(1)
محمية لم يخدش البحر حياءك.. كنت تدفعين الجزية
للمرزبان .. من أجل باطوس الوسيم ..
استبدل البطالمة إسمك لأجل عيون أميرتهم الجميلة برنيس
..
وجاء اجدادي يحملون الضاد .. كانوا طيبين وكرماء ..
قالوا هذه يوهسبيريدس الممنوعة من الصرف .. وكانوا
محقين ..
فلم تفلح الضمة و الفتحة و لا الكسرة في تصريفك ..
أخبريني يا قاتلة أركسيلاوس..
لماذا فصلت رأسه عن الجسد وألقيته في اليم طعماً
للحيتان؟
و هل نكتفي نحن المساكين بتمرير آخر شهقة من أركسيلاوس
إلى طبلات آذاننا؟
أم نجلب المتاعب للرؤية ونحن نتأمله مضرجاً بالدماء؟
(2)
سنتباهى بأننا مفرطون في النميمة .. وأن نساءنا فاتنات
لدرجة أننا بالكاد نفارق مضاجعهن..
و نلعن في تأخيرنا الصباحي تكشيرات مدارئنا ..
وباننا مطيعون و نتفهم روح القانون .. ولا نقول إلا
الكلام المحشو في أفواهنا
ولا نشكو إلا في أحلامنا المتدفقة .. ولا نتذمر إلا في
بيوتنا عند رؤوس أطفالنا ..
سنتباهى بأربطة العنق.. ونعلق أبصارنا فوق تنورة إمرأة
تعبر وسط أبواق السيارات
لا بأس بقليل من المحبة المطهمة ببعض الشوق.. لأن
يوهسبيريدس لا تطلب إرثاً عذرياً..
كي تمنح من يعشقها حناناً زائفاً و تعتصره في
احضانها..
وكلما احترقت شفتاها من القبلات أطفأتها في ماء
البحر.. وخرجت حسناواتها إلى الشوارع..
يرششن عطرهن الذي يلهب شهوة الفتيان..
أيها الطفل الراكض باتجاه اللوتس .. كم عاماً ستقضي في
المرارة؟
و كم سفينة ستبحر من شاطئك تحمل السلفيوم ؟.. وأنت تعد
السنوات .. فيما يوهسبيريدس ترضع أطفالها حليباً
رائقاً.. وتعطي القمح مئة ضعف..
أيها الطفل الراكض باتجاه اللوتس ..
نحن كرماء جداً .. و مفتونون بهمجيتنا .. .
(3)
أحدهم كان مجرد ثرثار.. صحا يوماً على صوت شيطان يهمس
في أذنه ويقول:
ربما تعلو الأمواج ولا ينام البحر..
تحول الثرثار إلى شاعر .. وفي اليوم الذي أكمل فيه
قصيدته .. اكتشف أن يوهسبيريدس تنظر إلى صورتها في
الماء .. فصاح بأعلى صوته:
أيتها المدينة .. إياك أن تقفزي في الماء..
الفلاسفة مهرجون.. والشعراء يبيعون الكلام في أسواق
البلاغة ..
ونحن لما تعكر مزاجنا المفتون بالبحث عن نساء يجلسن في
الكافتريا.. ويتناولن الوجبات السريعة .. صرنا نحويين
جداً .. و تساءلنا :
لماذا كان أجدادنا مصرين على رفع الفاعل ؟
أيها الصغير الذي يحمل في عينيه البراءة
من عادتنا أن ننسى معاطفنا في المواخير..
ونعود تحت وطأة الصقيع.. برؤوس مثقلة.. ونغني أغان
مبتذلة..
فنقلق راحة القمر حتى يحتمي بالسحاب ..
ونحب أكل الفخذ السمين مثلما نحب النهود العارية..
لا تأسف من أجلنا ..
نحن مجرد قنافذ لن تنال منها إلا الأشواك..
قال آباؤنا في وصيتهم :
يا أبناءنا المطيعين.. نحتاج إلى حبل غسيل لنشر
أوساخنا وهمومنا..
ونعتذر لكم عن موتنا المبكر قبل الشيخوخة .. فربما
أشعة الشمس تقتل الطفيليات العالقة بأجسادنا.
(4)
يا سيدة الشاطئ ..
هذه مراكب طفولتنا .. وأشرعة البوح ..
حوش الغولة .. وكبش نص انصيص .. و بنات السلطان 2
ياشمس ياشموشة ..
يحدث أن سحابة تغطي وجه القمر.. ومسك الليل ينشر
رائحته في الظلمة.. وفي الظلمة يختفي وجه الغولة ..
لذلك يشم الأطفال رائحة مسك الليل من بعيد..
وفي الصباح يحملون كتبهم المدرسية .. ذات المنهج
المسكون بالملل .. وفي طريقهم يقذفون النخلات بالحجارة
.. فتغني لهم العراجين :
لمن تزينت يوهسبيريدس
هذا المساء ..
ولمن غنت الحسناوات
عند بحيرة تريتون ..
لمن ينحني النخيل
ليبوح بأسرار الرطب ..
أيتها المرأة النائمة في نبيذ العاشقين
المعتق بسنين وجدهم ..
كل القلوب إليك تهاجر
يا سيدة الشاطئ ..
الفتية الذين كانوا صغاراً .. كبروا .. و اكتسبوا
فحولتهم من الحساء و السحلب الساخن ثم افتقدوها ..
فتحولت الفتيات إلى شجرات تمتص من الطين شهوتها .
(5)
أمهاتنا علقن حدوة حصان فوق بابك..
و شيخ الجامع قرأ المعوذتين..
أغمضي جفنيك ..
نحن عشاق وقورون جداً
نحتسي شاي المساء المنعنع ونستعيد التناص مع
كاليماخوس..
فيما يكتب صلاح الغزال3 قصيدته في المقهى
و (نواح الريق)4 إرث من الملوحة.. وسيرة للشوارع
الخلفية..
تصبحين على محبتنا..
(6)
يا سيدة الماء ..
نعترف أمام أعشاب البحر و طحالبه و أسماكه
ونعترف أمام الرياح و القوارب و الأمواج والأشرعة
بأننا نحبك ..
وننظم من اشتياقنا في البعد عنك حبات مسبحة نفركها بين
الأصابع
و نعتذر عن النسيان..
نحن المهووسين بالفضائيات و مراسلة الجميلات في النت
..
نعرف أن العالم لعبة في أيدي مشعوذي الأفكار..
هل من الحكمة أن نغلق أبوابنا؟
لا تحزني..
ما زلنا نتذكر بالقدر الكافي
وفي بعض الأوقات نكنس السذاجة بعيداً لتتناسل الحكايات
في ذاكرتنا..
عن الباب العالي .. و المتصرفية .. و الباشا .. و كازي
روما
و علي رضا الذي لم يمس خزانة الدولة ..
و غراسياني الذي تفوح منه رائحة الكونياك ..
لماذا كنا نتبع الباب العالي رأساً ؟
(7)
كل شيء فيك يوحي بفنتازيا تسكن أرواحنا ..
اللون والجسد المترهل والخطوط الصغيرة للتجاعيد ..
ولمحة العينين عند انكسار الضوء ..
يا درة القوافي
والقصيدة تجدل ضفائر الكلم ..
أحسسناك في رجفة عقارب الساعة
ونداء الزمن الهارب ..
ولمحناك في وشم عجوز تهدهد الصغار
في ليلة شتائية ..
وتعد وجبة ( الدشيشة )
ورأينا وجهك النوراني ..يهدينا حدائق وارفة
فغفرنا للمذنبين والآثمين دفعة واحدة ..
ونسينا كل ما اقترفوا ..
والتمسنا ألف عذر للسكارى وخلان الكأس
والنائمين من الثمالة فوق الأرصفة..
وأدركنا أننا سلالة من المذنبين..نعاشر ماء البحر
ونتلذذ بالملوحة..
(8)
اسدلي الستائر لأنام قرير الخاطر..
ومرري أناملك فوق القمر..ليمنحني أحلاما وادعة
وفي الصباح أيقظيني باكرا
واغسليني بماء من قمر البارحة
كي أشرب قهوتي وأطالع صحيفة أخبار بنغازي
لعلي أقرأ نعي أحد الفاسدين أو لاعقي الأحذية..
(9)
عيناك على المانحين أرواحهم للسمو..
يرتدون الوطن تحت معاطفهم الثقيلة ..لئلا يطاله الصقيع
وقلبك على شيخ ..
قمحي الوجه..أبيض اللحية..وضاء الجبين
جاء مكبلا بالسلاسل وموعودا بالشهادة..
توضأ وصلى..
وكان التراب القديم يرفع يديه إلى السماء..
وفي مبنى البرلمينتو..
نطق القاضي بالحكم
(لاكواندانا دي امبيكاجيوني)5
واقتيد المختار للمشنقة..
(10)
ثلة يسقطون في بئر الفراغ..
يفتحون كتب التاريخ ..يقتفون آثار البطالمة
ويلعنون الرومان وقلاعهم..
يلفون النوستالجيا في قماش أبيض..ويحملونها كجنازة إلى
المقبرة..
ثم يعودون للجلوس في المقهى..يدخنون السجائر الملفوفة
ويتبادلون النكات البذيئة..
يهزأون بالحكام والأمراء..ويضحكون كثيرا لأنهم
مساطيل..
وحين يهرمون وتتساقط أسنانهم من معاقرة الكحول
يكتبون مذكراتهم..
(11)
مونتجمري الآن يحتسي الشمبانيا..
أيها الجنرال
اضبط ساعتك على التوقيت المحلي للمدينة التي دمرها
الحرب
انتهى كل شيء..
بإمكانك أن تطوي خرائطك
وتعيد الحك والمنقلة إلى الحقيبة..وتعاقر هزائمك في
الحانة
كيف وصلت الحكاية إلى هذا الطريق..؟
والذباب يملأ أكياس التموين الفارغة
وخوذات الجنود فوق الأرصفة..
وكلما أطفأ روميل شمعته لينام
تعاوده الكوابيس ويحلم برأس أفعى تنام في جوربه..
أيها الجنرال
انتهى كل شيء
وعاد الجنود يحملون البرد في الأغطية
أظن أنك لن تضغط الزناد..
( قد عاد للحي السرور
وضجة الأطفال في الليل الأخير
وعاد محمود يبيع أرغفة الشعير
والثوم والتمر المجفف والمصبر والعطور )6
(12)
لدينا أيام كثيرة تنتظر الدفء والعصافير..
والقناديل التي تنوس ذبالاتها دون أن تنطفيء..
وكلما ترنم شادي الجبل7 ..
دخل البحر من النافذة
وتلاطمت أمواجه فوق ملاءة السرير..
صوته يظل عالقا بالجدران والستائر والوسادة..
(13)
حول تأسيس المدينة ورد في متن قديم :
كان ثمة عاصفة تتجول في البحر.. دفعت بقوارب صغيرة
تحمل رجالاً أشداء .. وعيونهم لامعة..
حملتهم إلى ربوة عند الشاطئ ..
هبط الرجال .. حملوا الحجارة .. ورصفوها بيوتاً .. وفي
كل ليلة كانوا يوقدون ناراً تهتدي إليها القوارب ....
تك....تك..تك..تك..
الساعة الرابعة بعد منتصف الليل .. و أنا لن أكمل
الحكاية .. سآوي إلى وسادتي المحشوة بالخرافات ..
و أحلم بمحبرة و أقلام و ورق وأشرعة و نوارس و أمواج و
طرابيش عثمانية و اسطانبول و روما و صلعة موسوليني و
شوارب عمانويل و قورينائية و برقة و اسواق و شوارع و
وجوه ..
تصبحون على خير.
******
الهامش :
1. اسم مدينة بنغازي في العهد اليوناني
2. من الحكايات الشعبية
3. شاعر من ليبيا
4. رواية للكاتب الليبي محمد الأصفر
5. بالإيطالية تعني الحكم بالإعدام
6. مقطع من قصيدة للشاعر الليبي المرحوم حسن صالح
7. مطرب شعبي ليبي راحل
|
 |
التعليقـــات ..... |
|