|

المجنون والبحر - 10 -
هالة تدخل البحر عارية . يغمرها حرير الماء حتى حديقة الياسمين ..
وحين تلامس الأصابع وجه الماء ، تغلق اليد .. على حفنة ماء .
وتقول : " أنظر ، سيدي المجنون ، هذا الماء يتحجر . في هذا الزمن ،
المعلق ما بين المد وبين الجزر ، يصبح كتلاً ثلجية ."
المجنون : " أنتِ تلامسين عواطف البشر . دمي مباح ، دمك الآن مستباح .
لأنك لي ، يسرقون الله من داخلي
اصبح المجنون المطرود المنبوذ ، المطلوب على حبل العدالة أو فوق مقصلة
القبيلة ."
هالة : " سيدي ، أحبك سيدي .
حبك ، سيدي هذا الخنجر ، المزروع حديقة ورود في القلب .
تنبت أشواك التحدي ، أتحدى أهلي ، وعقدة هذا الشرق ."
المجنون : " في القلب مثل شظايا رصاصة ، أو طعنة سكين في الظهر .
أنتِ لهم – أنثى –
أنتِ لهم أنثى . أنتِ الفريسة ، وعلى أنقاض هذا الجسد مراسيم البطولة ،
الكرامة والشرف ، مراسيم أمجاد العرب ."
هالة : " أصبحت مثل البحر ، موجي ثورة .. وثورتي تحد . لن أهرب بعد
الآن ، سوف اكسر ذاك القيد .
نحن ملك الحياة ، وليس ملك الموت ."
المجنون : " هم يسرقون في عز النهار وينامون مع الجريمة . وهم رمز
الطهارة ، العفة والشرف .
زمن تتعمشق الأقزام فيه على الغصون العالية ، تتطاول الأنذال فيه على
ضوء النهار الساطع . تسرق الشرف وكرامة الإنسان . يبقى الشرف كما كان ،
كرامة الرجل بين فخذي امرأة ."
هالة : " حتى هذا ، سيدي ، يموت في هذا الزمن .
ليس ارخص من لحم البشر ."
المجنون : " يبحثون عني ! أنا ، سارق عشقي . يعقدون الصفقات الكبيرة في
أجمل فندق ، وعلى أنغام غسل اليدين بالشعارات ، والطرب المسموع ،
والتجارة ، وفي أبهى جلسة مفتوحة .
دمي ودمك مستباح ، وجائزة الشرق وسام الشرف الرفيع ."
هالة : " سيدي المجنون ، يكفي ، اذهب للصيد . ربما هذا النهار لك ."
المجنون : " لا ، لا ، يا هالة . سوف أدخل الخيمة وأنام ، أود أن أنام
طويلاً .
ها هي الدنيا ... تغلق الشبابيك والستائر السوداء .
ها هو البحر . حتى البحر ، يا هالة ، يرتدي قميص السراب ويبتعد ، يبتعد
كثيراً .
ربما هذا النهار يذهب مثلي لينام هناك ."
هالة : " وأنا سيدي ، ماذا ؟ لمن تتركني في هذا الزمن الغابة ؟ "
المجنون : " أنتِ تعودين إلى البحر وتذهبين معه إلى هناك ، أو تعودين
إلى القمر ، هالة ."
هالة : " أحبك ، سيدي ، أذوب فيك مثل الشمع ."
المجنون : " تعودين للنور ... أنتِ ، هالة ، أنتِ وجع الأرض المزروع
خنجراً من نار ، ونور في القلب ."
هالة : " لك أن تنام ، سيدي ، قد تغير الزمان والمكان ، ولكن مثل شجر
الزيتون ينبت من جديد –يتبدل ، يشرق ، يزهر ،
يحمل هبة الأرض وعطاء السماء أنظر هناك !
هم يشعلون الأرض حرائق ."
المجنون : " تذهبين بعيداً . هم الآن ينهضون من جديد .
سوف أنام الآن طويلاً ، وقد أستيقظ وقد أشرق فوق هذا الشرق الفجر
الجديد ."
|