسرحي تضرب جذوره في عمق التاريخ ودهاليزه المظلمة.

ونتيجة للوعي السياسي الجديد وانبعاث روح الوطنية في الجسد العراقي الذي صار يرفض فكرة أن يكون مستعمرا، راح الشباب المثقف يستعين بفن المسرح ويستخدمه كسلاح في معركته مع المحتل الإنكليزي وذلك من خلال تسليح وتغذية الشعب بالوعي السياسي والفني والثقافي. ونتيجة لهذه الفوران الثقافية والحرص الوطني الجديد تحرك المسرح وبدأ يتجاوز خطواته الأولى نوعا ما، فهو لم يبق مكتوف الأيدي أمام متغيرات الأحداث وتطورها، فالتجربة المسرحية لم تبق محصورة بين نشاطات " جمعية التمثيل العربي" التي أغلقت في نهاية عام 1924 وإنما بدأت تنشط وتولد بكيفية تكاثرية واضحة في المدارس الأهلية التي كانت تشكل فرقها المسرحية باعتمادها على طلبتها. ففي عام 1923 تكونت فرقة تمثيلية من طلاب مدرسة (التفيض) الأهلية التي مثلت في ذلك الوقت مسرحية ( في سبيل التاج، وجزاء الشهامة). ولقد حذت مدرسة (الاليالنس الأهلية) حذوها وشكلت فرقتها التمثيلية الخاصة، واشتركت فرقة مدرسة التفيض مع فرقة المدرسة الجعفرية التي تألفت بعدها بمدة وجيزة في إنتاج تمثيلي مشترك سنة 1924 وفي تلك السنة نفسها تألفت فرقة تمثيلية أخرى باسم ( مكتبة التقدم التمثيلية).  وفي عام 1926 مثلما يذكر الدليل العراقي، قام صاحب جريدة (حيزبوز) الصحفي الفكاهي (نوري ثابت) بتأسيس فرقة تمثيلية كانت تقدم عروضها على مسرح الثانوية المركزية. ومن أعمال هذه الفرقة المميزة المسرحية الكوميدية الاجتماعية ( الصراف أبو روبين) التي نالت وفقا لوصف وتعليق مؤسس الفرقة ( نوري ثابت ) نفسه، إعجاب صاحب (الجلالة فيصل) لدرجة إنه أقام وليمة عشاء في النادي العسكري تشجيعا لها.

ولقد وصف المؤرخ والباحث الأستاذ احمد فياض المفرجي في كتابه الموسوم ( الحركة المسرحية في العراق) تجارب هذه الفرق، وحاول أن يقارنها بالمفاهيم الحديثة للمسرح، ولذلك خرج بنتيجة مفادها أن أعمال هذه الفرق كانت ساذجة وبدائية وهزيلة. ونحن بدورنا نتفق ولا نتفق مع المفرجي في ذات الوقت. أما الاتفاق معه فيكمن في كون تلك الأعمال كانت ساذجة وبدائية وهزيلة وكل ما يمكن أن يقال عن مستوى التجربة العراقية الأولى ولا نتفق معه لعقده مقارنه بين فكرة المسرح الحديث والأعمال العراقية الأولى. بلا شك، أن كلام وتشخيص المفرجي لا يخلو من الصواب إذا قدر لنا وعقدنا مقارنة بين ما كان يقدم آنذاك من قبل الهواة وغير المحترفين وبين المسرح الحديث وتطوراته. ولكن هذه المقارنة سوف تبدو غير ممكنة وغير واردة تماما وذلك لان العصر والظرف كان مختلفان ومرتبكان ثم أن المسرح بالنسبة لهؤلاء الهواة غير المحترفين كان بمثابة مغامرة شبه يائسة محفوفة بالمخاطر والفشل، لان أعمالهم كانت مؤسسة على فراغ ثقافي ومعلوماتي في مجالات المسرح المتعددة. فهم لم يدرسوا المسرح وخبرتهم كانت تعتمد كل الاعتماد على المشاهدة والاقتباس والإعداد وأحيانا التقليد، وهذا يعني انهم انطلقوا أو ابتدءوا خطواتهم الأولى من الصفر وشقوا طريقهم على الرغم من كل المخاطر التي يمكن أن تحملها كلمة مغامرة.

 

زيارة فرقة جورج ابيض إلى العراق

   بالتأكيد، أن النشاط المسرحي العراقي في هذه السنوات - السنوات الأولى من القرن العشرين- كانت تعتمد على كل ما هو فطري من حيث التمثيل، الحركة،  الإلقاء، الإخراج، التعامل مع الديكور والإكسسوار والى آخره من الأمور التكميلية التي كانت ربما غير متوفرة أساسا كالمكياج والإضاءة .. الخ. ثم أن هذه الفطرة كانت تنسجم نوعا ما مع وعي الناس بالظاهرة المسرحية التي كانت غريبة عليه في بادئ الأمر، وان ما كان يشدهم إليها هو الخطاب السياسي الذي كان يشيع في نفوسهم الروح الوطنية التي كادوا أن يفقدوها بفعل توالي الاحتلالات. ولكن شيئا فشيئا، اختلف تعامل الناس مع ظاهرة المسرح، بل شهد تطورا هو الآخر. والفضل كل الفضل يعود إلى زيارة بعض الفرق المسرحية المصرية والتركية التي أثرت أولا، في المعني بالظاهرة بشكل خاص، وهو: مخرج وممثل ومصمم ديكور وأزياء، و في المتفرج الذي صار يجد نفسه ومتعته فيها.

لقد زارت فرقة جورج ابيض المسرحية العراق في عام 1926 وأحيت في بغداد ومدينة البصرة العديد من العروض التي لاقت نجاحات باهرة. ولقد كان لعروض هذه الفرقة الزائرة آثرٌ كبيرٌ على نظرة الناس وعلى وعي الهواة من المسرحيين الذين قاموا بالاشتراك هذه العروض من خلال تمثيل بعض الأدوار الصغيرة وبعض المجاميع التي اعتمد فيها (جورج ابيض) على طلبة مدرسة التفيض الأهلية. ولقد كان من بين هؤلاء الطلبة الذين وقع الاختيار عليهم طالب متفوق ولا مع يدعى "حقي الشبلي" الذي اسند إليه جورج ابيض في مسرحية "أوديب ملكا" دور "الابن". يقول الدكتور علي احمد الزبيدي:( ولعل نجاح فرقة جورج ابيض وإقبال الناس على المسرح كان في طليعة الأسباب التي دفعت الأستاذ حقي الشبلي إلى تأسيس حلمه في تأسيس فرقة تمثيلية عراقية)[95].

 

الفرقة التمثيلية الوطنية 1927

   اندفع الأستاذ حقي الشبلي في مطلع العام 1927 وألف أول فرقة تمثيلية محترفة باسم (الفرقة التمثيلية الوطنية). وتعتبر هذه المرحلة واحدة من أهم مراحل التاريخية للحركة المسرحية العراقية، فقد كانت بمثابة دعوة صادقة ومعبره عن طموحات صادقة مستقلة على الرغم من كونها لم تحقق الاستقلال الثقافي والفني للمسرح، لكنها تعبر عن وعي وطني وفني مبكر بدأ يتبلور شيئا فشيئا بين صفوف مجموعة من الشباب الذين تأثروا بظاهرة المسرح من اجل أن يؤثروا بدورهم في الجمهور العراقي. ولكن يجب علينا أن نشير إلى أن هذه الدعوة المسرحية العراقية لم تعن آنذاك أو بأي حال من الأحوال رفض المسرح العربي أو الغربي أو رفض التبعية المسرحية وإنما كانت دعوة لإيجاد مسرح عراقي مستقل يتفاعل مع التيارات الحضارية العربية والغربية. ومثلما ذكرنا في الصفحات الأولى، أن الحركة ابتدأت منذ تأسيس الدولة العراقية أو قبلها بقليل ولكنها كانت مقتصرة آنذاك على العروض المدرسية وخاصة المدارس أهلية التي تأتي في مقدمتها مدرسة التفيض الأهلية والجعفرية الأهلية. وهذا يعني، أن الحركة المسرحية اعتمدت في بداياتها على طلبة المدارس الهواة. ولكن مع تأسيس فرقة الشبلي آخذت هذه الحركة شكلا آخر بل صارت اكثر رسمية مما كانت عليه من قبل، خصوصا أن فرقة الشبلي أجيزت من قبل وزارة الداخلية وعين الشبلي على رأسها رئيسا بشكل رسمي وإداري. وهذا الأمر كان لوحده كافيا لان يعطي الفرقة صفة احترافية منظمة، تقدم عروضها إلى الجمهور على الرغم من الظروف الاجتماعية القاسية، وعلى الرغم من إمكانياتها الفنية والاقتصادية المحدودة. فالفرقة كانت فقيرة من جميع النواحي تقريبا، المادية، المكانية وحتى الفنية. ولكن الحلم كان كبيرا، بل كبيرا جدا لدرجة انه استطاع أن يتجاوز واقع الحال، وان ينهض بهذا القليل إلى حيز، الوجود وان ترفد الحركة بالعديد من العروض التي جابت المحافظات الجنوبية والشمالية بمسرحيات: اجتماعية، وطنية، تاريخية، شعرية، شعبية وروايات مترجمة من الأدب العالمي. ويقدر عدد الروايات وفقا لما يقوله الشبلي: ( منذ عام 1927 حتى نهاية عام 1934 قدمت الفرقة حوالي 120 رواية مختلفة)[96]. وكان أول عرض مسرحي للفرقة هو (جزاء الشهامة) وتلاه تقديم ( في سبيل التاج)، (صلاح الدين الأيوبي)، (يوليوس قيصر)، (دموع بائسة)، (وحيدة) وأعمال أخرى. ولقد كان من اهم أعضاء الفرقة كما يذكر الشبلي في نفس الحوار المشار غليه أعلاه: (الدكتور احمد حقي الحلي وفاضل عباس ومحي الدين محمد والمرحوم سليم بطي والمرحوم صبري الذويبي وزهدي علي وعبد اللطيف داود والياهو سميرة وعزت ناصر وهادي علي والمرحوم عزت محمد والمرحوم نديم الأطرقجي وكرجي ساعاتي ومهدي وفي والمرحوم إبراهيم عبد اللطيف والمنولوجست عزيز علي والمطرب محمد القبانجي ويحي فائق. ومثلما ذكرنا أعلاه، كان العامل الأول والأساس لتشكيل هذه الفرقة الوطنية هو مجيء فرقة جورج ابيض عام 1926 التي أثرت تأثيرا كبيرا على الكثير من الهواة الذين كانوا يزاولون هذه الفعالية بنوع من الفطرية. ولكن بعد مشاهدتهم واشتراكهم في عروض ابيض، استطاع هؤلاء الهواة الفطريون أن يطلعوا على الكثير من التقنيات المسرحية التي تتعلق، على سبيل المثال، بالصوت والإلقاء، التعرف على جماليات العرض من خلال ملائمة الحركة للكلمة والكلمة للحركة وفقا لتعليمات المعلم الأول ستانسلافسكي، التعرف على المكياج وأهميته على الشخصية الممثلة؛ على الإضاءة التي كانت بسيطة وتعتمد على المصابيح الزيتية (الفوانيس واللوكسات). أما الديكور فلقد كان عبارة عن لوحة خلفية يرسم عليها مكان حدوث الحدث أو ما يشير إليه، في حين أن الأداء التمثيلي كان هو الآخر بسيطا ومتفاوتا من ممثل لأخر مثلما هو الأمر دائما وأبدا سواء كان في الماضي أو اليوم أو غدا. ولكن المفرجي يذكر:( إن حقي الشبلي كان يقوم بأدوار البطولة في كافة المسرحيات، بصرف النظر عن انطباق الدور على الشخصية، فالمهم عنده، أن يراه الجمهور كبطل، فتراه شاباً في مسرحية، وشيخا عجوزا، أو رجلاً متوسط العمر في مسرحية أخرى، والأغرب من ذلك، أن الشبلي، كان يعمد إلى إطالة ظهوره على المسرح، بإضافة عبارات وجمل، من أدوار أخرى إلى دوره الذي يمثله في المسرحية الأخيرة، دون أن يبالي بالسرد القصصي للمسرحية أو الحركة الإخراجية المرسومة لمشاهدها وفصولها)[97]. إن ما أشار إليه المفرجي في كتابة الموسوم الحركة المسرحية في العراق، ليس بالعجيب أو الغريب، على الرغم من انه يثير التساؤل ويضع النقاط على الكيفية التي كانت تتأسس عليها أو تقوم تلك العروض التي كانت تضع رئيس الفرقة في الواجهة وتجعله يحتل مكان الصدارة أولا، لأنه هو الرئيس  وهو من يتحكم  بمقدرات الفرقة أو ربما لأنه هو من يتحمل اكثر النفقات، أن صح التحليل، وثانيا، ربما لأنه هو الأحسن إلا أنّ هذا لا يبرر حبه للظهور الزائد بهذه الطريقة التي تتجنى على النص والعرض الممثل. ولكن كل شئ كان مرهونا بوقته وبعصره. فنحن نعرف أن المفاهيم المسرحية كانت بدائية جدا وانطلقت من الـلاشيء الذي هو صفر، وحينما نكون في هذا الموضع أو المكانة، سوف لا نعرف بالتأكيد فيما إذا كنا فوق أو تحت أو نحن على اليمين أم اليسار، لان الحدود متلاشية، والاتجاهات غير معروفة وغير واضحة لا للحركة ولا للعاملين فيها، وفي هذه الحالة، سيلعب التخبط والعشوائية دورا أساسيا في ترتيب الأمور والوصول بها نحو دولة القانون. وهذا ما حدث على وجه التحديد. وما دام التخبط والعشوائية هي التي كانت تقود وتسير الحركة ورجالها، فالخطأ وارد ويمكن أن يقع من قبل أفضل الرجال وأذكاهم  وأحسنهم موهبة. ولكن بعد وصول فرقة جورج ابيض إلي بغداد، بدأت الأشياء تتضح وتتخذ شكلا جديدا على جميع الأصعدة الفنية: التمثيل، الإخراج، الإنارة، المناظر المسرحية، الملابس ... الخ. ويقول الشبلي في هذا الصدد، إن جورج ابيض قد زودهم ببعض التعليمات التي تخص المكياج وأهداهم كمية من المواد التي كان يستعملها في مكياج فرقته. وبهذه الكيفية تخلص الشبلي وفرقته من المكيجة البدائية، وصاروا يستخدمون مساحيق مكياجا خاصا بالمسرح. ومن تأثيرات ابيض الكبيرة على الممثل العراقي آنذاك، بالإضافة إلي المكياج واستخدام الإكسسوارات والإنارة، هو الاعتناء باللغة وكيفية نطقها حيث كان يتميز جورج ابيض بإلقائه التضخيمي الغريب الذي لم يكن ينسجم بشكل كلي مع طريقة أداء وتلفظ اللغة العربية. ويعزو الباحث المسرحي المصري زكي طليمات، في كتابه فن الممثل العربي، إلى تأثر ابيض باللغة الفرنسية وإيقاعاتها الموسيقية*. ولهذا نجد أن الشبلي قد اعتمد في الكثير من عروضه على اللغة الفصحى، ويقول في هذا الشأن: ( يجب أن نجاهد من اجل رفع الثقافة الفنية، وهذا لا يتحقق إلا بتجانس اللهجة العامية. المطلوب أحداث توازن بين ما يجذب الجمهور وبين ما يجب قيادة الجمهور إليه. هذا جانب، والجانب الآخر، أن المسرحيات الفصيحة مظهر من مظاهر وحدة الأمة ... وللموضوع جانب ثالث، هو أن الحوار العربي الفصيح يمنح الممثل مهارة في الأداء)[98]. لقد كان الشبلي من اجل أن يجذب الجمهور إلى مسرحه ويقوده نحوه، على سبيل المثال، يعمل على قلب بعض المسرحيات المترجمة إلى اللهجة العراقية الدارجة رغبة منه في جذب اكبر نسبة من الجمهور. وفي نفس الوقت، كان يعمل جاهدا علي تقديم أعماله باللغة العربية الفصيحة، لأجل أن يعود الجمهور العراقي على سماع وتذوق واكتشاف جماليات لغته العربية وذلك من خلال مهارة أداء الممثل ونطقه لها. أن هذا التأرجح ما بين العروض ذات اللهجة العامية والعروض الفصيحة من قبل الشبلي، لا يدل إلا على وعي هذا الفنان بواقعه الاجتماعي الذي كان ما يزال يعيش تحت وطأة الفترات المظلمة من تأريخه ، وتحت أنقاض الظلامية العشائرية التي كانت لا تسمح للمرأة، على سبيل المثال، أن تعتلي خشبة المسرح وان تشارك الرجل في اهم مجالات الثقافة تفتحا. وعندما سؤل الشبلي ذات يوم، عن هذا الموضع وعن الكيفية التي كانوا يحلون بها قضية العنصر النسائي؟! أجاب: (عند أول نشأة  النهضة المسرحية في العراق كان العنصر النسائي معدوما تقريبا فاضطرت الفرقة إلى التعاقد مع بعض الممثلات السوريات والمصريات واللبنانيات اللواتي عملن معنا طويلا. وخلال هذه المدة ظهرت بعض الممثلات العراقيات والهاويات ومنهن فخرية علي ومديحه سعيد ونزهت توما، إلا أن العنصر النسائي العراقي بدأ بعد ذلك بكثير حتى في الإذاعة)[99]. ولكن قبل الإذاعة وقبل معهد الفنون الجميلة كانت الممثلات السوريات والمصريات واللبنانيات هن اللواتي يقمن بالأدوار النسائية وإلا اضطرت الفرق في الكثير من الأحيان أن تسند دور المرأة إلى أحد الممثلين. ومن النوادر التي يذكرها الشبلي، بأن الأستاذ الفنان اسعد عبد الرزاق عندما كان يمثل دور (امرأة)، انطلى الأمر على أحد عمال المسرح وظنه امرأة (حقيقية)*. لقد كان موضوع المرأة يعتبر واحدا من اعقد الأمور واصعبها حلا، ويذكر الفنان توماس حبيب أحد رواد الحركة المسرحية العراقية، قائلا: (كانت هذه العقدة الوحيدة التي تقف في وجوهنا0 لم يكن هنالك قبول لصعود النساء إلى الخشبة. في رواية عبد الرحمن الناصر، أمضيت ستة اشهر في تدريب فتاة ابنة عائلة وكان عندهم أخ معلم خارج بغداد، لم يكن على علم بالأمر، وعندما جاء، وسمع أن أخته ستمثل، [ولم نكن قد انتهينا من البروفات] جاءني قائلا، إذا مثلت أختي قتلتك وقتلتها! فاضطررت بعد كل الجهد المبذول هدرا، أن ألتجئ إلى أنطوانيت اسكندر لتلعب الدور)[100]. وانطوانيت اسكندر هي أخت المغنية العراقية عفيفة اسكندر وكانت آنذاك تغني في المسارح والحفلات لهذا كانت الاستعانة بها اسهل بكثير من الاستعانة بغيرها من النساء. إن الذي يثير العجب والتساؤل في كل هذا، أن هذه المغامرات المحفوفة بالتهديد والقتل التي كان يتعرض لها الفنان في ذلك التاريخ العراقي الصعب، وكل هذه التدريبات التي كانت تستمر أحياناً تسعة وعشرة شهور، وكل هذا العناء من اجل عرض مسرحي واحد أو عرضين، لم يكن ريعها يكفي لسد نفقاته أو لتعويض المشتركين عن جهودهم المبذولة. وهذا يعني أن الفنانين آنذاك لم يكونوا يعتاشون على فنهم بل العكس انهم كانوا ينفقون عليه وذلك من اشتغالهم بحرف خارجية لأصلة لها بالمسرح.

 

زيارة فرقة فاطمة رشدي إلى العراق

   في أوائل عام 1929 قدمت فرقة (فاطمة رشدي) إلى العراق وقدمت في بغداد عددا لا بأس به من المسرحيات. ولقد استغل الشبلي الفرصة، واشترك مع مجموعة من فرقته في التمثيل مع هذه الفرقة التي كان يشرف عليها فنيا (عزيز عيد) الذي كان معروفا بإمكانياته المسرحية ومقدرته الفائقة على تفسير النص وتحليله وكيفية وضعه على المسرح. وهنا انتبه الشبلي وأعضاء فرقته إلى طريقة ومنهج آخر جديد يتنافى بعض الشيء مع ما تعلموه من مغالاة في الأداء وافتعال في الحركة والعمل من الآن فصاعدا على الإيغال في التمثيل الواقعي الذي ينسجم مع لغة الواقع الاجتماعي والابتعاد قدر ما يمكن عما هو غريب وغير نافع. ونتيجة لحرص الشبلي على التعلم، فقد تم اتفاق بينه وما بين إدارة فرقة فاطمة رشدي التي بدورها توسطت له لدى السلطات العراقية من اجل السفر مع فرقتها والانخراط في صفوفها لمدة سنة وعلى حسابها الخاص. بعد غياب الشبلي عن الوسط الفني وسفره إلى القاهرة، انشطرت فرقته إلى قسمين، ترأس أحدهما (محي الدين محمد) الذي أسس فرقة جديدة باسم (الفرقة التمثيلية العصرية) في حين ظل الفنان المعروف (عزيز علي) على رأس الفرقة التمثيلية الوطنية. ولقد شهدت هذه الفترة( 1929- 1930) حركة وفورانا مسرحيا وفنيا لم يكن له مثيل، حيث زارت العراق فرق مسرحية كثيرة وقدمت عروضا مختلفة ومتنوعة. ومن بين هذه الفرق نذكر،على سبيل المثال: فرقة الأستاذ (أمين عطا الله) المصرية، وفرقة (أرطغرلبك) التركية، وفرقة الأستاذ يوسف وهبي، ولقد شجعت هذه الحركة النشطة للمسرح قيام فرق عراقية أخرى، فبالإضافة إلى انشطار فرقة حقي الشبلي إلى فرقتين، تأسست فرق جديدة نذكر منها: (الفرقة التمثيلية الشرقية) برئاسة صبري شكوري، وفرقة رابعة باسم (جمعية أحياء الفن) برئاسة كمال عاكف، وفي عام 1930 عندما عاد الشبلي من رحلته التعليمية حاول أن يجمع شتات فرقته التي انقسمت إلي فرقتين في فرقة واحدة أطلق عليها اسم ( فرقة حقي الشبلي) التي ظلت تنتج أعمالا تلو الأعمال حتى عام 1935، العام الذي ذهب فيه الشبلي إلى فرنسا على نفقة الدولة لدراسة فن المسرح. قبل سفر الشبلي إلى فرنسا بعامين ونصف ظهرت فرق وأسماء جديدة استطاعت أن تتواصل مع النشاط المسرحي بكيفيات أخرى لا تشبه بالضرورة تلك التي كان يسير عليها الشبلي. ولكن عندما سافر وفرغ مكانه، التمعت هذه الأسماء وعلت أصواتها وصار لها حضورٌ خاصٌ، ومن ضمن هذه الأصوات، نذكر: عبد الله العزاوي الذي أسس فرقة (جمعية أنصار التمثيل) عام 1932، يحي فائق من خلال الفرقة العربية 1935، ومحمود شوكت من خلال فرقة (بابل للتمثيل) وفي عام 1937-1938 اندمجت هذه الفرق في ( اتحاد فني تكون من الفرقة العربية (يحي فائق) والفرقة الشرقية (صبري شوكت) وفرقة أنصار التمثيل (عبد الله العزاوي) ولم يكن هذا الاتحاد بالمعنى الصحيح لان كل فرقة كانت تقدم إنتاجها على حدة)[101].قدمت فرقة بابل مسرحيات من تأليف نديم الاطرقجي (الاعتراف، ابن الدلالة، المنكوب) وقدمت فرقة أنصار التمثيل على مسرح سينما رويال مسرحيات كل من محمد تيمور، مسرحية عبد الستار أفندي) ويوسف وهبي ( عصفور في القفص، الصحراء) ومسرحية ( الذبائح) لانوان يزبك و(يوليوس قيصر) لشكسبير ومسرحية (هارون الرشيد) لمارون النقاش. لقد عمل تعدد الفرق وتكاثرها على ازدهار نوعي في الحركة المسرحية ولولا نشوب الحرب العالمية الثانية وتورط نوري سعيد فيها بقطع العلاقة مع ألمانيا والمشاركة في الحرب إلى جانب الحلفاء (بريطانيا وفرنسا في حربهما ضد دول المحور (ألمانيا وإيطاليا) لاستمرت الحركة على مناولها ولما تعثرت وصارت مثل العرجاء التي تتعكز من حين لآخر على هذا أو ذاك من النشاط الذي خفتت أنواره بشكل نسبي مع بداية الحرب، ومثلما يختبئ البشر أيام الحرب خوفا من القنابل المتساقطة على الرؤوس ورمي الرصاص العشوائي اختبأ المسرح في دهاليز المدارس وعاد من حيثما آتى، من المدارس إلى المدارس. وهكذا دخل العراق في حرب هو في غنى عنها، فأنقسم الشعب على نفسه وصار فئتين متناقضتين في الرأي والموقف.  فئة رجال الطبقة الحاكمة والإقطاع والبرجوازيين ورؤساء العشائر التي كانت توالي الحلفاء وعلى رأسها نوري سعيد، فئة كانت تؤيد ألمانيا التي كانت توحي بالسر والعلن بأنها تقف مع الشعب العربي في نضاله ضد الاستعمار البريطاني. وتكونت هذه الأخيرة من جموع الشعب وحركاته الوطنية التي كانت مناوئة للاستعمار الفرنسي والبريطاني، وتعتبر ضمنيا مؤيدة لدول المحور. وهكذا دخلت الفئتان في صراع مفتوح من اجل السيطرة على مقاليد الأمور. ثم جاءت حركة مايس عام 1941 التي كانت تعلن الحياد بين الأطراف الدولية المتنازعة ودعت إلى الالتزام بالبنود والمعاهدات التي كان يرتبط بها العراق باعتدال مع بريطانيا والتي لا تلزمه على الوقوف إلى جانبها في حربها مع دول المحور. وهكذا دخلت البلاد في فوضى سياسية جديدة انتهت بدخول العراق في حرب مع إنكلترا. و( في صبيحة 2 مايس 1941 قامت الطائرات البريطانية بقصف القوات العراقية المعسكرة في المناطق المحيطة بقاعدة الحبانية، فكان ذلك بدء نشوب القتال بين القوات العراقية والبريطانية واستمر ما يقارب الشهر الواحد)[102]. وهكذا انتهت الحرب بعد أن ترك بغداد جميع أعضاء الحكومة وقادة الجيش الذين توجهوا جميعا إلى إيران بعد وقوف الجيش البريطاني يوم 29 مايس على مشارف بغداد، وتوقفت الحرب بعد الرجوع إلى بنود معاهدة 1930 التي بموجبها ظل العراق يرزح تحت وطأة السيطرة البريطانية.

 في خضم هذه الظروف وتكالباتها السياسية عاد حقي الشبلي إلى العراق عام 1939 لكي ينتشل الحركة المسرحية من براثن الغياب التي أوشكت أن تستسلم لها، وبوضع الأسس الأولى لمسرح عراقي متطور قائم على النظرية والتطبيق التي تسلح بها أثناء إقامته في فرنسا. وأول ما قام به من فعل هو استحداث فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة عام 1940 الذي راح بدوره يوجهه هواة الفن ومحبيه إلى الدراسة الفنية العلمية.

 

معهد الفنون الجميلة وسنوات الازدهار الفعلي

   بعد كل الذي ذكرناه وقاله الباحثون والمهتمون بالمسرح العراقي وبمراحل تأسيسه ومخاضاتة، نستطيع أن نستخلص حقيقة مفادها، أننا إذا أردنا أن نتحدث عن مسرح بالمفهوم الغربي الحديث في العراق، فيجب علينا أولا وأخيرا أن نبدأ بفترة الأربعينيات، أي أن نتحدث عن مرحلة الولادة الحقيقية التي تتمثل بعودة الشبلي من فرنسا وتأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة وما صاحبها من تطورات انحصرت بمجملها في تخرج أجيال مسرحية استطاعت مع مرور الزمن أن تختبر المسرح عن قرب وذلك من خلال سفرها إلى خارج الوطن لكي تدرس أشكال المسرح واتجاهاته في دول أوربا وأمريكا وغيرها من الدول المتقدمة في هذا المجال. وعلى الرغم من التأثيرات التي تركتها زيارة الفرق الإنكليزية، المصرية والتركية، وعلى الرغم من تعدد وتكاثر الفرق والأعمال، ظلت الحركة المسرحية حبيسة واقع فني فقير من حيث النظرية والتطبيق حتى عودة الشبلي وقيامه بتدريب وتأهيل الدورات الأولى من خريجي فرع التمثيل على أهم المبادئ الأولية والأساسية لفن التمثيل كالحركة، الإلقاء، طريقة التعبير، تقطيع الصوت وتنغيمه والقيام بتقليده بشكل أعمى. وهكذا تعاقبت الدورات تلو الدورات من المتخرجين من معهد الفنون الجميلة، استطاعت الخمسينيات من هذا القرن أن تشهد ظهور أجيال مسرحية متأثرة بشكل أو بآخر بالفكر الغربي، وصار كل واحد منهم ينادي  بمدرسة أو مذهب أو اتجاه. فبعد طريقة الشبلي في التمثيل التي كانت  عبارة عن مزيج غريب وعجيب من جورج ابيض وعزيز عيد ولويس جوفية ودوني دونيس. وبعد تكوينه فرقة الزبانية تلك الفرقة التي نشأت من طلبة معهد الفنون الجميلة حيث تذكرنا شخصياتها بشخوص الكوميديا ديلارته التي كان الممثل فيها يكرس نفسه للعب دور واحد في كل المسرحيات، جاءت طريقة جاسم العبودي أحد تلاميذ الشبلي العائدين من دراسة المسرح من أمريكا عام 1952 والذي يعتمد فيها بشكل كلي على منهجية ستاسلافسكي التي كانت تهتم بالتقمص وتحضير الدور بكيفية دقيقه قائمة على فهم الواقع الاجتماعي والنفسي للشخصية من خلال معايشتها من الداخل والخارج. يقول الفنان سامي عبد الحميد:( إن العبودي أول من عرفنا بأن لكل فعل على المسرح مبرر، ولكل عمل دافع، وان ذلك الدافع هو الذي يخلق التعبير وهو الذي يقرر كيفية الأداء، وكما عرفنا بأن الإخراج الواقعي يقتضي أن تكون الصورة المسرحية صورة من الواقع مزينة بريشة المخرج، ويقتضي إعطاء الحرية للمثل لكي يتحرك ولكي يعبر عن الموقف بصوته وجسمه بعد أن يكون قد فهم الدافع وأحس به، وبعد أن يكون قد آمن بفعل الشخصية وعلاقاتها)[103]. ولقد كون الفنان العبودي مع الفنان إبراهيم جلال فرقة مسرحية باسم (فرقة المسرح الحي) وقدم من خلالها أعمال كثيرة متنوعة: عطيل لشكسبير، البخيل لموليير، الحقيقية ماتت لغنانوئيل روبلس، المورد المسموم المقتبسة عن مسرحية عدو الشعب لابسن، ماكو شغل، رأس الشليله ليوسف العاني. وبهذه الطريقة تغيرت الحياة المسرحية العراقية وتحركت باتجاهات عديدة ومختلفة، فبعد الرعيل الأول جاء الرعيل الثاني بأفكار وأفعال جديدة أخذوها ما شاهدوه ومارسوه أثناء دراستهم في الخارج، فتمردوا على الجدار الرابع برفضهم صيغة مسرح العلبة الإيطالي. وهكذا بدأ المسرح بمجيئهم يتغير ويتعرف طلبته وهواته على مذاهب ونظريات حديثه مثل: نظرية غوردن غريك، وعلى ماكس راينهارت، ومايرهولد، وفاختنكوف، وبريشت، وبيسكاتور صاحب المسرح السياسي وغيرها من المدارس والتقليعات التي كانت جميعها غربية في الشكل والمضمون غربية. وبعد منهجية ستانسلافسكي الذي سار عليه كل من جاسم العبودي وبهنام ميخائيل جاء المسرح البريشتي الذي نادى به إبراهيم جلال بخروجه وشذوذه عن طريقة أستاذه الشبلي واتباع ما هو مختلف وشبه مناقض. وقد قدم جلال للمسرح العراقي الكثير من الأعمال التي ترجمت طريقته في فهم بريشت وتناوله، نذكر منهما على سبيل المثال : مسرحية الطوفان لعادل كاظم والبيك والسائق التي أعدها صادق الصائغ عن نص بونتيلا وتابعه ماتي وحولها إلى اللهجة العراقية، مثلما قدم دائرة الطباشير القوقازية لبريشت أيضا. وبعد ثورة 1958 ظهرت في الحركة المسرحية أجيال أخرى وأخرى من  مخرجين ومجددين في المسرح العراقي ظلوا جميعهم يتأرجحون بين هذه المدرسة أو تلك معبرين في ذلك عن حالة القلق والضياع التي كانت تنتابهم إزاء كثرة التيارات والاتجاهات الأدبية والفنية. ولهذا تجدهم لم يثبتوا في مكان وظلوا يتنقلون بين المدرسة الاشتراكية، الوجودية، والعبثية، بحيث جاءت أعمالهم خالية من المذهب أو الاتجاه مثلما لم تتبنّ طريقة إخراجية ثابتة واضحة. ومن بين هؤلاء المخرجين يمكننا أن نذكر: جعفر السعدي، اسعد عبد الرزاق، سعدون العبيدي، جعفر علي، عبد الوهاب الدايني. ومن المخرجين الذين تميزوا في هذه الفترة واستطاعوا أن يشقوا طريقهم الخاص الفنان قاسم محمد بعد مجيئه من موسكو عام 1968 وتكمن أهمية هذا المخرج/المؤلف في بوليفه للعرض المسرحي وبحثه المستمر عن أسلوب مسرحي يجمع ما هو محلي بما هو عربي في آن واحد محاولا الابتعاد كل البعد عن كل ما هو مستورد. وهذا سر اختلافه مع أستاذه جاسم العبودي الذي فتح عينيه على هذه الحقيقة التي لم يتواصل معها العبودي وذلك لإخراجه أعمالا مسرحية عالمية اكثر مما ينبغي. ومن مخرجي هذه الفترة اللامعين يمكن أن نذكر أيضا الفنان سامي عبد الحميد الذي ظل يتأرجح بنوع من الحيوية المشهودة منذ منتصف الستينات حتى يومنا هذا بين الكثير من التيارات المسرحية الكلاسيكية والحديثة، الفصيحة والعامية الشعبية، العبثية والاشتراكية معتمدا في كل تجاربه على أسلوب تجريبي فريد لا يقدر على فعله إلا سامي عبد الحميد وحده*.

ومن الطبيعي أن يؤدي هذا النشاط المسرحي الذي اشتد وبانت ملامحه بشكل واضح وبين مع تأسيس فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة وتخرج الأجيال المسرحية وعودة الفنانين من الخارج إلى تشجيع حركة التأليف لا سيما أن قواعد وشروط التأليف والكتابة الدرامية كانت تدرس منذ تأسيس فرع التمثيل. ومثلما أنتجت هذه الفترة الخصبة مخرجين ومنشطين مسرحيين برز كتاب ومؤلفون جدد ومجددون مثل: صفاء مصطفى، يوسف العاني، عادل كاظم، إبراهيم الهنداوي، خالد الشواف، علي حسن البياتي، نور الدين فارس، طه سالم الخ. وبهذه الطريقة صار المسرح العراقي بمثابة ضرورة من الضرورات الاجتماعية والسياسية للمجتمع.

 

 

الباب الثاني

 

 

 الفصل السادس

 المسرح العراقي بين التأسيس والتطور والتعددية

 

لقد أرتبط  المسرح في العراق في جميع الظروف والأوقات، وبشكل حميمي بالجو العام للنشاط الثقافي للبلد وساير نهضته السياسية، الفكرية والاجتماعية مسايرة دقيقة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية التي فجرت جميع المتناقضات الاجتماعية،الاقتصادية والسياسية. أنتجت هذه الحرب آو بالأحرى ساهمت في بإنتاج وولادة حركات قومية أعلنت، وبصوت عال، حربها الأيدلوجية ضد المستعمر. ولقد انعكست مجمل هذه النتائج والمتغيرات على طريقة تفكير الأجيال الجديدة التي ساهمت في الصراع السياسي واشتداده بين الفئات الوطنية التي عملت منذ البدء على استقطاب جماهير الشعب من جهة، وبين القوى الاستعمارية والفئات الحاكمة ذات المصلحة المشتركة مع الإنكليزي المستعمر. وكانت الغاية من وراء هذا الاحتدام والثورة والغليان الفكري الذي انتشر بين صفوف الجماهير منذ إعلان الدستور العثماني عام 1908 حتى وقت متأخر. هي تشييد صرح الحرية وإعطاء هوية وطابع عربي لجميع المؤسسات والأجهزة الإدارية للدولة. وان الدارس الحقيقي لتاريخ العراق يمكن أن يلاحظ بسهولة. إن الوعي السياسي قد بدأ لدى الفئات المثقفة منذ تاريخ إعلان الدستور، ثم تطور واتسع مع اتساع مجالات التعليم الحديث بعد الاحتلال الإنكليزي، إذ اخذ يتبلور ويتخذ شكلاً وطنياً برزت أهم ملامحه في الثلاثينات من هذا القرن وذلك بانعكاسه في الحياة السياسية والفكرية والثقافية. ونتيجة لسوء الأوضاع السياسية منها والاجتماعية لم تستطع الفئات والأحزاب السياسية أيجاد حلول لمصير البلاد الذي كان غارقاً آنذاك  في دوامة من الفوضى والتآمر الخارجي والداخلي. ولم يكن أمام هذه الفئات الوطنية سبيل سوى التعرف على بعض التجارب والتطبيقات الفكرية الخارجانية والتي تمثلت آنذاك في الفكر الاشتراكي، الماركسي وبعض الآراء الاقتصادية الإصلاحية والأفكار الوجودية التي غيرت المنظور السياسي والفكري والثقافي. ونتيجة لهذا الوضع المتغير باستمرار، اندثرت مفاهيم وانبثقت أخرى مكانها تحت التأثيرات الخارجية المؤكدة. وهكذا أصبحت الساحة الثقافية الاجتماعية في العراق تحت تأثير صدى التيارات الفكرية الغربية، مثل: الفكر الماركسي الاشتراكي والتيار الوجودي، وقد أكدت جميع الدراسات للتاريخ الحديث أن هذه التيارات الفكرية التي قامت بأحياء ثورات اجتماعية وسياسية وفكرية تجاوزت الحدود الغربية إلى حدود أخرى ومنها حدود الشرق العربي. ولقد وجد الإنسان العراقي في فكر ماركس، هايدكير وسارتر، وفي الكتابات الأدبية  للألبير كامي مثلا، عدة إجابات وأسس ابيستمولوجيا لتساؤلاته حول الذات.

  ونتيجة للاحتدام المستمر مع الفكر الاستعماري ومع المستعمر نفسه والمطالبة والبحث المستمرين عن الهوية، فقد طغى طابع الغليان والجيشان الشعبي على جميع الأصعدة: السياسية، الاجتماعية، النفسية  والثقافية بشكل لم يشهد له مثيل من قبل بعدما تمت القطيعة مع الفترة التي سبقت هذه الحرب. قطيعة حملت معها استراتيجية وأهدافا جديدة أحاطت واعتنت بكل ما هو فني يتناسب مع حالات الإبداع ومع المتغيرات الوطنية.

- شهادة لرمز حي

لقد أكد علوان علي عباس علوان في كتابه: "تطور الشعر العربي الحديث في العراق"[104] من خلال تقديمه للشاعر العراقي بلند الحيدري، الذي هو بمثابة صورة ورمز حيّ للجيل الجديد، إذ يستشف علوان من خلال كتابات هذا الشاعر وتصريحاته صحوا مملوءا بالثورة والطموح. لان زمن سبات "الإنسان العربي" قد طال اكثر من اللازم. وهذا مما دفع الكثير من الأقلام الوطنية إلى إحياء الذات والدفاع عن استقلاليتها. ويرى "بلند الحيدري" في الأنين والصياح والبكاء الصادر من أطلال أوربا المليئة بجروح الحرب والتي تصل إلى الأذن العربية على شكل كتابات شعرية ونثرية وقصصية مشحونة بالتمرد والثورة لما تحتوي عليه في بعض الأحيان، من غرابة وخصوصية تأثيرا قادرا على جذب الانتباه ، فهو يلاحظ أن كل الشعراء والفنانين العراقيين يحاولون على غرار الأدباء الغربيين وانطلاقاً من محنتهم الخاصة، ومن خلال ما تراكم في أعماقهم من احساسات القلق والخوف والخيبة أيجاد تفتح أدبي وفني محّمل بقيم جديدة تليق بأسلوب وخصوصية كل منهم منطلقاً من العالم الذي يحيط به. فالوجودية التي نادى بها سارتر، على سبيل المثال ونظرياته وما تنشر من ازدواجية فلسفية مبهمة قوية تحث في نفس الوقت على المغامرة وعلى الذاتية وعلى النضال الإنساني. وهذه الأفكار احتلت عقول شعراء وأدباء وفناني العراق مما جعل بعضهم ينادي بضرورة الخروج بالفن إلى الشارع والى المقهى للالتقاء وللتأثير على الجماهير الشعبية بشكل مباشر، وبهذه الطريقة انهارت أسس المجتمع التقليدي وحلت محلها قيم ومفاهيم ثوريه تبشر بالتجديد. ولقد سرى طابع التجديد والنمو على جميع المجالات الثقافية والسياسية. ولقد تعرض الشعر العراقي الذي كان رائدا لحركة التجديد، إلى تطور مطابق للتيارات الجديدة للفن المسرحي، إذ تخلى هذا الأخير، عن الشكل القديم وتمرد على شكله العمودي وأوزانه الثابتة ليأخذ أشكالا حرة مجددة  للمخيلة الشعرية للشاعر العراقي. ولقد كانت أولى تجارب الشعر" الحر" قصيدة "الكوليرا" التي نظمت من قبل الشاعرة العراقية " نازك الملائكة " يوم 27/10/1947 ولقد نشرت في أول كانون الأول من العام نفسه وبعدها نشر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في منتصف كانون الأول من نفس العام ديوانه الشعري "أزهار ذابلة" الذي تمرد فيه على القصيدة العمودية واختلف معها بالأوزان والقوافي. وهكذا خرج السياب عن قاعدة (الخليل بن احمد التي تقضي بالتزام ثلاث تفعيلات في الشطر الواحد إذا كان البحر تاماً، وباثنين إذا كان مجزوءاً، فجاءت بعض الأبيات من تفعيلتين وبعضها من ثلاث وبعضها من أربع دون نظام معين)[105]. وانطلاقاً من هذه التجربة التجديدية الجريئة، تشجع الكثير من الشعراء والأدباء وصاروا يتبعون نفس الأسلوب أو النهج، أن صح القول.

 

 

-           تأثير الكتب والمجلات العربية والغربية

 

 وفي نفس الحقبة، تأثرت الحياة الثقافية العراقية بالجرائد والمجلات الفنية الأجنبية التي كانت تنشر في جميع أنحاء الوطن العربي. ولقد كان من خصوصية هذه الجرائد تعدد المجالات الفنية والعلمية. ولقد كانت هذه الجرائد والمجلات تغطي من خلال مقالاتها المترجمة والمكتوبة جميع التطورات في الميادين السياسية والعلمية والفنية. لقد لعبت هذه الصحف دورا مهما في تفتح المثقف العراقي على ما يجري في العالم من متغيرات. ويمكن أن نذكر هنا، على سبيل المثال، مجلة "الآداب" التي ظهرت لأول مره سنة 1953، وكان يديرها الأديب "سهيل إدريس". وكانت هذه الأخيرة تتميز بالفكر النقدي الحديث للأدب، وهذه الميزة جعلتها تتمتع باهتمام جميع المثقفين العراقيين.

 

- الملامح الجديدة للمسرح العراقي

   وفيما يخص المسرح العراقي على وجه التحديد ودراسة مرحلة الخمسينيات منه المتميزة بنشاطٍ نادرٍ يمكن شرح تطوراته الحالية انطلاقاً من مرحلة الثلاثينيات التي شهدت تعرجات سياسية واجتماعية حادة أنتجت وعيا اكثر رسوخا من وعي المراحل التي سبقتها على الصعيدين السياسي والفني، حيث تميزت بإنتاجياتها المسرحية المؤثرة. واتضحت ملامحها في تباين موضوعاتها وأشكالها الفنية التي عمقت مسرحيا وفكريا روح الكفاح الوطني وبرهنت دراميا على استيعاب العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية. وهذا ما أعطى، ولو بشكل نسبي للمسرحية العراقية ملامح تشخيصية جديدة وجرأة على نقد الواقع الاجتماعي الذي كان ينظر إلى الفنان نظرة انتقاص وعيب. لذلك نستطيع القول أن الثلاثينات من هذا القرن شهدت بزوغ فجر المسرحية الحديثة في العراق وما وجد قبل هذه المرحلة يمكن اعتباره بدائيا وليس له إلا فضل الريادة المسرحية التي بالتأكيد مهدت الطريق أمام الفنانين حقي الشبلي، وجاسم العبودي، وبهنام ميخائيل، وإبراهيم جلال وغيرهم من المسرحيين الذين سنأتي على ذكرهم على شق طريقهم في تعدد أشكال المسرحية وتنوع مضامينها واكتسابها مقومات فنية حديثة تحكي عيوب المجتمع العراقي ومآسي النظم الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك. ولقد عكست أعمال وتجارب حقي الشبلي المسرحية وتلامذته، بشكل صادق، صورة هذا التطور الحاصل سياسيا وفنيا واجتماعيا بإلقائها الضوء على الواقع المعاش بخيره وبشره منتقية مواضيع وشخصيات واقعية حياتيه يمكن مصادفتها في الشارع وشخصيات تاريخية خارجه من أروقة التاريخ. وهذا ما أعطى للمسرح العراقي صبغته المتطورة التي باتت جلية الملامح والاتجاه.

 ونعتقد أن ذلك لم يكن هينّ الإنجاز ولا سهل التحقيق، خصوصا أن العقبات الاجتماعية والسياسية كانت ماثلة وحاضرة دوما وأبدا في طريق المسرح كلون أدبي وكتطبيق عملي، ذلك لان الرفض كان اكثر من القبول. ويمكن أن نلخص أسباب تطور هذه المرحلة بالنقاط التالية:

فبالإضافة إلى الحرب العالمية الثانية وأثارها البارزة في المجتمع وانفتاح الأدب العراقي على الفكر الغربي الذي لعب دورا كبيرا في مظاهر التجديد التي تجلت في الأدب العراقي، شعرا ونثرا، ومسرحاً.

·        عودة عدد كبير من الفنانين العراقيين من أوربا بعدما عاشوا تجارب مسرحية في الخارج من خلال دراستهم في معاهدها وجامعاتها. ولقد انصب اهتمام هؤلاء العائدين منذ البداية على تطبيق ما درسوه واستفادوا من تعاليم ودراسات على الواقع العراقي ومتطلباته. ويعتبر الفنان جاسم العبودي واحدا من  أهم واكثر العائدين تأثيرا على المسرح العراقي، وذلك بكشفه النقاب عن أهم مراحل التحول التاريخي للمسرح العالمي على يد المعلم الروسي الأول لفن المسرح (ستانسلافسكي). لقد ذكرّ وعرفّ جاسم العبودي عند عودته الكثير من المسرحيين العراقيين بما فيهم أستاذه حقي الشبلي بطريقة ستانسلافسكي الذي كان يطبقها هذا الأخير مثله مثل البقية الباقية من المسرحيين دون أن يشيروا إلى مصادرها ودون أن يكشفوا عن قواعدها وأركانها التي اهتمت بتطور الفعل الداخلي للممثل وخلق نوع من الملائمة في التعبير ما بينه وبين الفعل الخارجي للممثل الذي بواسطته وعبره يتم ويتحقق عنصر الإيهام والوهم اللازم في تصوير الحياة على المسرح.

·     إن ما ورثه المسرح العراقي من أعمال لرواده الأولين: حقي الشبلي، جاسم العبودي الذين نعتبرهم من مؤسسي المسرح العراقي الحديث. قد أرتقى  بالمسرح إلى مستوى ما كان ليصل إليه لولاهم. ولكي نتمكن  من استيعاب ذلك،  يجب علينا أن نضع إبداعاتهم المسرحية في موقعها وظرفها التاريخي الذي يمكن حصره ما بين الفترة 1950-1970، يعني في فترة عرفت بتطورات سياسية ووطنية عراقية. ونحن نعتقد أن قيمة حقي الشبلي وجاسم العبودي تكمن في المجال التعليمي- حقي الشبلي مؤسس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة، جاسم العبودي أستاذا لمادة التمثيل فيه بعد عودته من الخارج- منها والإنتاجي- حقي الشبلي مؤسس فرقة مسرح الزبانية، جاسم العبودي مؤسس فرقة المسرح الحر- وفيما يتعلق بأنتاجاتهم المسرحية كانت دائما وأبدا في علاقة جدلية مع المخيلة الثقافة العربية عامة والمخيلة  الثقافية والفنية العراقية خاصة. وكذلك بحثهم في السايكلوجية الشخصية للشعب العراقي الذي استيقظ فجأة واكتشف أن له إرادة قوية تريد أن تؤكد خصوصية هويته وجوده أمام العالم كما هو اليوم. فنحن إذن، أمام مخيلتين، مخيلة بعيدة تعود بنا إلى الأسطورة العربية التي تأخذنا شوقاً إلى الماضي وتلعب فينا دور المهدئ لمحن وأوجاع الأمة العربية وذلك من خلال إعادة تكوين خيالي لشخصيات يستطيع تقمصها الجمهور بتعاطف وبسهوله لحظة العرض، من جهة، ومن جهة أخرى، مخيلة الحاضر التي توقظ جروح الواقع التاريخي وتقدمه كهزيمة مؤقتة. وهكذا تصبح مجالات البحث وكأنها ذهابا وإياب من الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى الحاضر، حيث العمل الفني يصبح لدى بعض المثقفين وكأنه ترحال استعماري عبر جسر لا يجتازه الزمن ذهاباً إلا ليعود كما يريده الحاضر المتصدع شكلاً وهيئةً.

·    لقد انطلق المسرح العراقي وهو يتعامل مع الماضي على أساس انه أسطورة ثرية تمنح المتفرج حيويته وخصوصيته. فالرجوع إلى هذا المصدر- أي الرجوع إلى الواقع الأسطوري الذي يتضمنه الماضي- له مصداقيته التي يتوخى من ورائها أحياء ما ورث من التراث العربي الإسلامي بشكل إيجابي. فهو أيضا استلهام جديد ذو جوانب وأبعاد ورؤى متعددة تقود المبدعين في كتاباتهم وفنونهم إلى تكوين خط جمالي متفرد خاص يستطيع أن يؤسس مدرسة عراقية. هذا هو الهدف المعلن عنه من قبل المثقفين والفنانين في هذه الفترة. ولكن هل يمكن القول أن في الرجوع إلى الماضي حلا لأوجاع الحاضر؟

وهل يمكن أن يكون الغوص في الماضي بشكل شعوري أو لا شعوري  مخدرا يسمح للهوية العربية أن تمرح في جنة الخيال ؟

أم أننا يجب أن نعتبر الماضي وكأنه أداة تمكننا من قراءة الواقع ؟

·        لقد ارتبطت اغلب نتاجات هذه المرحلة الشعرية منها القصصية والمسرحية بالواقع المعاش على الرغم من اعتمادها على طروحات الماضي. وهكذا تم في اعتقادنا رفع الحواجز ما بين الفن والإنسان العادي. وهذا المنطق يشرح لنا رغبة من كان يدعو إلى النزول بالفن إلى الشارع، المقهى والساحات العامة. كما فعل كل من: حقي الشبلي، جاسم العبودي، بهنام ميخائيل، إبراهيم جلال، قاسم محمد وسامي عبد الحميد وآخرون بأعمالهم.

·        لقد ظهرت في هذه الحقبة أيضا حركات تجديدية تميزت بلغة شعرية أحدثت تغيرا في الأسلوب والتعامل مع الكلمة بتوظيفها توظيفاً يتناسب مع المجتمع وتحولاته السريعة. ولقد طرأت تطورات كبيره على حقل المسرح في المرحلة التي تلت الخمسينيات وكان هذا بارزا في مجال التأليف والإخراج والعرض. إذ نلاحظ تعدد التيارات والمناهج الجمالية واتساع رقعة البحث وطغيان نوع من الصراع بين الفنانين حول مفاهيم التجديد، وتمرد البعض على طريقة ستانسلافسكي ومذهب الجدار الرابع الذي يفصل جمهور الصالة عن المسرح، فصارت عروضهم تهتم بالصورة الجمالية اكثر مما تهتم بنقل الواقع على الخشبة. وهكذا تعددت وتعاقبت الابتكارات ومجالات الخلق والإبداع وعمت الرغبة في التجديد، فصاروا ينادون بالمسرح الملحمي البريشتي وبالمسرح التعبيري والمسرح التجريدي والمسرح الأسود والمسرح السياسي. وبهذه الكيفية اختلفت طرق الكتابة والتعبير باختلاف مضمون العرض وشكله. وصار كل كاتب ومخرج ومهتم بمجال المسرح يدعي بأنه اكثر حداثة من الآخرين. وكان من ثمار هذا الصراع المتوتر، إن صح القول، حركه تجديدية وإن كانت متعثرة نوعا ما ولكنها في الآخر سائرة تصب في مناهل التطور الأدبي بشكل عام والمسرحي بشكل خاص.

 ولقد كان كذلك من نتائج هذه الحركة وهذا الصراع، تعدد الفرق المسرحية وانتشار العروض انتشارا كبيرا يفاجئ إذا قورن بعدده سكان العراق ووعيه المسرحي. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فأن تعدد الفرق وكثرتها كان له دور مهم في تكوين شخصية الفنان العراقي، إذ منحه فرصة التنقل والترحال من فرقة إلى أخرى ومن مخرج إلى آخر ومن تيار مسرحي وجمالي إلى آخر. ولقد كان منبع هذا الفوران وهذا التجديد معهد الفنون الجميلة الذي أسس فيه الفنان حقي الشبلي فرعا للتمثيل، وصار يقدم دراسات منهجية وعلمية في مجالات المسرح المتعددة: كالمثيل، النقد، الإخراج، الديكور، الأزياء، المكياج والخ .. . ولقد ساهم خريجو هذا المعهد في بلورة العطاءات المسرحية آنذاك بأغنائها بوجهات نظر ومواقف ثقافية جديدة. وهكذا شهد المسرح في الخمسينات نهوضا واضحا واستمر بالنهوض والازدهار بحيث لم يعد التمثيل وفن المسرح ينحصر بتعدد مجالاته كما كان مجرد بدعة من بدع الزمان وإنما دراسة وعلما وتطبيقا له أسسه وقوانينه الدراسية الخاصة به، التي عملت على ولادة جيل جديد نجح في تأكيد نفسه من خلال طرحه لقيم جمالية فنية وفكرية لافتة للنظر يمكن مقارنتها بمثيلاتها في الأقطار العربية التي كانت سباقة في هذا المجال مثل لبنان وسورية ومصر. ( في أواسط الأربعينيات كانت للحرب العالمية الثانية انعكاساتها على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العراق، أدت إلى اطلاع العراقيين على آفاق مضيئة، شدتهم إلى ما في القارة الأوروبية من تقدم في مختلف  ميادين الحياة، وخاصة الثقافية والفنون والعلوم)[106]. وبعد هذا التغيير والانفتاح على تجارب الغير، ولدت فكرة تأسيس فرقة قومية للتمثيل  كحاجة لجمع الفنانين وإبعادهم عن مغريات العرض في الملاهي التي تكاثرت في تلك الفترة، ولكن ومثلما يقول الشاعر الكبير المتنبي :( ما كل ما يتمنى المرء يدركه تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن)، لم يستجب لفكرة إنشاء الفرقة القومية. إلا أن هذا لم يمنع من ظهور فرق مسرحية أهلية، أن صح القول، في الخمسينيات، قامت بمقام الفرقة القومية في بغداد، وفي عدد من محافظات القطر، ومن بين هذه الفرق يمكن أن نذكر: فرقة المسرح الحديث التي قادها المؤلف والممثل القدير يوسف العاني وفرقة المسرح الحر التي أسسها وسهر على إدارتها الفنان والمعلم الكبير جاسم العبودي وفرقة المسرح الجمهوري، وفرقة الشعلة وفرقة الفنون الشعبية وفرقة المسرح العراقي وفرقة شباب الطليعة وفرقة مسرح بغداد الفني. وهكذا ظلت فكرة وحلم إقامة فرقة قومية للتمثيل قائمة ومتجددة حتى عقد الستينيات. وبعد تكرار ومطالبة ملحه من قبل الفنان حقي الشبلي تحقق الحلم وتأسست الفرقة القومية للتمثيل في عام 1968 وتولى إدارتها الشبلي بنفسه وعمل على تكوين طاقمها الفني حيث ضم إلى صفوفها خيرت الممثلين واحسن المخرجين والمؤلفين حتى وصل عدد المنتسبين إليها رسميا من غير ضيوف الشرف من كتاب ومخرجين وممثلين من فرق مسرحية أخرى 120 فنانا وفنانة بينهم ستة مخرجين حصلوا على شهاداتهم التخصصية العالية: محسن العزاوي، سليم الجزائري، فتحي زين العابدين، وجدي العاني، وفخري العقيدي، من تشكيوسفاكيا وإنكلترا وفرنسا وموسكو، ومؤلفان مسرحيان كانت كتاباتهما معروفة وواضحة في مجال المسرح هما، عادل كاظم وطه سالم، وكان أول عروض الفرقة القومية مسرحية (وحيدة) التي أعدها الفنان حقي الشبلي عن نص موسى الشابندر واخرجها محمد القيسي ولقد عرضت من 13/10/1968 لغاية 9/11/1968 على مسرح الفرقة القومية بكرادة مريم. وبموجب احمد فياض المفرجي[107]، كان من اقدم الفنانين الذين رافقوا الفرقة كضيوف شرف الفنان، سامي عبد الحميد الذي اخرج خلال المرحلة التجريبية للفرقة أربع مسرحيات وهي : تاجر البندقية لشكسبير في عام 1965، وأعقبها في عام 1966 بثلاثة عروض هي: مسرحية (انتيكونا) لجان أنوي الفرنسي و مسرحية ( النسر له رأسان) للفرنسي جان كوكتو ومسرحية (الحيوانات الزجاجية) للأمريكي تنسي وليامز، وقد كتب حواراتها باللهجة الدارجة العراقية القاص خضير عبد الأمير. ولقد فتحت الفرقة القومية أبوابها للمخرجين والمؤلفين الذين كانت نتاجاتهم رائدة ومعروفة في الساحة المسرحية على المستوى التعليمي والفني والإنتاجي مثل: جاسم العبودي، إبراهيم جلال، قاسم محمد، بدري حسون فريد، سامي عبد الحميد، بهنام ميخائيل، عوني كرومي، صلاح القصب والخ. وكان نتاج نصف ما قدمته الفرقة خلال مواسمها المسرحية المتعددة نصوصا أجنبية مترجمة أو معدة أو معرقة. أما النصوص العربية إذا قيست بالنصوص الأجنبية فتعتبر اقل بكثير. ( وان من يرجع إلى مختلف النصوص التي عرضتها الفرقة سواء كانت لكتاب من العراق أو من أقطار عربية أو من بلدان العالم الأخرى، يجد أن كل تلك النصوص تعالج الهموم الاجتماعية والقومية التي تشغل الإنسان في وطننا، كقضية الأرض والفلاح، وتأميم الثروات المستنزفة من القوى الغاضبة والصراع بين الخير والشر وبين القديم والجديد. ولم تتقيد الفرقة بشكل أو اتجاه فني معين، وإنما فتحت ذراعيها لشتى الأشكال والاتجاهات المسرحية المعاصرة، وكذلك احتلت المسرحيات المستوحاة من التاريخ والتراث العربي، والعربي الإسلامي، مكانا بارزا بين الأعمال .. ومثال ذلك مسرحيات ( كان يا ما كان) و( مجالس التراث) لقاسم محمد و( الطوفان) و( مقامات أبى الورد) لعادل كاظم و( الغزاة) لعلي الشوك و( باب الفتوح) لمحمود دياب)[108].

وبعدما تخلصت الفرق المسرحية في العقد الستيني من الاعتبارات القانونية السابقة التي كانت تعاملها على أساس أنها ملاهي ودور ليلية أخرى، تأسس نوعان من الفرق المسرحية:

- الفرق الرسمية

التي هي بمثابة امتداد للفرقة القومية في باقي محافظات القطر مثل: ( فرقة البصرة للتمثيل)، و(فرقة نينوى للتمثيل)، و( فرقة اربيل للتمثيل)، ومن الفرق الرسمية الأخرى التي لم تخضع بالضرورة لإدارة قسم المسارح في دائرة السينما والمسرح هي ( فرقة المسرح العسكري) التي كانت ترتبط بدائرة التوجيه السياسي في وزارة الدفاع.

- الفرق التمثيلية الأهلية

وهي فرق مجازة من قبل وزارة الثقافة والأعلام باسم مجموعة من الفنانين بصفتهم الاعتبارية. وهذه الفرق هي :

·        فرقة المسرح الشعبي.

·        فرقة المسرح الفني الحديث.

·        فرقة المسرح الحر.

·        فرقة مسرح 14 تموز للتمثيل.

·        فرقة مسرح اليوم.

·        فرقة اتحاد الفنانين.

·        فرقة العراق المسرحية.

·        فرقة مسرح بغداد.

·        فرقة مسرح الرافدين.

·        فرقة مسرح بغداد.

·        فرقة مسرح الجماهير.

·        فرقة مسرح الرواد في محافظة نينوى.

·        فرقة المسرح الكردي الطليعي في السليمانية.

·        فرقة مسرح كربلاء الفني[109].

هذا بالإضافة إلى الفرق الفنية الأخرى غير المحترفة التي تمثل فرق منظمات العمال والنساء والطلبة وفرق معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة وباقي النقابات والجمعيات والمؤسسات والمنتديات الأهلية الثقافية.

 

الفهرس

 

 

1-      مقدمة الكتاب

2-       الفصل الأول: البحث عن جذور المسرح التاريخية.

3-      الفصل الثاني: المسرح العربي بين ما هو شفاهي وبين ما هو مكتوب.

4-      الفصل الثالث: " المسرح الديني "التعزية ".

5-      الفصل الرابع: مسرح خيال الظل أو بابات أبن دانيال الموصلي.

6-      الفصل الخامس: الجذور التاريخية للمسرح العراقي.

7-      الفصل السادس: المسرح العراقي بين التأسيس والتطور والتعددية.          

 

د. محمد سيف

دكتوراه في العلوم المسرحية من جامعة السوربون، دبلوم من معهد جاك لكوك لفن التمثيل في باريس، دبلوم معهد الفنون الجميلة قسم المسرح، بغداد، مديرا لفرقة مسرح الضفتين في باريس، اخرج في العراق: الصبي المشاكس عن قصة لتشيكوف، والجمجمة لناظم حكمت، واخرج في فرنسا: بعد أن تدك المدن في المدافع، ورود الجرانيوم لا تحتاج إلى عناية، لمسرح فولتير الفرنسي، كما اخرج لمسرح لونيل ومسرح لانو على التوالي: مسرحية أعلى بكثير من الطيور، ومثل موج البحر مد وجزر. وضمن عروض مسرح الطفل أعد واخرج وشارك بالتمثيل في إحدى عشر قصة مستوحاة من حكايات ألف ليلة وليلة، قدمت جميعها في باريس. في التأليف له خمسة نصوص مسرحية منها: الزوج الأبدي، عن دار كلكامش بباريس، ومسرحية البحث عن السيد كلكامش، عن دار نشر كنعان/سورية، ومسرحية البطل، عن دار نشر فرقة التمرين /السويد. ومن مؤلفاته تحت الطبع: الطفل والتعبير المسرحي، ومجموعة مسرحيات للطفل، وفي الترجمة له كتابين للمخرج الإنكليزي بيتر بروك، هما : الضجر هو الشيطان وشكسبير وبيتر بروك.