هناك بشر من ذهب واخرون من فضة.
عندما يتحدث الرعاع عن التومان
فانهم يعنون الفضة
وعليه فان التومان فضي
***
اما في لغة الشاه
فان التومان ذهبي دوما
فالشاه لايتعامل ..
بغير التومان الذهبي
***
هكذا يعتقد العقلاء
ومثلهم اعتقد فردوسي
مؤلف الشاهنامه الشهيرة
التي اسرت القلوب
***
نظم هذه الملحمة البطولية
بطلب من الشاه
الذي وعده بتومان
لكل بيت
***
اينعت الزهرة سبع ..
عشرة مرة وذبلت سبع عشرة
مرة وتغنى بها العندليب
وصمت سبع عشرة مرة..
***
خلالها انكب الشاعر
على نول الافكار ليلا ونهارا
ينسج دون كلل
سجادة انشودته العظيمة
***
سجادة هائلة حاك عليها
بمنتهى الابداع
حكايات وطنه
وتاريخ قدماء ملوك فارستان
***
وقصص ابطال شعبه
ومآثرالفرسان ومغامراتهم،
مخلوقات سحرية، جن وعفاريت،
مسيجة بورود خرافية
***
كل شيئ متألق
نابض بالحياة
يزهو بالوان متوهجة
ويسطع بالنور
***
عندما اتم انشودته
ارسل مسودتها
للشاه:
مئتا الف بيت *3
***
كان ذلك في الحمام،
حمام في مدينة" غسنا"
حيث التقى رسولا..
الشاه الشاعر فردوسي
***
حمل كل منهم
كيس نقود
القيا بهما عند اقدام الشاعر
وهما يركعان:
جائزة تكريما لقصيدته
***
بعجلة فتح فردوسي
الكيسين لينعم بمرآى
الذهب الذي حرم منه
طويلا. ذهل حين رأى..
***
ان محتويات الكيسين
فضة باهتة، تومانات فضية:
مئتا الف،
ضحك الشاعر بمرارة
***
ضاحكا بمرارة
قسم النقود الى ثلاثة اجزاء بالتساوي
اعطى اثنين منهما
للرسولين الزنجيين
***
وكافئ خادم الحمام
الذي اعد له
الماء الساخن
بالقسم الثالث
***
تناول عصا ترحاله
وغادر حاضرة الملك.
عند بوابة المدينة
نفض الغبار عن نعليه وقال:
***
لو انه لم يف بوعده،
وهذا امر معتاد في طبائع الانسان،
ولو انه نكث عهده فقط
لما سخطت عليه..
***
غير ان ما لايغتفر
هو انه خدعني بصورة مزرية
بكلام مزدوج المعنى
وبحيلة السكوت
***
كان وجيها ووقورا
بطلعته وحركاته
وقل اشباهه في الكون
ومع هذا كذب علي
***
كان الشاه
يتناول
فاخر الاطعمة
وهوناعم البال
***
في جنينة خافتة الظلال
متكئا على وسادة قرمزية
عند نافورة
ترش رذاذ ماء بارد
***
وقف الخدم..
والمهابة على وجوههم،
من بينهم خادمه المفضل
" انصاري"
***
مزهريات مرمرية
يتدفق منها
عطر ورود
ريانة
***
اشجار نخيل
سامقة تتهادى برشاقة
مثل غوان ..
شركسيات
***
اشجار سرو
انتصبت هادئة
ترنو نحو
السماء
***
فجأة..
تردد برقة
غناء ساحر
مصحوب بانغام عود
***
انتفض الشاه
كما لومسته عصا ساحر
قال :
"من كتب نص.. هذه
الاغنية؟"
***
السؤال موجه الى..
"انصاري " الذي اجاب:
"انه من
نظم فردوسي"
***
"فردوسي ؟" صرخ
الشاه مشدوها
" اين هو وكيف حال
شاعرنا الكبير؟"
***
اجاب انصاري:" انه
يعيش بضنك وفاقة
في مدينة طوس، حيث يمتلك
حديقة صغيرة"
***
صمت الشاه هنيهنة وقال:
"يا انصاري اني اكلفك بامر عاجل
اذهب للاصطبلات
واختر مئة بغل وخمسين جملا،
***
حملها بكل الكنوز
التي تشرح الصدور
بكل البدائع والنوادر والالبسة الثمينة
***
والاواني البيتية
المصنوعة من خشب الصندل والعاج
وبالاراجيل الذهبية والفضية
بالاباريق ذات العرى المزركشة
***
وبفراء النمورالرقطاء
وبغالي السجاد والديباج
المصنوع
في ولاياتي
***
لاتنسى ان تضيف اليها
اسلحة براقة ولبادا فاخرا
وشرابا من كل نوع
واطعمة باواني الحفظ
***
كذلك مربيت ولوزينج
وفطائر فلفل من كل الاصناف
اضف لها عشرة خيول عربية
تمرق كالسهام
***
وبنفس العدد
عبيدا سود
ذوي اجسام حديدية
تتحدى المشقات
***
هيئ نفسك للسفر فورا
يا انصاري!
خذ معك كل ..
هذه الاشياء الجميلة
***
خذها معك
مرفقة
بتحياتي للشاعر الكبير
في مدينة طوس"
***
نفذ انصاري اوامر مولاه
وحمل البغال والخيول
بهدايا تكريمية
كلفت ريع مقاطعة بكاملها
***
بعد ثلاثة ايام شد انصاري
الرحال مغادرا
حاضرة الشاه
على رأس قافلة يتقدمها علم احمر
***
في اليوم الثامن
بلغوا طوس..
الوقعة على..
سفح الجبل
***
دخلت القافلة عبر
البوابة الغربية
مفوفة بالصراخ والضجيج
***
ودق الطبول
ونفخ الابواق
ومصحوبة باناشيد ..
النصر
***
والجمالون ينادون..
باعلى ..
اصواتهم:
" لااله الا الله" *4
***
في اللحظة نفسها
خرج من البوابة الشرقية
في الطرف الآخر
من طوس..
***
موكب جنازة
يحمل نعش..
فردوسي الى..
خارج المدينة.
___________________________________
*1- هاينريش هاينه: ولد في مدينة ديسلدورف الالمانية
عام 1797 وتوفي في باريس سنة 1856 وهو لبرز شعراء
المانيا في القرن التاسع عشر. واصل في ديوانه"كتاب
الاغاني " تقاليد الرومانتيكية الالمانية التقدمية.
اشتهر كشاعر لكثير من الاغاني التي لحنها
كبارالموسيقيين الالمانمثل شوبرت وشومان وغيرهما. في
عمله "رحلة الى الهارتس " انتقل الى مواقع الاقعية
النقدية، الامر الذي عرضه للملاحقة في بلاده فرحل الى
باريس وفي عام 1835 اصدرلبرلمان الالماني قرارا يحظر
كتبه. من اهم مؤلفاته واشهرها "حكاية شتاء" انتقد فيها
بسخرية لاذعة الاوضاع السائدة في المانيا. عام 1844
ساءت حالته الصحية وظل ملازما لفراشه حتى وفاته في
المنفى.
*2 – الفردوسي ( نحو 932-1020) من اكبر شعراء الفرس له
الشاهنامة او كتاب الملوك وهي ملحمة قضى 30 عاما في
تأليفها وتضم حوالي 60 الف بيت ( المنجد)
*3 يذكر هاينه ان الشاعنامة تضم مئتي الف بيت ولعله
يريد ، وهذا مبتغاه، الاشارة الى الجهد الذي بذله
والحيف الذي لحقه ( المترجم )
*4- العبارة جاء باصلها العربي مكتوبة بالحرف اللاتيني
( المترجم)