| |
(مسرحة القصيدة العربية
" الحلقة الثالثة " )
ترك المجنون اليابسة وذهب إلى البحر . والغناء
يلعب مثل الريح فوق الموج .. وصباح الخير ترقص بين الأصابع , وهو يحمل
ملايين المواليد , مواليد هذا الصباح , إلى البحر الكبير .
( تلك كانت أولى هجرات المجنون
من مرافئ اليابسة إلى البحر )
يحمل في العينين وجع الأرض وأحلام المنبوذين , المعذبين وأشجار الدمع
اليابس نبتت فوق الوجه .
" يا زمن الحزن , والغربة , والهجرة " قال المجنون
وسكب النار في ثياب الفرح الهارب .
قلتُ : " مبارك هذا الصباح , الذي فتح عينيه على ملايين الأطفال
القادمة إلى الدنيا "
طرب المجنون , والغناء يلعب مثل الريح . اقترب نحو البرميل القريب منه
, بعصا غليظة طويلة , ويغني .
صوت موسيقى العزف يرن في أذني .. بين صوت المجنون الخشن وضجيج صوت
البرميل الفارغ ,
من أجل مستقبل الأجيال :
من أجل الشبيبة .. من أجل الأطفال .
صوت غناء المجنون يسكت صوتي , وهو يضحك مني - هل تصدق ؟ ويقذف قبضة رمل
في عيني البحر , ويغني ..
من الصعب أن تجمع ما بين صوت الموسيقى ، وصوت المجنون , أو تفهم ,
تمييز الكلمات !
أتقدم بخطوات بطيئة نحو المجنون , خوفاً من العصا الغليظة ..
أمسك بيده بقوة وعنف .
يتوقف لحظة . يغني :
" الأطفال أمل الدنيا وحلم الغد من يبني بالعدل والمحبة بالمجد والحرية
العالم الآتي ..
عالم أطفال الغد ..
يصنع من فوهة البندقية زهرية
ومن النار شعلة حرية
والجنسية أنتَ إنسان "
واندفع نحو البحر , يمسك في يده حبلاً . أخرجه من قاع البرميل . يعلق
الحبل في وسط البحر وفوق رمال الشاطئ
يغني : " مشنقة .. مشنقة .. لمن يتاجر بالصغار .. يبيعهم من مدينه
لمدينه ومن مكان لمكان ..
لمن يستغل جسدهم وهم أبرياء ويسرق حلمهم "
قلتُ للمجنون : " لماذا مشنقة ؟ "
قال بهدوء لا يصدق :
" مشنقة لمن يسرق أحلام الصغار .. أحلامهم بنفسجية تفتحت فوق وسائد
الحرير
وخفت عليهم - حملتهم معي إلى البحر . حتى لا يصرخ الطفل غداً حين يكبر
. غداً سوف يكون طعاماً للأسماك الكبيرة "
قلتُ : " والأسماك الكبيرة هنا ؟ "
قال : " الأسماك لديكم أكبر هنا سمكه تأكل سمكه .. ولديكم ساعة حرب ،
قد تقتل ملايين .
كفى لهدير الحرب وأزيز الرصاص وصوت القنابل .
كفى للقتل والتشرد والمذابح "
قلتُ : " سوف نجعل الأرض جنه للإنسان . يستطيع الطفل غداً أن يحلم
بالأمان "
قال المجنون وهو يضحك , ويشتم ويبتسم :
" أترى هذا البرميل المقلوب ؟
هذا عالمكم - عالمكم فارغ المضمون .. وألف تاجر ممنوعات - مخدرات ,
صفقات , زعامات
وصغار تأتي وتضيع , تمارس لعبة الكبار . أين أحلام الطفولة - وربيع
الأغنيات ، وأماني نبتت في الأفق البعيد .. في الخيال "
يبكي المجنون , ثم يشتم ويغني :
" هالة .. هالة قادمة , تركض في براري القلب , إلى البحر , إلى صدري ..
صدري صندوق الفرح الهارب , وأنتَ الوهم !! "
قلتُ : " مهلاً .. الغناء يوجع القلب . . ونحن لا نحتاج إلى روضة أطفال
نحن , يا سيدي المجنون , لا نشتهي أن نشتري لعبةً أو كتاباً .. نحن لا
نحلم , سيدي , في مستقبل الصغار .
مجرد الحلم جريمة .. نحن أمة مؤمنة , نؤمن بالقضاء والقدر , والأجل
المحتوم "
المجنون : " عليكم الصلاة , الصيام والرب المعبود "
" ولماذا الآن تبكي ؟ "
" لقد ضاع مستقبل الأجيال بين البحر واليابسة "
المجنون يبكي ثم يشتم ويغني :
"هالة قادمة إلى براري القلب .. إلى البحر "
___________________
|
 |
التعليقـــات ..... |
|
|
|